بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

أضواء البيان للشنقيطي

Tafseer Not Available

أنوار التنزيل للبيضاوي

Tafseer Not Available

أيسر التفاسير للجزائري

Tafseer Not Available

إرشاد العقل السليم لأبي السعود

تفسير الآية رقم (1):{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)}
{بِسْمِ الله الرَّحَمنِ الرَّحَيمِ}
اختلف الأئمة في شأن التسمية في أوائل السور الكريمة فقيل: إنها ليست من القرآن أصلاً، وهو قولُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه ومذهبُ مالك، والمشهورُ من مذهب قدماء الحنفية، وعليه قرّاءُ المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها. وقيل: إنها آية مفردة من القرآن أنزلت للفصل والتبرك بها وهو الصحيحُ من مذهب الحنفية، وقيل: هي آية تامة من كل سورة صُدِّرت بها، وهو قولُ ابن عباس وقد نُسب إلى ابن عمر أيضاً رضي الله عنهم، وعليه يُحمل إطلاقُ عبارة ابن الجوزي في زاد المسير حيث قال: روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنها أنزلت مع كل سورة، وهو أيضاً مذهبُ سعيد بنِ جبيرٍ والزُّهري وعطاءٍ وعبدِ اللّه بن المبارك، وعليه قُرَّاءُ مكَّة والكوفةِ وفقهاؤهما، وهو القولُ الجديد للشافعي رحمه الله، ولذلك يُجْهر بها عنده، فلا عبرة بما نُقِلَ عن الجصاص من أن هذا القول من الشافعي لم يسبقه إليه أحد، وقيل إنها آية من الفاتحة مع كونها قرآناً في سائر السور أيضاً من غير تعرض لكونها جزأ منها أَوْ لا، ولا لكونها آية تامَّةً أَوْ لا، وهو أحدُ قولَي الشافعي على ما ذكره القرطبي. ونقل عن الخطابي أنه قول ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم. وقيل إنها آية تامة في الفاتحة وبعضٌ في البواقي. وقيل بعضُ آية في الفاتحة وآية تامة في البواقي، وقيل إنها بعض آية في الكل، وقيل إنها آياتٌ من القرآن متعددة بعدد السور المُصدّرة بها من غير أن تكون جزأ منها، وهذا القول غير معزى في الكتاب إلى أحد، وهناك قول آخرُ ذكره بعض المتأخرين ولم ينسُبْه إلى أحد وهو إنها آية تامة في الفاتحة وليست بقرآن في سائر السور، ولولا اعتبارُ كونها آيةً تامةً لكان ذلك أحدَ محملَيْ ترددِ الشافعي، فإنه قد نقل عنه أنها بعض آية في الفاتحة، وأما في غيرها فقوله فيها متردد، فقيل: بين أن يكون قرآناً أَوْ لا، وقيل: بين أن يكون آيةً تامَّةً أَوْ لا، قال الإمام الغزالي: والصحيح من الشافعي هو التردد الثاني.
وعن أحمد بنِ حنبلٍ في كونها آيةً كاملة وفي كونها من الفاتحة روايتان ذكرهما ابن الجوزي، ونقل أنه مع مالك، وغيره ممن يقول أنها ليست من القرآن.
هذا والمشهور من هذه الأقاويل هي الثلاث الأُول، والاتفاقُ على إثباتها في المصاحف مع الإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله عز وجل يقضي بنفي القول الأول، وثبوت القدر المشترك بين الأخيرين من غير دلالة على خصوصية أحدهما، فإن كونها جزأ من القرآن لا يستدعي كونها جزأ من كل سورة منه، كما لا يستدعي كونها آية منفردة منه. وأما ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما من أن مَنْ تركها فقد ترك مائة وأربعَ عشرةً آيةً من كتاب الله تعالى وما روي عن أبي هريرة من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «فاتحةُ الكتاب سبعُ آياتٍ أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم»، وما روي عن أم سلمة من أنه صلى الله عليه وسلم «قرأ سورة الفاتحة وعدَّ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين آية»، وإن دل كلُ واحد منها على نفي القول الثاني فليس شيء منها نصاً في إثبات القولِ الثالث، أما الأول فلأنه لا يدل إلا على كونها آياتٍ من كتاب الله تعالى متعددةً بعدد السور المصدرة بها، لا على ما هو المطلوبُ من كونها آية تامة من كل واحدة منها، إلا أن يُلْتجأ إلى أن يقال أن كونها آيةً متعددةً بعدد السور المصدّرةِ بها من غير أن تكون جزءاً منها قولٌ لم يقل به أحد، وأما الثاني فساكت عن التعرض لحالها في بقية السور، وأما الثالثُ فناطقٌ بخلافه مع مشاركته للثاني في السكوت المذكور. والباء فيها متعلقةٌ بمضمرٍ يُنبىء عنه الفعلُ المصدَّرُ بها، كما أنها كذلك في تسمية المسافر عند الحلول والارتحال، وتسمية كل فاعل عند مباشرة الأفعال.
ومعناها الإستعانةُ أو الملابسةُ تبركاً، أي باسم الله أقرأ، أو أتلو، وتقديم المعمول للإعتناء به والقصد إلى التخصيص، كما في إياك نعبد، وتقديرُ أبدأ لاقتضائه اقتصارَ التبرك على البداية مُخلّ بما هو المقصودُ، أعني شمولَ البركة للكل، وادعاءُ أن فيه امتثالاً بالحديث الشريف من جهة اللفظ والمعنى معاً، وفي تقدير أقرأُ من جهة المعنى فقط ليس بشيء، فإن مدارَ الامتثالِ هو البدءُ بالتسمية لا تقديرُ فعله، إذ لم يقل في الحديث الكريم: «كلُّ أمرٍ ذي بال» لم يُقَل فيه أو لم يُضْمَر فيه أَبدأُ، وهذا إلى آخر السورة الكريمة مقولٌ على ألسنة العباد تلقيناً لهم، وإرشاداً إلى كيفية التبرك باسمه تعالى، وهدايةً إلى منهاج الحمد وسؤالِ الفضل، ولذلك سُميت السورةُ الكريمة بما ذكر من تعليم المسألة، وإنما كُسرت ومن حق الحروف المفردة أن تُفتَحَ لاختصاصها بلزوم الحرفية والجر، كما كسرت لامُ الأمر، ولامُ الإضافة داخلةً على المُظْهَر للفصل بينهما وبين لام الابتداء.
والاسم عند البصريين من الأسماء المحذوفة الأعْجَاز. المبنية الأوائل على السكون قد أُدخلت عليها عند الابتداء همزة، لأن مِنْ دأبهم البدءَ بالمتحرِّك والوقفَ على الساكن، ويشهد له تصريفُهم على أسماء وسُمَيٌّ وسمَّيتُ، وسُميً كهُدىً لغة فيه قال:
واللَّه أسماكَ سُمى مباركا ** آثرك اللَّهُ به إيثاركا

والقلبُ بعيدٌ غير مطرد، واشتقاقه من السُمو لأنه رفعٌ للمُسمَّى وتنويهٌ له، وعند الكوفيين من السِّمة، وأصله وَسَمَ، حذفت الواو وعُوِّضت عنها همزةُ الوصل ليقِلَّ إعلالُها، ورُدَّ عليه بأن الهمزة لم تُعهَدْ داخلةً على ما حُذف صدرُه في كلامهم، ومن لغاتهم سِمٌ وسُمٌ قال:
باسمِ الذي في كلِّ سورةٍ سِمُهْ

وإنما لم يقل باللَّهِ للفرق بين اليمين والتيمُّن، أو لتحقيق ما هو المقصودُ بالإستعانة هاهنا، فإنها تكون تارة بذاته تعالى. وحقيقتها طلبُ المعونة على إيقاع الفعل وإحداثه، أي إفاضةُ القدرةِ المفسرةِ عند الأصوليين من أصحابنا بما يتمكن به العبدُ من أداء مالزِمه، المنقسمةِ إلى ممكِنة وميسِّرة، وهي المطلوبة بإياك نستعين، وتارة أخرى باسمه عز وعلا. وحقيقتها طلبُ المعونة في كون الفعل معتداً به شرعاً فإنه ما لم يُصَدَّر باسمهِ تعالى يكون بمنزلةِ المعدوم. ولما كانت كل واحدة من الإستعانتين واقعةً وجب تعيينُ المراد بذكر الاسم، وإلا فالمتبادَرُ من قولنا بالله عند الإطلاق لاسيما عند الوصف بالرحمن الرحيم هي الإستعانة الأولى.
إن قيل: فليُحمل الباء على التبرك وليستَغْنَ عن ذكر الاسم، لما أن التبرك لا يكون إلا به، قلنا: ذاك فرعُ كون المراد بالله هو الاسم، وهل التشاجرُ إلا فيه، فلابد من ذكر الاسم لينقطعَ احتمالُ إرادة المسمَّى. ويتَعَينُ حمل الباء على الإستعانة الثانية أو التبرك. وإنما لم يكتب الألف لكثرة الإستعمال قالوا: وطُوِّلتِ الباءُ عوضاً عنها.
والله أصله الإله، فحذفت همزته على غير قياس كما يُنْبِىءُ عنه وجوب الإدغام، وتعويض الألف واللام عنها، حيث لزماه وجُرِّدا من معنى التعريف، ولذلك قيل: يالله بالقطع، فإن المحذوف القياسيَّ في حكم الثابت، فلا يحتاج إلى التدارك بما ذُكِرَ من الإدغام والتعويض. وقيل: على قياس تخفيف الهمزة، فيكون الإدغام والتعويض من خواص الاسم الجليل، ليمتاز بذلك عما عداه امتياز مسمّاه عما سواه بما لا يوجد فيه من نعوت الكمال.
والإله في الأصل اسمُ جنسٍ يقع على كل معبود بحقٍ أو باطل، أي مع قطع النظرِ عن وصف الحقية والبطلان، لا مع اعتبارِ أحدهما بعينه، ثم غلب على المعبود بالحق كالنجم والصَّعِقْ. وأما الله بحذف الهمزة فعلمٌ مختصٌّ بالمعبود بالحقِّ لم يطلق على غيره أصلاً، واشتقاقه من الإلاهة والأُلوهَة، والأُلوهِية بمعنى العبادة حسبما نص عليه الجوهري، على أنه اسمٌ منها بمعنى المألوه، كالكتاب بمعنى المكتوب، لا على أنه صفة منها، بدليل أنه يوصف ولا يوصف به، حيث يُقال إله واحد، ولا يُقال شيء إلهٌ، كما يُقال كتاب مرقوم، ولا يقال شيء كتاب. والفرق بينهما أن الموضوع له في الصفة هو الذاتُ المبهمةُ باعتبار اتصافِها بمعنىً معيّنٍ وقيامِهِ بها. فمدلولها مركبٌ من ذاتٍ مُبهمةٍ لم يُلاحظ معها خصوصية أصلاً، ومِن معنىً معينٍ قائمٍ بها على أن مَلاك الأمرِ تلك الخصوصية، فبأيِّ ذاتٍ يقومُ ذلك المعنى يصحّ إطلاقُ الصفة عليها، كما في الأفعال. ولذلك تَعْمَلُ عملها كاسمي الفاعلِ والمفعول. والموضوع له في الاسم المذكور هو الذاتُ المعينة والمعنى الخاص، فمدلوله مركب من ذَيْنِكَ المعنيين من غيرِ رجحانٍ للمعنى على الذات كما في الصفة، ولذلك لم يعمل عملها.
وقيل: اشتقاقه من إلِهَ بمعنى تحير، لأنه سبحانه يحارُ في شأنه العقول والأفهام. وأما أَلَهَ كعَبَدَ وزناً ومعنىً فمشتق من الإلَه المشتق من إلِهَ بالكسر، وكذا تألَّه واستَأْلَه اشتقاق: استنوق واستحجر من الناقة والحَجَر. وقيل: من أَلِهَ إلى فلان أي سكن إليه، لاطمئنان القلوب بذكره تعالى وسكون الأرواح إلى معرفته. وقيل: من أَلِهَ إذا فزِع من أمرٍ نزل به، وآلَهَهُ غيرُه إذا أجاره، إذ العائذُ به تعالى يفزَع إليه وهو يُجيره حقيقة أو في زعمه. وقيل: أصله لاهٌ على أنه مصدر من لاهَ يَلِيهُ بمعنى احتجب وارتفع، أطلق على الفاعل مبالغة. وقيل: هو اسمُ علمٍ للذات الجليل ابتداء وعليه مدار أمر التوحيد في قولنا لا إله إلاَّ الله.
ولا يخفى أن اختصاصَ الاسم الجليل بذاته سبحانه بحيث لا يمكن إطلاقُه على غيره أصلاً كافٍ في ذلك، ولا يقدَح فيه كونُ ذلك الاختصاصِ بطريق الغَلَبة بعد أن كان اسمَ جنسٍ في الأصل، وقيل: هو وصفٌ في الأصل لكنه لما غلب عليه بحيث لا يُطلق على غيره أصلاً صار كالعلم، ويردّه امتناعُ الوصف به.
وأعلم أن المراد بالمنَكَّر في كلمة التوحيد هو المعبودُ بالحق، فمعناها: لافرادَ من أفراد المعبود بالحق إلا ذلك المعبودُ بالحق. وقيل: أصلُه لاَهَا بالسريانية فعُرِّب بحذف الألف الثانية، وإدخال الألف واللام عليه وتفخيم لامه إذا لم ينكسر ما قبله سنة، وقيل: مطلقاً، وحذفُ ألفِه لحنٌ تفسد به الصلاة، ولا ينعقد به صريحُ اليمين، وقد جاء لضرورة الشعر في قوله:
ألا لا بارك اللَّهُ في سُهيل ** إذا ما اللَّهُ باركَ في الرجالِ.
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} صفتان مبنيتان من رَحِمَ بعد جعله لازماً بمنزلة الغرائز، بنقله إلى رَحُمَ بالضم كما هو المشهور. وقد قيل: إن الرحيم ليس بصفة مشبَّهة، بل هي صيغة مبالغة، نص عليه سِيبَويه في قولهم: هو رحيمٌ فلاناً. والرحمة في اللغة رقة القلب والانعطاف، ومنه الرَّحِمُ لانعطافها على ما فيها. والمراد هاهنا التفضل والإحسان، وإرادتهما بطريق إطلاق اسم السبب بالنسبة إلينا على مسَبّبِهِ البعيد أو القريب، فإنَّ أسماء الله تعالى تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادئ التي هي انفعالات. والأولُ من الصفات الغالبة حيث لم يطلق على غيره تعالى، وإنما امتنع صرفُه إلحاقاً له بالأغلب في بابه من غير نظر إلى الاختصاص العارض، فإنه كما حظِر وجود فعلى حُظِر وجود فعلانة، فاعتبارُه يوجب اجتماعَ الصرف وعدمَه، فلزم الرجوع إلى أصل هذه الكلمة قبل الاختصاص، بأن تقاس إلى نظائرها من باب فَعِلَ يَفْعَلُ، فإذا كانت كلها ممنوعة من الصرف لتحقق وجود فَعْلى فيها، علم أن هذه الكلمة أيضاً في أصلها مما تحقق فيها وجود فعلى، فتُمنع من الصرف، وفيه من المبالغة ما ليس في الرحيم ولذلك قيل: يا رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا وتقديمه مع كون القياسِ تأخيرَه رعايةً لأسلوب الترقي إلى الأعلى، كما في قولهم فلان عالمٌ نِحْرير، وشجاعٌ باسل، وجَوَادٌ فيَّاض، لأنه باختصاصه به عز وجل صار حقيقاً بأن يكون قريناً للاسم الجليل الخاص به تعالى، ولأن ما يدل على جلائل النعم وعظائمها وأصولها أحقُّ بالتقديم مما يدل على دقائقها وفروعها. وإفراد الوصفين الشريفين بالذكر لتحريك سلسلة الرحمة.

