مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ

أضواء البيان للشنقيطي

Tafseer Not Available

أنوار التنزيل للبيضاوي


  "ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً" تصريح بمقتضى ما قرره من البرهان. "ولكن كان حنيفاً" مائلاً عن العقائد الزائغة. "مسلماً" منقاداً لله وليس المراد أنه كان على ملة الإسلام وإلا لاشترك الإلزام. "وما كان من المشركين" تعريض بأنهم مشركون لإشراكهم به عزيراً والمسيح ورد لادعاء المشركين أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام.


أيسر التفاسير للجزائري


{ قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } * { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } * { هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } * { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } * { إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ }

شرح الكلمات:

{ أهل الكتاب }: اليهود والنصارى لأن اليهود عندهم التوراة والنصارى عندهم الإنجيل.

{ إلى كلمة سواء }: الكلمة السَّواء هي العادلة وهي أن نعبد الله وحده لا شريك له ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله.

{ أرباباً }: الأرباب جمع ربّ وهو المألوه المطاع بغير طاعة الله تعالى.

{ فإن تولوا }: أعرضوا عن التوحيد.

{ اشهدوا }: اعلموا علم رؤية ومشاهدة بأنا مسلمون.

{ تحاجّون }: تجادلون بحجج باطلة.

{ يهودياً ولا نصرانياً }: لم يكن إبراهيم على ملة اليهود، ولا على ملة النصارى.

{ كان حنيفاً مسلماً }: مائلاً عن الملل الباطلة إلى ملة الحق وهي الإسلام.

{ أولى الناس بإبراهيم }: أحق بالنسبة إلى إبراهيم وموالاته الذي اتبعوه على التوحيد.

{ والله ولي المؤمنين }: متولي أمرهم وناصرهم.

معنى الآيات:

ما زال السياق في إبطال باطل أهل الكتابين إذ قال تعالى لرسوله قل لهم يا أهل الكتاب من يهود ونصارى تعالوا ارتفعوا من وهدة الباطل التي أنتم واقعون فيها الى كلمة سواء كلمة عدل نصف بيننا وهي أن نعبد الله وحده لا نشرك به سواه وأن لا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فيفرض طاعته على غيره ويلزمه بالسجود تعظيماً وتقديساً فإن أبوا عليك ذلك وتولوا عنه فقولوا أيها المؤمنون: اشهدوا أيها المتولون عن الحق بأنا مسلمون. وفي هذا تعريض بل تصريح بأن غيرهم ليسوا مسلمين.

هذا معنى الآية الأولى (64) أما الآية الثانية (65) فيأمر تعالى رسوله أيضاً أن يقول للمتولين عن الحق يا أهل الكتاب لم تحاجون في شأن إبراهيم وتدَّعي كل طائفة منكم أن إبراهيم كان على دينها مع أن اليهودية ما كانت إلا بعد نزول التوراة، والنصرانية ما كانت إلا بعد نزول الإِنجيل، وإبراهيم كان قبل نزول الكتابين بمئات السنين، ما لكم تقولون بما لا يقبل ولا يعقل أفلا تعقلون؟ ثم وبخهم بما هم أهله قائلا لم: اسمعوا يا هؤلاء أنتم جادلتم فيما لكم به علم فى شأن دينكم وكتابكم فلم تجادلوا فيما ليس لكم به علم في شأن إبراهيم وملته الحنيفية التي قامت على مَبْدءِ التوحيد وإخلاص العبادة الله وحد، والله يعلم بعد أن وبخهم فقال ما كان ابراهيم يهودياً ولا نصرانياً وإنما كان حنيفاً موّحداً مطيعاً لربه مسلماً له ولم يكن من المشركين. وبعد أن وبخ تعالى المجادلين لرسوله وكذبهم في دعواهم أن إبراهيم على دينهم قرر حقيقة كبرى ينبغي أن يعلموها ويقرّوا بها وهي أن أحق الناس بالنسبة الى إبراهيم والانتماء اليه هم الذين اتبعوه على ملة التوحيد وعبادة الله تعالى بما شرع وهذا النبي الكريم العظيم محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا معه واتبعوا الهدى الذي جاء به، والله تعالى وليّ المؤمنين، وعدو الكافرين المشركين.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

1- لا يَصْلُح حال البشرية ولا يستقيم أمره اإلا إذا أخذت بمبدأ: الكلمة السواء وهي أن تعبد ربها وحده لا تشرك به سواه، وأن لا يعلو بعضها على بعض تحت أيّ قانون أو شعار.

2- حجيّة التاريخ وبيان الحاجة إليه، إذ رد الله تعالى على أهل الكتاب في دعواهم أن إبراهيم كان على دينهم بأن التوراة والإِنجيل لم ينزلا الا بعد وفاته فكيف يكون يهودياً أو نصرانياً.

3- ذم من يجادل فيما لا علم له به، ولا شأن له فيه.

4- اليهودية كالنصرانية لم تكن دين الله تعالى، وإنما هما بدعتان لا غير.

5- المؤمنون بعضهم أولياء بعض وإن تناءت ديارهم وتباعدت أقطارهم والله وليّ المؤمنين.

إرشاد العقل السليم لأبي السعود

تفسير الآية (67):{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)}
{مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا} تصريحٌ بما نطَق به البرهانُ المقرِّر {وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا} أي مائلاً عن العقائد الزائغةِ كلِّها {مُسْلِمًا} أي منقاداً لله تعالى، وليس المرادُ أنه كان على مِلَّة الإسلامِ وإلا لاشترك الإلزامُ {وَمَا كَانَ مِنَ المشركين} تعريضٌ بأنهم مشركون بقولهم: عزيرٌ ابنُ الله والمسيحُ ابنُ الله وردٌّ لادعاء المشركين أنهم على ملة إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام. 

البحر المحيط لأبي حيّان

(ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين ) أعلم تعالى براءة إبراهيم من هذه الأديان ، وبدأ بانتفاء اليهودية ، لأن شريعة اليهود أقدم من شريعة النصارى ، وكرر ، لا ، لتأكيد النفي عن كل واحد من الدينين ، ثم استدرك ما كان عليه بقوله (ولكن كان حنيفاً مسلماً ) ووقعت لكن هنا أحسن موقعها ، إذ هي واقعة بين النقيضين بالنسبة إلى اعتقاد الحق والباطل .
 
ولما كان الكلام مع اليهود والنصارى ، كان الاستدارك بعد ذكر الانتفاء عن شريعتهما ، ثم نفى على سبيل التكميل للتبري من سائر الأديان كونه من المشركين ، وهم : عبدة الأصنام ، كالعرب الذين كانوا يدعون أنهم على دين إبراهيم ، وكالمجوس عبدة النار ، وكالصابئة عبدة الكواكب ، ولم ينص على تفصيلهم ، لأن الإشراك يجمعهم .
وقيل : أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به عزيراً والمسيح ، فتكون هذه الجملة توكيداً لما قبلها من قوله (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ) وجاء : من المشركين ، ولم يجىء : وما كان مشركاً ، فيناسب النفي قبله ، لأنها رأس آية .
وقال ابن عطية : نفى عنه اليهودية والنصرانية والإشراك الذي هو عبادة الأوثان؛ ودخل في ذلك الإشراك الذي تتضمنه اليهودية والنصرانية . وجاء ترتيب النفي على غاية الفصاحة ، نفي نفس الملل ، وقرر الحال الحسنة ، ثم نفي نفياً بين به أن تلك الملل فيها هذا الفساد الذي هو الشرك ، وهذا كما تقول : ما أخذت لك مالاً ، بل حفظته . وما كنت سارقاً ، فنفيت أقبح ما يكون في الأخذ . انتهى كلامه .
وتلخص بما تقدم أن قوله . (وما كان من المشركين ) ثلاثة أقوال : أحدها : أن المشركين عبدة الأصنام والنار والكواكب والثاني : أنهم اليهود والنصارى والثالث : عبدة الأوثان واليهود والنصارى .
وقال عبد الجبار : معنى (ما كان يهودياً ولا نصرانياً ) لم يكن على الدين الذي يدين به هؤلاء المحاجون ، ولكن كان على جهة الدين الذي يدين به المسلمون . وليس المراد أن شريعة موسى وعيسى لم تكن صحيحة .
وقال علي بن عيسى : لا يوصف إبراهيم بأنه كان يهودياً ولا نصرانياً لأنهما صفتا ذمّ لاختصاصهما بفرقتين ضالتين ، وهما طريقان محرّفان عن دين موسى وعيسى ، وكونه مسلماً لا يوجب أن يكون على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، بل كان على جهة الإسلام .
والحنيف : اسم لمن يستقبل في صلاته الكعبة ، ويحج إليها ، ويضحي ، ويختتن . ثم سمي من كان على دين إبراهيم حنيفاً . انتهى .
وفي حديث زيد بن عمرو بن نفيل : أنه خرج إلى الشام يسأل عن الدين ، وأنه لقي عالماً من اليهود ، ثم عالماً من النصارى ، فقال له اليهودي : لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله . وقال له النصراني : لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله . فقال زيد : ما أفرّ إلاَّ من غضب الله ، ومن لعنته . فهل تدلاني على دين ليس فيه هذا؟ قالا : ما نعلمه إلاَّ أن تكون حنيفاً . قال : وما الحنيف؟ قال : دين إبراهيم ، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ، وكان لا يعبد إلاَّ الله وحده ، فلم يزل رافعاً يديه إلى السماء .
 
وقال : اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم .
وقال الرازي ما ملخصه : إن النفي إن كان في الأصول ، فتكون في الموافقة ليهود زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونصاراه . لأنهم غيروا فقالوا : المسيح ابن الله ، وعزير ابن الله . لا في الأصول التي كان عليها اليهود والنصارى الذين كانوا على ما جاء به موسى وعيسى ، وجميع الأنبياء متوافقون في الأصول ، وإن كان في الفروع فلأن الله نسخ شريعة إبراهيم بشريعة موسى وعيسى ، وأما موافقته لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم فإن كان في الأصول فظاهر ، وإن كان في الفروع فتكون الموافقة في الأكثر ، وإن خالف في الأقل فلم يقدح في الموافقة .

البسيط للواحدي

67 - {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا} الآية. نزَّهه وبرأه من الدِّينَينِ، ووصفه بدين الإسلام.
واليهودية والنصرانية صفتا ذَمِّ، ما تعبَّد بهما قط؛ [لأنَّ موسى لم يكن يهوديا ] ، وعيسى لم يكن نصرانيًا، مع قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19].
فاليهودية مِلَّةٌ محرَّفة عن شريعة موسى، والنصرانية مِلَّةٌ مُحرَّفةٌ عن شريعة عيسى عليهما السلام.
فإن قيل: الله تعالى أخبر أن إبراهيم كان مُسْلِمًا، فهل كان إبراهيم على جميع ما نحن عليه من شريعة الإسلام؟ قيل: إنه كان مسلما، وإن كان على بعض شريعتنا؛ لأنَّ تلاوة القرآن واجبة في صلاتنا، ولم ينزل القرآن إلاَّ على نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، والدليل على أنه كان مسلما بإقامة بعض الشريعة: أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا مسلمين في الابتداء قبل استكمال الشريعة .