البحر المحيط لأبي حيّان

Tafseer Not Available

البسيط للواحدي

1 - قوله عز وجل : {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} اختلفت عبارة النحويين في تسمية هذِه الباء الجارة، فسموها مرة: حرف إلصاق، ومرة: حرف استعانة، ومرة: حرف إضافة، وكل هذا صحيح من قولهم .
أما الإلصاق: فنحو قولك: تمسكت بزيد، وذلك أنك ألصقت محل قدرتك به، وبما اتصل به، فقد صح إذن معنى الإلصاق .
وأما الاستعانة: فقولك: ضربت بالسيف، وكتبت بالقلم، وبريت بالمدية، أي: استعنت بهذِه الأدوات على هذِه الأفعال.
وأما الإضافة: فقولك: مررت بزيد، أضفت مرورك إلى زيد بالباء .
وأما قول النحويين : (الباء والكاف واللام الزوائد) فإنما قالوا فيهن: إنهن زوائد، لأنهن لما كن على حرف واحد، وقللن غاية القلة، واختلطن بما بعدهن خشي عليهن لقلتهن وامتزاجهن بما يدخلن عليه أن يظن بهن أنهن بعضه وأحد أجزائه، فوسموهن بالزيادة، ليعلموا من حالهن أنهن لسن من أنفس ما وصلن به.
ألا ترى أن (اليوم تنساه) لا باء فيه، ولا كاف .
وحذاق النحويين لا يسمونها زوائد، بل يقولون في الباء واللام: إنهما حرفا إضافة ، وفي الكاف يقولون: حرف جر .
وهذِه حروف أدوات عاملة ، تجر ما تدخل عليه من الأسماء نحو: من وعن وفي . وإنما جرت الأسماء من قبل أن الأفعال التي قبلها ضعفت عن وصولها وإفضائها إلى الأسماء التي بعدها نحو قولك: (عجبت، ومررت، وذهبت) لو قلت: عجبت زيدًا، ومررت جعفرًا، وذهبت محمدًا، لم يجز كما بجوز ضربت زيدًا؛ لضعف هذِه الأفعال في العرف والعادة والاستعمال، فلما قصرت هذِه الأفعال عن الوصول إلى الأسماء رفدت بحرف الإضافة، فجعلت موصلة لها إليها، فقالوا: عجبت من زيد، ونظرت إلى محمد ، فلما احتاجت هذِه الأفعال إلى هذِه الحروف لتوصلها إلى بعض الأسماء جعلت تلك الحروف جارة، وأعملت هي في الأسماء . ولم يفض إلى الأسماء النصب الذي يأتي من الأفعال؛ لأنهم أرادوا أن يجعلوا بين الفعل الواصل بنفسه وبين الفعل الواصل بغيره فرقًا، ولما هجروا لفظ النصب لما ذكرنا، لم يبق إلى الرفع والجر. فأما الرفع فقد استولى عليه الفاعل، فلم يبق إذا غير الجر، فعدلوا إليه ضرورة [و] الجار والمجرور جميعا في موضع نصب ، ألا ترى أنهم عطفوا عليه بالنصب فقالوا: مررت بزيد ومحمدا، ونظرت إلى عمرو وخالدا، وعلى هذا ما أنشده سيبويه:
مُعَاويَ إِنَّناَ بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسْنَا بِالجِبَالِ ولَا الحَدِيدَا عطف الحديد على موضع بالجبال ، ولهذا قال سيبويه: (إنك إذا قلت: مررت بزيد [فكأنك قلت: مررت زيدا) ، تريد بذلك أنه لولا الباء الجارة لانتصب زيد، وعلى ذلك أجازوا مررت بزيد] الظريفَ، تنصبه على موضع (بزيد) .
(وجميع الحروف المفردة التي تقع في أوائل الكلم حكمها الفتح أبدًا. نحو (واو) العطف و (فائه) و (همزة) الاستفهام و (لام) الابتداء.
فأما (الباء) في (بزيد) فإنما كسرت لمضارعتها (اللام) الجارة في قولك: (المال لزيد) وسنذكر العلة في كسر اللام في قوله {الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الفاتحة: 2] إن شاء الله ووجه المضارعة بينهما اجتماعهما في الجر ولزوم كل واحد منهما الحرفية ، وليست كذلك (كاف التشبيه)؛ لأنها قد تكون اسما في بعض المواضع).
فأما المتعلق به (الباء) في قوله {بِسْمِ اللَّهِ} فإنه محذوف، ويستغنى عن إظهارها لدلالة الحال عليه، وهو معنى الابتداء، كأنه قيل (بدأت بسم الله) (وأبدأ بسم الله) والحال تبين أنك مبتدئ فاستغنيت عن ذكره .
وحذفت الألف من بسم الله؛ لأنها وقعت في موضع معروف، لا يجهل القارئ معناها، فاستخف طرحها؛ لأن من شأن العرب الإيجاز إذا عرف المعنى، وأثبتت في قوله {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74، 96، الحاقة: 52] لأن هذا لا يكثر كثرة (بسم الله) ألا ترى أنك تقول: (بسم الله) عند ابتداء كل شيء .
ولا تحذف الألف إذا أضيف (الاسم) إلى غير الله، ولا مع غير الباء من الحروف، فتقول: لاسم الله حلاوة في القلوب، وليس اسم كاسم الله، فتثبت الألف مع اللام والكاف . هذا في سقوطها في الكتابة، وأما سقوطها في اللفظ، فلأنها للوصل، وقد استغنى عنها بالباء .
فأما معنى: (الاسم) واشتقاقه ومأخذه من اللغة، فقد كثر فيها الاختلاف، فقال نحويو الكوفة: (الاسم) مشتق من السمة، وهي العلامة، كالعدة والزنة من (الوزن) و (الوعد)، كذلك (السمة) من (الوسم) ، ومن هذا قال أبو العباس (ثعلب): الاسم وسم وسمة توضع على الشيء يعرف به .
وقال مشيخة البصرة: (الاسم) مشتق من السمو، لأنه يعلو المسمى، فالاسم: ما علا وظهر ، فصار علما للدلالة على ما تحته من المعنى . وقال بعضهم: العلة في اشتقاقه من السمو أن الكلام ثلاثة: اسم وفعل وحرف، فالاسم يصح أن يكون خبرا ويخبر عنه، والفعل يكون خبرا ولا يخبر عنه، والحرف لا يكون خبرا ولا يخبر عنه، فلما كان للاسم مزية على النوعين الآخرين وجب أن يشتق مما ينبئ عن هذِه المزية، فاشتق من السمو ليدل على علوه وارتفاعه .
وعند المتكلمين أنه اشتق من السمو؛ لأنه سما عن حد العدم إلى الوجود . وقالوا: أصله سِمْو ، وجمعه (أسماء) مثل قنو وأقناء وحنو وأحناء فحذفت الواو استثقالًا ، ولم تحذف من نظائره؛ لأنها لم تكثر كثرته، ثم سكنوا السين استخفافًا لكثرة ما تجري على لسانهم، واجتلبت ألف الوصل ليمكن الابتداء به، وكان هذا أخف عليهم من ترك الحرف متحركا، لأن الألف تسقط في الإدراج، وكان إثبات الحرف الذي يسقط كثيرا أخف من حركة السين التي تلزم أبدا . قالوا: و لا يصح مذهب الكوفيين في هذا الحرف، لأنه لا يعرف شيء حذفت منه فاء الفعل، فدخلت عليه ألف الوصل كالعدة والزنة.
وأيضا فلو كان من الوسم لكان تصغيره (وسيما)، كما يقول: (وعيدة) و (وصيلة) في تصغير: صلة وعدة .
وأما معنى (الاسم) ففيه مذهبان : أحدهما: أنه بمعنى التسمية ، وعلى هذا قول القائل: بسم الله: أي: بتسمية الله أفتتح تيمنا وتبركا.
والثاني وهو الصحيح: أن الاسم هو المسمى كقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59] فلو كان الاسم غير المسمى وجب أن يكون المأمور بطاعته غير الله وغير الرسول، وإذا قال القائل: رأيت زيدا، وجب أن يكون لم ير شخص زيد.
وسئل أحمد بن يحيى عن الاسم أهو المسمى أو غيره؟ فقال: قال أبو عبيدة: الاسم هو المسمى ، وقال سيبويه: الاسم غير المسمى. قيل له: فما قولك؟ فقال: ليس لي فيه قول .
وإذا كان الاسم هو المسمى فمعنى قول القائل: (بسم الله) أي بالله، ومعناه بالله أفعل، أي بتوفيقه، أو بالله تكونت الموجودات، أو ما أشبه هذا من الإضمار .
وأدخل الاسم ليكون فرقا بين اليمين والتيمن .
وأكثر ما يستعمل الاسم يستعمل بمعنى التسمية ، وإذا استعمل بمعنى التسمية فهو كلمة تدل على المعنى دلالة الإشارة دون دلالة الإفادة ، وذلك أنك إذا قلت: زيد ، فكأنك قلت: هذا، وإذا قلت: الرجل، فكأنك قلت: ذاك.
ودلالة الإفادة هو ما أفاد السامع معنى، كقولك: قام وذهب ، ووزن (الاسم) يصلح أن يكون (فِعْل)، ويصلح فيه (فُعْل) لأنهم أنشدوا: باسم الذي في كل سورة سمه
بالكسر والضم
وقوله : أما أصل هذِه الكلمة ، فقد حكى أصحاب سيبويه عنه فيه قولين:
أحدهما: قال: كان أصل هذا الاسم إلاها ، ففاؤها (همزة)، وعينها (لام)، و (الألف) ألف فعال الزائدة، واللام (هاء)، ثم حذف (الفاء) حذفا لا على التخفيف القياسي في مثل قولك: (الخب) في (الخبء)، و (ضو) في (ضَوْء)، لأنه لو كان كذلك لما لزم أن يكون منها عوض؛ لأنها إذا حذفت على حد التخفيف كانت ملقاةً في اللفظ مبقاةً في النية، ومعاملةً معاملة المثبتة غير المحذوفة، يدلك على ذلك تركهم (الياء) مصححة في قولهم (جَيْأَل) إذا خففوا قالوا: جَيَل، ولو كانت محذوفة في التقدير كما أنها محذوفة في اللفظ للزم قلب (الياء) (ألفا) ولما كانت (الياء) في نية السكون لم تقلب.
ويدل عليه أيضًا تثبيتهم (للواو) في (نُوْي) إذا خفف (نُؤي) ، ولولا نية الهمزة لقلبت (ياء) وأدغمت كما فعل في (مَرْمِيٍّ) وبابه .
وفي تعويضهم من همزة (إلاه) ما يدل على أن حذفها ليس على حد القياس ، وذلك العوض هو (الألف واللام)، والدلالة على أنها عوض استجازتهم قطع الهمزة الموصولة الداخلة على (لام التعريف) في القسم و (النداء) مثل: أَفَأَللهِ لَتَفْعَلَنَّ، ويا أَللهُ اغفر لي .
فلو كانت غير عوض لم تثبت كما لم تثبت في غير هذا الاسم، ولما اختص هذا الاسم بقطع الهمزة فيه عَلِمنا أن ذلك لمعنى ليس في غيره، وهو كونها عوضا من المحذوف الذي هو (الفاء).
ألا ترى أنك إذا أثبت الهمزة في (الإله) لم تكن (الألف واللام) فيه على حدهما في قولنا: (الله) لأن قطع همزة الوصل لا يجوز في (الإله)، كما جاز في قولنا: (الله) لأنهما ليسا بعوض من شيء .
القول الثاني: في أصل هذِه الكلمة: أن أصله (لَاهٌ) ووزنه على هذا (فَعْلٌ) (اللام) فاء الفعل، و (الألف) منقلبة عن الحرف الذي هو العين، و (الهاء) لام، والذي دلّه على ذلك قول بعضهم: (لَهْيَ أبوك) بمعنى: لله أبوك، قال سيبويه: فقلب العين وجعل اللام ساكنة، وهو (الهاء) إذا صارت مكان العين، كما كانت العين ساكنة في (لاه) ، وترك آخر الاسم مفتوحًا كما تركوا آخر (أين) مفتوحًا ، وإنما فعلوا ذلك به حيث غيروه لكثرته في كلامهم، فغيروا إعرابه كما غيروه .
فالألف -على هذا القول- في الاسم منقلبة عن (الياء) لظهورها في موضع (اللام) المقلوبة إلى موضع (العين) وهي في القول الأول زائدة لفعال غير منقلبة عن شيء. واللفظتان على هذا مختلفتان، وان كان في كل واحدة منهما بعض حروف الأخرى .
وحكى أبو بكر محمد بن السري أن أبا العباس محمد بن يزيد، اختار القول الثاني من القولين اللذين ذكرهما سيبويه.
وأما اشتقاق هذا الاسم من اللغة فذهبت طائفة منهم الخليل ، وابن كيسان وأبو بكر القفال ، والحسين بن الفضل إلى أنه ليس بمشتق، وأنه اسم تفرد به الباري سبحانه وتعالى، يجري في وصفه مجرى الأسماء الأعلام، لا يشركه فيه أحد، قال الله عز وجل: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] وأما الذين قالوا: إنه مشتق فاختلفوا، فذهب عُظْمُ أهل اللغة إلى أن معناه المستحق للعبادة، وذو العبادة الذي إليه تُوَجَّه، وبها يُقْصَد .
ورُويَ عن ابن عباس أنه كان يقرأ (ويذرك وإِلاهَتَك) [الأعراف: 127] قال معناه: عبادتك . وقال أبو زيد : تَأله الرجل إذا نسك ، وأنشد:
سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي
وقد سَمَّت العرب الشمس لما عبدت (إِلاهَةَ)، و (الإلاهة) قال عتيبة بن الحارث اليربوعي : تَرَوَّحْنَا مِنَ اللعْبَاءِ أَرْضًا ... وأَعْجَلْنَا الإلاَهَةَ أَنْ تَؤُوبَا
وإنما سموها الإلاَهَة على نحو تعظيمهم لها وعبادتهم إياها كفرا.
وعلى ذلك نهاهم الله وأمرهم بالتوجه في العبادة إليه في قوله جل وعلا: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ} [فصلت: 37] [فصلت: 37] الآية ، وكذلك أيضًا كانوا يدعون معبوداتهم من الأصنام والأوثان (آلهة)، وهي جمع (إلاه) كإزار وآزرة، وإناء وآنية.
قال الله تعالى: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [الأعراف: 127] وهي أصنام كان يعبدها قوم فرعون معه ، وعلى هذا قال قائلهم:
كَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رِيَاحٍ ... يَسْمَعُهَا لاَهُهُ الكُبارُ يريد: الصنم، وهذا البيت حجة للقول الثاني من قول سيبويه.
قالوا: وهو اسم حدث، ثم جرى صفة للقديم سبحانه، ونظير هذا قولنا: (السلام)، والسلام من سَلَّم كالكلامِ من كَلَّم، والمعنى ذو السلام، أي: يُسَلم من عذابه من يشاء من عباده، كما أن المعنى في الأول أن العبادة تجب له ، فهذا وجه، وهو طريقة أهل اللغة .
وأخبرني أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله العروضي -رحمه الله- قال: أبنا أبو منصور أحمد بن محمد الأزهري ، أبنا أبو الفضل المنذري ، قال: سألت أبا الهيثم خالد بن يزيد الرازي، عن اشتقاق اسم (الله) في اللغة، فقال (الله) أصله (إلاه)، قال الله جل ذكره: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} [المؤمنون: 91] ولا يكون إلهًا حتى يكون معبودًا، وحتى يكون لعابده خالقًا، ورازقًا، ومدبرًا، وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك فليس بإله، وإن عَبِدَ ظلما، بل هو مخلوق ومتعبد، قال: وأصل (إلاه) (ولاه) فقلبت الواو همزة، كما قالوا: للوشاح: إشاح، ولِلْوِجَاح: إِجَاح ، ومعنى وِلاه: أن الخلق يَوْلَهون إليه في حوائجهم، ويضرعون إليه فيما ينوبهم، ويفزعون إليه في كل ما يصيبهم كما يَوْلَه كل طفل إلى أمه .
وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه مشتق من أَلِهْت في الشيء آلَهُ إلها إذا تحيرت فيه .
وتسمى المفازة ميلها.
وقال الأعشى :
وَبَهْمَاءَ تِيهٍ تَأْلهَ العَيْنُ وَسْطَهَا ... وَتَلْقَى بِهَا بَيْضَ النَّعَام تَرَائِكَا ومعناه: أن العقول تتحير في كنه صفته وعظمته .
وعند متكلمي أصحابنا : أن الإله من الإلَهية، والإلَهِية القدرة على اختراع الأعيان .
وقد أشار أبو الهيثم إلى هذا فيما ذكر، قالوا: وانما سَمَّت العرب معبوداتهم آلهة ؛ لأنهم اعتقدوا فيها صفة التعظيم، واستحقاق هذا الاسم فأصابوا في الجملة، وأخطؤوا في التعيين.
والإمالة في اسم الله تعالى جائزة في قياس العرب ، والدليل على جوازها أن هذِه (الألف) لا تخلو من أن تكون زائدة لفِعَال كالتي في (إزار) و (عِمَاد)، أو تكون عين الفعل.
فإن كانت زائدة جازت فيها الإمالة من وجهين:
أحدهما: أن الهمزة المحذوفة كانت مكسورة، وكسرها يوجب الإمالة في الألف، كما أن الكسرة في (عماد) توجب إمالة ألفه.
فإن قلت: كيف تمال الألف من أجل الكسرة في الهمزة وهي محذوفة؟ فالقول فيها إنها وإن كانت محذوفة، موجبة للإمالة ، كما كانت توجبها قبل الحذف؛ لأنها -وإن كانت محذوفة- فهي من الكلمة، ونظير ذلك ما حكاه سيبويه من أن بعضهم يميل الألف في: مَادٍّ وَشَاذٍّ، للكسرة المنوية في عين الفعل عند ترك الإدغام، وإن لم يكن في لفظ الكلمة كسرة ، كذلك الألف في اسم الله، تجوز إمالتها وإن لم تكن الكسرة ملفوظا بها.
والوجه الثاني: (لام) الفعل منجرة، فتجوز الإمالة لانجرارها. وإن كانت الألف عينا ليست بزائدة جازت إمالتها، وحسنت فيها إذ كان انقلابها عن الياء بدلالة قولهم: (لَهْيَ أبوك ) وظهور الياء لما قلبت إلى موضع السلام .
وقوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. معنى الرحمة في صفة الله تعالى: إرادته الخير والنعمة بأهله، وهي صفة ذات، وفي صفة أحدنا تكون رقة قلب وشفقة .
قال أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار: سألت أبا العباس لم جمع بين الرحمن والرحيم؟ فقال: لأن الرحمن عبراني فأتى معه الرحيم العربي، واحتج بقول جرير : أو تَتْرُكُونَ إِلَى القَسَّيْنِ هِجْرَتَكُم ... وَمَسْحَهُمْ صُلْبَهُمْ رَحَمَانَ قُرْبَانَا
فأنكر عليه بعض الناس ، وقال: لم تزل العرب تعرف الرحمن وتذكره في أشعارها، واحتج بقول الشاعر:
أَلاَ ضَرَبَت تِلْكَ الفَتَاة هَجِيَنَهَا ... أَلاَ قَضَبَ الرَّحْمَنُ رَبِّي يَميِنَهَا
فقال : إن جمهور العرب كانوا لا يعرفون "الرحمن" في الجاهلية، الدليل على هذا أنهم لما سمعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكره قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رجلًا باليمامة ، وذلك قوله تعالى: {قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 60] وإنما يذكر بعض الشعراء الرحمن في الجاهلية، إذ لقنه من أهل الكتاب، أو أخذه عن بعض من قرأ الكتب كأمية بن أبي الصلت وزيد بن عمرو، وورقة بن نوفل ، ولا تجعل هذا حجة على ما عليه أكثرهم.
ومراد أبي العباس أن الرحمن يتكلم به بالعبرانية ، وتتكلم به العرب، فلما لم يخلص في كلامهم، ولم ينفردوا به دون غيرهم، أتى بعده بالرحيم الذي لا يكون إلى عربيا، ولا يلتبس بلغة غيرهم .
والصحيح أنه مشتق من الرحمة، وأنه اسم عربي لوجود هذا البناء في كلامهم، كاللهفان والندمان والغضبان . قال الليث: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} اسمان، اشتقاقهما من الرحمة .
وقال أبو عبيدة: هما صفتان لله تعالى، معناهما ذو الرحمة . وأما ما احتج به أبو العباس من قوله: {وَمَا الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 60] فهو سؤال عن الصفة، ولذلك قالوا: {وَمَا الرَّحْمَنُ}، ولم يقولوا: ومن، والقوم جهلوا صفته، والاسم كان معلوما لهم في الجملة . وقيل: هذا على جهة ترك التعظيم منهم. واختلفوا في أن أي الاسمين من هذين أشد مبالغة، فقال قوم: الرحمن أشد مبالغة من الرحيم، كالعلام من العليم، ولهذا قيل: رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، لأن رحمته في الدنيا عمت المؤمن والكافر والبر والفاجر، ورحمته في الآخرة اختصت بالمؤمنين .
فإن قيل: على هذا كان الرحمن أشد مبالغة، فلم بدئ بذكره ؟ وإنما يبدأ في نحو هذا بالأقل ثم يتبع الأكثر كقولهم: (فلان جواد يعطي العشرات والمئين والألوف).
والجواب: أنه بدئ بذكر الرحمن، لأنه صار كالعلم، إذ كان لا يوصف به إلا الله عز وجل، وحكم الأعلام وما كان من الأسماء أعرف أن يبدأ به، ثم يتبع الأنكر، وما كان في التعريف أنقص. هذا مذهب سيبويه وغيره من النحويين، فجاء هذا على منهاج كلام العرب . وقال وكيع: الرحيم أشد مبالغة؛ لأنه ينبئ عن رحمته في الدنيا والآخرة ورحمة الرحمانية في الدنيا دون الآخرة .
وقال آخرون: إنهما بمعنى واحد كندمان ونديم، ولهفان ولهيف، وجيء بهما للتأكيد والإشباع، كقولهم: جادٌّ ومُجِدُّ ، وقول طَرْفَه :
مَتَى أَدْنُ مِنْه يَنْأَ مِنِّي وَيَبْعُدِ وقول عدي :
وأَلْفى قَولَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا
في أمثال لهذا، وروي عن ابن عباس أنه قال. الرحمن الرحيم، اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر . قال الحسين بن الفضل: غلط الراوي؛ لأن الرقة في صفة الباري لا تصح. وإنما هما أسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر . يدل على هذا ما روي في الخبر: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف" ، وسمعت من يقول : معنى قول ابن عباس (اسمان رقيقان) أي يدلان فينا على الرقة.
وقال بعضهم: الرحمن خاص اللفظ عام المعنى، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى .

التحرير والتنوير لابن عاشور

البسملة اسم لكلمة باسم الله، صيغ هذا الاسم على مادَّةٍ مؤلفة من حروف الكلمتين (باسم) و (الله) على طريقة تسمى النَّحْت، وهو صوغ فعلِ مُضِيٍ على زنة "فَعْلَل" مؤلفةٍ مادِّتُه من حروف جملة أو حروفِ مركَّب إِضَافِيَ، مما ينطق به الناس اختصاراً عن ذكر الجملة كلها لقصد التخفيف لكثرة دوران ذلك على الألسنة. وقد استعمل العرب النحت في النَّسَب إلى الجملة أو المركب إذا كان في النسبِ إلى صدر ذلك أو إلى عَجزه التباس، كما قالوا في النسبة إلى عبد شمس - عَبْشَمِيّ - خشية الالتباس بالنسب إلى عبدٍ أو إلى شمس، وفي النسبة إلى عبد الدار - عَبْدَرِيّ - كذلك وإلى حضرموت حضرمي قال سيبويه في باب الإضافة (أي النسَب) إلى المضاف من الأسماء: «وقد يجعلون للنسب في الإضافة اسماً بمنزلة جَعْفَري ويجعلون فيه من حروف الأول والآخر ولا يخرجونه من حروفهما ليُعْرَف» ا هـ، فجاء من خلفهم من مولدي العرب واستعملوا هذه الطريقة في حكاية الجمل التي يكثر دورانها في الألسنة لقصد الاختصار، وذلك من صدر الإسلام فصارت الطريقة عربية. قال الراعي:

قَومٌ على الإسلام لَمَّا يمنعوا *** ما عونَهم ويُضيِّعوا التَهْلِيل 

أي لم يتركوا قول: لا إلٰه إلا الله.

وقال عُمر بن أبي ربيعة: 

لقد بسملت ليلَى غداةَ لقيتُها *** ألا حَبَّذا ذاك الحبيبُ المُبَسْمِلُ

أي قالت بسم الله فَرَقاً منه، فأصل بسمل قال: بسم الله ثم أطلقه المولدون على قول: بسم الله الرحمٰن الرحيم، اكتفاء واعتماداً على الشهرة وإن كان هذا المنحوتُ خِليَّاً من الحاء والراء اللذين هما من حروف الرحمان الرحيم، فشاع قولهم بسمل في معنى قال بسم الله الرحمٰن الرحيم، واشتق من فعل بسمل مصدر هو "البسملة" كما اشتق من هَلَّل مصدر هو "الهيللة" وهو مصدر قياسي لفعلل. واشتق منه اسم فاعل في بيت عمر بن أبي ربيعة ولم يسمع اشتقاق اسم مفعول.

ورأيت في «شرح ابن هارون التونسي على مختصر ابن الحاجب» في باب الأذان عن المطرز في كتاب «اليواقيت»: الأفعالُ التي نحتت من أسمائها سبعة: بَسْمَلَ في بسم الله، وسَبْحَلَ في سبحان الله، وحَيْعَلَ في حي على الصلاة، وحَوْقَلَ في لا حول ولا قوة إلا بالله، وحَمْدَلَ في الحمدُ لله، وهَلَّل في لا إلٰه إلا الله، وجَيْعَل إذا قال: جُعلت فِداك، وزاد الطَّيْقَلَة في أَطال الله بقاءك، والدَّمْعَزَةَ في أدام الله عزك.

ولَما كان كثير من أيمة الدين قائلاً بأنها آية من أوائل جميع السور غير براءة أو بعض السور تعين على المفسر أن يفسر معناها وحكمها وموقعها عند من عدوها آية من بعض السور. وينحصر الكلام عليها في ثلاثة مباحث. الأول: في بيان أهي آية من أوائل السور أم لا؟. الثاني: في حكم الابتداء بها عند القراءة. الثالث في تفسير معناها المختص بها.

فأما المبحث الأول فهو أن لا خلاف بين المسلمين في أن لفظ {بسم الله الرحمٰن الرحيم} هو لفظ قرآني لأنه جزء آية من قوله تعالى : { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمٰن الرحيم } [النمل: 30] كما أنهم لم يختلفوا في أن الافتتاح بالتسمية في الأمور المهمة ذوات البال ورد في الإسلام، وروي فيه حديث: "كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بسم الله الرحمٰن الرحيم فهو أقطع" لم يروه أصحاب «السنن» ولا «المستدركات»، وقد وصف بأنه حسن، وقال الجمهور إن البسملة رسمها الذين كتبوا المصاحف في أوائل السور ما عدا سورة براءة، كما يؤخذ من محادثة ابن عباس مع عثمان، وقد مضت في المقدمة الثامنة، ولم يختلفوا في أنها كتبت في المصحف في أول سورة الفاتحة وذلك ليس موضع فصل السورة عما قبلها، وإنما اختلفوا في أن البسملة هل هي آية من سورة الفاتحة ومن أوائل السور غير براءة، بمعنى أن الاختلاف بينهم ليس في كونها قرآناً، ولكنه في تكرر قرآنيتها كما أشار إليه ابن رشد الحفيد في «البداية»، فذهب مالك والأوزاعي وفقهاء المدينة والشام والبصرة - وقيل باستثناء عبد الله بن عمرو ابن شهاب من فقهاء المدينة - إلى أنها ليست بآية من أوائل السور لكنها جزء آية من سورة النمل، وذهب الشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وفقهاء مكة والكوفة غير أبي حنيفة، إلى أنها آية في أول سورة الفاتحة خاصة، وذهب عبد الله بن مبارك والشافعي في أحد قوليه وهو الأصح عنه إلى أنها آية من كل سورة. ولم ينقل عن أبي حنيفة من فقهاء الكوفة فيها شيء، وأخذ منه صاحب «الكشاف» أنها ليست من السور عنده فعَدَّه في الذين قالوا بعدم جزئيتها من السور وهو الصحيح عنه. قال عبد الحكيم لأنه قال بعدم الجهر بها مع الفاتحة في الصلاة الجهرية وكره قراءتها في أوائل السور الموصولة بالفاتحة في الركعتين الأوليين. وأَزِيدُ فأقول إنه لم ير الاقتصار عليها في الصلاة مجزئاً عن القراءة.

أما حجة مذهب مالك ومن وافقه فلهم فيها مسالك: أحدها من طريق النظر، والثاني من طريق الأثر، والثالث من طريق الذوق العربي.

فأما المسلك الأول: فللمالكية فيه مقالة فائقة للقاضي أبي بكر الباقلاني وتابَعَه أبو بكر ابن العربي في «أحكام القرآن» والقاضي عبد الوهاب في كتاب «الإشراف»، قال الباقلاني: «لو كانت التسمية من القرآن لكان طريق إثباتها إما التواتر أو الآحاد، والأول: باطل لأنه لوثبت بالتواتر كونها من القرآن لحصل العلم الضروري بذلك ولامتنع وقوع الخلاف فيه بين الأُمَّة، والثاني: أيضاً باطل لأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن فلو جعلناه طريقاً إلى إثبات القرآن لخرج القرآن عن كونه حجة يقينية، ولصار ذلك ظنياً، ولو جاز ذلك لجاز ادعاء الروافض أن القرآن دخله الزيادة والنقصان والتغيير والتحريف» ا هـ وهو كلام وجيه والأقيسة الاستثنائية التي طواها في كلامه واضحة لمن له ممارسة للمنطق وشرطياتها لا تحتاج للاستدلال لأنها بديهية من الشريعة فلا حاجة إلى بسطها. زاد أبو بكر بن العربي في «أحكام القرآن» فقال: يكفيك أنها ليست من القرآن الاختلافُ فيها، والقرآن لا يُختلف فيه ا هـ. وزاد عبد الوهاب فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين القرآن بياناً واحداً متساوياً ولم تكن عادته في بيانه مختلفة بالظهور والخفاء حتى يختص به الواحد والاثنان؛ ولذلك قطعنا بمنع أن يكون شيء من القرآن لم ينقل إلينا وأبطلنا قول الرافضة إن القرآن حِمْل جَمَل عند الإمام المعصوم المنتظر فلو كانت البسملة من الحمد لبيّنها رسول الله بياناً شافياً» ا هـ. وقال ابن العربي في «العارضة»: إن القاضي أبا بكر بن الطيب، لم يتكلم من الفقه إلا في هذه المسألة خاصة لأنها متعلقة بالأصول.

وقد عارض هذا الدليل أبو حامد الغزالي في «المستصفى» فقال: «نُفي كون البسملة من القرآن أيضاً إن ثبت بالتواتر لزم أن لا يبقى الخلاف (أي وهو ظاهر البطلان) وإن ثبت بالآحاد يصير القرآن ظنياً، قال: ولا يقال: إن كون شيء ليس من القرآن عدم والعدم لا يحتاج إلى الإثبات لأنه الأصل بخلاف القول بأنها من القرآن، لأنّا نجيب بأن هذا وإن كان عدماً إلا أن كون التسمية مكتوبة بخط القرآن يوهن كونها ليست من القرآن فهٰهنا لا يمكننا الحكم بأنها ليست من القرآن إلا بالدليل ويأتي الكلام في أن الدليل ما هو، فثبت أن الكلام الذي أورده القاضي لازم عليه ا هـ، وتبعه على ذلك الفخر الرازي في «تفسيره» ولا يخفى أنه آل في استدلاله إلى المصادرة إذ قد صار مرجع استدلال الغزالي وفخر الدين إلى رسم البسملة في المصاحف، وسنتكلم عن تحقيق ذلك عند الكلام على مدرك الشافعي. وتعقب ابن رشد في «بداية المجتهد» كلام الباقلاني والغزالي بكلام غير محرر فلا نطيل به.

وأما المسلك الثاني: وهو الاستدلال من الأثر فلا نجد في صحيح السنة ما يشهد بأن البسملة آية من أوائل سور القرآن والأدلة ستة:

الدليل الأول: ما روى مالك في «الموطأ» عن العلاء بن عبد الرحمٰن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قال الله تعالى قسمت الصلاة نصفين بيني وبين عبدي فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد: {الحمد لله رب العالمين}، فأقول: حمدني عبدي" الخ، والمراد في الصلاة القراءة في الصلاة ووجه الدليل منه أنه لم يذكر بسم الله الرحمٰن الرحيم.

الثاني: حديث أُبيّ بن كعب في «الموطأ» و«الصحيحين» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "ألا أعلمك سورة لم يُنْزَل في التوراة ولا في الإنجيل مثُلها قبل أن تخرج من المسجد" قال: بلى، فلما قارب الخروج قال له: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال أبيٌّ فقرأت {الحمد لله رب العالمين} حتى أتيت على آخرها، فهذا دليل على أنه لم يقرأ منها البسملة.

الثالث: ما في «صحيح مسلم» و«سنن أبي داود» و«سنن النسائي» عن أنس بن مالك من طرق كثيرة أنه قال: صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون (بسم الله الرحمٰن الرحيم)، لا في أول قراءة ولا في آخرها.

الرابع: حديث عائشة في «صحيح مسلم» و«سنن أبي داود» قالت: كان رسول الله يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءةَ بالحمد لله رب العالمين.

الخامس: ما في «سنن الترمذي والنسائي» عن عبد الله بن مغفل قال: صليت مع النبي وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقول: (بسم الله الرحمٰن الرحيم)، إذا أنت صليت فقل {الحمد لله رب العالمين}.

السادس - وهو الحاسم -: عمل أهل المدينة  فإن المسجد النبوي من وقت نزول الوحي إلى زمن مالك صلى فيه رسول الله والخلفاء الراشدون والأمراء وصلى وراءهم الصحابة وأهل العلم ولم يسمع أحد قرأ (بسم الله الرحمٰن الرحيم) في الصلاة الجهرية، وهل يقول عالم أن بعض السورة جهر وبعضها سر، فقد حصل التواتر بأن النبي والخلفاء لم يجهروا بها في الجهرية، فدل على أنها ليست من السورة ولو جهروا بها لما اختلف الناس فيها.

وهناك دليل آخر لم يذكروه هنا وهو حديث عائشة في بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتبر مرفوعاً إلى النبي، وذلك قوله: «ففَجِئَه الملَك فقال: اقرأ قال رسول الله فقلت ما أنا بقارىء ــــ إلى أن قال ــــ فغطني الثالثة ثم قال: { اقرأ باسم ربك الذي خلق } [العلق: 1] الحديث. فلم يقل فقال لي بسم الله الرحمٰن الرحيم {اقرأ بسم ربك}، وقد ذكروا هذا في تفسير سورة العلق وفي شرح حديث بدء الوحي.

وأما المسلك الثالث وهو الاستدلال من طريق الاستعمال العربي فيأتي القول فيه على مراعاة قول القائلين بأن البسملة آية من سورة الفاتحة خاصة، وذلك يوجب أن يتكرر لفظان وهما {الرحمٰن الرحيم} في كلام غير طويل ليس بينهما فصل كثير وذلك مما لا يحمد في باب البلاغة، وهذا الاستدلال نقله الإمام الرازي في «تفسيره» وأجاب عنه بقوله: إن التكرار لأجل التأكيد كثير في القرآن وإن تأكيد كونه تعالى رحماناً رحيماً من أعظم المهمات. وأَنَا أَدْفع جوابه بأن التكرار وإن كانت له مواقع محمودة في الكلام البليغ مثل التهويل، ومقام الرثاء أو التعديد أو التوكيد اللفظي، إلا أن الفاتحة لا مناسبة لها بأغراض التكرير ولا سيما التوكيد لأنه لا منكر لكونه تعالى رحماناً رحيماً، ولأن شأن التوكيد اللفظي أن يقترن فيه اللفظان بلا فصل فتعين أنه تكرير اللفظ في الكلام لوجود مقتضى التعبير عن مدلوله بطريق الاسم الظاهر دون الضمير، وذلك مشروط بأن يبعد ما بين المكرَّرَيْن بُعداً يقصيه عن السمع، وقد علمتَ أنهم عدوا في فصاحة الكلام خلوصه من كثرة التكرار، والقربُ بين الرحمٰن والرحيم حين كررا يمنع ذلك.

وأجاب البيضاوي بأن نكتة التكرير هنا هي تعليل استحقاق الحمد، فقال السلكوتي أشار بهذا إلى الرد على ما قاله بعض الحنفية: إن البسملة لو كانت من الفاتحة للزم التكرار وهو جواب لا يستقيم لأنه إذا كان التعليل قاضياً بذكر صفتي {الرحمٰن الرحيم} فدفع التكرير يقتضي تجريد البسملة التي في أول الفاتحة من هاتين الصفتين بأن تصير الفاتحة هكذا: (بسم الله الحمد لله الخ).

وأنا أرى في الاستدلال بمسلك الذوق العربي أن يكون على مراعاة قول القائلين بكون البسملة آية من كل سورة فينشأ من هذا القولِ أَنْ تكون فواتح سور القرآن كلُّها متماثلة وذلك مما لا يحمد في كلام البلغاء إذ الشأن أن يقع التفنن في الفواتح، بل قد عد علماء البلاغة أَهَمَّ مواضع التأنق فاتحةَ الكلام وخاتمتَه، وذكروا أن فواتح السور وخواتمها واردة على أحسن وجوه البيان وأكملها فكيف يسوغ أن يُدَّعَى أَن فواتح سوره جملةٌ واحدة، مع أن عامة البلغاء من الخطباء والشعراء والكتاب يتنافسون في تفنن فواتح منشآتهم ويعيبون من يلتزم في كلامه طريقة واحدة فما ظنك بأبلغ كلام.

وأما حجة مذهب الشافعي ومن وافقه بأنها آية من سورة الفاتحة خاصة فأمور كثيرة أنهاها فخر الدين إلى سبع عشرة حجة لا يكاد يستقيم منها بعد طرح المتداخل والخارج عن محل النزاع وضعيف السند أو واهيه إلا أمران: أحدهما أحاديث كثيرة منها ما روى أبو هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن {بسم الله الرحمٰن الرحيم}" وقول أم سلمة قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاتحة وعدَّ: {بسم الله الرحمٰن الرحيم الحمد لله رب العالمين} آية. الثاني: الإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله.

والجواب: أما عن حديث أبي هريرة فهو لم يخرجه أحد من رجال الصحيح إنما خرجه الطبراني وابن مردويه والبيهقي فهو نازل عن درجة الصحيح فلا يعارض الأحاديث الصحيحة، وأما حديث أم سلمة فلم يخرجه من رجال الصحيح غير أبي داود وأخرجه أحمد بن حنبل والبيهقي، وصحح بعض طرقه وقد طعن فيه الطحاوي بأنه رواه ابن أبي مليكة، ولم يثبت سماع ابن أبي مليكة من أم سلمة، يعني أنه مقطوع، على أنه روى عنها ما يخالفه، على أن شيخ الإسلام زكرياء قد صرح في «حاشيته على تفسير البيضاوي» بأنه لم يرو باللفظ المذكور وإنما روي بألفاظ تدل على أن {بسم الله} آية وحدها، فلا يؤخذ منه كونها من الفاتحة، على أن هذا يفضي إلى إثبات القرآنية بغير المتواتر وهو ما يأباه المسلمون.

وأما عن الإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله، فالجواب أنه لا يقتضي إلا أن البسملة قرآن وهذا لانزاع فيه، وأما كون المواضع التي رسمت فيها في المصحف مما تجب قراءتها فيها، فذلك أمر يتبع رواية القراء وأخبار السنة الصحيحة فيعود إلى الأدلة السابقة.

وهذا كله بناء على تسليم أن الصحابة لم يكتبوا أسماء السور وكونها مكية أو مدنية في المصحف وأن ذلك من صنع المتأخرين وهو صريح كلام عبد الحكيم في «حاشية البيضاوي»، وأما إذا ثبت أن بعض السلف كتبوا ذلك كما هو ظاهر كلام المفسرين والأصوليين والقراء كما في «لطائف الإشارات» للقسطلاني وهو مقتضى كتابة المتأخرين لذلك لأنهم ما كانوا يجرأون على الزيادة على ما فعله السلف فالاحتجاج حينئذٍ بالكتابة باطل من أصله ودعوى كون أسماء السور كتبت بلون مخالف لحِبْر القرآن، يرده أن المشاهد في مصاحف السلف أن حبرها بلون واحد ولم يكن التلوين فاشياً.

وقد احتج بعضهم بما رواه البخاري عن أنس أنه سئل كيف كانت قراءة النبي؟ فقال كانت مدًّا ثم قرأ {بسم الله الرحمٰن الرحيم} يمد {بسم الله} ويمد بالرحمٰن ويمد بالرحيم، ا هـ، ولا حجة في هذا لأن ضمير قرأ وضمير يمد عائدان إلى أنس، وإنما جاء بالبسملة على وجه التمثيل لكيفية القراءة لشهرة البسملة.

وحجةُ عبد الله بن المبارك وثاني قولي الشافعي ما رواه مسلم عن أنس قال: «بينا رسول الله بين أظهرنا ذات يوم إذْ أغفَى إِغفَاءَةً ثم رفع رأسه متبسماً فقلنا ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت عليَّ سورة آنفاً فقرأ بسم الله الرحمٰن الرحيم { إنا أعطيناك الكوثر } [الكوثر: 1] السورة، قالوا وللإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله ولإثبات الصحابة إياها في المصاحف مع حرصهم على أن لا يدخلوا في القرآن ما ليس منه ولذلك لم يكتبوا (آمين) في الفاتحة.

والجواب عن الحديث أنا نمنع أن يكون قرأ البسملة على أنها من السورة بل افتتح بها عند إرادة القراءة لأنها تغني عن الاستعاذة إذا نوى المبسمل تقديرَ أستعيذ باسم الله وحذَفَ متعلق الفعل، ويتعين حمله على نحو هذا لأن راويه أنساً بن مالك جزم في حديثه الآخر أنه لم يسمع رسول الله بسمل في الصلاة. فإن أبوا تأويله بما تأولناه لزم اضطراب أنس في روايته اضطراباً يوجب سقوطها.

والحق البين في أمر البسملة في أوائل السور، أنها كتبت للفصل بين السور ليكون الفصل مناسباً لابتداء المصحف، ولئلا يكون بلفظ من غير القرآن، وقد روى أبو داود في «سننه» والترمذي وصححه عن ابن عباس أنه قال: قلت لعثمان بن عفان: «ما حملكم أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين وإلى الأنفال وهي من المثاني فجعلتموهما في السبع الطوال ولم تكتبوا بينهما سطراً بسم الله الرحمٰن الرحيم»، قال عثمان كان النبي لما تنزل عليه الآياتُ فيدعو بعض من كان يكتب له ويقول له ضع هذه الآية بالسورة التي يذكر فيها كذا وكذا، أو تنزل عليه الآية والآيتان فيقول مثل ذلك، وكانت الأنفال من أول ما أنزل عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما أنزل من القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها فقُبِض رسول الله ولم يبين لنا أنها منها، فظننتُ أنها منها، فمن هناك وضعتُها في السبع الطوال ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمٰن الرحيم».

وأرى في هذا دلالة بينة على أن البسملة لم تكتب بين السور غيرِ الأنفال وبراءةَ إلا حينَ جُمع القرآن في مصحف واحد زمن عثمان، وأنها لم تكن مكتوبة في أوائل السور في الصحف التي جمعها زيد بن ثابت في خلافة أبي بكر إذ كانت لكل سورة صحيفة مفردة كما تقدم في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير.

وعلى أن البسملة مختلف في كونها آية من أول كل سورة غيرِ براءة، أو آية من أول سورة الفاتحة فقط، أو ليست بآية من أول شيء من السور؛ فإن القراء اتفقوا على قراءة البسملة عند الشروع في قراءة سورة من أولها غير براءة. ورووا ذلك عمن تلقَّوْا، فأما الذين منهم يروون اجتهاداً أو تقليداً أن البسملة آية من أول كل سورة غيرِ براءة، فأمرهم ظاهر، وقراءة البسملة في أوائل السور واجبة عندهم لا محالة في الصلاة وغيرها، وأما الذين لا يروون البسملة آية من أوائل السور كلها أو ما عدا الفاتحة فإن قراءتهم البسملة في أول السورة عند الشروع في قراءة سورة غير مسبوقة بقراءة سورة قبلها تُعلَّل بالتيمن باقتفاء أثر كُتَّاب المصحف، أي قصد التشبُه في مجرد ابتداء فعل تشبيهاً لابتداء القراءة بابتداء الكتابة. فتكون قراءتهم البسملة أمراً مستحباً للتأسي في القراءة بما فعله الصحابة الكاتبون للمصحف، فقراءة البسملة عند هؤلاء نظير النطْق بالاستعاذة ونظير التهليل والتكبير بين بعض السور مِن آخر المفصَّل، ولا يبسملون في قراءة الصلاة الفريضة، وهؤلاء إذا قرأوا في صلاة الفريضة تجري قراءتهم على ما انتهى إليه فهمهم من أمر البسملة من اجتهاد أو تقليد. وبهذا تعلم أنه لا ينبغي أن يؤخذ من قراءتهم قولٌ لهم بأن البسملة آية من أول كل سورة كما فعل صاحب «الكشاف» والبيضاوي.

واختلفوا في قراءة البسملة في غير الشروع في قراءة سورةٍ من أولها، أي في قراءة البسملة بين السورتين.

فورد عن نافع في أشهر الروايات عنه وابنُ عامر، وأبو عمرو، وحمزة، ويعقوبُ، وخلف، لا يبسملون بين السورتين وذلك يعلل بأن التشبُّه بفعل كتَّاب المصحف خاص بالابتداء، وبحملهم رسمَ البسملة في المصحف على أنه علامة على ابتداء السورة لا على الفصل، إذ لو كانت البسملة علامة على الفصل بين السورة والتي تليها لما كتبت في أول سورة الفاتحة، فكان صنيعُهم وجيهاً لأنهم جمعوا بين ما روَوه عن سلفهم وبين دليلِ قصد التيمن، ودليل رأيهم أن البسملة ليست آية من أول كل سورة.

وقالون عن نافع وابنُ كثير وعاصمٌ والكسائي وأبو جعفر يبسملون بين السورتين سوى ما بين الأنفال وبراءة، وعدوه من سنة القراءة، وليس حظهم في ذلك إلا اتباع سلفهم، إذ ليس جميعهم من أهل الاجتهاد، ولعلهم طردوا قصد التيمن بمشابهة كُتَّاب المصحف في الإشعار بابتداء السورة والإشعار بانتهاء التي قبلها.

واتفق المسلمون على ترك البسملة في أول سورة براءة وقد تبين وجه ذلك آنفاً، ووجَّهه الأئمة بوجوه أخر تأتي في أول سورة براءة، وذكر الجاحظ في «البيان والتبيين» أن مُؤرِّجاً السَّدُوسي البصري سمع رجلاً يقول: «أميرُ المؤمنين يَرُدُّ على المظلوم» فرجع مؤرج إلى مُصحفه فردَّ على براءة بسم الله الرحمٰن الرحيم، ويحمل هذا الذي صنعه مُؤَرج - إن صح عنه - نما هو على التمليح والهزل وليس على الجد.

وفي هذا ما يدل على أن اختلاف مذاهب القراء في قراءة البسملة في مواضع من القرآن ابتداء ووصلاً كما تقدم لا أثر له في الاختلاف في حكم قراءتها في الصلاة، فإن قراءتها في الصلاة تجري على أحكام النظر في الأدلة، وليست مذاهب القراء بمعدودة من أدلة الفقه، وإنما قراءاتهم روايات وسنة متبعة في قراءة القرآن دون استناد إلى اعتبار أحكام رواية القرآن من تواتر ودونه، ولا إلى وجوب واستحباب وتخيير، فالقارىء يقرأ كما روى عن معلميه ولا ينظر في حكم ما يقرأه من لزوم كونه كما قرأ أو عدم اللزوم، فالقراء تجري أعمالهم في صلاتهم على نزعاتهم في الفقه من اجتهاد وتقليد، ويوضح غلط من ظن أن خلاف الفقهاء في إثبات البسملة وعدمه مبني على خلاف القراء، كما يوضح تسامح صاحب «الكشاف» في عده مذاهب القراء في نسق مذاهب الفقهاء. وإنما اختلف المجتهدون لأجل الأدلة التي تقدم بيانها، وأما الموافقة بينهم وبين قراء أمصارهم غالباً في هاته المسألة فسببه شيوع القول بين أهل ذلك العصر بما قال به فقهاؤه في المسائل، أو شيوع الأدلة التي تلقاها المجتهدون من مشائخهم بين أهل ذلك العصر ولو من قبل ظهور المجتهد مثل سَبْق نافِعِ بن أبي نعيم إلى عدم ذكر البسملة قبل أن يقول مالك بعدم جزئيتها؛ لأن مالكاً تلقى أدلة نفيِ الجزئية عن علماء المدينة وعنهم أو عن شيوخهم تلقى نافع بن أبي نعيم، وإذ قد كنا قد تقلدنا مذهب مالك واطمأننا لمداركه في انتفاء كون البسملة آية من أول سورة البقرة كان حقاً علينا أن لا نتعرض لتفسيرها هنا وأن نرجئه إلى الكلام على قوله تعالى في سورة النمل (30): { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمٰن الرحيم } غير أننا لما وجدنا من سلفنا من المفسرين كلهم لم يهملوا الكلام على البسملة في هذا الموضع اقتفينا أثرهم إذ صار ذلك مصطلح المفسرين.

واعلم أن متعلق المجرور في {بسم الله} محذوف تقديره هنا أقرأ، وسبب حذف متعلق المجرور أن البسملة سنت عند ابتداء الأعمال الصالحة فَحُذف متعلق المجرور فيها حذفاً ملتزماً إيجازاً اعتماداً على القرينة، وقد حكى القرآن قول سحرة فرعون عند شروعهم في السحر بقوله: { فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون } [الشعراء: 44] وذكر صاحب «الكشاف» أن أهل الجاهلية كانوا يقولون في ابتداء أعمالهم: «باسم اللاتِ باسم العُزَّى» فالمجرور ظرف لغو معمول للفعل المحذوف ومتعلق به وليس ظرفاً مستقراً مثل الظروف التي تقع أخباراً، وَدليل المتعلق ينبىء عنه العمل الذي شُرع فيه فتعين أن يكون فعلاً خاصاً من النوع الدال على معنى العمل المشروع فيه دون المتعلِّق العام مثل: أبتَدِىء لأن القرينة الدالة على المتعلق هي الفعل المشروع فيه المبدوء بالبسملة فتعين أن يكون المقدر اللفظ الدال على ذلك الفعل، ولا يجري في هذا الخلاف الواقع بين النحاة في كون متعلق الظروف هل يقدر اسماً نحو كائن أو مُستقر أم فعلاً نحو كان أو استقر لأن ذلك الخلاف في الظروف الواقعة أخباراً أو أحوالاً بناء على تعارض مقتضى تقدير الاسم وهو كونه الأصل في الأخبار والحالية، ومقتضى تقدير الفعل وهو كونه الأصل في العمل لأن ما هنا ظرف لغو، والأصل فيه أن يعدى الأفعال ويتعلق بها، ولأن مقصد المبتدىء بالبسملة أن يكون جميع عمله ذلك مقارناً لبركة اسم الله تعالى فلذلك ناسب أن يقدر متعلق الجار لفظاً دالاً على الفعل المشروع فيه. وهو أنسب لتعميم التيمن لإجزاء الفعل، فالابتداء من هذه الجهة أقل عموماً، فتقدير الفعل العام يخصص وتقدير الفعل الخاص يعمم وهذا يشبه أن يلغز به. وهذا التقدير من المقدرات التي دلت عليها القرائن كقول الداعي للمُعَرِّس «بالرفاء والبنين» وقول المسافر عند حلوله وترحاله «باسم الله والبركات» وقول نساء العرب عندما يَزفُفْنَ العروس «باليُمْنِ والبركة وعلَى الطائر الميمون» ولذلك كان تقدير الفعل هٰهنا واضحاً. وقد أسعف هذا الحذف بفائدة وهي صلوحية البسملة ليَبتَدِىءَ بها كلُّ شارع في فعل فلا يلجأ إلى مخالفة لفظ القرآن عند اقتباسه، والحذف هنا من قبيل الإيجاز لأنه حذف ما قد يصرح به في الكلام، بخلاف متعلقات الظروف المستقرة نحو عندك خير، فإنهم لا يظهرون المتعلق فلا يقولون خير كائن عندك ولذلك عدوا نحو قوله:

فإنك كالليل الذي هو مُدركي

من المساواة دون الإيجاز (يعني مع ما فيه من حذف المتعلق). وإذ قد كان المتعلق محذوفاً تعين أن يقدر في موضعه متقدِّماً على المتعلِّق به كما هو أصل الكلام؛ إذ لا قصد هنا لإفادة البسملة الحَصر، ودعوى صاحب «الكشاف» تقديره مُؤخراً تعمق غير مقبول، لا سيما عند حالة الحذف، فالأنسب أن يقدر على حسب الأصل.

والباء باء الملابسة والملابسة، هي المصاحبة، وهي الإلصاق أيضاً فهذه مترادفات في الدلالة على هذا المعنى وهي كما في قوله تعالى: { تنبت بالدهن } [المؤمنون: 20] وقولهم: «بالرفاء والبنين» وهذا المعنى هو أكثر معاني الباء وأشهرها، قال سيبويه: الإلصاق لا يفارق الباء وإليه ترجع تصاريف معانيها ولذلك قال صاحب «الكشاف»: «وهذا الوجه (أي الملابسة) أعْرَبُ وأحسن» أي أحسن من جعل الباء للآلة أي أدخل في العربية وأحسن لما فيه من زيادة التبرك بملابسة جميع أجزاء الفعل لإسمه تعالى

والاسم لفظ جُعِل دالاً على ذات حسية أو معنوية بشخصها أو نوعها، وجعله أئمة البصرة مشتقاً من السمو وهو الرفعة لأنها تتحقق في إطلاقات الاسم ولو بتأويل فإن أصل الاسم في كلام العرب هو العلم ولا توضع الأعلام إلا لشيء مهتم به، وهذا اعتداد بالأصل والغالب، وإلا فقد توضع الأعلام لغير ما يهتم به كما قالوا فَجَارِ علم للفَجْرة. فأصل صيغته عند البصريين من الناقص الواوي فهو إما سِمْو بوزن حِمْل، أو سُمْو بوزن قفل فحذفت اللام حذفاً لمجرد التخفيف أو لكثرة الاستعمال ولذلك جرى الإعراب على الحرف الباقي، لأنه لو حذفت لامه لعلة صرفية لكان الإعراب مقدراً على الحرف المحذوف كما في نحو قاضٍ وجَوارٍ، فلما جرى الإعراب على الحرف الباقي الذي كان ساكناً نقلوا سكونه للمتحرك وهو أول الكلمة وجلبوا همزة الوصل للنطق بالساكن؛ إذ العرب لا تستحسن الابتداء بحرف ساكن لابتناء لغتهم على التخفيف، وقد قضوا باجتلاب الهمزة وطراً ثانياً من التخفيف وهوعود الكلمة إلى الثلاثي لأن الأسماء التي تبقى بالحذف على حرفين كيدٍ ودمٍ لا تخلو من ثِقل، وفي هذا دليل على أن الهمزة لم تجتلب لتعويض الحرف المحذوف وإلا لاجتلبوها في يدٍ ودمٍ وغدٍ.

وقد احتجوا على أن أصله كذلك بجمعه على أسماء بوزن أفعال، فظهرت في آخره همزة وهي منقلبة عن الواو المتطرفة إثر ألف الجمع، وبأنه جمع على أساميّ وهو جمع الجمع بوزن أفاعيل بإدغام ياء الجمع في لام الكلمة ويجوز تخفيفها كما في أثافِي وأَماني، وبأنه صُغِّر على سُمَي. وأن الفعل منه سمَّيْت، وهي حجج بينة على أن أصله من الناقص الواوي. وبأنه يقال سُمىً كهدى؛ لأنهم صاغوه على فُعَل كرُطَب فتنقلب الواو المتحركة ألفاً إثر الفتحة وأنشدوا على ذلك قول أبي خالد القَنَاني الراجز: واللَّهُ أَسْمَاكَ سُمًى مُبارَكاًآثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إِيثَارَكا

وقال ابن يعيش: لا حجة فيه لاحتمال كونه لغة من قال سُم والنصب فيه نصب إعراب لا نصب الإعلال، ورده عبد الحكيم بأن كتابته بالإمالة تدل على خلاف ذلك. وعندي فيه أن الكتابة لا تتعلق بها الرواية فلعل الذين كتبوه بالياء هم الذين ظنوه مقصوراً، على أن قياسها الكتابة بالألف مطلقاً لأنه واوي إلا إذا أريد عدم التباس الألف بألف النصب. ورَأْيُ البصريين أرجح من ناحية تصاريف هذا اللفظ. وذهب الكوفيون إلى أن أصله وِسْم بكسر الواو لأنه من السمة وهي العَلامة، فحذفت الواو وعوضت عنها همزة الوصل ليبقى على ثلاثة أحرف ثم يتوسل بذلك إلى تخفيفه في الوصل، وكأنهم رأوا أن لا وجه لاشتقاقه من السمو لأنه قد يستعمل لأشياء غير سامية وقد علمتَ وجه الجواب، ورأي الكوفيين أرجح من جانب الاشتقاق دون التصريف، على أن همزة الوصل لم يعهد دخولها على ما حذف صدره وردوا استدلال البصريين بتصاريفه بأنها يحتمل أن تكون تلك التصاريف من القلب المكاني بأن يكون أصل اسم وسم، ثم نقلت الواو التي هي فاء الكلمة فجعلت لاماً ليتوسل بذلك إلى حذفها ورد في تصرفاته في الموضع الذي حذف منه لأنه تنوسي أصله، وأجيب عن ذلك بأن هذا بعيد لأنه خلاف الأصل وبأن القلب لا يلزم الكلمة في سائر تصاريفها وإلا لما عرف أصل تلك الكلمة. وقد اتفق علماء اللغة على أن التصاريف هي التي يعرف بها الزائد من الأصلي والمنقلب من غيره. وزعم ابن حزم في كتاب «الملل والنحل» أن كلا قولي البصريين والكوفيين فاسد افتعله النحاة ولم يصح عن العرب وأن لفظ الاسم غير مشتق بل هو جامد وتطاول ببذاءته عليهم وهي جرأة عجيبة، وقد قالتعالى: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } [النحل: 43].

وإنما أقحم لفظ اسم مضافاً إلى علم الجلالة إذ قيل: (بسم الله) ولم يقل بالله لأن المقصود أن يكون الفعل المشروع فيه من شؤون أهل التوحيد الموسومة باسم الإلٰه الواحد فلذلك تقحم كلمة اسم في كل ما كان على هذا المقصد كالتسمية على النسك قال تعالى : { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } [الأنعام: 118] وقال: { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه } [الأنعام: 119] وكالأفعال التي يقصد بها التيمن والتبرك وحصول المعونة مثل: { اقرأ باسم ربك } [العلق: 1] فاسم الله هو الذي تمكن مقارنته للأفعال لا ذاته، ففي مثل هذا لا يحسن أن يقال بالله لأنه حينئذٍ يكون المعنى أنه يستمد من الله تيسيراً وتصرفاً من تصرفات قدرته وليس ذلك هو المقصود بالشروع، فقوله تعالى : { فسبح باسم ربك العظيم } [الواقعة: 74] أَمْرٌ بأن يقول سبحان الله، وقوله: { وسبحه } [الإنسان: 26] أمْرٌ بتنزيه ذاته وصفاته عن النقائص، فاستعمال لفظ الاسم في هذا بمنزلة استعمال سمات الإبل عند القبائل، وبمنزلة استعمال القبائل شعار تعارفهم، واستعمال الجيوش شعارهم المصطلح عليه. والخلاصة أن كل مقام يقصد فيه التيمن والانتساب إلى الرب الواحد الواجب الوجود يعدى فيه الفعل إلى لفظ اسم الله كقوله: { وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها } [هود: 41] وفي الحديث في دعاء الاضطجاع: "باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه" وكذلك المقام الذي يقصد فيه ذكر اسم الله تعالى كقوله تعالى : {فسبح باسم ربك العظيم} أي قل سبحان الله: { سبح اسم ربك الأعلى } [الأعلى: 1] وكل مقام يقصد فيه طلب التيسير والعون من الله تعالى يعدى الفعل المسؤول إلى علم الذات باعتبار ما له من صفات الخلق والتكوين كما في قوله تعالى : { فاسجد له } [الإنسان: 26] وقوله في الحديث: "اللهم بك نصبح وبك نمسي" أي بقدرتك ومشيئتك وكذلك المقام الذي يقصد فيه توجه الفعل إلى الله تعالى كقوله تعالى  : {فاسجد له} {وسبحه} أي نزه ذاته وحقيقته عن النقائص. فمعنى (بسم الله الرحمٰن الرحيم) أقرأ قراءة ملابسة لبركة هذا الاسم المبارك.