التحرير والتنوير لابن عاشور

نتيجة للاستدلال إذ قد تحَصحَص من الحجّة الماضية أنّ اليهودية والنصرانية غير الحنيفية، وأنّ موسى وعيسى، عليهما السلام، لم يخبرا بأنهما على الحنيفية، فأنتج أنّ إبراهيم لم يكن على حال اليهودية أو النصرانية؛ إذ لم يؤْثَر ذلك عن موسى ولا عيسى، عليهما السلام، فهذا سنده خلوّ كتبهم عن ادّعاء ذلك. وكيف تكون اليهودية أو النصرانية من الحنيفية مع خلوّها عن فريضة الحج، وقد جاء الإسلام بذكر فرضه لمن تمكن منه، ومما يؤيد هذا ما ذكره ابن عطية في تفسير قوله تعالى في هذه السورة: { لا نفرّق بينَ أحد منهم ونحن له مسلمون } [البقرة: 136] عن عكرمة قال: «لما نزلت الآية قال أهل الملل: «قد أسلمنا قبلك، ونحن المسلمون» فقال الله له: فحُجهم يا محمد وأنزل الله: { وللَّه على الناس حجّ البيت } [آل عمران: 97] الآية فحجّ المسلمون وقَعد الكفار». ثمّ تمم الله ذلك بقوله: وما كان من المشركين، فأبطلت دعاوي الفرق الثلاث.

والحنيف تقدم عند قوله تعالى : { قل بل ملّة إبراهيم حنيفاً } في سورة [البقرة:135].

وقولُه: {ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين} أفاد الاستدراكُ بعد نفي الضدّ حصرَا لحال إبراهيم فيما يوافق أصول الإسلام، ولذلك بُيِّن حنيفاً بقوله: {مسلماً} لأنهم يعرفون معنى الحنيفية ولا يؤمنون بالإسلام، فأعلمهم أنّ الإسلام هو الحنيفية، وقال: {وما كان من المشركين} فنفى عن إبراهيم موافقة اليهودية،. وموافقة النصرانية، وموافقة المشركين، وإنه كان مسلماً، فثبتت موافقته الإسلام، وقد تقدم - في سورة البقرة [135] في مواضع أنّ إبراهيم سأل أن يكون مسلماً، وأنّ الله أمره أن يكون مسلماً، وأنه كان حنيفاً، وأنّ الإسلام الذي جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي كان جاء به إبراهيم {وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} وكلّ ذلك لا يُبقي شكاً في أنّ الإسلام هو إسلام إبراهيم.

وَقد بينتُ آنفاً عند قوله تعالى : { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله } [آل عمران: 20] الأصولَ الداخلة تحت معنى {أسلمتُ وجهي لله} فلنفرضها في معنى قول إبراهيم: { إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض } [الأنعام: 79] فقد جاء إبراهيم بالتوحيد، وأعلنه إعلاناً لم يَترك للشرك مسلكاً إلى نفوس الغافلين، وأقام هيكلاً وهو الكعبة، أول بيت وضع للناس، - وفرض حَجّه على الناس: ارتباطاً بمغزاه، وأعلَن تمام العبودية لله تعالى بقوله: { ولا أخاف مَا تشركون به إلاّ أن يشاء ربّي شيئاً } [الأنعام: 80] وأخلص القول والعمل لله تعالى فقال: { وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم يُنزِّل به عليكم سلطاناً } [الأنعام: 81] وتَطَلّب الهُدى بقوله: { ربنا واجعلنا مسلمَيْنِ لك } [البقرة: 128] ــــــ { وأرنا مناسكنا وتُب علينا } [البقرة: 128] وكسر الأصنام بيده { فجعلهم جذاذاً } [الأنبياء: 58]، وأظهر الانقطاع لله بقوله: { الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين } [الشعراء: 78 ـــ 81]، وتصَدّى للاحتجاج على الوحدانية وصفات الله { قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب } [البقرة: 258] ــــــ { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه } [الأنعام: 83] ــــــ { وحاجهُ قومه } [الأنعام: 80].

وعطف قوله: {وما كان من المشركين} ليَيْأس مُشْرِكو العرب من أن يكونوا على ملّة إبراهيم، وحتى لا يتوهم متوهم أنّ القصر المستفاد من قوله: (ولكن حنيفاً مسلماً) قصرٌ إضافي بالنسبة لليهودية والنصرانية، حيث كان العرب يزعمون أنهم على ملّة إبراهيم لكنهم مشركون.

 

التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي

{مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً} ردّ على اليهود والنصارى {وَمَا كَانَ مِنَ المشركين} نفي للإشراك الذي هو عبادة الأوثان، ودخل في ذلك الإشراك الذي يتضمن دين اليهود والنصارى.

التفسير الميسّر

ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً, فلم تكن اليهودية ولا النصرانية إلا من بعده, ولكن كان متبعًا لأمر الله وطاعته, مستسلمًا لربه, وما كان من المشركين.

التفسير الوسيط لطنطاوي

ثم صرح - سبحانه - ببراءة إبراهيم من كل دين يخالف دين الإسلام فقال - تعالى - : { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } .
وقوله { حَنِيفاً } من الحنف وهو ميل عن الضلال إلى الاستقامة ، بعكس الجنف فهو ميل عن الاستقامة إلى الضلال ويقال : تحنف الرجل أى تحرى طريق الاستقامة .
أى : ما كان إبراهيم - عليه السلام - فى يوم من الأيام يهوديا كما قال اليهود ، ولا نصرانيا كما قال النصارى ولكنه كان حنيفا أى مائلا عن العقائد الزائفة متحريا طريق الاستقامة وكان " مسلما " أى مستسلما لله - تعالى - منقادا له مخلصا له العبادة { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } الذين يشركون مع الله آلهة أخرى بأن يقولوا إن الله ثالث ثلاثة ، أو يقولوا عزير ابن الله أو المسيح ابن الله أو غير ذلك من الأقوال الباطلة والأفعال الفاسدة .


 

ففى هذه الآية الكريمة تنويه بشأن إبراهيم ، وتعريض بأولئك الكافرين من أهل الكتاب الذين ادعوا أن إبراهيم كان يهودياً او نصرانياً بأنهم هم المشركون بخلاف إبراهيم فقد كان مبرأ من ذلك .
أخرج الإمام مسلم والترمذى وأبو داود عن أنس رضى الله عنه قال : " جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : يا خير البرية . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ذاك إبراهيم عليه السلام " " .

الدر المصون للسمين الحلبي

[آية رقم : 67]
قوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً} : بدأ باليهود لأن شريعتهم أقدمُ، وكَرَّر «لا» في قوله {وَلاَ نَصْرَانِيّاً} توكيداً وبياناً أنه كان مُنْتَفِياً عن كل واحد من الدينين على حدته. وقوله: {وَلَكِن} استدراك لِما كان عليه، ووقعت هنا أحسنَ موقع، إذ هي بين نقيضين بالنسبة إلى اعتقاد الحق والباطل، ولَمَّا كان الخطابُ مع اليهود والنصارى أتى بجملةِ نفي أخرى ليدُلَّ على أنه لم يكن على دينِ أحدٍ من المشركين كالعربِ عبدةِ الأوثان والمجوس عبدة الأوثان، والصابئة عبدةِ الكواكب، وبهذا يُطْرَحُ سؤالُ مَنْ قال: أيُّ فائدة في قوله: {وَمَا كَانَ مِنَ المشركين} بعد قولِه «ما كان يهودياً ولا نصرانياً» ؟ وأتى بخبر «كان» مجموعاً فقال: {وَمَا كَانَ مِنَ المشركين} لكونِه فاصلة، ولولا مراعاةُ ذلك لكانت المطابقةُ مطلوبةً بينه وبين ما استدرك عنه في قولِه: {يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً} فيتناسبُ النفيان.

الدر المنثور للسيوطي

وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: قالت اليهود: إبراهيم على ديننا. وقال النصارى: هو على ديننا. فأنزل الله {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً...} الآية. فأكذبهم وأدحض حجتهم.
وأخرج عن الربيع. مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: قال كعب وأصحابه ونفر من النصارى: إن إبراهيم منا، وموسى منا، والأنبياء منا. فقال الله {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً}.
وأخرج ابن جرير عن سالم بن عبدالله لا أراه إلا يحدثه عن أبيه: أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالماً من اليهود فسأله عن دينه وقال: إني لعلّي أن أدين دينكم فأخبرني عن دينكم؟ فقال له اليهودي: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً، فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ قال: ما أعلمه الا أن تكون حنيفاً. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، وكان لا يعبد إلا الله. فخرج من عنده فلقي عالماً من النصارى فسأله عن دينه؟ فقال: إنّي لعلّي أن أدين دينكم فأخبرني عن دينكم؟ قال: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله قال: لا أحتمل من لعنة الله شيئاً، ولا من غضب الله شيئاً أبداً فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ فقال له نحو ما قاله اليهودي: لا أعلمه إلا أن تكون حنيفاً. فخرج من عندهم وقد رضي بالذي أخبراه، والذي اتفقا عليه من شأن إبراهيم. فلم يزل رافعاً يديه ألى الله وقال: اللهم إني أشهدك اني على دين إبراهيم.

العذب النمير للشنقيطي

Tafseer Not Available

الكشاف للزمخشري

 ثم أعلمهم بأنه بريء من دينكم وما كان إلا {حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المشركين} كما لم يكن منكم. أو أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به عزيراً والمسيح.

المحرر الوجيز لابن عطية

[سورة آل عمران: آية 67].

(‏مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ‏(‏67‏).

أخبر الله تعالى في هذه الآية، عن حقيقة أمر إبراهيم، فنفى عنه اليهودية والنصرانية والإشراك الذي هو عبادة الأوثان، ودخل في ذلك الإشراك الذي تتضمنه اليهودية والنصرانية.

وجاء ترتيب النفي على غاية الفصاحة، نفى نفس الملل وقرر الحالة الحسنة، ثم نفى نفياً بين به أن تلك الملل فيها هذا الفساد الذي هو الشرك، وهذا كما تقول‏:‏ ما أخذت لك مالاً بل حفظته، وما كنت سارقاً، فنفيت أقبح ما يكون في الأخذ‏.

المنتخب لعلماء الأزهر

إن إبراهيم - عليه السلام - ما كان على دين اليهود ولا على دين النصارى ، ولكن كان منصرفاً عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق ، منقاداً لله ، مخلصاً فى طاعته ، وما كان من الذين يشركون مع الله غيره فى العبادة .

الوجيز للواحدي

ثمَّ بيَّن حاله فقال: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كان حنيفاً مسلماً} الآية

تفسير ابن أبي حاتم

قَولُهُ تَعَالَى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا
3648 - قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، أَنْبَأَ مُحَمَّدُ بْنُ مُزَاحِمٍ، ثنا بُكَيْرُ بْنُ مَعْرُوفٍ، عَنْ مُقَاتِلٍ قَالَ: قَالَ كَعْبٌ وَأَصْحَابُهُ وَنَفَرٌ مِنَ النَّصَارَى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ مِنَّا وَمُوسَى مِنَّا وَالأَنْبِيَاءَ مِنَّا، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا

3649 - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيُّ، ثنا عبد الله ابن أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ: قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: زَعَمُوا أَنَّهُ مَاتَ يَهُودِيًّا فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ وَأَدْحَضَ حُجَّتَهُمْ.