هذا وقد ورد في استعمال العرب توسعات في إطلاق لفظ الاسم مرة يعنون به ما يرادف المسمى كقول النابغة:

نبئتُ زُرعة والسفاهةُ كاسمها *** يُهدى إليَّ غرائبَ الأَشعار

يعني أن السفاهة هي لا تُعرَّف للناس بأكثر من اسمها وهو قريب من استعمال اسم الإشارة في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً } [البقرة: 143]. أي مثل ذلك الجعل الواضح الشهير ويطلقون الاسم مقحماً زائداً كما في قول لبيد:

 إلى الحولِ ثم اسم السلام عليكُما***
يعني ثم السلام عليكما وليس هذا خاصاً بلفظ الاسم بل يجىء فيما يرادفه مثل الكلمة في قوله تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى } [الفتح: 26] وكذلك «لفظ» في قول بشار هاجياً:

*** وكذاك، كان أبوك يؤثر بالهُنَى ويظل في لَفْظِ النَّدى يتَرَدَّد

وقد يطلق الاسم وما في معناه كنايةً عن وجود المسمى، ومنه قوله تعالى : { وجعلوا لله شركاء قل سموهم } [الرعد: 33] والأمر للتعجيز أي أثبتوا وجودهم ووضعَ أسماء لهم. فهذه اطلاقات أخرى ليس ذكر اسم الله في البسملة من قبيلها، وإنما نبهنا عليها لأن بعض المفسرين خلط بها في تفسير البسملة، ذكرتها هنا توضيحاً ليكون نظركم فيها فسيحاً فشدوا بها يداً ولا تتبعوا طرائق قدداً.

وقد تكلموا على ملحظ تطويل الباء في رسم البسملة بكلام كله غير مقنع، والذي يظهر لي أن الصحابة لما كتبوا المصحف طولوها في سورة النمل للإشارة إلى أنها مبدأ كتاب سليمان فهي من المحكي، فلما جعلوها علامة على فواتح السور نقلوها برسمها، وتطويل الباء فيها صالح لاتخاذه قدوة في ابتداء الغرض الجديد من الكلام بحرف غليظ أو ملون.

والكلام على اسم الجلالة ووصفه يأتي في تفسير قوله تعالى : { الحمد لله رب العالمين الرحمٰن الرحيم } [الفاتحة: 2، 3].

ومناسبة الجمع في البسملة بين علم الجلالة وبين صفتي الرحمٰن الرحيم، قال البيضاوي إن المُسمِّي إذا قصَد الاستعانة بالمعبود الحق الموصوف بأنه مُولي النعم كلها جليلها ودقيقها يذكر عَلَم الذات إشارة إلى استحقاقه أن يستعان به بالذات، ثم يذكر وصف الرحمٰن إشارة إلى أن الاستعانة على الأعمال الصالحة وهي نعم، وذكر الرحيم للوجوه التي سنذكرها في عطف صفة الرحيم على صفة الرحمٰن.

وقال الأستاذ الإمام محمد عبده: إن النصارى كانوا يبتدئون أدعيتهم ونحوها باسم الأب والابن والروح القدس إشارة إلى الأقانيم الثلاثة عندهم، فجاءت فاتحة كتابِ الإسلام بالرد عليهم موقظة لهم بأن الإلٰه الواحد وإن تعددت أسماؤه فإنما هو تعدد الأوصاف دون تعدد المسميات، يعني فهو رد عليهم بتغليظ وتبليد. وإذا صح أن فواتح النصارى وأدعيتهم كانت تشتمل على ذلك - إذ الناقل أمين - فهي نكتة لطيفة.

وعندي أن البسملة كان ما يرادفها قد جرى على ألسنة الأنبياء من عهد إبراهيم عليه السلام  فهي من كلام الحنيفية، فقد حكى الله عن إبراهيم أنه قال لأبيه: { يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمٰن } [مريم: 45]، وقال: { سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً } [مريم: 47] ومعنى الحفي قريب من معنى الرحيم. وحُكِي عنه قوله: { وتُب علينا إنك أنت التواب الرحيم } [البقرة: 128]. وورد ذكر مرادفها في كتاب سليمان إلى ملكة سبأ: { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمٰن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين } [النمل: 30، 31]. والمظنون أن سليمان اقتدى في افتتاح كتابه بالبسملة بسنة موروثة من عهد إبراهيم جعلها إبراهيم كلمة باقية في وارثي نبوته، وأن الله أحيا هذه السنة في الإسلام في جملة ما أوحى له من الحنيفية كما قال تعالى: { ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل } [الحج: 78].

 

التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي

وهي سبع آيات
(سورة أم القرآن) وتسمى سورة الحمد لله، وفاتحة الكتاب، والواقية، والشافية، والسبع المثاني.
وفيها عشرون فائدة، سوى ما تقدّم في اللغات من تفسير ألفاظها، واختلف هل هي مكية أو مدنية؟ ولا خلاف أن الفاتحة سبع آيات، إلّا أنّ الشافعي يعدّ البسملة آية منها، والمالكيّ يسقطها، ويعدّ أنعمت عليهم آية.
الفائدة الأولى: قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة عند مالك والشافعي، خلافا لأبي حنيفة وحجتهما قوله صلّى الله عليه واله وسلّم للذي علمه الصلاة: «اقرأ ما تيسر من القرآن».

التفسير الميسّر

سميت هذه السورة بالفاتحة; لأنه يفتتح بها القرآن العظيم، وتسمى المثاني; لأنها تقرأ في كل ركعة، ولها أسماء أخر.
أبتدئ قراءة القرآن باسم الله مستعينا به، (اللهِ) علم على الرب -تبارك وتعالى- المعبود بحق دون سواه، وهو أخص أسماء الله تعالى، ولا يسمى به غيره سبحانه.
(الرَّحْمَنِ) ذي الرحمة العامة الذي وسعت رحمته جميع الخلق، (الرَّحِيمِ) بالمؤمنين، وهما اسمان من أسمائه تعالى، يتضمنان إثبات صفة الرحمة لله تعالى كما يليق بجلاله.

التفسير الوسيط لطنطاوي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (1)
سورة الفاتحة هي السورة الوحيدة التي أمر الإسلام أتباعه أن يقرءوها في كل صلاة. وفي جميع الركعات، وفي كل الأوقات، ولهذا أصبح حفظها ميسورا لكل مؤمن.
وهذه السورة على صغر حجمها، وقلة آياتها، قد اشتملت بوجه إجمالي على مقاصد الدين من توحيد، وتعبد، وأحكام، ووعد ووعيد.
ونرى من الخير قبل أن نبدأ في تفسيرها بالتفصيل، أن نمهد لذلك بالكلام عما يأتي:
أولا: متى نزلت سورة الفاتحة؟
للإجابة على هذا السؤال نقول: إن الرأي الراجح بين المحققين من العلماء أنها نزلت بمكة، بل هي من أوائل ما نزل من القرآن بمكة.
وقيل: إنها مدنية. وقيل: إنها نزلت مرتين مرة بمكة حين فرضت الصلاة ومرة بالمدينة حين حولت القبلة.
قال القرطبي: الأول أصح لقوله- تعالى- في سورة الحجر: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وسورة الحجر مكية بالإجماع. ولا خلاف في أن فرض الصلاة كان بمكة، وما حفظ أنه لم يكن في الإسلام قط صلاة بغير الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «يدل على ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» . وهذا خبر عن الحكم لا عن الابتداء» .
ثانيا: عدد آياتها: وهي سبع آيات لقوله- تعالى-: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ. قال العلماء: السبع المثاني هي الفاتحة.
وقال ابن كثير: هي سبع آيات بلا خلاف. وقال عمرو بن عبيد: هي ثماني آيات لأنه جعل إِيَّاكَ نَعْبُدُ آية. وقال حسين الجعفي: هي ست آيات وهذان القولان شاذان» .
ثالثا: أسماؤها: لسورة الفاتحة أسماء كثيرة من أشهرها:
1- «الفاتحة أو فاتحة الكتاب، وسميت بذلك لأنه تفتتح قراءة القرآن بها لفظا. وتفتتح بها الكتابة في المصحف خطا، وتفتتح بها الصلوات، وإن لم تكن هي أول ما نزل من القرآن. وقد اشتهرت بهذا الاسم في أيام النبوة.
وقد أصبح هذا الاسم علما بالغلبة لتلك الطائفة من الآيات التي مبدؤها الْحَمْدُ لِلَّهِ..
ونهايتها.. وَلَا الضَّالِّينَ.
2- «أم القرآن أو الكتاب» وسميت بذلك لاشتمالها إجمالا على المقاصد التي ذكرت فيه تفصيلا، أو لاشتمالها على ما فيه من الثناء على الله بما هو أهله، والتعبد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده، أو على جملة معانيه من الحكم النظرية، والأحكام العملية التي هي سلوك الصراط المستقيم، والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء.
قال ابن جرير: «والعرب تسمى كل أمر جامع أمّا، وكل مقدم له توابع تتبعه «أما» فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ: «أم الرأس» . وتسمى لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها «أما» .
3- «السبع المثاني» جمع مثنى كفعلي اسم مكان. أو مثنى- بالتشديد- من التثنية على غير قياس. وسميت بذلك لأنها سبع آيات في الصلاة، أي تكرر فيها أخرج الإمام أحمد، عن أبي هريرة، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «هي أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم» .
4- وتسمى- أيضا- سورة «الحمد» . 5- و «الكنز» . 6- و «الواقية» .
7- و «الشفاء» ، لحديث. هي الشفاء من كل داء.
8- و «الكافية» لأنها تكفي عن سواها ولا يكفى سواها عنها.
9- و «الأساس» . 10- و «الرقية» .
هذا، وقد ذكر القرطبي للفاتحة اثنى عشر اسما، كما ذكر السيوطي لها في كتابه «الإتقان» خمسة وعشرين اسما.
رابعا: فضلها: ورد في فضل سورة الفاتحة أحاديث كثيرة منها:
ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد بن المعلى- رضي الله عنه- قال:
كنت أصلي في المسجد، فدعاني النبي صلّى الله عليه وسلّم فلم أجبه فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلّي.
فقال: ألم يقل الله: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ.
ثم قال لي: «لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد» . ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت: يا رسول الله. ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن. قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» .
وروى مسلّم والنسائي، عن ابن عباس، قال:
بينما جبريل قاعد عند النبي صلّى الله عليه وسلّم سمع نقيضا من فوقه- أي: صوتا- فرفع رأسه فقال:
هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم. فسلّم وقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما، ولم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته» .
وروى مسلّم عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:
«من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج (ثلاثا) : غير تمام» فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: قال الله- تعالى-: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل» ، فإذا قال العبد:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قال الله تعالى: أثنى علي عبدي. وإذا قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال الله: مجدني عبدي. فإذا قال:
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال:
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
قال الله: «هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» .
وأخرج الإمام أحمد في مسنده، عن عبد الله بن جابر، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال له: ألا أخبرك بأخير سورة في القرآن؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: اقرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ حتى تختمها .
تلك هي بعض الأحاديث التي وردت في فضل هذه السورة الكريمة.
وقد ذكر العلماء أنه يسن للمسلّم قبل القراءة أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، استجابة لقوله- تعالى- فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ .
ومعنى «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» : ألتجئ إلى الله وأتحصن به، واستجير بجنابه من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي.
قال ابن كثير: «والشيطان في لغة العرب كل متمرد من الجن والإنس والدواب وكل شيء.
وهو مشتق من شطن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع الشر، وبعيد بفسقه عن كل خير.
وقيل: مشتق من شاط لأنه مخلوق من نار. والأول أصح إذ عليه يدل كلام العرب، فهم:
يقولون تشيطن فلان إذا فعل أفعال الشيطان، ولو كان من شاط. لقالوا: تشيط، فالشيطان مشتق من البعد على الصحيح» .
والرجيم: فعيل بمعنى مفعول أي أنه مرجوم مطرود من رحمة الله ومن كل خير، وقيل:
رجيم بمعنى راجم لأنه يرجم الناس بالوساوس والشكوك.
قال بعض العلماء: «وإنما خصت القراءة بطلب الاستعاذة مع أنه قد أمر بها على وجه العموم في جميع الشئون، لأن القرآن مصدر الهداية والشيطان مصدر الضلال، فهو يقف للإنسان بالمرصاد في هذا الشأن على وجه خاص، فيثير أمامه ألوانا من الشكوك فيما يقرأ، وفيما يفيد من قراءته، وفيما يقصد بها، فيفوت عليه الانتفاع بهدى الله وآياته، فعلمنا الله أن نتقي ذلك كله بهذه الاستعاذة التي هي في الواقع عنوان صدق، وتعبير حق، عن امتلاء قلب المؤمن بمعنى اللجوء إلى الله، وقوة عزيمته في طرد الوساوس والشكوك، واستقبال الهداية بقلب طاهر،وعقل واع، وإيمان ثابت» .
قال القرطبي: وقد أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن ولا آية منه، وهو قول القارئ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .
والآن وبعد هذا التمهيد الموجز الذي تكلمنا فيه عن نزول سورة الفاتحة، وعن عدد آياتها، وعن أشهر أسمائها، وعن بعض الأحاديث التي وردت في فضلها نحب أن نبدأ في تفسير السورة الكريمة فنقول- وبالله التوفيق-:
{ بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ }
الاسم: اللفظ الذى يدل على ذات أو معنى. وقد اختلف النحويون في اشتقاقه على وجهين، فقال البصريون: هو مشتق من السمو، وهو العلو والرفعة، فقيل: اسم، لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به.
وقال الكوفيون: إنه مشتق من السمة وهي العلامة، لأن الاسم علامة لمن وضع له، فأصل اسم على هذا " وسم ".
ويرى المحققون أن رأي البصريين أرجح، لأنه يقال في تصغير " اسم " سُمىَ، وفي جمعه أسماء، والتصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها. ولو كان أصله وسم - كما قال الكوفيون - لقيل في جمعه: أوسام، وفي تصغيره وسيم.
ولفظ الجلالة وهو " الله " علم على ذات الخالق - عز وجل - تفرد به - سبحانه - ولا يطلق على غيره، ولا يشاركه فيه أحد.
قال القرطبي: قوله " الله " هذا الاسم أكبر أسمائه - سبحانه - وأجمعها حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره، ولذلك لم يثن ولم يجمع: فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإِلهية، المنعوت بنعوت الربوبيه، المنفرد بالوجود الحقيقي، لا إله إلا هو - سبحانه -
و { ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } صفتان مشتقتان من الرحمة. والرحمة في أصل اللغة: رقة في القلب تقتضي الإِحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفاً لله - تعالى-، ولذا فسرها بعض العلماء بإرادة الإِحسان. وفسرها آخرون بالإِحسان نفسه.
والموافق لمذهب السلف أن يقال: هي صفة قائمة بذاته - تعالى - لا نعرف حقيقتها، وإنما نعرف أثرها الذي هو الإِحسان.
وقد كثرت أقوال المفسرين في العلاقة بين هاتين الصفتين، فبعضهم يرى أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم على جميع الخلق. وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم على المؤمنين خاصه. ويرى آخرون أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم بجلائل النعم، وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم بدقائقها.
ويرى فريق ثالث أن الوصفين بمعنى واحد وأن الثاني منهما تأكيد للأول. والذى يراه المحققون من العلماء أن الصفتين ليستا بمعنى واحد، بل روعي فب كل منهما معنى لم يراع في الآخر، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة، لأن فعلان صيغة مبالغة في كثرة الشيء وعظمته، ويلزم منه الدوام كغضبان وسكران. والرحيم بمعنى دائم الرحمة، لأن صيغته فعيل تستعمل في الصفات الدائمة ككريم وظريف. فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائمة.
أو أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } صفة ذاتية هي مبدأ الرحمة والإِحسان. و { ٱلرَّحِيمِ } صفة فعل تدل على وصول الرحمة والإِحسان وتعديهما إلى المنعم عليه.
ولعل مما يؤيد ذلك أن لفظ الرحمن لم يذكر في القرآن إلا مجرى عليه الصفات كما هو الشأنِ في أسماء الذات. قال - تعالى-:
{ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ } و
{ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ }
{ قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ }
وهكذا...
أما لفظ الرحيم فقد كثر في القرآن استعماله وصفاً فعلياً، وجاء في الغالب بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه. قال - تعالى -
{ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ }
{ وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً }
{ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }
إلخ.
قال بعض العلماء " وهذا الرأي في نظرنا هو أقوى الآراء، فإن تخصيص أحد الوصفين بدقائق النعم أو ببعض المنعم عليهم لا دليل عليه، كما أنه ليس مستساغاً أن يقال في القرآن: إن كلمة ذكرت بعد أخرى لمجرد تأكيد المعنى المستفاد منها ".
والجار والمجرور " بسم " متعلق بمحذوف تقديره ابتدئ.
والمعنى: ابتدئ قراءتي متبركاً ومتيمناً باسم الله الذى هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، والذى رحمته وسعت كل شيء، وأتبرأ مما كان يفعله المشركون والضالون، من ابتدائهم قراءتهم وأفعالهم باسم اللات أو باسم العزى أو باسم غيرهما من الآلهة الباطلة.
هذا وقد أجمع العلماء على أن البسملة جزء آية من سورة النمل فى قوله - تعالى -
{ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }
ثم اختلفوا بعد ذلك في كونها آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور مرة واحدة، أو هى آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة ألخ.
فبعضهم يرى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة، ومن حججهم أن السلف قد أثبتوها في المصحف مع الأمر بتجريد القرآن مما ليس منه، ولذا لم يكتبوا " آمين ". فثبت بهذا أن البسملة جزء من الفاتحة ومن كل سورة.
وبهذا الرأي قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير والشافعي، وأحمد في أحد قوليه.
ويرى آخرون أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقالوا: إنها آية فذة. من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها، ومن حججهم أنها لو كانت آية من الفاتحة ومن كل سورة، لما اختلف الناس في ذلك، ولما اضطربت أقوالهم في كونها آية من كل سورة أو من الفاتحة فقط.
وكما وقع الخلاف بين العلماء في كونها آية مستقلة أو آية من كل سورة، فقد وقع الخلاف بينهم - أيضاً - في وجوب قراءتها فى الصلاة، وفي الجهر بها أو الإِسرار إذا قرئت.
وتحقيق القول في ذلك مرجعه إلى كتب الفقه، وإلى كتب التفسير التي عنيت بتفسير آيات الأحكام.