قَولُهُ تَعَالَى: وَلَكِنْ كان حنيفا
[الوجه الأول]

3650 - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَنِيفًا يَقُولُ: حَاجًّا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالضَّحَّاكِ، وَعَطِيَّةَ، وَالسُّدِّيِّ نَحْوُ ذَلِكَ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي:
3651 - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا قَبِيصَةُ، وَعِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ قَالا: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ حَنِيفًا قَالَ: مُتَّبَعًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ نَحْوُ ذَلِكَ.

وَالوجه الثَّالِثُ:
3652 - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، ثنا عثمان ابن صَالِحٍ، ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي صَخْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ حَنِيفًا قَالَ:
الْحَنِيفُ الْمُسْتَقِيمُ. قَالَ أَبُو صَخْرٍ عَنْ عِيسَى بْنِ جَارِيَةَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ مِثْلَهُ

وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ:
3653 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الأَحْمَسِيُّ، ثنا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، عَنْ أَبِي قُتَيْبَةَ النَّضْرِيِّ يَعْنِي نُعَيْمُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ فِي قَوْلِهِ: حَنِيفًا الْحَنِيفُ الَّذِي يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ:
3654 - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا النُّفَيْلِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ خُصَيْفٍ فِي قَوْلِهِ:
حَنِيفًا قَالَ: الْحَنِيفُ الْمُخْلِصُ.

قَولُهُ تَعَالَى: مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
3655 - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ قِرَاءَةً، أَخْبَرَنِي محمد ابْنُ شُعَيْبِ بْنُ شَابُورَ، أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ فِي قَوْلِهِ:
حَنِيفًا مُسْلِمًا مُخْلِصًا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِيَ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ نَحْوُ ذَلِكَ.

تفسير ابن العثيمين

Tafseer Not Available

تفسير ابن عرفة

قوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا ... (67)}
ابن عرفة: ظاهر هذا أنه تكرار وليس بتكرار، بأن ما تقدمه للاستدلال على بطلان مقالة اليهود والنصارى فيه أنه كان على دينهم، وذلك في قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ) إن هذا بعد كالنتيجة بعد المقدمتين.
قال ابن عطية: وجاء النفي في الآية على ترتيب حسن، بقاء نفس الملل، وقرر الحال الحسنة، ثم بين أن تلك الملل فيها الفساد، وهو الشرك.
ابن عرفة: لم يتضح نكته، الحسن في ترتب ذلك، وعادتهم يقررونه بأن دين اليهود والنصارى كلاهما له مزية في مطلق وصف اتباع نبي ودين الإسلام له المزية العظمى يوصف اتباع النبيين، ودين الشرك أقبح الأديان إذ لَا يستند له بوجه فأحرى بحجة وقدم غيره لاشتراكهما في مزية الاتباع، فإن قلت: هلا قيل: (وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا) كما قيل: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا)، والجواب: أن النسبة تشعر بالاتباع، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام كان دينه موافقا لدين محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه كان متبعا له؛ لأنه قبله.

تفسير ابن كثير

قال تعالى "ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما" أي متحنفا عن الشرك قاصدا إلى الإيمان "وما كان من المشركين" وهذه الآية كـالتي تقدمت في سورة البقرة "وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا" الآية. ثم قال تعالى "إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين" يقول تعالى: أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل الذين اتبعوه على دينه وهذا النبي يعني محمدا صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بعدهم. قال سعيد بن منصور حدثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليل ربي عز وجل".

تفسير الجلالين

67 - (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً) مائلاً عن الأديان كلها إلى الدين القيم (مسلماً) موحداً (وما كان من المشركين)

تفسير السعدي

[الآية رقم 67 ]
تفسير الآيات من 65الى 68 :ـ لما ادعى اليهود أن إبراهيم كان يهوديا، والنصارى أنه نصراني، وجادلوا على ذلك، رد تعالى محاجتهم ومجادلتهم من ثلاثة أوجه، أحدها: أن جدالهم في إبراهيم جدال في أمر ليس لهم به علم، فلا يمكن لهم ولا يسمح لهم أن يحتجوا ويجادلوا في أمر هم أجانب عنه وهم جادلوا في أحكام التوراة والإنجيل سواء أخطأوا أم أصابوا فليس معهم المحاجة في شأن إبراهيم، الوجه الثاني: أن اليهود ينتسبون إلى أحكام التوراة، والنصارى ينتسبون إلى أحكام الإنجيل، والتوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعد إبراهيم، فكيف ينسبون إبراهيم إليهم وهو قبلهم متقدم عليهم، فهل هذا يعقل؟! فلهذا قال { أفلا تعقلون } أي: فلو عقلتم ما تقولون لم تقولوا ذلك، الوجه الثالث: أن الله تعالى برأ خليله من اليهود والنصارى والمشركين، وجعله حنيفا مسلما، وجعل أولى الناس به من آمن به من أمته، وهذا النبي وهو محمد صلى الله على وسلم ومن آمن معه، فهم الذين اتبعوه وهم أولى به من غيرهم، والله تعالى وليهم وناصرهم ومؤيدهم، وأما من نبذ ملته وراء ظهره كاليهود والنصارى والمشركين، فليسوا من إبراهيم وليس منهم، ولا ينفعهم مجرد الانتساب الخالي من الصواب. وقد اشتملت هذه الآيات على النهي عن المحاجة والمجادلة بغير علم، وأن من تكلم بذلك فهو متكلم في أمر لا يمكن منه ولا يسمح له فيه، وفيها أيضا حث على علم التاريخ، وأنه طريق لرد كثير من الأقوال الباطلة والدعاوى التي تخالف ما علم من التاريخ

تفسير الشعراوي

وبذلك يتأكد أن إبراهيم عليه السلام لم يكن يهودياً، لأن اليهودية جاءت من بعده. ولم يكن إبراهيم نصرانياً، لأن النصرانية جاءت من بعده، لكنه وهو خليل الرحمن {كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} ونحن نفهم أن كلمة "حنيفاً" تعني الدين الصافي القادم من الله، والكلمة مأخوذة من المحسات، فالحنف هو ميل في الساقين من أسفل، أي اعوجاج في الرجلين، ثم نقل الحنف إلى كل أمر غير مستوٍ.
وهنا يتساءل الإنسان، هل كان إبراهيم عليه السلام في العوج أو في الاستقامة؟ وكيف يكون حنيفاً، والحنف عوج؟ وهنا نقول: إن إبراهيم عليه السلام كان على الاستقامة، ولكنه جاء على وثنية واعوجاج طاغ فالعالم كان معوجاً. وجاء إبراهيم ليخرج عن هذا العوج، وما دام منحرفاً عن العوج فهو مستقيم، لماذا؟ لأن الرسل لا يأتون إلا على فساد عقدي وتشريعي طاغ. والحق سبحانه وتعالى ساعة ينزل منهجه يجعل في كل نفس خلية إيمانية. والخلية الإيمانية تستيقظ مرة، فتلتزم، وتغفل مرة، فتنحرف، ثم يأتي الاستيقاظ بعد الانحراف، فيكون الانتباه، وهكذا توجد النفس اللوامة، تلك النفس التي تهمس للإنسان عند الفعل الخاطئ: أن الله لم يأمر بذلك.
ويعود الإنسان إلى منهج الله تائباً ومستغفراً، فإن لم توجد النفس اللوامة صارت النفس أمارة بالسوء، وهي التي تتجه دائماً إلى الانحراف، وحول النفس الواحدة توجد نفوس متعددة تحاول أن تقاوم وتقوّم المعوج، وهي نفوس من البيئة والمجتمع، فمرة يكون الاعتدال والاتجاه إلى الصواب بعد الخطأ قادماً من ذات الإنسان أي من النفس اللوامة، ومرة لا توجد النفس اللوامة، بل توجد النفس الأمارة بالسوء، لكن المجتمع الذي حول هذا الإنسان لا يخلو من أن يكون فيه خلية من الخير تهديه إلى الصواب، أما إذا كانت كل الخلايا في المجتمع قد أصبحت أمارة بالسوء فمن الذي يعدلها ويصوبها؟
هنا لابد أن يأتي الله برسول جديد، لأن الإنسان يفتقد الردع من ذاتية النفس بخلاياها الإيمانية، ويفتقد الردع من المجتمع الموجود لخلوه كذلك من تلك الخلايا الطيبة، وهكذا يطم الظلام ويعم، فيرسل الله رسولاً ليعيد شعلة الإيمان في النفوس. والله سبحانه وتعالى قد ضمن لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ألا يأتي لها نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا فمن الضروري أن يوجد فيها الخير ويبقى، فالخير يبقى في الذات المسلمة، فإذا كانت الغفلة فالنفس اللوامة تصوب، وإن كانت هناك نفس أمارة بالسوء فهناك قوم كثيرون مطمئنون يهدون النفس الأمارة إلى الصواب.
وهكذا لن تخلو أمة محمد في أي عصر من العصور من الخير، أما الأمم الأخرى السابقة فأمرها مختلف؛ فإن الله يرسل لهم الرسل عندما تنطفئ كل شموع الخير في النفوس، ويعم ظلام الفساد فتتدخل السماء، وحين تتدخل السماء يقال: إن السماء قد تدخلت على عوج لتعدله وتقومه.
إذن فإبراهيم عليه السلام جاء حنيفاً، أي مائلاً عن المائل، وما دام مائلاً عن المائل فهو مستقيم، فالحنفية السمحة هي الاستقامة. وهكذا نفهم قول الحق: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67].
إن إبراهيم هو أبو الأنبياء، ولو لم تكن اليهودية قد حُرفت وبدلت، وكذلك النصرانية لكان من المقبول أن يكون اليهود والنصارى على ملة إبراهيم؛ لأن الأديان لا تختلف في أصولها، ولكن قد تختلف في بعض التشريعات المناسبة للعصور، ولذلك فسيدنا إبراهيم عليه السلام لا يمكن أن يكون يهودياً باعتبار التحريف الذي حدث منهم، أي لا يكون موافقاً لهم في عقيدتهم، وكذلك لا يمكن أن يكون نصرانياً للأسباب نفسها، لكنه {كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67] أي أنه مائل عن طريق الاعوجاج.
قد يقول قائل: ولماذا لم يقل الله: "إن إبراهيم كان مستقيماً" ولماذا جاء بكلمة "حنيفاً" التي تدل على العوج؟ ونقول: لو قال: "مستقيماً" لظن بعض الناس أنه كان على طريقة أهل زمانه وقد كانوا في عوج وضلال ولهذا يصف الحق إبراهيم بأنه {كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً} [آل عمران: 67] وكلمة "مسلماً" تقتضي "مسلماً إليه" وهو الله، أي أنه أسلم زمامه إلى الله، ومُسْلَماً فيه وهو الإيمان بالمنهج.
وعندما أسلم إبراهيم زمامه إلى الله فقد أسلم في كل ما ورد بـ "افعل ولا تفعل" وإذا ما طبقنا هذا الاشتقاق على موكب الأنبياء والرسل فسنجد أن آدم عليه السلام كان مسلماً، ونوحاً عليه السلام كان مسلماً، وكل الأنبياء الذين سبقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين.
كان كل نبي ورسول من موكب الرسل يلقى زمامه في كل شيء إلى مُسْلَم إليه؛ وهو الله، ويطبق المنهج الذي نزل إليه، وبذلك كان الإسلام وصفاً لكل الأنبياء والمؤمنين بكتب سابقة، إلى أن نزل المنهج الكامل الذي اختُتمت به رسالة السماء على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ "افعل ولا تفعل" ولم يعد هناك أمر جديد يأتي، ولن يشرع أحد إسلاماً لله غير ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لقد اكتملت الغاية من الإسلام، ونزل المنهج بتمامه من الله. واستقر الإسلام كعقيدة مصفاة، وصار الإسلام علماً على الأمة المسلمة، أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهي التي لا يُستَدرك عليها لأنها أمة أسلمت لله في كل ما ورد ونزل على محمد صلى الله عليه وسلم. لذلك قال الحق:
{إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ ...}.