الدر المصون للسمين الحلبي

[آية رقم : 1]
مصدر بَسْمَلَ، أي قال: بسم الله، نحو: حَوْقَلَ وهيْلَلَ وحَمْدَلَ، أي: قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا إله إلا الله، والحمد لله. وهذا شَبيه بباب النحت في النسب، أي إنهم يأخذون اسمَيْن فَيَنْحِتون منهما لفظاً واحداً، فينسِبون إليه كقولهم: حَضْرَميّ وعَبْقَسيّ وعَبْشَميّ نسبةً إلى حَضْرَمَوْت وعبدِ القَيْس وعبدِ شمس. قال: 6 - وتضحَكُ مني شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّة ... كَأَنْ لم تَرَيْ قبلي أسيراً يَمانياً وهو غيرُ مقيس، فلا جرم أن بعضهم قال في: بَسْمل وهَيْلل إنها لغة مُوَلَّدَة، [قال الماوردي: يقال لمَنْ قال: بسم الله: مُبَسْمِل وهي] لغةٌ مُوَلَّدة وقد جاءَتْ في الشعر، قال عمر بن أبي ربيعة: 7 - لقد بَسْمَلَتْ ليلى غداةَ لقِيتُها ... ألا حَبَّذا ذاكَ الحديثُ المُبَسْمِلُوغيرُه من أهلِ اللغةِ نَقَلها ولَم يقُلْ إنها مُوَلَّدَة ك ثعلب والمطرِّز. وبِسْم: جارٌّ ومجرور، والباء هنا للاستعانة كعَمِلت وبالقَدُوم، لأنَّ المعنى: أقرأ مستعيناً بالله، ولها معانٍ أُخَرُ تقدَّم الوعدُ بذكرها، وهي: الإِلصاقُ حقيقةً أو مجازاً، نحو: مَسَحْتُ برأسي، مررْتُ بزيدٍ، والسببية: [نحو] {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ} [النساء: 160] ، أي بسببِ ظلمهم، والمصاحبة نحو: خرج زيدٌ بثيابه، أي مصاحباً لها، والبدلُ كقوله عليه السلام: «ما يَسُرُّنِي بها حُمْرُ النَّعَم» أي بدلها، وكقول الآخر: 8 - فليتَ لي بِهِمُ قوماً إذا ركبوا ... شَنُّوا الإِغارةَ فرساناً ورُكْبانا أي: بَدَلَهم، والقسم: أحلفُ باللهِ لأفعلنَّ، والظرفية نحو: زيد بمكة أي فيها، والتعدية نحو: {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] ، والتبعيض كقول الشاعر: 9 - شَرِبْنَ بماءِ البحر ثم ترفَّعَتْ ... متى لُجَجٍ خُضْرٍ لهنَّ نَئيجُأي من مائه، والمقابلة: «اشتريتهُ بألف» أي: قابلتُه بهذا الثمنِ، والمجاوزة مثلُ قولِه تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام} [الفرقان: 25] أي عن الغمام، ومنهم مَنْ قال: لا تكون كذلك إلا مع السؤال خاصة نحو: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} [الفرقان: 59] أي عنه، وقول علقمة: 10 - فإنْ تَسْأَلوني بالنساءِ فإنني ... خبيرٌ بأَدْواءِ النساء طبيبُ إذا شابَ رأسُ المرءِ أو قلَّ مالُه ... فليس له في وُدِّهِنَّ نَصيبُ والاستعلاء كقوله تعالى: {مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} [آل عمران: 75] . والجمهورُ يأبَوْن جَعْلها إلا للإِلصاق أو التعديةِ، ويَرُدُّون جميعَ المواضعِ المذكورةِ إليهما، وليس هذا موضعَ استدلال وانفصال. وقد تُزاد مطَّردةً وغيرَ مطَّردة، فالمطَّردةُ في فاعل «كفى» نحو: {وكفى بالله} [النساء: 6] / أي: كفى اللهُ، بدليل سقوطِها في قول الشاعر: 11 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... كفى الشيبُ والإِسلامُ للمرءِ ناهياً وفي خبرِ ليس و «ما» أختِها غيرَ موجَبٍ ب إلاَّ، كقوله تعالى: {أَلَيْسَالله بِكَافٍ [عَبْدَهُ] } [الزمر: 36] ، {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ} [الأنعام: 132] وفي: بحَسْبكِ زيدٌ. وغيرَ مطَّردةٍ في مفعولِ «كفَى» ، كقوله: 12 - فكفى بنا فَضْلاً على مَنْ غيرُنا ... حُبُّ النبيِّ محمدٍ إيانا أي: كَفانا، وفي البيت كلامٌ آخرُ، وفي المبتدأ غيرَ «حَسْب» ومنه في أحدِ القولين: {بِأَييِّكُمُ المفتون} [القلم: 6] وقيل: المفتون مصدر كالمَعْقول والمَيْسور، فعلى هذا ليست زائدةً، وفي خبر «لا» أختِ ليس، كقوله: 13 - فكُنْ لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعةٍ ... بمُغْنٍ فتيلاً عن سَوادِ بنِ قاربِ أي: مُغْنياً، وفى خبرِ كان مَنْفِيَّةً نحو: 14 - وإنْ مُدَّتِ الأيدي إلى الزادِ لم أكنْ ... بِأعجلِهم، إذْ أَجْشَعُ القومِ أَعْجَلُ أي: لم أكنْ أعجلَهم، وفي الحال وثاني مفعولَيْ ظنَّ منفيَّيْنِ أيضاً كقوله: 15 - فما رَجَعَتْ بخَائِبَةٍ رِكابٌ ... حكيمُ بنُ المُسَيَّب مُنْتَهاهاوقولِ الآخر: 16 - دعاني أخي والخيلُ بيني وبينه ... فلمَّا دعاني لم يَجِدْني بقُعْدَدِ أي: ما رَجَعَت رِكابُ خائبةً، ولم يَجِدْني قُعْدَداً، وفي خبر «إنَّ» كقول امرئ القيس: 17 - فإنْ تَنْأَ عنها حِقْبَةً لا تُلاقِها ... فإنك ممَّا أَحْدَثَتْ بالمُجَرِّبِ أي: فإنك المجرِّب، وفي: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله} [الأحقاف: 33] وشبهه. والاسمُ لغةً: ما أبانَ عن مُسَمَّى، واصطلاحاً: ما دلَّ على معنىً في نفسه فقط غيرَ متعرِّضٍ بِبُنْيَتِهِ لزمان ولا دالٍّ جزءٌ من أجزائه على جزءٍ من أجزاء معناه، وبهذا القيدِ الأخيرِ خَرَجت الجملةُ الاسميةُ، والتسميةُ: جَعْلُ ذلك اللفظِ دالاًّ على ذلك المعنى. واختلف الناسُ: هل الاسمُ عينُ المُسَمَّى أو غيرُه؟ وهي مسألةٌ طويلةٌ، تكلَّم الناسُ فيها قديماً وحديثاً واستشكلوا على كونه هو المُسَمَّى إضافَتَه إليه، فإنه يلزم منه إضافةُ الشيء إلى نفسِه، وأجاب أبو البقاء عن ذلك بثلاثة أجوبة، أجودُها: أنَّ الاسم هنا بمعنى التسمية، والتسميةُ غيرُ الاسم، لأنَّ التسمية هي اللفظُ بالاسم، والاسمَ هو اللازمُ للمُسَمَّى فتغايرا. الثاني: أنَّ في الكلام حَذْفَ مضافٍ تقديرُه: باسم مُسَمَّى اللهِ. الثالث: أن لفظَ «اسم» زائدٌ كقولِه:18 - إلى الحَوْلِ ثم اسمُ السلامِ عليكما ... ومَنْ يَبْكِ حولاً كاملاً فقد اعتذَرْ أي: السلام عليكما، وقول ذي الرمة: 19 - لاَ يَرْفَعُ الطرفَ إلاَّ ما تَخَوَّنَهُ ... داعٍ يُناديه باسمِ الماءِ مَبْغَومُ وإليه ذهب أبو عبيدة والأخفش وقطرب. واختلفوا في معنى الزيادة فقال الأخفش: ليخرجَ من حُكْمِ القسم إلى قَصْدِ التبرُّك «. وقال قطرب:» زيد للإِجلال والتعظيم «، وهذان الجوابان ضعيفان لأنَّ الزيادةَ والحذفَ لا يُصار إليهما إلاَّ إذا اضطُرَّ إليهما. ومن هذا القَبيلِ - أعني ما يُوهِمُ إضافةَ الشيءِ إلى نفسِه - إضافةُ الاسمِ إلى اللقبِ والموصوفِ إلى صفتهِ، نحو: سعيدُ كُرزٍ وزيدُ قُفَّةٍ ومسجدُ الجامعِ وبَقْلَةُ الحمقاءِ، ولكن النحويين أوَّلوا النوع الأول بأنْ جعلوا الاسمَ بمعنى المُسَمَّى واللقبَ بمعنى اللفظِ، فتقديرُه: جاءني مسمَّى هذا اللفظِ، وفي الثاني جَعَلوه على حَذْفِ مضافٍ، فتقديرُ بقلةِ الحمقاءِ: بقلةُ الحبِّةِ الحمقاءِ، ومسجدُ الجامعِ: مسجدُ المكانِ الجامعِ.واختلف النحويون في اشتقاقه: فذهب أهلُ البصرة إلى أنه مشتقٌ من السُّمُوِّ وهو الارتِفاعُ، لأنه يَدُلُّ على مُسَمَّاه فيرفعُه ويُظْهِرهُ، وذهب الكوفيون إلى أنه مشتق من الوَسْم وهو العلامةُ لأنه علامةٌ على مُسَمَّاه، وهذا وإنْ كان صحيحاً من حيث المعنى لكنه فاسدٌ من حيث التصريفُ. استدلَّ البصريون على مذهبهم بتكسيرِهم له على «أَسْماء» وتصغيرهم له على سُمَيّ، لأن التكسير والتصغير يَرُدَّان الأشياء إلى أصولها، وتقولُ العَربُ: فلانٌ سَمِيُّك، وسَمَّيْتُ فلاناً بكذا، وأَسْمَيْتُه بكذا، فهذا يَدُلُّ على اشتقاقه من السموّ، ولو كان من الوَسْم لقيل في التكسير: أَوْسام، وفي التصغير: وُسَيْم، ولقالوا: وَسِيمُك فلانٌ ووَسَمْتُ وأَوْسَمْتُ فلاناً بكذا، فدلَّ عدمُ قولِهم ذلك أنه ليس كذلك. وأيضاً فَجَعْلُه من السموّ مُدْخِلٌ له في البابِ الأكثرِ، وجَعْلُه من الوَسْم مُدْخِلٌ له في الباب الأقلِّ؛ وذلك أن حَذْفَ اللام كثيرٌ وحذفَ الفاءِ قليلٌ، وأيضاً فإنَّا عَهِدْناهم غالباً يُعَوِّضون في غير محلِّ الحَذْفَ فَجَعْلُ همزةِ الوصل عوضاً من اللام موافقٌ لهذا الأصل بخلافِ ادِّعاءِ كَوْنِها عوضاً من الفاء. فإن قيل: قولُهم «أسماء» في التكسير و «سُمَيّ» في التصغير لا دلالةَ فيه لجوازِ أن يكون الأصلُ: أَوْسَاماً ووُسَيْماً، ثم قُلِبَتِ الكلمةُ بأَنْ أُخِّرَتْ فاؤُها بعد لامها فصار لفظُ أَوْسام: أَسْماواً، ثم أُعِلَّ إعلالَ كساء، وصار وُسَيْم سُمَيْوَاً، ثم أُعِلَّ إعلالَ جُرَيّ تصغير جَرْو. فالجوابُ أنَّ ادِّعاء ذلك لا يفيدُ، لأنَّ القَلْبَ على خلافِ القياس فلا يُصارُ إليه ما لم تَدْعُ إليه ضرورةٌ. وهل لهذا الخلافِ فائدةٌ أم لا؟ والجوابُ أن له فائدةً، وهي أَنَّ مَنْ قال باشتقاقِه من العلوِّ يقول: إنه لم يَزَلْ موصوفاً قبل وجودِ الخلق وبعدَهموعند فَنائِهم، لا تأثيرَ لهم في أسمائه ولا صفاتِه وهو قول أهل السُّنَّةِ. وَمنْ قال بأنه مشتقٌّ من الوَسْم يقول: كان الله في الأزل بلا اسم ولا صفةٍ، فلما خَلَقَ الخلق جعلوا له أسماءً وصفاتٍ وهو قول المعتزلة، وهذا أشدُّ خطأً من قولِهم بخلق القرآن وعلى هذا الخلافِ وَقَعَ الخلافُ أيضاً في الاسم والمُسَمَّى. وفي الاسم خمسُ لغاتٍ: «اسم» بضم الهمزة وكسرها، و «سُِم» بكسر السين وضمها. وقال أحمد بن يحيى: «سُمٌ بضم السين أَخَذَه من سَمَوْتُ أسْمُو، ومَنْ قاله بالكسر أخذه من سَمَيْتُ أَسْمي، وعلى اللغتين قوله: 20 - وعامُنا أَعْجبنا مُقَدَّمُهْ ... يُدْعى أبا السَّمْحِ وقِرضابٌ سُِمُهْ مُبْتَرِكاً لكلِّ عَظْمٍ يَلْحُمُهْ ... يُنْشَدُ بالوجهين، وأنشدوا على الكسر: 21 - باسمِ الذي في كلِّ سورةٍ سِمُهْ ... [فعلى هذا يكون في لام» اسم «وجهان، أحدُهما: أنها واو، والثاني: أنها ياء وهو غريبٌ، ولكنَّ] أحمد بن يحيى جليلُ القدر ثقةٌ فيما ينقل. و» سُمَىً «مثل هُدَىً. واستدلُّوا على ذلك بقول الشاعر:22 - واللهُ أَسْماك سُمَىً مُبارَكاً ... آثرك اللهُ به إيثارَكَا ولا دليلَ في ذلك لجوازِ أن يكونَ من لغةِ مَنْ يجعله منقوصاً مضمومَ السين وجاء به منصوباً، وإنما كان ينتهض دليلاً لو قيل: سُمَىً حالةَ رفعٍ أو جَرٍّ. وهمزتُه همزةُ وصلٍ أي تُثْبَت ابتداءً وتُحْذَفُ دَرْجَاً، وقد تُثْبَتُ ضرورةً كقوله: 23 - وما أنا بالمَخْسوسِ في جِذْمِ مالكٍ ... ولا مَنْ تسمَّى ثم يلتزِم الإِسْما وهو أحدُ الأسماءِ العشرةِ التي ابتُدِئ في أوائِلها بهمزةِ الوصلِ/ وهي: اسم واست وابن وابنُم وابنة وامرؤ وامرأة واثنان واثنتان وايمنُ في القسم. والأصل في هذه الهمزةِ أن تُثْبَتَ خَطَّاً كغيرِها من همزاتِ الوصل، وإنما حَذَفوها حين يُضاف الاسمُ إلى الجلالةِ خاصةً لكثرة الاستعمال. وقيل: ليوافقَ الخطُّ اللفظَ. وقيل لا حذفَ أصلاً، وذلك لأن الأصل: «سِمٌ» أو «سُم» بكسر السين أو ضمها فلمَّا دخلتِ الباءُ سَكَنَتِ العينُ تخفيفاً، لأنه وقع بعد الكسرة كسرةٌ أو ضمةٌ، [وهذا حكاه النحاس وهو حسن] ، فلو أضيف إلى غير الجلالة ثَبَتَتْ، نحو: باسم الرحمن، هذا هو المشهور، وحُكِيَ عن الكسائي والأخفش جوازُ حََذْفِها إذا أُضيفت إلى غيرِ الجلالة من أسماء الباري تعالى نحو: بسمِ ربِّك، بسمِ الخالق.واعْلم أنَّ كلَّ جار ومجرور لا بُدَّ له من شيءٍ يَتَعَلَّقُ به، فعلٍ أو ما في معناه، إلا في ثلاثِ صور: حرفِ الجر الزائد ولعلَّ ولولا عند مَنْ يجر بهما، وزاد الاستاذ ابن عصفور كافَ التشبيه، وليس بشيء فإنها تتعلَّق. إذا تقرر ذلك ف «بسم الله» لا بدَّ من شيء يتعلق به ولكنه حُذِف. واختلف النحويون في ذلك، فذهب أهلُ البصرةِ إلى أنَّ المُتَعَلَّقَ به اسمٌ، وذهب أهلُ الكوفة إلى أنه فِعْلٌ، ثم اختَلَفَ كلٌ من الفريقين: فذهب بعضُ البصريين إلى أنَّ ذلك المحذوفَ مبتدأٌ حُذِفَ هو وخبرهُ وبقي معمولُه، تقديره: ابتدائي باسم الله كائنٌ أو مستقرٌ، أو قراءتي باسم الله كائنةٌ أو مستقرة. وفيه نظرٌ من حيث إنه يلزمُ حَذْفُ المصدرِ وإبقاءُ معمولِه وهو ممنوعٌ، وقد نص مكي على مَنْع هذا الوجهِ. وذهبَ بعضُهم إلى أنه خبرٌ حُذِف هو ومبتدؤه أيضاً وبقي معمولُه قائماً مَقامَه، والتقدير: ابتدائي كائنٌ باسمِ الله، أو قراءتي كائنةٌ باسم الله نحو: زيدٌ بمكةَ، فهو على الأول منصوبُ المحلِّ وعلى الثاني مرفوعُه لقيامِهِ مقامَ الخبر. وذهب بعضُ الكوفيين إلى أنَّ ذلك الفعلَ المحذوفَ مقدَّرٌ قبله، قال: لأنَّ الأصلَ التقديمُ، والتقدير: أقرأُ باسم الله أو أبتدئُ باسم الله. ومنهم مَنْ قدَّر بعده: والتقدير: باسم الله أقرأ أو أبتدئ أو أتلو، وإلى هذا نحا الزمخشري قال: «ليفيدَالتقديمُ الاختصاصَ لأنه وقع ردًّاً على الكفرة الذين كانوا يبدؤون بأسماءِ آلهتهم كقولهم: باسم اللات، باسم العُزَّى» وهذا حسنٌ جداً، ثم اعترض على نفسِه بقولِه تعالى: {اقرأ باسم رَبِّكَ} [القلم: 1] ، حيث صَرَّح بهذا العامل مُقَدَّماً على معمولِه، ثم أجاب بأنَّ تقديمَ الفعل في سورة العلق أوقعُ لأنها أولُ سورةٍ نَزَلَت فكان الأمرُ بالقراءة أهمَّ «. وأجاب غيرُه بأنَّ ب» اسم ربك «ليس متعلقاً ب» اقرأ «الذي قبله، بل ب» اقرأ «الذي بعده، فجاء على القاعدة المتقدمة. وفي هذا نظرٌ لأن الظاهرَ على هذا القول أن يكون «اقرأ» الثاني توكيداً للأول فيكون قد فَصَلَ بمعمول المؤكِّد بينه وبين ما أكَّده مع الفصلِ بكلامٍ طويل. واختلفوا أيضاً: هل ذلك الفعلُ أمرٌ أو خبرٌ؟ فذهب الفراء أنه أَمْرٌ تقديرُه: اقرأ أنت باسم الله، وذهب الزجاج أنه خبرٌ تقديره: اقرأ أنا أو أبتَدِئُ ونحوهُ. و «الله» في «بسم الله» مضافٌ إليه، وهل العاملُ في المضاف إليه المضافُ أو حرفُ الجرِّ المقدََّرِ أو معنى الإِضافة؟ ثلاثةُ أقوال خَيْرُها أوسطُها. وهو عَلَمٌ على المعبودِ بحق، لاَ يُطلق على غيره، ولَم يَجْسُرْ أحدٌ من المخلوقين أن يَتَسَّمى به، وكذلك الإِله قبل النقل والإِدغامِ لا يُطْلق إلا على المعبودِ بحقٍّ. قال الزمخشري: «كأنه صار عَلَماً بالغلَبة» ، وأمّا «إله»المجردُ من الألف واللام فيُطلق على المعبود بحقٍّ وعلى غيره، قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] ، {وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} [المؤمنون: 117] ، { [أَرَأَيْتَ] مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} [الفرقان: 43] . واختلف الناسُ هل هو مُرْتَجَلٌ أو مشتق؟ ، والصوابُ الأولُ، وهو أعرفُ المعارف. يُحْكى أن سِيبوِيه رُئيَ في المنام فقيل [له] : ما فعلَ اللهُ بك؟ فقال: خيراً كثيراً، لجَعْلِي اسمَه أعرفَ المعارفِ. ثم القائلونَ باشتقاقِه اختلفوا اختلافاً كثيراً، فمنهم مَنْ قال: هو مشتقٌّ من لاهَ يليه أي ارتفع، ومنه قيل للشمس: إلاَهة بكسر الهمزة وفتحها لارتفاعها، وقيل: لاتخاذِهِم إياها معبوداً، وعلى هذا قيل: «لَهْيَ أبوك» يريدونَ: للهِ أبوك، فَقَلَب العينَ إلى موضع اللام. وخَفَّفه فَحَذَفَ الألفَ واللامَ وحَذَفَ حرفَ الجرِ. وأَبْعد بعضُهم فَجَعَلَ مِنْ ذلك قولَ الشاعر: 24 - ألا ياسَنا بَرْقٍ على قُلَلِ الحِمى ... لَهِنَّكَ من برقٍ عليَّ كريمُ قال: الأصلُ: لله إنك كريمٌ عليَّ، فَحَذََفَ حرف الجر وحرف التعريف والألفَ التي قبل الهاء من الجلالة، وسَكَّن الهاءَ إجراءً للوصل مُجْرى الوقف،فصار اللفظ: لَهْ، ثم أَلقى حركة همزة «إنَّ» على الهاء فبقي: لَهِنَّك كما ترى، وهذا سماجَةٌ من قائلِه. وفي البيت قولان أيسرُ من هذا. ومنهمَ مَنْ قال: «هو مشتقٌّ من لاه يَلُوه لِياهاً. أي احتجَبَ، فالألف على هذين القولين أصليةٌ، فحينئذ أصلُ الكلمة لاَهَ، ثم دخل عليه حرفُ التعريف فصار اللاه، ثم أُدْغِمت لام التعريف في اللام بعدها لاجتماعِ شروطِ الإِدغام، وفُخِّمت لامُه. ووزنُه على القولين المتقدِّمين إمَّا: فَعَل أو فَعِل بفتح العين أو كسرِها، وعلى كل تقدير: فتحرَّك حرفُ العلة وانفتحَ ما قبلَه فقُلِب ألفاً، وكان الأصلَ: لَيَهاً أو لَيِهاً أو لَوَهاً أو لَوِهاً. ومنهم مَنْ جَعَلَه مشتقاً من أَلَه، وأَلَه لفظٌ مشترك بين معانٍ وهي: العبادةُ والسكون والتحيُّر والفزع، فمعنى «إله» أنَّ خَلْقَه يعبدونه ويسكنون إليه ويتحيَّرون فيه ويفزعون إليه. ومنه قولُ رؤبة: 25 - لِلَّهِ دَرُّ الغانِياتِ المُدَّهِ ... سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تألُّهي أي: من عبادتِه، ومنه {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [الأعراف: 127] أي عبادتك. وإلى معنى التحيُّر أشار أمير المؤمنين بقوله: «كَلَّ دون صِفاته تحبيرُ الصفات وضَلَّ هناك تصاريفُ اللغات» وذلك أن العبد إذا تفكَّر في صفاته تحيَّر، ولهذا/ رُوي: «تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في الله» وعلى هذا فالهمزةُ أصلية والألفُقبل الهاء زائدةٌ، فأصلُ الجلالة الكريمة: الإِله، كقولِ الشاعر: 26 - معاذَ الإِله أن تكونَ كظبيةٍ ... ولا دُمْيَةٍ ولا عَقِيْلَةٍ رَبْرَبِ ثم حُذِفت الهمزةُ لكثرةِ الاستعمال كما حُذفت في ناس، والأصل أُناس كقوله: 27 - إنَّ المَنايا يَطَّلِعْ ... نَ على الأُناس الآمِنينا فالتقى حرفُ التعريفِ مع اللامِ فأُدْغِم فيها وفُخِّم. أو نقول: إن الهمزة من الإِله حُذِفت للنقل، بمعنى أنَّا نَقَلْنا حَرَكتَها إلى لام التعريف وحَذَفْناها بعد نقل حركتها كما هو المعروف في النقل، ثم أُدغم لامُ التعريف كما تقدَّم، إلا أنَّ النقلَ هنا لازِمٌ لكثرةِ الاستعمال. ومنهم مَنْ قال: هو مشتقٌ من وَلِهَ لكونِ كلِّ مخلوقٍ والِهاً نحوَه، وعلى ذلك قال بعض الحكماء: «الله محبوب للأشياءِ كلها، وعلى ذلك دلَّ قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} [الإسراء: 44] ، فأصله: وِلاه ثم أُبدلت الواو همزةً كما أُبدلت في إشاح وإعاء، والأصلُ: وِشاح ووِعاء، فصار الفظُ به: إلاهاً، ثم فُعِل به ما تقدَّم مِنْ حَذْفِ همزتِه والإِدغام، ويُعْزَى هذا القول للخليل، فعلى هذين القولين وزنُ إلاه: فِعال، وهو بمعنى مَفْعول أي: مَعْبود أو متحيِّرٌ فيه كالكِتاب بمعنى مكتوب.وُردَّ قولُ الخليل بوجهين، أحدهما: أنه لو كانت الهمزةُ بدلاً من واو لجاز النطق بالأصلِ، ولم يَقُلْه أحد، ويقولون: إشاح ووشاح وإعاء ووعاء. والثاني: أنه لو كان كذلك لجُمع على أَوْلِهة كأَوْعِية وأَوشِحَة فتُرَدُّ الهمزة إلى أَصلها، ولم يُجْمع» إله «إلا على آلهة. وللخليل أن ينفصِلَ عن هذين الاعتراضين بأنَّ البدلَ لزِم في هذا الاسمِ لأنه اختصَّ بأحكامٍ لم يَشْرَكَهْ فيها غيرُه، كما ستقف عليه، ثم جاء الجمع على التزامِ البدل. وأمَّا الألفُ واللامُ فيترتَّب الكلامُ فيها على كونِه مشتقاً أو غيرَ مشتقٍّ، فإنْ قيل بالأول كانَتْ في الأصل مُعَرِّفةً، وإنْ قيل بالثاني كانت زائدةً. وقد شَذَّ حذفُ الألفِ واللامِ من الجلالة في قولهم» لاهِ أبوك «، والأصل: للهِ أبوك كما تقدم، قالوا: وحُذِفَت الألفُ التي قبل الهاء خَطَّاً لئلا يُشْبَّهَ بخط» اللات «اسم الصنم، لأن بعضهم يقلبُ هذه التاء في الوقف هاءً فيكتُبها هاءً تَبَعَاً للوقف فمِنْ ثمَّ جاء الاشتباه. وقيل: لئلا يُشَبَّه بخط «اللاه» اسمَ فاعل من لها يلهو، وهذا إنما يَتِمُّ على لغة مَنْ يحذف ياءَ المنقوص المعرَّف وقفاً لأن الخطَّ يتبعه، وأمَّا مَنْ يُثْبِتُها وقفاً فيثبتها خطَّاً فلا لَبْس حينئذ. وقيل: حَذْفُ الألف لغةٌ قليلة جاء الخط عليها، والتُزمَ ذلك لكثرة استعماله، قال الشاعر: 28 - أقبلَ سَيْلٌ كان من أمر اللهْ ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّة المُغِلَّهْ وحكمُ لامِه التفخيمُ تعظيماً ما لم يتقدَّمْه كسرٌ فترقّقُ، وإن كان أبو القاسم الزمخشري قد أطلق التفخيمَ، ولكنه يريد ما قلته. ونقلأبو البقاء أنَّ منهمِ مَنْ يُرَقِّقُها على كل حال. وهذا ليس بشيءٍ لأن العربَ على خِلافِه كابراً عن كابرٍ كما ذكره الزمخشري. ونقل أهلُ القراءة خلافاً فيما إذا تقدَّمَه فتحةٌ ممالةٌ أي قريبة من الكسرة: فمنهم مَنْ يُرَقِّقها، ومنهم مَنْ يُفَخِّمُها، وذلك كقراءة السوسي في أحدِ وَجْهَيْه: «حتى نَرَى اللهَ جَهْرةً» . ونقل السهيلي وابن العربي فيه قولاً غريباً وهو أنَّ الألف واللام فيه أصليةٌ غيرُ زائدةٍ، واعتذرا عن وَصْلِ الهمزةِ بكثرة الاستعمال، كما يقول الخليل في همزةِ التعريف، وقد رُدَّ قولهُما بأنه كان ينبغي أن يُنَوَّن لفظُ الجَلالةِ لأنَّ وزنَه حينئذ فَعَّال نحو: لآَّل وسَآَّل، وليس فيه ما يمنعه من التنوينِ فدلَّ على أنَّ أل فيه زائدةٌ على ماهيةِ الكلمةِ. ومن غريبِ ما نُقِل فيه أيضاً أنه ليس بعربي بل هو مُعَرَّب، وهو سُريانيُّ الوَضْعِ وأصله: «لاها» فَعَرَّبَتْه العربُ فقالوا: الله، واستدلُّوا على ذلك بقول الشاعر:29 - كحَلْفَةٍ من أبي رياحِ ... يَسْمَعُها لاهُهُ الكُبارُ فجاء به على الأصلِ قبل التعريبِ، ونقل ذلك أبو زيد البلخي. [ومِنْ غريب ما نُقل فيه أيضاً أنَّ الأصل فيه الهاءُ التي هي كنايةٌ عن الغائب] قالوا: وذلك أنهم أثبتوه موجوداً في نظر عقولِهم فأشاروا إليه بالضمير، ثم زِيدَتْ فيه لامُ المِلْك، إذ قد عَلِموا أنه خالقُ الأشياء ومالِكُها فصار اللفظ: «لَهُ» ثم زِيدت فيه الألف واللام تعظيماً وتفخيماً، وهذا لا يُشبه كلامَ أهل اللغة ولا النَحْويين، وإنما يشبه كلامَ بعض المتصوفة. ومن غريب ما نُقل فيه أيضاً أنه صفةٌ وليس باسم، واعتلَّ هذا الذاهب إلى ذلك أنَّ الاسم يُعَرِّفَ المُسَمَّى والله تعالى لا يُدْرَكُ حِسَّاً ولا بديهةً فلا يُعَرِّفُه اسمه، إنما تُعَرِّفه صفاتُه، ولأن العَلَم قائمٌ مقامَ الإِشارة، واللهُ تعالى ممتنعٌ ذلك في حقه. وقد رَدَّ الزمخشري هذا القولَ بما معناه أنك تصفه ولا تَصِفُ به، فتقول: إله عظيم واحد، كما تقول: شيءٌ عظيم ورجلٌ كريم، ولا تقول: شيء إله، كما لا تقول: شيء رجل، ولو كان صفةً لوقع صفةً لغيره لا موصوفاً، وأيضاً فإنَّ صفاتِه الحسنى لا بُدَّ لها من موصوف تَجْري عليه، فلو جَعَلْتَها كلَّها صفاتٍ، بقيت غيرَ جاريةٍ على اسمٍ موصوفٍ بها، وليس فيما عدا الجلالة خلافٌ في كونِه صفةً فَتَعَيَّن أن تكونَ الجلالةُ اسماً لا صفةً. والقولُ في هذا الاسم الكريمِ يحتمل الإِطالةَ أكثرَ ممَّا ذكرْتُ لك، إنما اختصرْتُ ذلك خوفَ السآمة للناظر في هَذا الكتاب.الرحمن الرحيم: صفتان مشتقتان من الرحمة، وقيل: الرحمنُ ليس مشتقاً لأن العربَ لم تَعْرِفْه في قولهم: {وَمَا الرحمن} [الفرقان: 60] وأجاب ابن العربي عنه بأنهم جَهِلوا الصفةَ دونَ الموصوفِ، ولذلك لم يقولوا: وَمَنْ الرحمن؟ وقد تَبِعا موصوفَهما في/ الأربعةِ من العشرة المذكورة. وذهب الأعلمُ الشنتمريُّ إلى أن «الرحمن» بدلٌ من اسمِ الله لا نعتٌ له، وذلك مبنيٌّ على مذهبه من أنَّ الرحمن عنده عَلَمٌ بالغلَبة. واستدَلَّ على ذلك بأنه قد جاء غيرَ تابعٍ لموصوفٍ، كقوله تعالى: {الرحمن عَلَّمَ القرآن} [الرحمن: 1-2] {الرحمن عَلَى العرش استوى} [طه: 5] . وقد رَدَّ عليه السُّهيلي بأنه لو كان بدلاً لكان مبيَّناً لِما قبله، وما قبله - وهو الجلالة - لا يفتقرُ إلى تبيين لأنها أعرفُ الأعلامِ، ألا تراهم قالوا: {وَمَا الرحمن} [الفرقان: 60] ولم يقولوا: وما اللهُ. انتهى. أمَّا قوله: «جاء غيرَ تابع» فذلك لا يمنعُ كونَه صفةً، لأنه إذا عُلم الموصوفُ جاز حَذْفُه وبقاءُ صفتِه، كقولِه تعالى: {وَمِنَ الناس والدوآب والأنعام مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} [فاطر: 28] أي نوع مختلف، وكقول الشاعر: 30 - كناطحٍ صخرةً يوماً لِيُوْهِنَها ... فلم يَضِرْها وأَوْهَى قرنَه الوَعِلُ أي: كوعلٍ ناطح، وهو كثير.والرحمة لغةً: الرقةُ والانعطافُ، ومنه اشتقاق الرَّحِم، وهي الابطنُ لانعطافِها على الجنين، فعلى هذا يكون وصفُه تعالى بالرحمة مجازاً عن إنعامِه على عبادِه كالمَلِك إذا عَطَف على رعيَّته أصابَهم خيرُه. هذا معنى قول أبي القاسم الزمخشري. ويكونُ على هذا التقدير صفةَ فعلٍ لا صفةَ ذاتٍ، وقيل: الرحمة إرادةُ الخيرِ لمَنْْ أرادَ اللهُ به ذلك، ووَصْفُه بها على هذا القولِ حقيقةٌ، وهي حينئذ صفةُ ذاتٍ، وهذا القولُ هو الظاهرُ. وقيل: الرحمة رِقَّةٌ تقتضي الإِحسانَ إلى المرحومِ، وقد تُستعملُ تارةً في الرقة المجردة وتارةً في الإِحسان المجرَّد، وإذا وُصِف به الباري تعالى فليس يُراد به إلا الإِحسانُ المجردُ دونَ الرقةِ، وعلى هذا رُوي: «الرحمةُ من الله إنعامٌ وإفضالٌ، ومن الآدميين رقةٌ وتعطُّف» . [وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «وهما اسمان رقيقان أحدهما أرقُّ من الآخر أي: أكثرُ رحمة» . قال الخطَّابي: وهو مُشْكِلٌ؛ لأن الرقة] لا مَدْخَلَ لها في صفاتهِ. وقال الحسين بن الفضل: «هذا وَهْمٌ من الراوي، وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أَرْفَقُ من الآخر والرفق من صفاته» وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله رفيقٌ يحبُّ الرِفقَ، ويُعطي عليه ما لا يُعْطيعلى العنف» ، ويؤيِّده الحديثُ، وأمَّا الرحيمُ فالرفيق بالمؤمنين خاصة. واختلف أهلُ العلمِ في «الرحمن الرحيم» بالنسبة إلى كونِهما بمعنىً واحدٍ أو مختلفين. فذهب بعضُهم إلى أنهما بمعنى واحد كَنْدمان ونَدِيم، ثم اختلف هؤلاء على قولين، فمنهم مَنْ قال: جُمِع بينهما تأكيداً، ومنهم مَنْ قال: لمَّا تَسَمَّى مُسَيْلمة - لعنه الله- بالرحمن قال الله لنفسه: الرحمنُ الرحيم، فالجمعُ بين هاتين الصفتين لله تعالى فقط. وهذا ضعيفٌ جداً، فإنَّ تسميَته بذلك غيرُ مُعْتَدٍّ بها البتَة، وأيضاً فإن بسم الله الرحمن الرحيم قبلَ ظهورِ أمرِ مُسَيْلَمَةَ. ومنهم مَنْ قال: لكلِّ واحد فائدةٌ غيرُ فائدةِ الآخر، وجَعَل ذلك بالنسبة إلى تغايُرِ متعلِّقِهما إذ يقال: «رَحْمن الدنيا ورحيمُ الآخرة» ، يُروى ذلك عن النبي صلَى الله عليه وسلم، وذلك لأنَّ رحمته في الدنيا تَعُمُّ المؤمنَ والكافرَ، وفي الآخرة تَخُصُّ المؤمنين فقط، ويُروَى: رحيمُ الدنيا ورحمنُ الآخرة، وفي المغايَرة بينهما بهذا القَدْر وحدَه نظرٌ لا يَخْفى. وذهب بعضُهم إلى أنهما مختلفان، ثم اختلف هؤلاء أيضاً: فمنهم مَنْ قال: الرحمن أبلغُ، ولذلك لا يُطلق على غيرِ الباري تعالى، واختاره الزمخشري، وجعلَه من باب غَضْبان وسَكْران للممتلىءِ غَضَباً وسُكْراً، ولذلك يقال: رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الآخرة فقط، قال الزمخشري: «فكان القياسُ الترقِّيَ من الأدنى، إلى الأعلى، كما يُقال: شُجاع باسلولا يقال: باسِلٌ شجاع. ثم أجاب بأنه أَرْدَفَ الرحمنَ الذي يتناول جلائلَ النِّعَمِ وأصولَها بالرحيمِ ليكونَ كالتتمَّةِ والرديف ليتناولَ ما دَقَّ منها ولَطَف. ومنهم مََنْ عَكَس فجعلَ الرحيمَ أبلغَ، ويؤيده روايةُ مَنْ قال:» رحيم الدنيا وحمان الآخرة «لأنه في الدنيا يَرْحم المؤمن والكافرَ، وفي الآخرة لا يَرْحم إلا المؤمن. لكن الصحيح أنَّ الرحمنَ أبلغُ، وأمَّا هذه الروايةُ فليس فيها دليلٌ، بل هي دالَّةٌ على أنَّ الرحمنَ أبلغُ، وذلك لأن القيامَة فيها الرحمةُ أكثرُ بأضعافٍ، وأثرُها فيها أظهرُ، على ما يُروى أنه خَبَّأ لعباده تسعاً وتسعينَ رحمةً ليوم القيامة. والظاهر أن جهةَ المبالَغَةِ فيهما مختلفةٌ، فمبالغةُ» فَعْلان «من حيث الامتلاءُ والغَلَبَةُ ومبالغةُ» فعيل «من حيث التكرارُ والوقوع بمَحَالِّ الرحمة. وقال أبو عبيدة:» وبناء فَعْلان ليس كبناءِ فَعِيل، فإنَّ بناء فَعْلان لا يقع إلا على مبالغةِ الفِعْل، نحو: رجل غَضْبانُ للمتلئ غضباً، وفعيل يكون بمعنى الفاعلِ والمفعول، قال: 31 - فأمَّا إذا عَضَّتْ بك الحربُ عَضَّةً ... فإنك مَعْطوفٌ عليك رحيمُ فالرحمنُ خاصٌّ الاسمِ عامُّ الفعل. والرحيمُ عامٌّ الاسمِ خاصُّ الفعلِ، ولذلك لا يَتَعَدَّى فَعْلان ويتعدَّى فعيل. حكى ابنُ سِيده: «زيدٌ حفيظٌ علمَك وعلمَ غيرك» . والألفُ واللام في «الرحمن» للغلَبة كهي في «الصَّعِق» ، ولا يُطلقعلى غير الباري تعالى عند أكثر العلماء، لقوله تعالى: {قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن} [الإسراء: 110] ، فعادَلَ به ما لا شِرْكَةَ فيه، بخلاف «رحيم» فإنه يُطلق على غيره تعالى، قال [تعالى] في حَقَّه عليه السلام: {بالمؤمنين رؤوف رحيم} [التوبة: 128] ، وأمَّا قول الشاعر في مُسَيْلَمََةَ الكذاب -لعنه الله تعالى-: 32 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وأنت غَيْثُ الوَرى لا زلت رَحْمانا فلا يُلتفت إلى قوله لَفْرطَ تَعَنُّتهم، ولا يُستعمل إلاَّ مُعَرَّفاً بالألفِ واللامِ أو مضافاً، ولا يُلتفت لقوله: «لا زِلْتَ رَحْمانا» لشذوذه. ومن غريب ما نُقِل فيه أنه مُعَرَّب، ليس بعربيِّ الأصل، وأنه بالخاء المعجمة قاله ثعلب [والمبرد وأنشد] : 33 - لن تُدْرِكوا المَجْدَ أو تَشْرُوا عَباءَكُمُ ... بِالخَزِّ أو تَجْعلوا اليَنْبُوتَ ضَمْرانا أو تَتْرُكونَ إلى القَسَّيْنِ هِجْرَتَكُمْ ... ومَسْحكم صُلبَهم رَخْمانَ قُرْبانا وفي وصل الرحيم بالحمد ثلاثة أوجهٍ، الذي عليه الجمهور: الرحيمِ بكسر الميم موصولةً بالحمد. وفي هذه الكسرة احتمالان: أحدهما - وهو الأصحُّ - أنها حركةُ إعرابٍ، وقيل: يُحتمل أنَّ الميم سَكَنَت على نية الوقف، فلمَّا وقع بعدها ساكن حُرِّكت بالكسر. والثاني من وَجْهَي الوصل: سكونُ الميمِ والوقفُ عليها، والابتداءُ بقطع ألف «الحمد» ، رَوَتْ ذلك أم سلمة عنهعليه السلام. الثالث: حكى الكسائي عن بعض العرب أنها تقرأ: الرحيمَ الحمدُ «بفتح الميم ووصل ألف الحمد، كأنها سكنَّت وقطعَتِ الألفَ، ثم أَجْرت الوقف مُجرى الوصل، فألقَتْ حركة همزة الوصل على الميم الساكنة. قال ابن عطية:» ولم تُرْوَ هذه قراءةً عن أحد [فيما علمت، «وهذا فيه نظرٌ يجيئ في: {الم الله} [آل عمران: 1-2] قلت: يأتي تحقيقه في آل عمران إن شاء الله تعالى، ويحتمل هذا وجهاً آخر وهو أن تكونَ الحركةُ للنصبِ بفعل محذوفٍ على القطع] ، وهو أَوْلى من هذا التكلُّف.