تفسير الطبري


القول في تأويل قوله :  مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) 

قال أبو جعفر: وهذا تكذيبٌ من الله عز وجل دعوَى الذين جادلوا في إبراهيم وملته من اليهود والنصارى، وادَّعوا أنه كان على ملتهم = وتبرئة لهم منه، وأنهم لدينه مخالفون = وقضاءٌ منه عز وجل لأهل الإسلام ولأمة محمد صلى الله عليه وسلم أنهم هم أهل دينه، وعلى منهاجه وشرائعه، دون سائر أهل الملل والأديان غيرهم.

يقول الله عز وجل: = ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا كان من المشركين، (48) الذين يعبدون الأصنامَ والأوثانَ أو مخلوقًا دون خالقه الذي هو إله الخلق وبارئهم =" ولكن كان حنيفًا "، يعني: متبعًا أمرَ الله وطاعته، مستقيمًا على محجَّة الهدى التي أمر بلزومها =" مسلمًا "، يعني: خاشعًا لله بقلبه، متذللا له بجوارحه، مذعنًا لما فَرَض عليه وألزمه من أحكامه. (49)

* * *

وقد بينا اختلاف أهل التأويل في معنى " الحنيف " فيما مضى، ودللنا على القول الذي هو أولى بالصحة من أقوالهم، بما أغنى عن إعادته. (50)

* * *

وبنحو ما قلنا في ذلك من التأويل قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

7211 - حدثني إسحاق بن شاهين الواسطي قال، حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، قال: قالت اليهود: إبراهيم على ديننا. وقالت النصارى: هو على ديننا. فأنـزل الله عز وجل: " ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا " الآية، فأكذبهم الله، وأدحض حجتهم - يعني: اليهودَ الذين ادّعوا أن إبراهيم ماتَ يهوديًّا. (51)

7212 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.

< 6-495 >
7213 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله - لا أراه إلا يحدثه عن أبيه -: أنّ زيد بن عمرو بن نفيل خرَج إلى الشام يسأل عن الدِّين، ويتبعه، فلقي عالمًا من اليهود، فسأله عن دينه، وقال: إني لعلِّي أنْ أدين دينكم، فأخبرني عن دينكم. فقال له اليهودي: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال زيد: ما أفرّ إلا من غضب الله، ولا أحمل من غَضب الله شيئًا أبدًا وأنا أستطيع. فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ (52) قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا! (53) قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يك يهوديًّا ولا نصرانيًّا، وكان لا يعبد إلا الله. فخرج من عنده فلقي عالمًا من النصارى، فسأله عن دينه فقال: إني لعلِّي أن أدين دينكم، فأخبرني عن دينكم. قال: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: لا أحتمل من لعنة الله شيئًا، ولا من غضب الله شيئًا أبدًا، وأنا أستطيع، (54) فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ فقال له نحوًا مما قاله اليهودي: لا أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. (55) فخرج من عنده، وقد رَضِي الذي أخبراه والذي اتفقا عليه من شأن إبراهيم، فلم يزل رافعًا يديه إلى الله وقال: (56) اللهم إني أشهِدك أني على دين إبراهيم. (57)

< 6-496 >
أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان قال، حدثنا محمد بن جرير الطبري:

-----------------

تفسير العز ابن عبد السلام

.

‏{‏مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏67‏)‏‏}‏

‏{‏مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ‏}‏ لما اجتمعت اليهود والنصارى عند الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت النصارى‏:‏ لم يكن إبراهيم إلا نصرانياً، وقالت اليهود‏:‏ لم يكن إلا يهودياً فنزلت‏.‏‏.‏‏.‏

تفسير القرطبي

نزهه تعالى من دعاويهم الكاذبة , وبين أنه كان على الحنيفية الإسلامية ولم يكن مشركا . والحنيف : الذي يوحد ويحج ويضحي ويختتن ويستقبل القبلة . وقد مضى في " البقرة " اشتقاقه . والمسلم في اللغة : المتذلل لأمر الله تعالى المنطاع له . وقد تقدم في " البقرة " معنى الإسلام مستوفى والحمد لله .

تفسير الماوردي

Tafseer Not Available

تفسير المراغي

[سورة آل عمران (3) : الآيات 64 الى 68]
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (65) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (66) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)

تفسير المفردات
أهل الكتاب: هم اليهود والنصارى، تعالوا: أي أقبلوا ووجهوا النظر إلى ما دعيتم إليه، وسواء: أي عدل وإنصاف من بعضنا لبعض، والإله: هو المعبود الذي يدعى حين الشدائد، ويقصد عند الحاجة اعتقادا بأنه وحده ذو السلطة الغيبية، والربّ: هو السيد المربى الذي يطاع فيما يأمر وينهى، ويراد به هنا ماله حق التشريع من تحريم وتحليل، مسلمون: أي منقادون لله مخلصون له، تحاجون: أي تجادلون، والحنيف:
المائل عن العقائد الزائفة، والمسلم: هو الموحد المخلص المطيع له.
المعنى الجملي
بعد أن بين سبحانه فيما سلف أحوال عيسى عليه السلام وما يعتوره من الأطوار المنافية للألوهية، ثم ذكر دعوته صلى الله عليه وسلم الناس إلى التوحيد والإسلام، وظهور عناد أهل الكتاب حتى اضطر إلى دعوتهم إلى المباهلة فأعرضوا، وبذلك انقطعت حججهم، ودل ذلك على أنهم ليسوا على يقين من اعتقاد ألوهية المسيح، ومن يفقد اليقين يتزلزل حينما يدعى إلى شىء مما يخاف عاقبته.
دعاهم هنا إلى أمر آخر هو أصل الدين وروحه الذي اتفقت عليه دعوة الأنبياء جميعا وهو سواء وعدل بين الفريقين لا يرجح فيه طرف على طرف، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فلما أعرضوا أمر بأن يقول لهم: اشهدوا بأنا مسلمون.

الإيضاح
(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ) أي قل: يا أهل الكتاب هلمّوا وانظروا في مقالة عادلة اتفقت عليها الرسل والكتب التي أنزلت إليهم، فقد أمرت بها التوراة والإنجيل والقرآن.
ثم بين هذه الكلمة فقال:
(أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي ألا نخضع إلا لإله له السلطة المطلقة في التشريع وله التحليل والتحريم، ولا نشرك به شيئا سواه، ولا يتخذ بعضا بعضا أربابا من دون الله.
وقد حوت هذه الآية وحدانية الألوهية في قوله- ألا نعبد إلا الله- ووحدانية الربوبية في قوله- ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله-.
وهذا القدر متفق عليه في جميع الأديان، فقد جاء إبراهيم بالتوحيد، وجاء به موسى، فقد ورد في التوراة قول الله له (إن الربّ إلهك، لا يكن لك آلهة أخرى أمامى، لا تصنع لك تمثالا منحوتا، ولا صورة ما مما في السماء من فوق، ومما
فى الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض، لا تسجد لهنّ ولا تعبدهنّ) وكذلك جاء عيسى بمثل هذا، ففى إنجيل يوحنا (وهذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته) وجاء خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم بمثل هذا «اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ» .
وخلاصة المعنى- أنا وأنتم نعتقد أن العالم من صنع إله واحد هو خالقه والمدبر له، وهو الذي يرسل إلينا أنبياءه ليبلغونا عنه ما يرضيه من العمل وما لا يرضيه فهلمّ بنا نتفق على إقامة هذه الأصول، ونرفض الشبهات التي تعرض لها، فإذا جاءكم عن المسيح شىء فيه (ابن لله) أوّلناه على وجه لا يخالف الأصل الذي اتفق عليه الأنبياء، لأننا لا نجد المسيح فسر هذا القول بأنه إله يعبد، ولا دعا إلى عبادته وعبادة أمه، بل كان يدعو إلى عبادة الله وحده والإخلاص له.
وقد كان اليهود موحدين، ولكن كان منبع شقوتهم اتباعهم لرؤساء الدين فيما يقررون من الأحكام، وجعله بمنزلة الأحكام المنزلة من عند الله، وسار النصارى على هذا المنوال، وزادوا مسألة غفران الخطايا، وهى مسألة كان لها أثر خطير فى المجتمع المسيحي حتى بلغ من أمرها أن ابتلعت الكنائس أكثر أموال الناس، فقامت طائفة جديدة تطلب الإصلاح وهى فرقة (البر وتستانت) وقالت دعونا من هؤلاء الأرباب وخذوا الدين من الكتاب ولا تشركوا معه شيئا سواه من قول فلان وفلان.
روى عدى بن حاتم قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقى صليب من ذهب، فقال يا عديّ اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» فقلت له: يا رسول الله لم يكونوا يعبدونهم، فقال: أما كانوا يحللون لكم ويحرّمون، فتأخذون بأقوالهم؟ قال نعم، فقال عليه السلام: هو ذاك» .
(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) أي فإن أعرضوا عن هذه الدعوة وأبوا إلا أن يعبدوا غير الله، واتخذوا الشركاء والوسطاء والأرباب الذين يحللون ويحرّمون، فقولوا لهم إنا منقادون لله مخلصون له لا نعبد أحدا سواه، ولا نتوجه إلى غيره نطلب منه النفع أو دفع الضر، ولا نحلّ إلا ما أحله الله، ولا نحرّم إلا ما حرمه الله.
وفي هذا حجة على أن مسائل الدين كالعبادات والتحريم والتحليل لا يؤخذ فيها إلا بقول النبي المعصوم لا بقول إمام مجتهد ولا فقيه قدير، وإلا كان ذلك إشراكا فى الربوبية، وخروجا من هداية القرآن التي دل عليها مثل قوله «أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ» وقوله «وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ» .
أما المسائل الدنيوية كالقضاء والسياسة فقد فوّض الله أمرها إلى أولى الحل والعقد وهم رجال الشورى، فما أمروا به وجب على حكام المسلمين أن ينفذوه ويعملوا به، وعلى الرعية أن يقبلوه.
وهذه الآية هى الأساس والأصل الذي دعا النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب إلى العمل به حين دعاهم إلى الإسلام كما ثبت ذلك في كتبه إلى هرقل والمقوقس وغيرهما.
أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: «اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فأنزل الله (يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ) الآية» .
(يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ) أي أيها اليهود والنصارى: لم تتنازعون وتتجادلون في إبراهيم ويدّعى كل منكم أنه على دينه؟.
(وقد كان إبراهيم موضع إجلال الفريقين لما في كتبهم من الثناء عليه في العهد العتيق والعهد الجديد كما كانت قريش تجلّه وتدّعى أنها على دينه) .
وهو لم يكن على شىء من تقاليدكم، بل كان على الإسلام الذي يدعو إليه محمد صلى الله عليه وسلم، وإلى هذا أشار بقوله:
(وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ؟) أي وما أنزلت التوراة على موسى، ولا الإنجيل على عيسى إلا من بعد إبراهيم بأحقاب طوال، وقد قالوا: إن بين إبراهيم وموسى سبعمائة سنة، وبين موسى وعيسى حوالى ألف سنة. أفلا تعقلون أن المتقدم على الشيء لا يمكن أن يكون تابعا له؟.
وخلاصة ذلك- أنه إذا كان الدين الحق لا يعدو التوراة كما يقول اليهود، ولا يتجاوز الإنجيل كما يقول النصارى، فكيف كان إبراهيم على الحق، واستوجب ثناءكم وثناء من قبلكم، والتوراة والإنجيل خلو من الإخبار بيهوديته ونصرانيته اللتين زعمتموها أليس عندكم عقل يردكم عن مثل هذه الدعوى، ويربأ بكم أن تقولوا ما لا سند له من كتاب ولا دليل عليه؟.
وفي هذا إيماء إلى جهلهم وحماقتهم في دعواهم هذه.
(ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) من أمر عيسى عليه السلام، وقد قامت عليكم الحجة، وتبين أن منكم من غلا وأفرط وادعى ألوهيته، ومنكم من فرّط وقال إنه دعىّ كذاب، ولم يكن علمكم بمانع لكم من الخطأ.
(فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ؟) من أمر إبراهيم إذ لا ذكر لدينه في كتبكم فمن أين أتاكم أنه كان يهوديا أو نصرانيّا، أليس من المعقول أن تتبعوا فيه ما أوحاه الله إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؟.
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) أي والله يعلم ما غاب عنكم ولم تشاهدوه، ولم تأتكم به الرسل من أمر إبراهيم وغيره مما تجادلون فيه، وأنتم لا تعلمون من ذلك إلا ما عاينتم وشاهدتم، أو أدركتم علمه بالسماع.
ثم صرّح بما فهم من قبل تلويحا فقال:
(ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً) أي إن اليهود
والنصارى الذين جادلوا في إبراهيم وملته وأنه كان على دينهم- كاذبون في دعواهم وأن الصادق فيها هم أهل الإسلام، فإنهم وحدهم أهل دينه وعلى منهاجه وشريعته دون سائر الملل الأخرى، إذ هو مطيع لله، مقيم على محجة الهدى التي أمر بلزومها، خاشع له بقلب متذلل، مذعن لما فرضه عليه وألزمه به.
(وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الذين يسمون أنفسهم الحنفاء ويدّعون أنهم على ملة إبراهيم، وهم قريش ومن سار على نهجهم من العرب.
وصفوة القول- إن إبراهيم الذي اتفق اليهود والنصارى والمشركون على إجلاله وتعظيمه- لم يكن على ملة أحد منهم، بل كان مائلا عما هم عليه من الوثنية، مسلما لله، مخلصا له.
ثم أكد ما سلف بقوله:
(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) معه: أي إن أحق الناس بإبراهيم ونصرته وولايته- هم الذين سلكوا طريقه ومنهاجه في عصره فوحدوا الله مخلصين له الدين، وكانوا حنفاء مسلمين غير مشركين، وهذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه، فإنهم أهل التوحيد الذي لا يشوبه اتخاذ الأولياء ولا التوسل بالشفعاء، المخلصون لله في أعمالهم دون شرك ولا رياء.
وهذا هو روح الإسلام والمقصود من الإيمان، ومن فاته ذلك فقد فاته الدين كله.
ثم ذكر أنهم مع نصرتهم لإبراهيم فالله ناصرهم فقال:
(وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) بالنصرة والتأييد، والتوفيق والتسديد فهو يتولى أمورهم ويصلح شئونهم، ويثيبهم بحسب تأثير الإسلام في قلوبهم، ويحازيهم بالحسنى وزيادة.

تفسير المنار

لما بين - جل شأنه - القصص الحق في شأن عيسى والمختلفين فيه وأقام الحجة العقلية على الغالبين فيه بجعله ربا وإلها، ثم ألزمهم من طريق الوجدان أو الضمير - كما يقال - بما دعاهم إلى المباهلة لم يبق إلا أن يأمر نبيه بأن يدعوهم إلى الحق الواجب اتباعه في الإيمان، وذلك قوله: {قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} الآية. قال الأستاذ الإمام: الكلام من أول السورة في إثبات نبوة النبي -صلى الله عليه وسلم- والرد على المنكرين، وقد ظهر بالدعوة إلى المباهلة انقطاع حجاج المكابرين، ودل نكولهم عنها على أنهم ليسوا على يقين من اعتقادهم ألوهية المسيح، وفاقد اليقين يتزلزل عندما يدعى إلى شيء يخاف عاقبته، فلما نكلوا دعاهم إلى أمر آخر هو أصل الدين وروحه الذي اتفقت عليه دعوة الأنبياء وهو سواء بين الفريقين أي عدل ووسط لا يرجح فيه طرف آخر، وقد فسره بقوله: {ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} أقول: المراد بهذا تقرير وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية، وكلاهما متفق عليه بين الأنبياء، فقد كان إبراهيم موحدا صرفا، وقد كان الأساس الأول لشريعة موسى قول الله له: " إن الرب إلهك لا يكن لك آلهة أخرى. أمامي لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما مما في السماء من فوق، ومما في الأرض من تحت، ومما في الماء من تحت الأرض، لا تسجد لهن ولا تعبدهن " وعلى هذا درج جميع أنبياء بني إسرائيل حتى المسيح - عليه وعليهم الصلاة والسلام - ، وهم لا يزالون ينقلون عنه في إنجيل يوحنا قوله: ((ير 17: 3)) " وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته " وغير ذاك من عبارات التوحيد، وكان يحتج على اليهود بعدم إقامتهم ناموس موسى (شريعته) وهو لم ينسخ من هذا الناموس إلا بعض الرسوم الظاهرة والتشديدات في المعاملة، أما الوصايا العشر - ورأسها التوحيد والنهي عن الشرك - فلم ينسخ منها شيئا. قال الأستاذ الإمام: المعنى أننا نحن وإياكم على اعتقاد أن العالم من صنع إله واحد، والتصرف فيه لإله واحد، وهو خالقه ومدبره وهو الذي يعرفنا على ألسنة أنبيائه ما يرضيه من العمل وما لا يرضيه. فتعالوا بنا نتفق على إقامة هذه الأصول المتفق عليها ورفض الشبهات التي تعرض لها، حتى إذا سلمنا أن فيما جاءكم من نبأ المسيح شيئا فيه لفظ ابن الله خرجناه جميعا على وجه لا ينقض الأصل الثابت العام الذي اتفق عليه الأنبياء. فإن سلمنا أن المسيح قال إنه ابن الله، قلنا: هل فسر هذا القول بأنه إله يعبد؟ وهل دعا إلى عبادته وعبادة أمه أم كان يدعو إلى عبادة الله وحده؟ لا شك أنكم متفقون معنا على أنه كان يدعو إلى عبادة الله وحده والإخلاص له بالتصريح الذي لا يقبل التأويل. وأقول: إن كلامه عن نفسه كان أكثره من باب الكناية أو المجاز، بل كان بعضه من قبيل المعميات والألغاز، حتى إن تلاميذه لم يكونوا يفهموه إلا بعد تفسيره، ولقد كان هذا التفسير يتأخر أحيانا إلى أمد بعيد، ولفظ " ابن الله " أطلق في كتب العهد العتيق على إسرائيل وغيره فهو مجاز قطعا. أما هذه النزعات الوثنية التي دخلت على الدين فقد دخلت بعده وليس لواضعيها سند من كلامه، وإنما يروجونها بأقيسة باطلة جرى عليها كثير من الوثنيين من قبل ومن بعد كقول مشركي العرب: { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } [الزمر: 3] وقولهم: { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } [يونس: 18]
قلنا: إن الآية قررت وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية، فأما وحدانية الألوهية فهي قوله: {ألا نعبد إلا الله} وأكده بقوله: {ولا نشرك به شيئا} والإله هو المعبود الذي توله العقول في معرفته وتدعوه وتصمد إليه لاعتقادها أن السلطة الغيبية له وحده، وأما وحدانية الربوبية فهي قوله: {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} فالرب: هو السيد المربي الذي يطاع فيما يأمر وينهى، والمراد هنا من له حق التشريع والتحليل والتحريم كما ورد في حديث عدي بن حاتم قال:
"أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي اطرح عنك هذا الوثن وسمعته يقرأ في سورة براءة {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] فقلت له: يا رسول الله لم يكونوا يعبدونهم، فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فيحرمون، ويحلون ما حرم الله فيحلون؟ فقلت: بلى" . وسئل حذيفة -رضي الله عنه- عن الآية؟ فأجاب بمثل ذلك. قال الأستاذ الإمام: كان اليهود موحدين ولكن كان عندهم شيء هو منبع شقائهم في كل حين، وهو اتباع رؤساء الدين فيما يقررونه وجعله بمنزلة الأحكام المنزلة من الله -تعالى-، وجرى النصارى على ذلك وزادوا مسألة غفران الخطايا، وهي مسألة تفاقم أمرها في بعض الأزمان حتى ابتلعت بها الكنائس أكثر أملاك الناس، ومن الغلو فيها ولدت مسألة البروتستانت إذ قاموا فقالوا: هلم بنا نترك هؤلاء الأرباب من دون الله ونأخذ الدين من كتابه لا نشرك معه في ذلك قول أحد.
قال -تعالى-: {فإن تولوا} وأعرضوا عن هذه الدعوة وأبوا إلا أن يعبدوا غير الله باتخاذ الشركاء الذين يسمونهم وسطاء وشفعاء واتخاذ الأرباب الذين يحلون لهم ويحرمون {فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} نعبد الله وحده مخلصين له الدين لا ندعو سواه ولا نتوجه إلى غيره في طلب نفع ولا دفع ضر، ولا نحل إلا ما أحله ولا نحرم إلا ما حرمه. قال الأستاذ الإمام: الآية حجة على أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ بقول أحد ما لم يسنده إلى المعصوم. أقول: يعني في مسائل الدين البحتة العبادات والحلال والحرام، أما المسائل الدنيوية كالقضاء والسياسة فهي مفوضة بأمر الله إلى أولي الأمر، وهم رجال الشورى من أهل الحل والعقد، فما يقررونه يجب على حكام المسلمين أن ينفذوه وعلى الرعية أن يقبلوه. فما جرى عليه المقلدون من المسلمين من الأخذ بآراء بعض الفقهاء في العبادات والحلال والحرام هو عين ما أنكره كتاب الله -تعالى- على أهل الكتاب، وجعله منافيا للإسلام، بل جعل مخالفتهم فيه هي عين الإسلام فليعتبر المعتبرون فإن هذه الآية أساس الدين المتين وأصله الأصيل؛ ولذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو بها أهل الكتاب إلى الإسلام كما ثبت في كتبه إلى هرقل والمقوقس وغيرهما. وهذا نص كتابه -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل عاهل الروم كما في رواية البخاري.
" بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا} الآية إلى آخرها ".
فلولا أن هذه الآية الكريمة أساس الدين وعموده لما جعلها آية الدعوة إلى الإسلام، فهل يعذر من يؤمن بها إذا هو أدخل فيها باجتهاده ما ليس منها فاتخذ له أندادا يدعوهم لكشف الضر وجلب النفع زاعما أنهم وسائط يقربونه إلى زلفى، ويشفعون له عنده في مصالح الدنيا، وهذا عين الإشراك في الألوهية بالاجتهاد الباطل، والقياس الفاسد الذي يشبه به الخبير العليم الرحمن الرحيم بالملوك الجاهلين والأمراء المستبدين، ولا اجتهاد في العقائد، ولا قياس في أصل الإيمان، أم هل يعذر من يؤمن بها إذا هو اتخذ لنفسه أربابا سماهم العلماء الراسخين، أو الأئمة المجتهدين، فجعل كلامهم حجة في الدين، وشرعا متبعا في التحليل والتحريم، وذلك عين الإشراك في الربوبية والخروج عن هداية الآية القرآنية المؤيدة بمثل قوله -تعالى-:
{ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } [الشورى: 20] وقوله: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } [النحل: 166] فالله -تعالى- قد حد الحدود وبين الحلال والحرام، وسكت عن أشياء رحمة بنا غير نسيان منه -عز وجل-، ونهانا نبيه أن نبحث عما سكت عنه وأن نزيد في الدين برأينا واجتهادنا، وإنما أباح لنا الاجتهاد لاستنباط ما تقوم به مصالحنا في الدنيا، فهذا هو هدي الآية وما يعقلها إلا العالمون.
روى ابن إسحاق بسنده المتكرر إلى ابن عباس قال: " اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فأنزل الله: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم} الآية. كذا في لباب النقول. وأقول: جاءت هذه الآية والآيتان بعدها في سياق دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام، وبيان أنه دين جميع أنبيائهم الذين يدينون بإجلالهم، وكان إبراهيم - عليه الصلاة والسلام وعلى آله - موضع إجلال الفريقين منهم لما في كتبهم من الثناء عليه في العهد العتيق والعهد الجديد، كما كانت قريش تجله وتدعي أنها على دينه، فأراد -تعالى- أن يبين لهم جميعا أن هذا النبي الكريم الذي كانوا يجلونه لم يكن على شيء من تقاليدهم، وإنما كان على الإسلام الذي يدعوهم هو إليه على لسان نبيه محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، فبدأ بالاحتجاج على أهل الكتاب بقوله: {وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده} أي فإذا كان الدين الحق لا يعدو التوراة كما تقولون أيها اليهود، أو لا يتجاوز الإنجيل كما تقولون أيها النصارى، فكيف كان إبراهيم على الحق واستوجب ثناءكم وثناء من قبلكم، {أفلا تعقلون} أن المتقدم على الشيء لا يمكن أن يكون تابعا له!! فإن خطر في بالك أيها القارئ أن هذا يرد على القرآن فاصبر نفسك معي إلى تفسير الآية الثالثة.
{ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم} ما، وهو خبر عيسى فقامت عليكم الحجة بأن منكم من غلا في الإفراط إذ قال: إنه إله، ومنكم من غلا في التفريط إذ قال: إنه دعي كذاب، ولم يكن علمكم القليل به عاصما لكم من الخطأ في الحكم عليه {فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} وهو كون إبراهيم يهوديا أو نصرانيا! أليس الواجب عليكم أن تتبعوا فيه ما يوحيه الله إلى عبده محمد -صلى الله عليه وسلم- {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} ثم بين -تعالى- ما يعلم من أمره فقال: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا} أي مائلا عن كل ما كان عليه أهل عصره من الشرك والضلال {مسلما} وجهه إلى الله -تعالى- وحده مخلصا له الدين والطاعة {وما كان من المشركين} الذين يسمون أنفسهم الحنفاء ويدعون أنهم على ملة إبراهيم وهم قريش ومن وافقهم من العرب. وهذا من الاحتراس فقد كان أهل الكتاب يدعون العرب بالحنفاء، حتى صار الحنيف عندهم بمعنى الوثني المشرك، فلما وافقهم القرآن على إطلاق لفظ الحنيف على إبراهيم مستعملا له بالمعنى اللغوي، احترس عما يوهمه الإطلاق من إرادة المعنى الاصطلاحي عندهم، فصار معنى الآية: أن إبراهيم المتفق على إجلاله وادعاء دينه عند أهل الملل الثلاث لم يكن على ملة أحد منهم، بل كان مائلا عن مثل ما هم عليه من الوثنية والتقاليد مسلما خالصا للهتعالى، وليس المراد بكونه مسلما أنه كان على مثل ما جاء به محمد - صلى الله عليهما وعلى آلهما وسلم - من الشريعة بالتفصيل، فإنه يرد على هذا أن هذه الشريعة جاءت من بعده كما كانت التوراة والإنجيل من بعده، وإنما المراد أنه كان متحققا بمعنى الإسلام الذي يدل عليه لفظه وهو التوحيد والإخلاص لله في عمل الخير كما بينا ذلك بالتفصيل في تفسير
{ إن الدين عند الله الإسلام } [آل عمران: 19] وهذا المعنى لا يستطيع أهل الكتاب إنكاره؛ فإن ما في كتبهم عن إبراهيم لا يعدوه وما كان النبي يدعوهم إلا إليه، وقد نسي أكثر المسلمين اليوم معنى الإسلام الذي يقرره القرآن، وجمدوا على المعنى الاصطلاحي له فجعلوه جنسية غافلين عن كونه هداية روحية، وما كان سلفهم الصالح كذلك.
{إن أولى الناس بإبراهيم} أي أجدرهم بولايته وأحراهم بموافقته {للذين اتبعوه} في عصره وأجابوا دعوته فاهتدوا بهديه {وهذا النبي والذين آمنوا} معه فإنهم أهل التوحيد المخلص الذي لا يشوبه اتخاذ الأولياء ولا التوسل بالوسطاء والشفعاء، وأهل الإخلاص في الأعمال الذي لا يبطله شرك ولا رياء، وهذا هو روح الإسلام والمقصود من الإيمان، فمن فاته فقد فاته الدين كله لا تغني عنه التقاليد والرسوم ولا تنفعه الوسطاء والأولياء
{ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم } [الشعراء: 88، 89] بأخذه بحقيقة الإسلام الذي شرع لتنقية القلوب وتزكية النفوس وإعداد الأرواح في الدنيا إلى الدرجات العلا في الأخرى {والله ولي المؤمنين} الذين لا يتوجهون إلى غيره في كشف ضر ولا طلب نفع فهو يتولى أمورهم ويصلح شئونهم، ويتولى إثابتهم على حسب تأثير الإسلام في قلوبهم ويزيدهم من فضله. فنسأله -تعالى- أن يجعلنا معهم في الدنيا والآخرة، ولا يجعلنا من أهل الجمود على التقاليد الظاهرة الغافلين عن روح الإسلام المفتونين باتخاذ الأولياء والأمراء هذا وليس عندنا في هذه الآيات شيء عن الأستاذ الإمام وما قلناه موافق لطريقته.