الدر المنثور للسيوطي

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله‏:‏ أحيا بما شاء مآثر الآثار بعد الدثور، ووفق لتفسير كتابه العزيز بما وصل إلينا بالإسناد العالي من الخبر المأثور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تضاعف لصاحبها الأجور، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أسفر فجره الصادق فمحا ظلمات أهل الزيغ والفجور، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ذوي العلم المرفوع والفضل المشهور، صلاة وسلاما دائمين ممر الليالي والدهور‏.‏

‏{‏وبعد‏}‏‏:‏ فلما ألفت كتاب ‏"‏ترجمان القرآن‏"‏ وهو التفسير المسند عن رسول الله وأصحابه رضي الله عنهم، وتم بحمد الله في مجلدات، فكان ما أوردته فيه من الآثار بأسانيد الكتب المخرج منها واردات، رأيت قصور أكثر الهمم عن تحصيله، ورغبتهم في الاقتصار على متون الأحاديث دون الإسناد وتطويله، فخلصت منه هذا المختصر مقتصرا فيه على متن الأثر، مصدرا بالعزو والتخريج إلى كل كتاب معتبر، وسميته‏:‏ ‏{‏الدر المنثور في التفسير بالمأثور‏}‏ والله أسأل أن يضاعف لمؤلفه الأجور ويعصمه من الخطأ والزور بمنه وكرمه إنه البر الغفور‏.‏

أخرج عبد بن حميد في تفسيره عن إبراهيم قال‏:‏ سألت الأسود عن فاتحة الكتاب أمن القرآن هي‏؟‏ قال‏:‏ نعم

وأخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وابن الأنباري في المصاحف عن محمد بن سيرين وابن الأنباري في المصاحف أن أبي كعب كان يكتب فاتحة الكتاب، والمعوذتين، واللهم إياك نعبد، واللهم ‏[‏‏؟‏‏؟‏‏]‏ إياك نستعين، ولم يكتب ابن مسعود شيئا منهن‏.‏ وكتب عثمان بن عفان فاتحة الكتاب، والمعوذتين‏.‏

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال‏:‏ كان عبد الله لا يكتب فاتحة الكتاب في المصحف وقال‏:‏ لو كتبتها، لكتبت في أول كل شيء‏.‏

وأخرج الواحدي في أسباب النزول والثعلبي في تفسيره عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في دلائل النبوة والواحدي والثعلبي عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله قال لخديجة ّ‏"‏إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، فقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا‏!‏ فقالت‏:‏ معاذ الله‏.‏‏!‏ ماكان الله ليفعل بك‏.‏ فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث‏.‏ فلما دخل أبو بكر وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكرت خديجة حديثه لها وقالت‏:‏ إذهب مع محمد إلى ورقة، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ أبو بكر بيده فقال‏:‏ انطلق بنا إلى ورقة فقال‏:‏ ومن أخبرك‏؟‏ قال‏:‏ خديجة‏.‏ فانطلقا إليه فقصا عليه فقال‏:‏ إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد‏.‏ فأنطلق هاربا في الأرض‏.‏ فقال‏:‏ لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع مايقول ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه يا محمد قل ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين‏}‏ حتى بلغ ‏{‏ولا الضالين‏}‏ قال‏:‏ قل لاإله إلا الله‏.‏ فأتى ورقة، فذكر ذلك له‏.‏ فقال له ورقة‏:‏ أبشر ثم أبشر فإني أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل ‏"‏‏.‏

وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق ابن اسحق حدثني بن يسار عن رجل من بني سلمة قال‏:‏ لما أسلم بني سلمة، وأسلم ولد عمرو بن الجموح، قالت امرأة عمرو له‏:‏ هل لك أن تسمع من ابنك ماروي عنه‏؟‏ فقال‏:‏ أخبرني ما سمعت من كلام هذا الرجل‏.‏ فقرأ عليه ‏{‏الحمد لله رب العالمين‏}‏ إلى قوله ‏{‏الصراط المستقيم‏}‏ فقال‏:‏ ما أحسن هذا وأجمله‏!‏ وكل كلامه مثل هذا‏؟‏ فقال‏:‏ يا أبتاه وأحسن من هذا، وذلك قبل الهجرة‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأبو سعيد بن الأعرابي في معجمه والطبراني في الأوسط من طريق مجاهد عن أبي هريرة‏.‏ أن إبليس رن حين أنزلن فاتحة الكتاب‏.‏ وأنزلت بالمدينة‏.‏

وأخرج وكيع والفريابي في تفسيريهما وأبو عبيد في فضائل القرآن وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر في تفسيره وأبو بكر بن الأنباري في كتاب المصاحف وأبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الحلية من طرق عن مجاهد قال‏:‏ نزلت فاتحة الكتاب بالمدينة‏.‏

وأخرج وكيع في تفسيره عن مجاهد قال‏:‏ نزلت فاتحة الكتاب بالمدينة‏.‏

وأخرج أبو بكر بن الأنباري في المصاحف عن قتادة قال‏:‏ نزلت فاتحة الكتاب بمكة‏.‏

وأخرج ابن الضريس في فضائل القرآن عن أيوب أن مجمد بن سيرين كان يقول‏:‏ يكره أن يقول‏:‏ أم القرآن‏.‏ ويقول‏:‏ قال الله ‏(‏وعنده أم الكتاب‏)‏ ولكن ‏{‏فاتحة الكتاب‏}‏‏.‏

وأخرج الدارقطني وصححه والبيهقي في السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إذا قرأتم ‏{‏الحمد‏}‏ فاقرؤا ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني ‏{‏وبسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ إحدى آياتها‏"‏

وأخرج البخاري والدارمي في مسنده وأبو داود والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن أبي مردويه في تفاسيرهم عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏"‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏الحمد لله رب العالمين‏}‏ أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني‏"‏

وأخرج أحمد في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه في تفاسيرهم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأم القرآن‏:‏ ‏"‏هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم‏"‏

وأخرج الثعلبي عن عبد الجبار بن العلاء قال‏:‏ كان سفيان بن عيينة يسمي فاتحة الكتاب‏:‏ الوافية‏.‏

وأخرج الثعلبي عن عفيف بن سالم قال‏:‏ سألت عبد الله بن يحيى بن أبي كثير عن قراءة الفاتحة خلف الإمام فقال‏:‏ عن الكافية تسأل‏؟‏ قلت‏:‏ وما الكافية‏؟‏ قال ‏{‏الفاتحة‏}‏ أما علمت أنها عن سواها ولا يكفي سواها عنها‏.‏

وأخرج الثعلبي عن الشعبي أن رجلا شكا إليه وجع الخاصرة فقال‏:‏ عليك بأساس القرآن قال‏:‏ وما أساس القرآن‏؟‏ قال‏:‏ فاتحة الكتاب‏.‏

وأخرج الدارقطني والبيهقي في السنن بسند صحيح عن عبد خير قال‏:‏ سئل علي رضي الله عنه عن السبع المثاني فقال ‏{‏الحمد لله رب العالمين‏}‏ فقيل له‏:‏ إنما هي ست آيات‏!‏ فقال ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ آية‏.‏

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه في تفسيره والبيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏الحمد لله رب العالمين‏}‏ سبع آيات ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ إحداهن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي أم القرآن، وهي الفاتحة الكتاب‏"‏‏.‏

وأخرج الدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة‏"‏إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ - وهو يؤم الناس - افتتح ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ قال أبو هريرة‏:‏ آية من كتاب الله، اقرؤا إن شئتم فاتحة الكتاب، فإنها الآية المسابعة‏"‏‏.‏

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أم سلمة قالت‏"‏قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين‏}‏ وقال‏:‏ هي سبع يا أم سلمة‏"‏

وأخرج أحمد والبخاري والدارمي وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن حبان وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد بن المعلى قال‏:‏ كنت أصلي فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم فلم أجبه فقال ‏"‏ألم يقل الله ‏(‏استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم‏)‏ ‏(‏الأنفال الآية 24‏)‏ ثم قال‏:‏ لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، فأخذ بيدي فلما أردنا أن نخرج قلت‏:‏ يا رسول الله إنك قلت لأعلمنك سورة في القرآن قال ‏{‏الحمد لله رب العالمين‏}‏ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته‏"‏‏.‏

وأخرج أبو عبيد وأحمد والدارمي والترمذي وصححه النسائي وابن خزيمة وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو ذر الهروي في فضائل القرآن والبيهقي في سننه عن أبي هريرة‏"‏إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج على أبي بن كعب فقال‏:‏ يا أبي - وهو يصلي - فالتفت أبي فلم يجبه‏.‏ فصلى أبي فخفف، ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ السلام عليك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ مامنعك أن تجبني إذ دعوتك‏؟‏ فقال‏:‏ يا رسول الله إني كنت في الصلاة قال‏:‏ أفلم تجد فيما أوحى الله إلي أن ‏(‏استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم‏)‏ ‏(‏الأنفال الآية 24‏)‏

قال‏:‏ بلى‏.‏ ولا أعود إن شاء قال‏:‏ أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها‏؟‏ قال‏:‏ نعم يا رسول الله‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ كيف تقرأ في الصلاة‏؟‏ فقرأ بأم الكتاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان، مثلها، وإنها السبع من المثاني‏.‏ أو قال‏:‏ السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته‏"‏‏.‏

وأخرج الدارمي والترمذي وحسنه والنسائي وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند وابن الضريس في فضائل القرآن وابن جرير وابن خزيمة والحاكم وصححه من طريق العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي بن كعب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ما أنزل الله في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان، مثل أم القرآن‏.‏ وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت، وهي مقسومة بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل‏"‏‏.‏

وأخرج مسلم والنسائي وابن حبان والطبراني والحاكم عن ابن عباس قال ‏"‏بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وعنده جبريل إذ سمع نقيضا من السماء من فوق، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال‏:‏ يا محمد هذا ملك قد نزل لم ينزل إلى الأرض قط، قال‏:‏ فأتى النبي فسلم عليه فقال‏:‏ أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي من قبلك‏.‏ فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا إلا أوتيته‏"‏‏.‏

وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن أبي زيد وكانت له صحبة قال ‏"‏كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض فجاج المدينة، فسمع رجلا يتهجد ويقرأ بأم القرآن‏.‏ فقام النبي فاستمع حتى ختمها ثم قال‏:‏ ما في الأرض مثلها‏"‏‏.‏

وأخرج أبو عبيدة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ثلاثين راكبا، فنزلنا بقوم من العرب، فسألناهم أن يضيفونا فأبوا، فلدغ سيدهم فأتونا فقالوا‏:‏ فيكم أحد يرقي من العقرب‏؟‏ فقلت‏:‏ نعم أنا‏.‏ ولكن لا أفعل حتى تعطونا شيئا قالوا‏:‏ فإنا نعطيكم ثلاثين شاة فقال‏:‏ فقرأت عليها ‏{‏الحمد‏}‏ سبع مرات فبرأ، فلما قبضنا الغنم عرض في أنفسنا منها، فكففنا حتى أتينا النبي فذكرنا ذلك له قال ‏"‏أما علمت أنها رقية‏!‏ اقتسموها واضربوا لي معكم بسهم‏"‏‏.‏

وأخرج أحمد والبخاري والبيهقي في سننه عن ابن عباس‏.‏ أن نفرا من أصحاب رسول الله مروا بماء فيه لديغ أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الحي فقال‏:‏ هل فيكم من راق‏؟‏ إن في الماء رجلا لديغا أو سليما‏.‏ فانطلق رجل منهم فقرأ ‏{‏بفاتحة الكتاب‏}‏ على شاء فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا‏:‏ أخذت على كتاب الله أجرا‏!‏ حتى قدموا المدينة فقالوا‏:‏ يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجرا‏!‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إن أحق ما أخذتم عليه أجرا‏.‏ كتاب الله‏"‏‏.‏

وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإيمان بسند جيد عن عبد الله بن جابر أن رسول الله قال له‏"‏ألا أخبرك بأخير سورة نزلت في القرآن‏؟‏ قلت‏:‏ بلى يا رسول الله قال‏:‏ فاتحة الكتاب‏.‏ وأحسبه قال‏:‏ فيها شفاء من كل داء‏"‏‏.‏

وأخرج الطبراني في الأوسط والدارقطني في الأفراد وابن عساكر بسند ضعيف عن السائب بن يزيد قال‏:‏ عوذني رسول الله صلى الله عليه وسلم بفاتحة الكتاب تفلا‏.‏

وأخرج سعيد بن منصور في سننه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال ‏"‏فاتحة الكتاب شفاء من السم‏"‏‏.‏

وأخرج أبو الشيخ بن حبان في كتاب الثواب من وجه آخر عن أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعا‏.‏ مثله‏.‏

وأخرج الدارمي والبيهقي في شعب الإيمان بسند رجاله ثقات عن عبد الملك بن عمير قال ‏"‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب شفاء من كل داء‏"‏‏.‏

وأخرج الثعلبي من طريق معاوية بن صالح عن أبي سلمان قال‏:‏ مر أصحاب رسول الله في بعض غزوهم على رجل قد صرع، فقرأ بعضهم في أذنه بأم القرآن فبرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏هي أم الكتاب، وهي شفاء من كل داء‏"‏‏.‏

وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن السني في عمل اليوم والليلة والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن خارجة بن الصلت التميمي عن عمه‏.‏ أنه أتى رسول الله ثم أقبل راجعا من عنده‏.‏ فمر على قوم عندهم رجل مجنون موثق بالحديد فقال أهله‏:‏ أعندك ماتداوي به هذا فإن صاحبكم قد جاء بخير‏؟‏ قال‏:‏ فقرأت عليه ‏{‏فاتحة الكتاب‏}‏ ثلاثة أيام، في كل يوم مرتين غدوة وعشية أجمع بزاقي ثم أتفل، فبرأ فأعطوني مائة شاة‏.‏ فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال ‏"‏كل فمن أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق‏"‏‏.‏

وأخرج البزار في مسنده بسند ضعيف عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت ‏(‏فاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد‏)‏ فقد أمنت من كل شيء إلا الموت‏"‏‏.‏

وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏من قرأ ‏(‏أم القرآن‏)‏ و ‏(‏قل هو الله أحد‏)‏ ‏(‏الإخلاص الآية 1‏)‏ فكأنما قرأ ثلث القرآن‏"‏‏.‏

وأخرج عبد بن حميد في مسنده بسند ضعيف عن ابن عباس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏فاتحة الكتاب تعدل بثلثي القرآن‏"‏‏.‏