تفسير سفيان الثوري

Tafseer Not Available

تفسير عبد الرزاق الصنعاني

Tafseer Not Available

تفسير مجاهد

Tafseer Not Available

تفسير مقاتل بن سليمان

ثُمّ أخبر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فَقَالَ: مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً يعني حاجا مُسْلِماً يعني مخلصا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يعنى من اليهود ولا من النصارى.

تيسير التفسير للقطان

مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٦٧ إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٦٨

ان ابراهيم الذي اتفق اليهود والنصارى والمشركون على تعظيمه لم يكن على مّلة أحد مهنم:، بل كان مائلاً عن ذلك، مسلماً لله مخلصاً له، وما كان من المشركين.
اما أحق الناس بإبراهيم ونصرته وولايته فهم الذين أجابوا دعوته في زمنه فوحّدوا الله مخلصين، والنبي محمد والذين آمنوا معه، أهل التوحيد الخالص، وهو دين ابراهيم، واللهُ ناصرٌ المؤمنين بالتأييد والتوفيق.

جامع البيان للإيجي

(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانيًّا)، صرح بما دلت عليه الحجة، (وَلَكِن كان حَنِيفًا): مائلاً عن الباطل إلى الحق، (مُسْلِمًا): منقادًا لله (وَمَا كَانَ مِنَ الُمشْرِكِينَ) تعريض بهم لإشراكهم به عزيرًا والمسيح ورد على مشركي قريش في زعمهم أنَّهم على دين إبراهيم.

روح المعاني

{مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّا } كما قالت اليهود {وَلاَ نَصْرَانِيّا } كما قالت النصارى {وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا } أي مائلاً عن العقائد الزائغة {مُسْلِمًا } أي منقاداً لطاعة الحق، أو موحداً لأن الإسلام يرد بمعنى التوحيد أيضاً؛ قيل: وينصره قولهتعالى: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } أي عبدة الأصنام كالعرب الذي كانوا يدعون/ أنهم على دينه، أو سائر المشركين ليعم أيضاً عبدة النار كالمجوس، وعبدة الكواكب كالصابئة، وقيل: أراد بهم اليهود والنصارى لقول اليهود عزير ابن الله وقول النصارى المسيح ابن اللهتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وأصل الكلام وما كان منكم إلا أنه وضع المظهر موضع المضمر للتعريض بأنهم مشركون، والجملة حينئذ تأكيد لما قبلها، وتفسير الإسلام بما ذكر ـ هو ما اختاره جمع من المحققين وادعوا أنه لا يصح تفسيره هنا بالدين المحمدي لأنه يرد عليه أنه كان بعده بكثير فكيف يكون مسلماً؟ فيكون كادعائهم تهوده وتنصره المردود بقوله سبحانه: { وَمَا أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإْنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } [آل عمران: 65] فيرد عليه ما ورد عليهم، ويشترك الإلزام بينهما، وفسره بعضهم بذلك، وأجاب عن اشتراك الإلزام بأن القرآن أخبر بأن إبراهيم كان مسلماً وليس في التوراة والإنجيل أنه عليه الصلاة والسلام كان يهودياً أو نصرانياً فظهر الفرق.

قال العلامة النيسابوري: فإن قيل: قولكم: إن إبراهيم عليه السلام على دين الإسلام إن أردتم به الموافقة في الأصول فليس هذا مختصاً بدين الإسلام، وإن أردتم في الفروع لزم أن لا يكون نبينا صلى الله عليه وسلم صاحب شريعة بل مقرر لشرع من قبله. قيل: يختار الأول، والاختصاص ثابت لأن اليهود والنصارى مخالفون للأصول في زماننا لقولهم بالتثليث وإشراك عزير عليه السلام إلى غير ذلك، أو الثاني ولا يلزم ما ذكر لجواز أنهتعالى نسخ تلك الفروع بشرع موسى عليه السلام ثم نسخ نبينا صلى الله عليه وسلم شرع موسى بشريعته التي هي موافقة لشريعة إبراهيم صلوات اللهتعالى وسلامه عليه فيكون عليه الصلاة والسلام صاحب شريعة مع موافقة شرعه شرع إبراهيم في معظم الفروع انتهى.

ولا يخفى ما في الجواب على الاختيار الثاني من مزيد البعد، بل عدم الصحة لأن نسخ شريعة إبراهيم بشريعة موسى، ثم نسخ شريعة موسى بشريعة نبينا عليهم الصلاة والسلام الموافقة لشريعة إبراهيم لا يجعل نبينا صاحب شريعة جديدة بل يقال له أيضاً: إنه مقرر لشرع من قبله وهو إبراهيم عليه السلام، وأيضاً موافقة جميع فروع شريعتنا لجميع فروع شريعة إبراهيم مما لا يمكن بوجه أصلاً إذ من جملة فروع شريعتنا فرضية قراءة القرآن في الصلاة ولم ينزل على غير نبينا صلى الله عليه وسلم بالبديهة، ونحو ذلك كثير. وموافقة المعظم في حيز المنع ودون إثباتها الشم الراسيات، وقولهتعالى: { أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } [النحل: 123] ليس بالدليل على الموافقة في الفروع إذ الملة فيه عبارة عن التوحيد أو عنه وعن الأخلاق كالهدى في قولهتعالى: { أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } [الانعام: 90].

واعترض الشهاب على الجواب ـ على الاختيار الأول ـ بالبعد كاعتراضه على الجواب على الاختيار الثاني بمجرده أيضاً، وذكر أن ذلك سبب عدول بعض المحققين عما يقتضيه كلام هذا العلامة من أن المراد بكون إبراهيم مسلماً أنه على ملة الإسلام إلى أن المراد بذلك أنه منقاد بحمل الإسلام على المعنى اللغوي، وادعى أنه سالم من القدح، ونظر فيه ـ بأن أخذ الإسلام لغوياً لا يناسب بحث الأديان والكلام فيه ـ فلا يخلو هذا الوجه عن بعد، ولعله لا يقصر عما ادعاه من بعد الجواب الأول كما لا يخفى على صاحب الذوق السليم.

هذا وفي الآية وجه آخر ـ ولعله يخرج من بين فرث ودم ـ وهو أن أهل الكتاب لما تنازعوا فقالت اليهود إبراهيم منا، وقالت النصارى إنه منا أرادت كل طائفة أنه عليه السلام كان إذ ذاك على ما هو عليه الآن من الحال وهو حال مخالف لما عليه نبيهم في نفس الأمر موافق له زعماً على معنى موافقة الأصول للأصول،/ أو الموافقة فيما يعد في العرف موافقة ولو لم تكن في المعظم وليست هذه الدعوى من البطلان بحيث لا تخفى على أحد فرد اللهتعالى عليهم بقوله سبحانه: { وَمَا أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإْنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } [آل عمران: 65] أي وليسا مشتملين على ذلك وهو من الحري بالذكر لو كان، ثم أشار سبحانه إلى ما هم عليه من الحماقة على وجه أتم، ثم صرح سبحانه بما أشار أولاً فقال: {مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّا } أي من الطائفة اليهودية المخالفة لما جاء به موسى عليه السلام في نفس الأمر {وَلاَ نَصْرَانِيّا } أي من الطائفة النصرانية المخالفة لما جاء به عيسى عليه السلام كذلك {وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا } أي على دين الإسلام الذي ليس عند الله دين مرضي سواه وهو دين جميع الأنبياء صلوات اللهتعالى وسلامه عليهم، وفي ذلك إشارة إلى أن أولئك اليهود والنصارى ليسوا من الدين في شيء لمخالفتهم في نفس الأمر لما عليه النبيان بل الأنبياء، ثم أشار إلى سبب ذلك بما عرّض به من قوله سبحانه: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } فعلى هذا يكون المسلم ـ كما قال الجصاص، وأشرنا إليه فيما مرّ مراراً ـ المؤمن ولو من غير هذه الأمة خلافاً للسيوطي في زعمه أن الإسلام مخصوص بهذه الأمة ـ هذا ما عندي في هذا المقام ـ فتدبر فلمسلك الذهن اتساع.

زاد المسير لابن الجوزي

Tafseer Not Available

زهرة التفاسير لأبي زهرة

(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا) وفي هذا النص القرآني الكريم نفي لوصف اليهودية والنصرانية عن خليل الله تعالى، ومرمى النص هو براءته منهم، وفي نفي الوصف على ذلك النحو توكيد لهذه البراءة، وتثبيت لهذه النزاهة؛ إذ إن المؤدى أنه لو كانت اليهودية أو النصرانية على ما هما عليه تنتمي إلى إبراهيم عليه السلام لكان متصفا بهما، وهو قد نزهه ربه عن أن يتصف بما عليه اليهود من ضلال؛ فنفَى وصف اليهودية عنه عليه السلام تضمن براءته منهم، وفيه التعريض بما فيهما من ضلال لَا يليق أن يلصق بنبي من أنبياء الله، والتنويه بشأن إبراهيم من أن يكون في مثل حمأة اليهود والنصارى الذين عاصروا النبي - صلى الله عليه وسلم -.وقد ذكر سبحانه على سبيل الاستدراك وصفه الحقيقي، ودينه الحق فقال تعالى: (وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).فقد ذكر سبحانه في وصفه الحقيقي ثلاثة أوصاف تتنافى كلها تمام التنافي مع ما عند اليهود والنصارى، وهذه الأوصاف هي أنه: حنيف، ومسلم، وما كان من المشركين.والوصف الأول وهو حنيف معناه: الميل إلى الحق وطلبه، والاتجاه إليه، وتحريه والاستقامة في الوصول إليه؛ ولقد قال الأصفهاني في مفرداته: " الحَنفُ ميل عن الضلال إلى الاستقامة، والجنف ميل عن الاستقامة إلى الضلال. والحنيف هو المائل إلى ذلك، قال عز رجل: ( ... قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا. . .)، وقال: (حَنِيفًا مُّسْلِمًا) وجمعه حنفاء؛ قال عز وجل:(وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ)، وتحنف فلان أي تحري طريق الاستقامة ".ووصفُه عليه السلام بأنه حنيف يطلب الحق مستقيما في طلبه فيه بيان منافاة أخلاق اليهود والنصارى لأخلاقه وهديه، فهم لَا يطلبون الحق لذات الحق، ولكن يطلبون هوى أنفسهم، فإن يكن الحق لهم يأتوا إليه مذعنين، وإن يكن الحق عليهم أعرضوا عنه وذلك لمرض قلوبهم.والوصف الثاني من أوصاف إبراهيم خليل الله أنه مسلم، والإسلام هو الإخلاص لذات الله، والمحبة والانصراف إليه سبحانه وتعالى، حتى لَا يعمر القلب بغير نوره، وهذا أيضا وصف منافٍ لما كان عليه اليهود والنَّصارى، فإلههم هواهم، ومحبتهم لأنفسهم لَا لله، وإنما هي أعراض الدنيا أركست نفوسهم، وأغلقت دون نور الله قلوبهم.والوصف الثالث: وصف سلبي، وهو أنه كان غير مشرك، وقد نفَى الله سبحانه وتعالى عن خليله وصف الشرك بهذه الصيغة الجامعة فقال: (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْركِينَ) ولم يقل " وما كان مشركا " لأنها تتضمن نفي الإشراك كله وشوائبه عن إبراهيم عليه السلام، فإن المشركين أصناف وألوان، فمنهم من يعبد الأوثان، ومنهم من يجعل لله ابنا يعبد، ومنهم من يجعل الله ثالث ثلاثة، ومنهم من يتخذون أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، ومنهم من يتخذون وساطة بين العبد والرب، وهكذا، فما كان إبراهيم من أي صنف من هذه الأصناف. وفي ذكر هذه الصيغة السامية في نفي الشرك عن إبراهيم تعريض بين حالهم وما هم عليه من الشرك الظاهر، فكيف يدعون الانتساب لإبراهيم عليه السلام، وهم على ما هم من الشرك، إنما الذين يعدون أولى الناس هم من قال الله فيهم:* * *