وأخرج الحاكم وصححه وأبو ذر الهروي في فضائله والبيهقي في الشعب عن أنس قال ‏"‏كان صلى الله عليه وسلم في مسير له فنزل فمشى رجل من أصحابه إلى جنبه، فاتفت إليه النبي فقال‏:‏ ألا أخبرك بأفضل القرآن‏؟‏ فتلا عليه ‏{‏الحمد لله رب العالمين‏}‏ ‏"‏‏.‏

وأخرج ابن الضريس في فضائل القرآن والبيهقي في الشعب عن أنس عن النبي قال ‏"‏إن الله أعطاني فيما من به علي، أني أعطيتك فاتحة الكتاب وهي من كنوز عرشي، ثم قسمتها بيني وبينك نصفين‏"‏‏.‏

وأخرج اسحق بن راهويه في مسنده عن علي‏.‏ أنه سئل عن فاتحة الكتاب فقال‏:‏ حدثنا نبي الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏أنها أنزلت من كنز تحت العرش‏"‏‏.‏

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه في تفسيره وأبو ذر الهروي في فضائله والبيهقي في الشعب عن معقل بن يسار قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول، وأعطيت فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش، والمفصل نافلة‏"‏‏.‏

وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن عمران بن حصين‏.‏ فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، لا يقرؤهما عبد في دار فتصيبهم في ذلك اليوم عين إنس أو جن‏.‏

أوخرج أبو الشيخ في الثواب والطبراني وابن مردويه والديلمي والضياء المقدسي في المختارة عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏أربع أنزلن من كنز تحت العرش لم ينزل منه شيء غيرهن أم الكتاب، وآية الكرسي، وخواتم سورة البقرة، والكوثر‏"‏‏.‏

وأخرج ابن الضريس عن أبي أمامة موقوفا‏.‏ مثله‏.‏

‏(‏يتبع‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏

‏(‏تابع‏.‏‏.‏‏.‏ 1‏)‏‏:‏ أخرج عبد بن حميد في تفسيره عن إبراهيم قال‏:‏ سألت الأسود عن فاتحة‏.‏‏.‏‏.‏ ‏.‏‏.‏‏.‏

وأخرج أبو نعيم والديلمي عن أبي الدرداء قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏فاتحة الكتاب تجزئ ما لا يجزئ شيء من القرآن‏.‏ ولو أن فاتحة الكتاب جعلت في كفة الميزان وجعل القرآن في الكفة الأخرى لفضلت فاتحة الكتاب على القرآن سبع مرات‏"‏‏.‏

وأخرج أبو عبيد في فضائله عن الحسن قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏من قرأ فاتحة الكتاب فكأنما قرأ التوراة، والإنجيل، و الزبور، و الفرقان‏"‏‏.‏

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن قال‏:‏ أنزل الله مائة وأربعة كتب، أودع علومها أربعة منها‏.‏ التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، ثم أودع علوم التوارة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، ثم أودع علوم القرآن المفصل، ثم أودع المفصل فاتحة الكتاب‏.‏ فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع الكتب المنزلة‏.‏

وأخرج وكيع في تفسيره وابن الآنباري في المصاحف وأبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال‏:‏ رن إبليس أربعا‏.‏ حين نزلت فاتحة الكتاب، وحين لعن، وحين هبط إلى الأرض، وحين بعث محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

وأخرج ابن الضريس عن مجاهد قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏الحمد لله رب العالمين‏}‏ شق على إبليس مشقة شديدة، ورن رنة شديدة، ونخر نخرة شديدة‏.‏ قال مجاهد‏:‏ فمن أن أو نخر فهو ملعون‏.‏

وأخرج ابن الضريس عن عبد العزيز بن ربيع قال‏:‏ لما نزلت فاتحة الكتاب، رن إبليس كرنته يوم لعن‏.‏

وأخرج أبو عبيد عن مكحول قال‏:‏ أم القرآن قراءة، ومسألة، ودعاء‏.‏

وأخرج أبو الشيخ في الثواب عن عطاء قال‏:‏ إذا أردت حاجة فاقرأ بفاتحة الكتاب حتى تختمها، تقضى إن شاء الله‏.‏

وأخرج ابن قانع في معجم الصحابة عن رجاء الغنوي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏استشفوا بما حمد الله به نفسه قبل أن يحمده خلقه، وبما مدح الله به نفسه‏.‏ قلنا‏:‏ وماذاك يا نبي الله‏؟‏ قال ‏(‏الحمد لله‏)‏ و ‏(‏قل هو الله أحد‏)‏ ‏(‏الإخلاص الآية 1‏)‏ فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه الله‏"‏‏.‏

وأخرج أبو عبيد عن أبي المنهال سيار بن سلامة أن عمر بن الخطاب سقط عليه رجل من المهاجرين، وعمر يتهجد من الليل يقرأ بفاتحة الكتاب لا يزيد عليها، ويكبر، ويسبح، ثم يركع ويسجد‏.‏ فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لعمر فقال عمر‏:‏ لامك الويل‏.‏‏.‏‏!‏ أليست تلك صلاة الملائكة‏؟‏

قلت‏:‏ فيه أن الملائكة أذن لهم في قراءة الفاتحة فقط، فقد ذكر ابن الصلاح أن قراءة القرآن خصيصة أوتيها البشر دون الملائكة، وأنهم حريصون على سماعه من الإنس‏.‏

وأخرج ابن الضريس عن أبي قلابة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من شهد فاتحة الكتاب حين يستفتح كان كمن شهد فتحا في سبيل الله، ومن شهد حتى تختم كمن شهد الغنائم حتى تقسم‏"‏‏.‏

وأخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق عن شداد بن أوس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إذا أخذ أحدكم مضجعه ليرقد، فليقرأ بأم القرآن وسورة‏.‏ فإن الله يوكل به ملكا يهب معه إذا هب‏"‏‏.‏

وأخرج الشافعي في الأم وابن أبي شيبة في المصنف وأحمد في مسنده والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي في السنن عن عبادة بن الصامت‏.‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب‏"‏‏.‏

وأخرج الدارقطني والحاكم عن عبادة بن الصامت قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏أم القرآن عوض عن غيرها، وليس غيرها عوضا عنها‏"‏‏.‏

وأخرج أحمد والبيهقي في سنه عن أبي هريرة قال‏:‏ أمرني رسول الله قال ‏"‏كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج‏"‏‏.‏

وأخرج مالك في الموطأ وسفيان بن عيينة في تفسيره وأبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة وأحمد في مسنده والبخاري في جزء القراءة ومسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف وابن حبان والدارقطني والبيهقي في السنن عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج، فهي خداج ثلاث مرات‏.‏ غير تام‏.‏ قال أبو السائب‏:‏ فقلت يا أبا هريرة إني أحيانا أكون وراء الإمام‏.‏‏.‏‏.‏ فغمز ذراعي وقال‏:‏ اقرأ بها يا فارسي في نفسك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ قال الله عز وجل‏"‏قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل‏"‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اقرؤا‏.‏‏.‏‏.‏ يقول العبد ‏{‏الحمد لله رب العالمين‏}‏ فيقول الله‏:‏ حمدني عبدي‏.‏ ويقول العبد ‏{‏الرحمن الرحيم‏}‏ فيقول الله‏:‏ أثنى علي عبدي‏.‏ ويقول العبد ‏{‏مالك يوم الدين‏}‏ فيقول الله مجدني عبدي، ويقول العبد ‏{‏إياك نعبد وإياك نستعين‏}‏ فيقول الله‏:‏ هذا بيني وبين عبدي، أولها لي وآخرها لعبدي وله ماسأل‏.‏ ويقول العبد ‏{‏اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين‏}‏ فيقول الله‏:‏ هذا لعبدي ولعبدي ما سأل‏"‏‏.‏

وأخرج الدارقطني والبيهقي في السنن بسند ضعيف عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏يقول الله تعالى‏:‏ قسمت هذه الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ يقول الله‏:‏ ذكرني عبدي‏.‏ فإذا قال ‏{‏الحمد لله رب العالمين‏}‏ يقول الله‏:‏ حمدني عبدي‏.‏ فإذا قال ‏{‏الرحمن الرحيم‏}‏ يقول الله‏:‏ أثنى علي عبدي‏.‏ فإذا قال ‏{‏مالك يوم الدين‏}‏ يقول الله‏:‏ مجدني عبدي‏.‏ فإذا قال ‏{‏إياك نعبد وإياك نستعين‏}‏ قال‏:‏ هذه الآية بيني وبين عبدي نصفين، وآخر السورة لعبدي ولعبدي ماٍسأل‏"‏‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيرهما عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏قال الله‏:‏ قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، وله ما سأل‏.‏ فإذا قال العبد ‏{‏الحمد لله رب العالمين‏}‏ قال‏:‏ حمدني عبدي‏.‏ وإذا قال ‏{‏الرحمن الرحيم‏}‏ قال‏:‏ أثنى علي عبدي‏.‏ ثم قال‏:‏ هذا لي وله مابقي‏"‏‏.‏

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي بن كعب قال‏:‏ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب ثم قال ‏"‏قال ربكم‏:‏ ابن آدم أنزلت عليك سبع آيات‏.‏ ثلاث لي، وثلاث لك، وواحدة بيني وبينك‏.‏ فأم التي لي ‏{‏فالحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين‏}‏ والتي بيني وبينك ‏{‏إياك نعبد وإياك نستعين‏}‏ منك العباده وعلي العون لك‏.‏ وأما التي لك ‏{‏اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين‏}‏ ‏"‏‏.‏


أخرج أبو عبيد وابن سعد في الطبقات وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن الأنباري في المصاحف والدارقطني والحاكم وصححه والبيهقي والخطيب وابن عبد البر كلاهما في كتاب المسألة عن أم سلمة ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين‏}‏ قطعها آية آية، وعددها عد الاعراب، وعد بسم الله الرحمن الرحيم ولم يعد عليهم‏"‏‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والدارقطني والبيهقي في سننه بسند ضعيف عن بريدة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بآية أو سورة لم تنزل على نبي بعد سليمان غيري‏.‏ قال‏:‏ فمشى وتبعته حتى انتهى إلى باب المسجد، فأخرج احدى رجليه من أسكفة المسجد، وبقيت الأخرى في المسجد‏.‏ فقلت بيني وبين نفسي‏:‏ نسي ذلك‏.‏‏.‏ فأقبل علي بوجهه فقال‏:‏ بأي شيء تفتتح القرآن إذا افتتحت الصلاة‏؟‏ قلت ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ قال‏:‏ هي هي‏.‏‏.‏‏.‏ ثم خرج‏"‏‏.‏

وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس قال ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ آية‏.‏

وأخرج سعيد بن منصور في سننه وابن خزيمة في كتاب البسملة والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ استرق الشيطان من الناس‏.‏

وأخرج أبو عبيد وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس قال‏:‏ أغفل الناس آية من كتاب الله لم تنزل على أحد سوى النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن يكون سليمان بن داود عليهما السلام ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏‏.‏

وأخرج الدارقطني بسند ضعيف عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏كان جبريل إذا جاءني بالوحي أول مايلقي علي ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ ‏"‏‏.‏

وأخرج الواحدي عن ابن عمر قال‏:‏ نزلت ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ في كل سورة‏.‏

وأخرج أبو داود والبزار والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في المعرفة عن ابن عباس قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة - وفي لفظ خاتمة السورة - حتى ينزل عليه ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ زاد البزار، والطبراني، فإذا نزلت عرف أن السورة قد ختمت، واستقبلت، أو ابتدئت سورة أخرى‏.‏

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال‏:‏ كان المسلمون لا يعرفون انقضاء السورة حتى تنزل ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ فإذا نزلت عرفوا أن السورة قد انقضت‏.‏

وأخرج أبو عبيد عن سعيد بن جبير أنه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا لا يعرفون انقضاء السورة حتى تنزل ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ فإذا نزلت علموا أن قد انقضت سورة ونزلت أخرى‏.‏

واخرج الطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس‏.‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جاءه جبريل فقرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ علم أنها سورة‏.‏

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان والواحدي عن ابن مسعود قال‏:‏ كنا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتى تنزل ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏‏.‏

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر أنه كان يقرأ في الصلاة ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ فإذا ختم السورة قرأها يقول‏:‏ ماكتبت في المصحف إلا لتقرأ‏.‏

وأخرج الدارقطني عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله‏"‏علمني جبريل الصلاة فقام فكبر لنا، ثم قرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ فيما يجهر به في كل ركعة‏"‏‏.‏

وأخرج الثعلبي عن علي بن يزيد بن جدعان أن العبادلة كانوا يستفتحون القراءة ب ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ يجهرون بها‏.‏ عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير‏.‏

وأخرج الثعلبي عن أبي هريرة قال‏:‏ كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد إذ دخل رجل يصلي، فافتتح الصلاة، وتعوذ ثم قال ‏{‏الحمد لله رب العالمين‏}‏ فسمع النبي صلى الله عليه وسلم فقال ‏"‏يا رجل قطعت على نفسك الصلاة، أما علمت أن ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ من الحمد‏.‏ فمن تركها فقد ترك آية‏.‏ ومن ترك آية فقد أفسد عليه صلاته‏"‏‏.‏

وأخرج الثعلبي عن علي أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ وكان يقول من ترك قراءتها فقد نقص وكان يقول هي تمام السبع المثاني‏.‏

وأخرج الثعلبي عن طلحة بن عبيد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏من ترك ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ فقد ترك آية من كتاب الله‏"‏‏.‏

وأخرج الشافعي في الأم والدارقطني والحاكم وصححه والبيهقي عن معاوبة أنه قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ ولم يكبر إذا خفض، وإذا رفع‏.‏ فناداه المهاجرون والأنصار حين سلم‏:‏ يا معاوية أسرقت صلاتك، أين ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏‏؟‏ وأين التكبير‏؟‏ فلما صلى بعد ذلك قرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ لأم القرآن وللسوره التي بعدها وكبر حين يهوي ساجدا‏.‏ وأخرج البيهقي عن الزهري قال‏:‏ من سنة الصلاة أن تقرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ وإن أول من أسر ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ عمرو بن سعيد بن العاص بالمدينة، وكان رجلا حييا‏.‏

أخرج أبو داود والترمذي والدارقطني والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته ب ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏‏.‏

وأخرج البزار والدارقطني والبيهقي في شعب الإيمان من طريق أبي الطفيل قال‏:‏ سمعت علي بن أبي طالب، وعمار يقولان‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجهر في المكتوبات ب ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ في فاتحة الكتاب‏.‏

وأخرج الطبراني في الأوسط والدارقطني والبيهقي عن نافع‏.‏ أن ابن عمر إذا افتتح الصلاة يقرأ ب ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ في أم القرآن وفي السورة التي تليها، ويذكر أنه سمع ذلك من رسول الله‏.‏

وأخرج الدارقطني والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ب ‏{‏بسم لله الرحمن الرحيم في الصلاة‏}‏ ‏"‏‏.‏

وأخرج الدارقطني والحاكم والبيهقي وصححه عن نعيم المجمر قال‏:‏ كنت وراء أبي هريرة فقرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ ثم قرأ ‏(‏بأم القرآن‏)‏ حتى بلغ ‏{‏ولا الضالين‏}‏ قال‏:‏ آمين‏.‏ وقال الناس‏:‏ آمين‏.‏ ويقول كلما سجد‏:‏ الله أكبر، وإذا قام من الجلوس قال الله أكبر، ويقول إذا سلم‏:‏ والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وأخرج الدارقطني عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ ‏"‏كان النبي يجهر ب ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ في السورتين جميعا‏"‏‏.‏

وأخرج الدارقطني عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ قال النبي‏"‏كيف تقرأ إذا قمت إلى الصلاة‏؟‏ قلت ‏{‏الحمد لله رب العالمين‏}‏ قال‏:‏ قل ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ ‏"‏‏.‏

وأخرج الدارقطني والبيهقي في شعب الإيمان عن جابر قال‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏كيف تقرأ إذا قمت إلى الصلاة‏؟‏ قلت‏:‏ أقرأ ‏{‏الحمد لله رب العالمين‏}‏ قال‏:‏ قل ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ ‏"‏‏.‏

وأخرج الدارقطني عن ابن عمر قال‏:‏ صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر فكانوا يجهرون ب ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏‏.‏

وأخرج الدارقطني عن النعمان بن بشير قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏أمني جبريل عليه السلام عند الكعبة، فجهر ب ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ ‏"‏‏.‏

وأخرج الدارقطني عن الحكم بن عمير وكان بدريا قال ‏"‏صليت خلف النبي فجهر في الصلاة ‏{‏بسم الله الرحم الرحيم‏}‏ في صلاة الليل، وصلاة الغداة، وصلاة الجمعة‏"‏‏.‏

وأخرج الدارقطني عن عائشة ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجهر ب ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ ‏"‏‏.‏

وأخرج أبو عبيد عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ فاتحة الكتاب سبع آيات ب ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره والحاكم في المستدرك وصححه والبيهقي في شعب الإيمان وأبو ذر الهروي في فضائله والخطيب البغدادي في تاريخه عن ابن عباس‏.‏ أن عثمان بن عفان سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ فقال ‏"‏هو اسم من أسماء الله تعالى، ومابينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العين وبياضها من القرب‏"‏‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن عدي في الكامل وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر في تاريخ دمشق والثعلبي بسند ضعيف جدا عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إن عيسى بن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه فقال له المعلم‏:‏ اكتب ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ قال له عيسى‏:‏ وما باسم الله‏؟‏ قال المعلم‏:‏ لا أدري‏!‏ فقال له عيسى ‏{‏الباء‏}‏ بهاء الله ‏{‏والسين‏}‏ سناؤه ‏{‏والميم‏}‏ مملكته، ‏{‏والله‏}‏ إله الآلهة ‏{‏والرحمن‏}‏ رحمان الدنيا والآخرة، ‏{‏والرحيم‏}‏ رحيم الآخرة‏"‏‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق جويبر عن الضحاك‏.‏ مثل قوله‏.‏

وأخرج ابن جريج وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ‏"‏أول ما نزل جبريل على محمد قال له جبريل ‏{‏بسم الله‏}‏ يا محمد‏.‏ يقول‏:‏ اقرأ بذكر الله‏:‏ و ‏{‏الله‏}‏ ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين، ‏{‏والرحمن‏}‏ الفعلان من الرحمة و ‏{‏الرحيم‏}‏ الرفيق الرقيق بمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يضعف عليه العذاب‏"‏‏.‏

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ اسم الله الأعظم‏.‏ هو الله‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في تاريخه وابن الضريس في فضائله وابن أبي حاتم عن جابر بن يزيد قال‏:‏ اسم الله الأعظم‏.‏ هو الله، ألا ترى أنه في جميع القرآن يبدأ به قبل كل اسم‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في الدعاء الشعبي قال‏:‏ اسم الله الأعظم‏.‏ يا الله‏.‏

وأخرج ابن جرير عن الحسن قال ‏{‏الرحمن‏}‏ اسم ممنوع‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم قال ‏{‏الرحيم‏}‏ اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال ‏{‏الرحمن‏}‏ لجميع الخلق و ‏{‏الرحيم‏}‏ بالمؤمنين خاصة‏.‏

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال ‏{‏الرحمن‏}‏ وهو الرفيق ‏{‏والرحيم‏}‏ وهو العاطف على خلقه بالرزق‏.‏ وهما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر‏.‏

وأخرج ابن جرير عن عطاء الخراساني قال‏:‏ كان ‏{‏الرحمن فلما اختزل الرحمن من اسمه كان ‏{‏الرحمن الرحيم‏}‏‏.‏

وأخرج البزار والحاكم والبيهقي في الدلائل بسند ضعيف عن عائشة قالت‏:‏ قال لي أبي‏:‏ ألا أعلمك دعاء علمنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال‏:‏ وكان عيسى يعلمه للحواريين - لوكان عليك مثل أحد ذهبا لقضاه الله عنك قلت‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏قولي‏:‏ اللهم فارج الهم، كاشف الغم - ولفظ البزار وكاشف الكرب - ، مجيب دعوة المضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمها، أنت ترحمني رحمة تغنني بها عمن سواك‏"‏‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن سابط قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهؤلاء الكلمات ويعلمهن‏"‏اللهم فارج الهم، وكاشف الكرب، ومجيب المضطرين، ورحمن الدنيا والآخرة ورحيمها، أنت ترحمني فارحمني رحمة تغنني بها عمن سواك‏"‏‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن سابط قال ‏"‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهؤلاء الكلمات ويعلمهن‏.‏ اللهم فارج الهم، وكاشف الكرب، ومجيب المضطرين، ورحمن الدنيا والآخرة ورحيمها، ارحمني اليوم رحمة تغنني بها عن رحمة من سواك‏"‏‏.‏وأخرج البيهقي في شعب الإيمان من طريق ابن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏إن الله أنزل علي سورة لم ينزلها على أحد من الأنبياء والرسل من قبلي‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ قال الله تعالى‏:‏ قسمت هذه السورة بيني وبين عبادي ‏{‏فاتحة الكتاب‏}‏ جعلت نصفها لي‏:‏ ونصفها لهم، وآية بيني وبينهم، فإذا قال العبد ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ قال الله‏:‏ عبدي دعاني باسمين رقيقين‏.‏ أحدهما أرق من الآخر‏.‏ فالرحيم أرق من الرحمن‏.‏ وكلاهما رقيقان، فإذا قال ‏{‏الحمد لله‏}‏ قال الله‏:‏ شكرني عبدني وحمدني‏.‏ فإذا قال ‏{‏رب العالمين‏}‏ قال الله شهد عبدي أني رب العالمين‏.‏ رب الإنس والجن والملائكة والشياطين ورب الخلق، ورب كل شيء، فإذا قال ‏{‏الرحمن الرحيم‏}‏ يقول مجدني عبدي‏.‏ وإذا قال ‏{‏ملك يوم الدين‏}‏ - يعني بيوم الدين‏:‏ يوم الحساب - ‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ شهد عبدي أنه لا مالك ليومه أحد غيري‏.‏ وإذا قال ‏{‏ملك يوم الدين‏}‏ فقد أثنى علي عبدي‏.‏ ‏{‏إياك نعبد‏}‏ يعني الله أعبد وأوحد ‏{‏وإياك نستعين‏}‏ قال الله‏:‏ هذا بيني وبين عبدي، إياي يعبد فهذه لي، واياي نستعين فهذه له، ولعبدي بعد ماسأل‏.‏ بقية السورة ‏{‏اهدنا‏}‏ أرشدنا ‏{‏الصراط المستقيم‏}‏ يعني دين الإسلام، لأن كل دين غير الإسلام فليس بمستقيم الذي ليس فيه التوحيد ‏{‏صراط الذين أنعمت عليهم‏}‏ يعني به النبيين والمؤمنين الذين أنعم الله عليهم بالإسلام والنبوة ‏{‏غير المغضوب عليهم‏}‏ يقول‏:‏ أرشدنا غير دين هؤلاء الذين غضبت عليهم، وهم اليهود ‏{‏ولا الضالين‏}‏ وهم النصارى، أضلهم اله بعد الهدى، فبمعصيتهم غضب الله عليهم ‏(‏وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا‏)‏ ‏(‏المائدة الآية 60‏)‏ في الدنيا والآخرة‏.‏ يعني شر منزلا من النار ‏(‏وأضل عن سواء السبيل‏)‏ ‏(‏المائدة الآية 60‏)‏ من المؤمنين‏.‏ يعني أضل عن قصد السبيل المهدى من المسلمين قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ فإذا قال الإمام ‏{‏ولا الضالين‏}‏ فقولوا ‏{‏آمينن‏}‏ يحبكم الله‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم قال لي يا محمد هذه نجاتك، ونجاة أمتك، ومن اتبعك على دينك من النار‏"‏قال البيهقي‏:‏ قوله‏:‏ رقيقان‏.‏ قيل هذا تصحيف وقع في الأصل، وإنما هو رفيقان‏.‏ والرفيق‏:‏ من أسماء الله تعالى‏.‏

وأخرج ابن مردويه والثعلبي عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ هرب الغيم إلى المشرق، وسكنت الريح، وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ورجمت الشياطين من السماء، وحلف الله بعزته وجلاله أن لا يسمى على شيء إلا بارك فيه‏.‏

وأخرج وكيع والثعلبي عن ابن مسعود قال‏:‏ من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ ليجعل الله له بكل حرف منها جنة من كل واحد‏.‏

‏(‏يتبع‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏

‏(‏تابع‏.‏‏.‏‏.‏ 1‏)‏‏:‏ 1 - قوله تعالى‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏‏.‏‏.‏ ‏.‏‏.‏‏.‏

وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عباس مرفوعا‏"‏إن المعلم إذا قال للصبي قل ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ كتب للمعلم، وللصبي، ولأبويه، براءة من النار‏"‏‏.‏

وأخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة والديلمي عن علي مرفوعا‏"‏إذا وقعت في ورطة فقل ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏ فإن الله يصرف بها ما يشاء من أنواع البلاء‏"‏‏.‏

وأخرج الحافظ عن عبد القادر الرهاوي في الأربعين بسند صحيح عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ب ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ أقطع‏"‏‏.‏

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وأبو نعيم في الحلية عن عطاء قال‏:‏ إذا تناهقت الحمر من الليل فقولوا ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم‏.‏

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن صفوان بن سليم قال‏:‏ الجن يستمتعون بمتاع الإنس وثيابهم، فمن أخذ منكم أو وضعه فليقل ‏{‏بسم الله‏}‏ فإن اسم الله طابع‏.‏