صفوة التفاسير للصابوني

[الآيات : 64 إلى 74]
المناسَبَة: لما أقام القرآن الحجة على النصارى وأبطل دعواهم في شأن ألوهية المسيح، دعا الفريقين اليهود والنصارى إِلى التوحيد، والاقتداء بأبي الأنبياء إِبراهيم عليه السلام، إِذ كانت ملته الحنيفية السمحة وهي ملة الإِسلام، ولم يكن يهودياً ولا نصرانياً كما زعم كل من الفريقين، ثم بيّن أن أحق الناس بالانتساب إِلى إِبراهيم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأمته.
اللغَة: {سَوَآءٍ} السَّواء: العدل والنَّصف قال أبو عبيدة: يقال قد دعاك إِلى السَّواء فاقبل منه قال زهير:
أروني خطةً لا ضيم فيها ... يُسوّى بيننا فيها السَّواء
{أَوْلَى} أحقُّ {وَدَّت} تمنت {تَلْبِسُونَ} اللِّبَس: الخلط يقال: لَبس الأمرُ عليه إِذا اشتبه واختلط {وَجْهَ النهار} أوله سميّ وجهاً لأن أول ما يواجه من النهار أوله قال الشاعر:
من كانَ مسروراً بمقتل مالك ... فليأْتِ نِسوتنا بوجهِ نهار
سَبَبُ النّزول: روي عن ابن عباس أن أحبار اليهود ونصارى نجران اجتمعوا عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فتنازعوا في إِبراهيم فقالت اليهود: ما كان إِلا يهودياً، وقالت النصارى: ما كان إِلا نصرانياً فأنزل الله {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً} الآية.
التفِسير: {قُلْ ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} أي قل لهم يا معشر اليهود والنصارى هلموا إِلى كلمة عادلة مستقيمة فيها إِنصاف من بعضنا لبعض {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} أي أن نفرد الله وحده بالعبادة ولا نجعل له شريكاً {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله} أي لا يعبد بعضنا بعضاً كما عبد اليهود والنصارى عزيراً وعيسى، وأطاعوا الأحبار والرهبان فيما أحلوا لهم وحرّموا، روي أن الآية لمّا نزلت قال عدي بن حاتم ما كنا نعبدهم يا رسول الله، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أما كانوا يحلّون لكم ويحرّمون فتأخذون بقولهم؟ فقال: نعم فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} أي فإِن أعرضوا عن التوحيد ورفضوا قبول تلك الدعوة العادلة فقولوا أنتم اشهدوا يا معشر أهل الكتاب بأننا موحّدون مسلمون، مقرّون لله بالوحدانية مخلصون له العبادة {ياأهل الكتاب لِمَ تُحَآجُّونَ في إِبْرَاهِيمَ} أي يا معشر اليهود والنصارى لم تجادلون وتنازعون في إِبراهيم وتزعمون أنه على دينكم {وَمَآ أُنزِلَتِ التوراة والإنجيل إِلاَّ مِن بَعْدِهِ} أي والحال أنه ما حدثت هذه الأديان إِلا من بعده بقرونٍ كثيرة فكيف يكون من أهلها؟ {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} بطلان قولكم؟ فقد كان بين إِبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى ألفا سنة فكيف يقول بذلك عاقل؟ والاستفهام للتوبيخ {هاأنتم هؤلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ} أي ها أنتم يا معشر اليهود والنصارى جادلتم وخاصمتم في شأن عيسى وقد عشتم زمانه فزعمتم ما زعمتموه {فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} أي فلم تخاصمون وتجادلون في شأن إِبراهيم ودينه وتنسبونه إِلى اليهودية أو النصرانية بدون علم؟ أفليست هذه سفاهة وحماقة؟ {والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي والله يعلم الحقَّ من أمر إِبراهيم وأنتم لا تعلمون ذلك، قال أبو حيان: وهذا استدعاء لهم أن يسمعوا كما تقول لمن تخبره بشيء لا يعلمه: اسمع فإِني أعلم ما لا تعلم ثم أكذبهم الله تعالى في دعوى إِبراهيم فقال {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً} أي ما كان إِبراهيم على دين اليهودية ولا على دين النصرانية، فإِن اليهودية ملة محرّفة عن شرع موسى، وكذلك النصرانية ملة محرفة عن شرع عيسى {وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً} أي مائلاً عن الأديان كلها إِلى الدين القيم {وَمَا كَانَ مِنَ المشركين} أي كان مسلماً ولم يكن مشركاً، وفيه تعريض بأنهم مشركون في قولهم عزير بن الله، والمسيح بن الله، وردًّ لدعوى المشركين أنهم على ملة إِبراهيم {إِنَّ أَوْلَى الناس بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتبعوه} أي أحق الناس بالانتساب إِلى إِبراهيم أتباعه الذين سلكوا طريقه ومنهاجه في عصره وبعده {وهذا النبي} أي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ {والذين آمَنُواْ} أي المؤمنون من أمة محمد فهم الجديرون بأن يقولوا نحن على دينه لا أنتم {والله وَلِيُّ المؤمنين} أي حافظهم وناصرهم.
. ولما دعا اليهود بعض الصحابة إِلى اليهودية نزل قوله {وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} أي تمنَّوا إِضلالكم بالرجوع إِلى دينهم حسداً وبغياً {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} أي لا يعود وبال ذلك إِلا عليهم إِذ يُضاعف به عذابهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي ما يفطنون لذلك، ثم وبّخهم القرآن على فعلهم القبيح فقال {ياأهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله} أي بالقرآن المنزل على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} أي تعلمون أنه حق {ياأهل الكتاب لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل} أي لم تخلطون بين الحق والباطل بإلقاء الشُّبَه والتحريف والتبديل؟ {وَتَكْتُمُونَ الحق وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأنتم تعلمون ذلك، ثم حكى تعالى نوعاً آخر من مكرهم وخبثهم، وهو أن يظهروا الإِسلام في أول النهار ثم يرتدوا عنه في آخره ليشككوا الناس في دين الإِسلام فقال {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَجْهَ النهار} قال ابن كثير: وهذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم، وهو أنهم تشاوروا بينهم أن يظهروا الإِيمان أول النهار ويصلّوا مع المسلمين فإِذا جاء آخر النهار ارتدوا إِلى دينهم ليقول الجهلة من الناس إِنما ردهم إِلى دينهم اطلاعهم على نقيصةٍ وعيبٍ في دين المسلمين {واكفروا آخِرَهُ} أي اكفروا بالإِسلام آخر النهار {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي لعلهم يشكّون في دينهم فيرجعون عنه {وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} هذا من تتمة كلام اليهود حكاه الله عنهم والمعنى: لا تصدقوا ولا تظهروا سرّكم وتطمئنوا لأحدٍ إِلا إِذا كان على دينكم {قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله} أي قل لهم يا محمد الهدى ليس بأيديكم وإِنما الهدى هدى الله، يهدي من يشاء إِلى الإِيمان ويثبته عليه كما هدى المؤمنين، والجملة اعتراضية، ثم ذكر تعالى بعد ذلك الاعتراض بقية كلام اليهود فقال {أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ} أي يقول اليهود بعضهم لبعض: لا تصدّقوا إِلا لمن تبع دينكم، وانظروا فيمن ادعى النوبة فإِن كان متبعاً لدينكم فصدقوه وإِلا فكذبوه، ولا تقروا ولا تعترفوا لأحدٍ بالنبوة إِلا إِذا كان على دينكم، خشية أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم وخشية أن يحاجوكم به عند ربكم، فإِذا أقررتم بنبوة محمد ولم تدخلوا في دينه تكون له الحجة عليكم يوم القيامة، وغرضهم نفي النبوة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ {قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} أي قل لهم يا محمد أمر النبوة ليس إِليكم وإِنما هو بيد الله والفضل والخير كله بيد الله يؤتيه من يشاء {والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي كثير العطاء واسع الإِنعام يعلم من هو أهل له {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} أي يختص بالنبوة من شاء {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} أي فضله واسع عظيم لا يُحدُّوا ولا يُمنع.
البَلاََغَة: جمعت هذه الآيات من ضروب الفصاحة والبلاغة ما يأتي: المجازُ في قوله {إلى كَلِمَةٍ} حيث أطلق اسم الواحد على الجمع، والتشبيه في قوله {أَرْبَاباً} حيث شبّه طاعتهم لرؤساء الدين في أمر التحليل بالربّ المستحق للعبادة، والطباق في قوله {الحق بالباطل} والجناس التام في قوله {يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ} وجناس الاشتقاق في {أَوْلَى} و {وَلِيُّ} والتكرار في عدة مواطن، والحذف في عدة مواطن.
فَأئِدَة: كتب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كتاباً إِلى هرقل ملك الروم يدعوه فيه إِلى الإِسلام واستشهد فيه بالآية الكريمة التي فيها إِخلاص الدعوة لعبادة الله وحده، ونصُّ الكتاب كما هو في صحيح مسلم بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إِلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على من اتَّبع الهدى أما بعد: فإِني أدعوك بدعاية الإِسلام، أسلمْ تسْلَم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإِن توليت فإِن عليك إِثم الأريسيين يعني الفلاحين والخدم {قُلْ ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} .

فتح البيان لصديق حسن خان

[آية رقم :67]
(ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً) يعني مائلاً عن الأديان كلها إلى الدين المستقيم وهو الإسلام، وقيل الحنيف الذي يوحد ويختتن ويضحي ويستقبل الكعبة في صلاته وهو أحسن الأديان وأسهلها وأحبها إلى الله عز وجل. قال الشعبي: أكذبهم الله وأدحض حجتهم في هذه الآية (وما كان من المشركين) فيه تعريض بكون النصارى مشركين لقولهم بأن المسيح ابن الله، وكذلك اليهود حيث قالوا عزيز ابن الله.

فتح القدير للشوكاني

67- "ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين" وقد تقدم تفسير الحنيف.

محاسن التأويل للقاسمي

{ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً } أي: كما ادعى اليهود: { وَلاَ نَصْرَانِيّاً } كما ادعى النصارى: { وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً } سبق معنى الحنيف عند قولهتعالى: { بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً } في البقرة: { وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [البقرة: 135] تعريض بأنهم مشركون بقولهم: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، ورد لادعاء المشركين أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام.

مدارك التنزيل للنسفي

ثم أعلمهم بأنه بريء من دينهم فقال ( مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المشركين ) كأنه أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به عزيراً والمسيح ، أو ما كان من المشركين كما لم يكن منهم .

مراح لبيد للجاوي


 {مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا} أي ليس إبراهيم على دين اليهود ولا على دين النصارى {وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا} أي مائلاً عن الأديان الباطلة كلها {مُّسْلِمًا} أي على ملة التوحيد لا على ملة الإسلام الحادثة {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} وهذا تعريض بكون اليهود والنصارى مشركين بقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله، ورد على المشركين في ادعائهم أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام.

معالم التنزيل للبغوي

ثم برأ الله تعالى إبراهيم مما قالوا : فقال:
"ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين" والحنيف: المائل عن الأديان كلها إلى الدين المستقيم ن وقيل: الحنيف: الذي يوحد ويحج ويضحي ويختن ويستقبل الكعبة . وهو أسهل الأديان وأحبها إلى الله عز وجل.

مفاتيح الغيب للرازي

الآية رقم 67
ثم بين تعالى ذلك مفصلا فقال: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا} فكذبهم فيما ادعوه من موافقة لهما. ثم قال: {ولكن كان حنيفا مسلما} وقد سبق تفسير الحنيف في سورة البقرة. ثم قال: {وما كان من المشركين} وهو تعريض بكون النصارى مشركين في قولهم بإلهية المسيح وبكون اليهود مشركين في قولهم بالتشبيه. فإن قيل: قولكم إبراهيم على دين الإسلام أتريدون به الموافقة في الأصول أو في الفروع؟ فإن كان الأول لم يكن مختصا بدين الإسلام بل نقطع بأن إبراهيم أيضا على دين اليهود، أعني ذلك الدين الذي جاء به موسى، فكان أيضا على دين النصارى، أعني تلك النصرانية التي جاء بها عيسى فإن أديان الأنبياء لا يجوز أن تكون مختلفة في الأصول، وإن أردتم به الموافقة في الفروع، فلزم أن لا يكون محمد عليه السلام صاحب الشرع البتة، بل كان كالمقرر لدين غيره وأيضا من المعلوم كالضرورة أن التعبد بالقرآن ما كان موجودا في زمان إبراهيم عليه السلام فتلاوة القرآن مشروعة في صلاتنا وغير مشروعة في صلاتهم. قلنا: جاز أن يكون المراد به الموافقة في الأصول والغرض منه بيان إنه ما كان موافقا في أصول الدين لمذهب هؤلاء الذين هم اليهود والنصارى في زماننا هذا، وجاز أيضا أن يقال المراد به الفروع وذلك لأن الله نسخ تلك الفروع بشرع موسى، ثم في زمن محمد صلى الله عليه وسلم نسخ شرع موسى عليه السلام الشريعة التي كانت ثابتة في زمن إبراهيم عليه السلام وعلى هذا التقدير يكون محمد عليه السلام صاحب الشريعة ثم لما كان غالب شرع محمد عليه السلام موافقا لشرع إبراهيم عليه السلام، فلو وقعت المخالفة في القليل لم يقدح ذلك في حصول الموافقة.

نظم الدرر للبقاعي

ولما وبخهم على ذلك من جهلهم نفيى سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما ادعاه عليه كل منهم طبق ما برهنت عليه الآية الأولى، ونفى عنه كل شرك أيضاً، وأثبت أنه كان مائلاً عن كل باطل منقاداً مع الدليل إلى كل حق بقوله سبحانه وتعالى: {ما كان إبراهيم يهودياً} أي كما ادعى اليهود {ولا نصرانياً} كما ادعى النصارى - لما تقدم من الدليل {ولكن كان حنيفاً مسلماً} وقد بين معنى الحنيف عند قوله تعالى: {قل بل ملة إبراهيم حنيفاً} [البقرة: 135] بما يصدق على المسلم، وقال الإمام العارف ولي الدين الملوي في كتابه حصن النفوس في السؤال في القبر: واليهودي أصله من آمن بموسى عليه الصلاة والسلام والتزم أحكام التوراة، والنصراني من آمن بعيسى عليه الصلاة والسلام والتزم أحكام الإنجيل، ثم صار اليهودي من كفر بما أنزل بعد موسى عليه الصلاة والسلام، والنصراني من كفر بما أنزل بعد عيسى عليه الصلاة والسلام، والحنيف المائل عن كل دين باطل، والمسلمالمطيع لأوامر الله سبحانه وتعالى في أي كتاب أنزلت مع أي رسول أوردت، وإن شئت قلت: هو المنقاد لله سبحانه وتعالى وحده بقلبه ولسانه وجميع جوارحه المخلص عمله لله عزّ وجلّ، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن قال له: قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك «قل: آمنت بالله ثم استقم» انتهى. ثم خص بالنفي من عرفوا بالشرك مع الصلاح لكل من داخله شرك من غيرهم كمن أشرك بعزير والمسيح عليهما الصلاة والسلام فقال: {وما كان من المشركين *} وفي ذكر وصفي الإسلام والحنف تعريض لهم بأنهم في غاية العناد والجلافة واليبس في التمسك بالمألوفات وترك ما أتاهم من واضح الأدلة وقاطع الحجج البينات.