وأخرج أبو نعيم والديلمي عن عائشة قالت‏:‏ لما نزلت ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ ضجت الجبال حتى سمع أهل مكة دويها فقالوا‏:‏ سحر محمد الجبال، فبعث الله دخانا حتى أظل على أهل مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏من قرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ موقنا سبحت معه الجبال إلا أنه لا يسمع ذلك منها‏"‏‏.‏

وأخرج الديلمي عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏من قرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ كتب له بكل حرف أربعة آلاف حسنة، ومحي عنه أربعة آلاف سيئة، ورفع له أربعة آلاف درجة‏"‏‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والدارقطني والحاكم والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ كانت مدا، ثم قرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ يمد ‏{‏بسم الله‏}‏ ويمد ‏{‏الرحمن‏}‏ ويمد ‏{‏الرحيم‏}‏‏.‏

وأخرج الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في الجامع عن أبي جعفر محمد بن علي قال ‏"‏قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ مفتاح كل كتاب‏"‏‏.‏

وأخرج الخطيب في الجامع عن سعيد بن جبير قال‏:‏ لا يصلح كتاب إلا أوله ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ وإن كان شعرا‏.‏

وأخرج الخطيب عن الزهري قال‏:‏ قضت السنة أن لا يكتب في الشعر ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو بكر بن أبي داود والخطيب في الجامع عن الشعبي قال‏:‏ كانوا يكرهون أن يكتبوا أمام الشعر ‏{‏بسم الله الرحم الرحيم‏}‏‏.‏

وأخرج الخطيب عن الشعبي قال أجمعوا أن لا يكتبوا أمام الشعر ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏

وأخرج أبوعبيد وابن أبي شيبة في المصنف عن مجاهد والشعبي أنهما كرها أن يكتب الجنب ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏‏.‏

وأخرج أبونعيم في تاريخ أصبهان وابن اشته في المصاحف بسند ضعيف عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏من كتب ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ مجودة تعظيما لله غفر الله له‏"‏‏.‏

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ تنوق رجل في ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ فغفر له‏.‏

وأخرج السلفي في جزء له عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏لاتمد الباء إلى الميم حتى ترفع السين‏"‏‏.‏

وأخرج الخطيب في الجامع عن الزهري قال‏:‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تمد ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏‏.‏

وأخرج الخطيب وابن اشته في المصاحف عن محمد بن سيرين‏.‏ أنه كان يكره أن يمد الباء إلى الميم حتى يكتب السين‏.‏

وأخرج الديلمي في مشند الفردوس وابن عساكر في تارخ دمشق عن يزيد بن ثابت قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إذا كتبت ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ فبين السين فيه‏"‏‏.‏

وأخرج الخطيب في الجامع والديلمي عن أنس عن النبي قال ‏"‏إذا كتب أحدكم ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ فليمد الرحمن‏"‏‏.‏

وأخرج الديلمي عن معاوية قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏يا معاوية ألق الدواة، وحرف القلم، وانصب الباء، وفرق السين، ولا تغور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى، فإنه أذكر لك‏"‏‏.‏

وأخرج الخطيب عن مطر الوراق قال ‏"‏كان معاوية بن أبي سفيان كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يجمع بين حروف الباء والسين، ثم يمده إلى الميم، ثم يجمع حروف الله الرحمن الرحيم، ولا يمد شيئا من أسماء الله في كتابه، ولا قراءته‏"‏‏.‏

وأخرج أبوعبيد عن مسلم بن يسار أنه كان يكره أن يكتب ‏(‏بم‏)‏ حين يبدأ قيسقط السين‏.‏

وأخرج أبوعبيد عن ابن عون أنه كتب لابن سيرين ‏(‏بم‏)‏ فقال‏:‏ مه‏.‏‏.‏‏.‏ اكتب سينا‏.‏ اتقوا أن يأثم أحدكم وهو لا يشعر‏.‏

وأخرج أبوعبيد عن عمران بن عون‏.‏ أن عمر بن عبد العزيز ضرب كاتبا كتب الميم قبل السين‏.‏ فقيل له‏:‏ فيم ضربك أمير المؤمنين‏؟‏ فقال‏:‏ في سين‏.‏

وأخرج ابن سعد في طبقاته عن جويرية بنت أسماء‏.‏ أن عمر بن عبد العزيز عزل كاتبا له في هذا كتب ‏(‏بم‏)‏ ولم يجعل السين‏.‏

وأخرج ابن سعيد عن محمد بن سيرين أنه كان يكره أن يكتب الباء، ثم يمدها إلى الميم حتى يكتب السين، ويقول فيه قولا شديدا‏.‏

وأخرج الخطيب عن معاذ بن معاذ قال‏:‏ كتبت عند سوار ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ فممدت الباء ولم أكتب السين، فأمسك يدي وقال‏:‏ كان محمد والحسن يكرهان هذا‏.‏

وأخرج الخطيب عن عبد الله بن صالح قال‏:‏ كتبت ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ ورفعت الباء فطالت فأنكر ذلك الليث وكرهه وقال‏:‏ غيرت المعنى يعني لأنها تصير لاما‏.‏

وأخرج أبوداود في مراسيله عن عمر بن عبد العزيز أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على كتاب في الأرض فقال لفتى معه‏"‏ ما في هذا‏؟‏ قال ‏{‏بسم الله‏}‏ قال‏:‏ لعن من فعل هذا لا تضعوا ‏{‏بسم الله‏}‏ إلا في موضعه‏"‏‏.‏

وأخرج الخطيب في تالي التلخيص عن أنس مرفوعا ‏"‏من رفع قرطاسا من الأرض فيه ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ إجلالا له أن يداس، كتب عند الله من الصديقين، وخفف عن والديه وإن كانا كافرين‏"‏‏.‏

وأخرج ابن أبي داود في البعث عن أم خالد بن خالد بن سعيد بن العاص قال‏:‏ إني أول من كتب ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏‏.‏

وأخرج الثعلبي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال ‏"‏قام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقال ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ فقالت قريش‏:‏ دق الله فاك‏"‏‏.‏

وأخرج أبوداود في مراسيله عن سعيد بن جبير قال ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ‏{‏ببسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ بمكة، وكان أهل مكة يدعون مسيلمة الرحمن‏.‏ فقالوا‏:‏ إن محمدا يدعو إلى إله اليمامة، فأمر رسول الله بإخفائها، فما جهر بها حتى مات‏"‏‏.‏

وأخرج الطبراني من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ‏"‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ هزأ منه المشركون وقالوا‏:‏ محمد يذكر إله اليمامة، وكان مسيلمة يتسمى الرحمن‏.‏ فلما نزلت هذه الآية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يجهر بها‏"‏‏.‏

وأخرج الطبراني عن أنس ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسر ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ وأبو بكر، وعمر‏"‏‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه والبيهقي عن ابن عبد الله بن مغفل قال‏:‏ سمعني أبي وأنا أقرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ فقال‏:‏ أي بني محدث‏؟‏ صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحدا منهم جهر ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال‏:‏ الجهر ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ قراءة الأعراب‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال‏:‏ جهر الإمام ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ بدعة‏.‏

وأخرج ابن الضريس عن يحيى بن عتيق قال‏:‏ كان الحسن يقول‏:‏ اكتبوا في أول الإمام ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ واجعلوا بين كل سورتين خطا‏.‏

العذب النمير للشنقيطي

Tafseer Not Available

الكشاف للزمخشري

تفسير الآية رقم (1):{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)}قرّاء المدينة والبصرة والشأم وفقهاؤها على أنّ التسمية ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وإنما كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها، كما بدئ بذكرها في كل أمر ذي بال، وهو مذهب أبي حنيفة- رحمه الله- ومن تابعه، ولذلك لا يجهر بها عندهم في الصلاة. وقرّاء مكة والكوفة وفقهاؤهما على أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وعليه الشافعي وأصحابه رحمهم الله، ولذلك يجهرون بها. وقالوا: قد أثبتها السلف في المصحف مع توصيتهم بتجريد القرآن، ولذلك لم يثبتوا {آَمِينٌ} فلولا أنها من القرآن لما أثبتوها.وعن ابن عباس: «من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله تعالى».فإن قلت: بم تعلقت الباء؟ قلت: بمحذوف تقديره: بسم الله اقرأ أو أتلو؛ لأنّ الذي يتلو التسمية مقروء، كما أنّ المسافر إذا حلّ أو ارتحل فقال: بسم الله والبركات، كان المعنى: بسم الله أحل وبسم الله أرتحل؛ وكذلك الذابح وكل فاعل يبدأ في فعله؛ ب (بسم الله) كان مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له. ونظيره في حذف متعلق الجارّ قوله عزّ وجلّ: {في تسع آّيات إلى فرعون وقومه} [النمل: 12]، أي اذهب في تسع آيات. وكذلك قول العرب في الدعاء للمعرس: بالرفاء والبنين، وقول الأعرابي: باليمن والبركة، بمعنى أعرست، أو نكحت. ومنه قوله:فقُلْتُ إلى الطَّعام فقَالَ مِنْهُم ** فَرِيقٌ نحْسُدُ الإِنْسَ الطَّعَامَافإن قلت: لم قدّرت المحذوف متأخراً؟ قلت: لأنّ الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به؛ لأنهم كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم فيقولون: باسم اللات، باسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عزّ وجلّ بالابتداء، وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما فعل في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}، حيث صرح بتقديم الاسم إرادة للاختصاص. والدليل عليه قوله: {بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود: 41].فإن قلت: فقد قال: {اقرأ باسم رَبّكَ} [العلق: 1]، فقدّم الفعل.قلت: هناك تقديم الفعل أوقع لأنها أوّل سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم.فإن قلت: ما معنى تعلق اسم الله بالقراءة؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يتعلق بها تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم، على معنى أنّ المؤمن لما اعتقد أنّ فعله لا يجيء معتداً به في الشرع، واقعاً على السنة حتى يصدر بذكر اسم الله لقوله عليه الصلاة والسلام: «كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر» إلا كان فعلا كلا فعل، جعل فعله مفعولاً باسم الله كما يفعل الكتب بالقلم.والثاني أن يتعلق بها تعلق الدهن بالإنبات في قوله: {تَنبُتُ بالدهن} [المؤمنون: 20] على معنى: متبرّكاً بسم الله أقرأ، وكذلك قول الداعي للمعرس: بالرفاء والبنين، معناه أعرست ملتبساً بالرفاء والبنين، وهذا الوجه أعرب وأحسن؛ فإن قلت: فكيف قال الله تبارك وتعالى متبركاً باسم الله أقرأ؟ قلت: هذا مقول على ألسنة العباد، كما يقولُ الرجل الشعر على لسان غيره، وكذلك: {الحمد للَّهِ رَبّ العالمين} إلى آخره، وكثير من القرآن على هذا المنهاج، ومعناه تعليم عباده كيف يتبركون باسمه، وكيف يحمدونه ويمجدونه ويعظمونه.فإن قلت: من حق حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى على الفتحة التي هي أخت السكون، نحو كاف التشبيه ولام الابتداء وواو العطف وفائه وغير ذلك، فما بال لام الإضافة وبائها بنيتا على الكسر؟ قلت: أما اللام فللفصل بينها وبين لام الابتداء، وأما الباء فلكونها لازمة للحرفية والجر، والاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة، لئلا يقع ابتداؤهم بالساكن إذا كان دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن، لسلامة لغتهم من كل لكنة وبشاعة، ولوضعها على غاية من الإحكام والرصانة، وإذا وقعت في الدرج لم تفتقر إلى زيادة شيء. ومنهم من لم يزدها واستغنى عنها بتحريك الساكن، فقال: سم وسم. قال:بِاسْمِ الذِي في كلِّ سُورةٍ سِمُهْوهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز: كيد ودم، وأصله: سمو، بدليل تصريفه: كأسماء، وسمي، وسميت، واشتقاقه من السمو، لأنّ التسمية تنويه بالمسمى وإشادة بذكره، ومنه قيل للقب النبز: من النبز بمعنى النبر، وهو رفع الصوت. والنبز قشر النخلة الأعلى.فإن قلت: فلم حذفت الألف في الخط وأثبتت في قوله: باسم ربك؟ قلت: قد اتبعوا في حذفها حكم الدرج دون الابتداء الذي عليه وضع الخط لكثرة الاستعمال، وقالوا: طُوِّلَتِ الباء تعويضاً من طرح الألف.وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال لكاتبه: طوّل الباء وأظهر السنات ودوّر الميم. و(الله) أصله الإله. قال:مَعَاذَ الإِلهِ أَنْ تَكُونَ كظَبْيَةٍونظيره: الناس، أصله الأناس. قال:إنَّ المَنايَا يَطَّلِعْـ ** ـنَ عَلَى الأنَاسِ الآمِنِينَافحذفت الهمزة وعوّض منها حرف التعريف، ولذلك قيل في النداء: يا ألله بالقطع، كما يقال: يا إله، والإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا، وكذلك السنة على عام القحط، والبيت على الكعبة، والكتاب على كتاب سيبويه. وأما (الله) بحذف الهمزة فمختص بالمعبود بالحق، لم يطلق على غيره. ومن هذا الاسم اشتق: تأله، وأله، واستأله. كما قيل: استنوق، واستحجر، في الاشتقاق من الناقة والحجر.فإن قلت: أاسم هو أم صفة؟ قلت: بل اسم غير صفة، ألا تراك تصفه ولا تصف به، لا تقول: شيء إله، كما لا تقول: شيء رجل.وتقول: إله واحد صمد، كما تقول: رجل كريم خير. وأيضاً فإنّ صفاته تعالى لابد لها من موصوف تجرى عليه، فلو جعلتها كلها صفات بقيت غير جارية على اسم موصوف بها وهذا محال.فإن قلت: هل لهذا الاسم اشتقاق؟ قلت: معنى الاشتقاق أن ينتظم الصيغتين فصاعداً معنى واحد، وصيغة هذا الاسم وصيغة قولهم: أله، إذا تحير، ومن أخواته: دله، وعله، ينتظمهما معنى التحير والدهشة، وذلك أنّ الأوهام تتحير في معرفة المعبود وتدهش الفطن، ولذلك كثر الضلال، وفشا الباطل، وقل النظر الصحيح.فإن قلت: هل تفخم لأمه؟ قلت: نعم قد ذكر الزجاج أنّ تفخيمها سنة، وعلى ذلك العرب كلهم، وإطباقهم عليه دليل أنهم ورثوه كابراً عن كابر. و(الرحمن) فعلان من رحم، كغضبان وسكران، من غضب وسكر، وكذلك (الرحيم) فعيل منه، كمريض وسقيم، من مرض وسقم، وفي (الرحمن) من المبالغة ما ليس في (الرحيم)، ولذلك قالوا: رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا، ويقولون: إنّ الزيادة في البناء لزيادة المعنى. وقال الزّجّاج في الغضبان: هو الممتلئ غضباً. ومما طنّ على أذني من ملح العرب أنهم يسمون مركباً من مراكبهم بالشقدف؟ وهو مركب خفيف ليس في ثقل محامل العراق، فقلت في طريق الطائف منهم لرجل ما اسم هذا المحمل؟ أردت المحمل العراقي فقال: أليس ذاك اسمه الشقدف؟ قلت: بلى، فقال: هذا اسمه الشقنداف، فزاد في بناء الاسم لزيادة المسمى، وهو من الصفات الغالبة كالدبران، والعيوق، والصعق لم يستعمل في غير الله عزّ وجلّ، كما أنّ (الله) من الأسماء الغالبة. وأما قول بني حنيفة في مسيلمة: رحمان اليمامة، وقول شاعرهم فيه:وأَنْتَ غَيْثُ الوَرَى لا زِلْتَ رَحْمَانَافباب من تعنتهم في كفرهم.فإن قلت: كيف تقول: الله رحمن، أتصرفه أم لا؟ قلت: أقيسه على أخواته من بابه، أعني: نحو عطشان، وغرثان، وسكران، فلا أصرفه.فإن قلت: قد شرط في امتناع صرف فعلان أن يكون فعلان فعلى واختصاصه بالله يحظر أن يكون فعلان فعلى، فلم تمنعه الصرف؟ قلت: كما حظر ذلك أن يكون له مؤنث على فعلى كعطشى فقد حظر أن يكون له مؤنث على فعلانة كندمانة، فإذاً لا عبرة بامتناع التأنيث للاختصاص العارض فوجب الرجوع إلى الأصل قبل الاختصاص وهو القياس على نظائره.فإن قلت: ما معنى وصف الله تعالى بالرحمة ومعناها العطف والحنوّ ومنها الرحم لانعطافها على ما فيها؟ قلت: هو مجاز عن إنعامه على عباده؛ لأنّ الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم أصابهم بمعروفه وإنعامه، كما أنه إذا أدركته الفظاظة والقسوة عنف بهم ومنعهم خيره ومعروفه.فإن قلت: فلم قدّم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه، والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى كقولهم: فلان عالم نحرير، وشجاع باسل، وجواد فياض؟ قلت: لما قال: {الرَّحْمَنِ} فتناول جلائل النعم وعظائمها وأصولها، أردفه (الرحيم) كالتتمة والرديف ليتناول ما دقّ منها ولطف.

المحرر الوجيز لابن عطية

[سورة الفاتحة: الآية 1].

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) (1).

القول في تفسير (بسم الله الرحمن الرحيم)، روي عن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه أنه قال: «البسملة تيجان السور»، وروي أن رجلا قال بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم: تعس الشيطان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقل ذلك، فإنه يتعاظم عنده، ولكن قل: «بسم الله الرحمن الرحيم» فإنه يصغر حتى يصير أقل من ذباب»، وقال علي بن الحسين رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: (وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً) [الإسراء: 46] قال: معناه إذا قلت: «بسم الله الرحمن الرحيم»، وروي عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «كيف تفتتح الصلاة يا جابر ؟ قلت: بالحمد لله رب العالمين، قال: قل: بسم الله الرحمن الرحيم»، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبريل فعلمني الصلاة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم يجهر بها»، قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذان الحديثان يقتضيان أنها آية من الحمد، ويرد ذلك حديث أبي بن كعب الصحيح إذ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هل لك ألا تخرج من المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها»، قال: فجعلت أبطىء في المشي رجاء ذلك، فقال لي: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة ؟ قال: فقرأت (الحمد لله رب العالمين) حتى أتيت على آخرها، ويرده الحديث الصحيح بقوله عز وجل: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، يقول العبد الحمد لله رب العالمين»، ويرده أنه لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أبي بكر، ولا عن عمر، ولا عثمان، رضي الله عنهم أنهم قرؤوا في صلاتهم: «بسم الله الرحمن الرحيم»، ويرده عدد آيات السورة لأن الإجماع أنها سبع آيات، إلا ما روي عن حسين الجعفي أنها ست آيات، وهذا شاذ لا يعول عليه وكذلك روي عن عمرو بن عبيد أنه جعل (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) [الفاتحة: 5] آية، فهي على عده ثماني آيات، وهذا أيضا شاذ، وقول الله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي) [الحجر: 87] هو الفصل في ذلك، والشافعي - رحمه الله - يعد «بسم الله الرحمن الرحيم» آية من الحمد، وكثير من قراء مكة والكوفة لا يعدون (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: 7]، ومالك - رحمه الله -، وأبو حنيفة، وجمهور الفقهاء، والقراء، لا يعدون البسملة آية، والذي يحتمله عندي حديث جابر، وأبي هريرة - إذا صحّا - أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قراءة جابر وحكايته أمر الصلاة قراءة في غير صلاة على جهة التعلم فأمره بالبسملة لهذا لا لأنها آية، وكذلك في حديث أبي هريرة رآها قراءة تعليم، ولم يفعل ذلك مع أبيّ لأنها قصد تخصيص السورة ووسمها من الفضل بما لها، فلم يدخل معها ما ليس منها، وليس هذا القصد في حديث جابر وأبي هريرة، والله أعلم، وقال ابن المبارك: «إن البسملة آية في كل سورة»، وهذا قول شاذ رد الناس عليه، وروى الشعبي والأعمش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتب «باسمك اللهم»، حتى أمر أن يكتب «بسم الله» فكتبها، فلما نزلت (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ) [الإسراء: 110] كتب: «بسم الله الرحمن»، فلما نزلت: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) [النمل: 30] كتبها، وروى عمرو بن شرحبيل: أن جبريل أول ما جاء النبي عليه السلام قال له: قل: «بسم الله الرحمن الرحيم»، وروي عن ابن عباس: أن أول ما نزل به جبريل: «بسم الله الرحمن الرحيم»، وفي بعض طرق حديث خديجة وحملها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ورقة، أن جبريل قال للنبي عليهما السلام: قل: «بسم الله الرحمن الرحيم» فقالها: فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ ... الحديث.

والبسملة تسعة عشر حرفا، فقال بعض الناس: إن رواية بلغتهم أن ملائكة النار الذين قال الله فيهم (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) [المدثر: 30] إنما ترتب عددهم على حروف بسم الله الرحمن الرحيم، لكل حرف ملك، وهم يقولون في كل أفعالهم: «بسم الله الرحمن الرحيم» فمن هنالك هي قوتهم، وباسم الله استضلعوا، قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذه من ملح التفسير، وليست من متين العلم، وهي نظير قولهم في ليلة القدر: «إنها ليلة سبع وعشرين»، مراعاة للفظة هي في كلمات سورة (إِنَّا أَنْزَلْناهُ) [القدر: 1] ونظير قولهم في عدد الملائكة الذين ابتدروا قول القائل: «ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه»، فإنها بضعة وثلاثون حرفا، قالوا: فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول».

والباء في: بسم الله متعلقة عند نحاة البصرة باسم تقديره ابتداء مستقر أو ثابت بسم الله وعند نحاة الكوفة بفعل تقديره ابتدأت بسم الله، فبسم الله في موضع رفع على مذهب البصريين، وفي موضع نصب على مذهب الكوفيين، كذا أطلق القول قوم، والظاهر من مذهب سيبويه أن الباء متعلقة باسم كما تقدم، وبسم الله في موضع نصب تعلقا بثابت أو مستقر بمنزلة: في الدار من قولك زيد في الدار، وكسرت باء الجر ليناسب لفظها عملها، أو لكونها لا تدخل إلا على الأسماء فخصت [البسيط]:.

أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط   ***   كالطّعن يذهب فيه الزيت والفتل.

وحذفت الألف من بسم الله في الخط اختصارا وتخفيفا لكثرة الاستعمال، واختلف النحاة إذا كتب «باسم الرحمن وباسم القاهر»، فقال الكسائي وسعيد الأخفش: «يحذف الألف»، وقال يحيى بن زياد: «لا تحذف إلا مع بسم الله فقط، لأن الاستعمال إنما كثر فيه».

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فأما في غير اسم الله تعالى فلا خلاف في ثبوت الألف، واسم أصله سمو بكسر السين أو سمو بضمها، وهو عند البصريين مشتق من السمو، يقال: سما يسمو، فعلى هذا تضم السين في قولك سمو ويقال: سمي يسمى فعلى هذا تكسر، وحذفت الواو من سمو، وكسرت السين من سم، كما قال الشاعر [الرجز]:.

باسم الذي في كلّ سورة سمه.

وسكنت السين من بسم اعتلالا على غير قياس، وإنما استدل على هذا الأصل الذي ذكرناه بقولهم في التصغير سمّي، وفي الجمع أسماء، وفي جمع الجمع أسامي، وقال الكوفيون: أصل اسم وسم من السمة، وهي العلامة، لأن الاسم علامة لمن وضع له، وحذفت فاؤه اعتلالا على غير قياس، والتصغير والجمع المذكوران يردان هذا المذهب الكوفي.

وأما المعنى فيه فجيد لولا ما يلزمهم من أن يقال في التصغير وسيم، وفي الجمع أوسام، لأن التصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها، وقد ذكر بعض المفسرين في هذا الموضع الاسم والمسمى هل هما واحد ؟ وقال الطبري رحمه الله: إنه ليس بموضع للمسألة، وأنحى في خطبته على المتكلمين في هذه المسألة ونحوها، ولكن بحسب ما قد تدوول القول فيها، فلنقل إن الاسم كزيد وأسد وفرس قد يرد في الكلام ويراد به الذات، كقولك زيد قائم والأسد شجاع، وقد يراد به التسمية ذاتها، كقولك أسد ثلاثة أحرف، ففي الأول يقال الاسم هو المسمى بمعنى يراد به المسمى وفي الثاني لا يراد به المسمى، ومن الورود الأول قولك يا رحمن اغفر لي، وقوله تعالى: (الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ) [الرحمن: 1]، ومن الورود الثاني قولك: الرحمن وصف لله تعالى، وأما اسم الذي هو ألف وسين وميم، فقد يجري في لغة العرب مجرى الذات. يقال: ذات، ونفس، واسم، وعين، بمعنى، وعلى هذا حمل أكثر أهل العلم قوله تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) [الأعلى: 1] وقوله تعالى: (تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) [الرحمن: 78]، وقوله تعالى: (ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ) [يوسف: 40]، وعضدوا ذلك بقول لبيد [الطويل]:.

إلى الحول ثمّ اسم السلام عليكما   ***   ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر.

وقالوا: إن لبيدا أراد التحية، وقد يجري «اسم» في اللغة مجرى ذات العبارة، وهو الأكثر من استعمالها، فمنه قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها) [البقرة: 31] على أشهر التأويلات فيه، ومنه قول النبي عليه السلام: «إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة»، وعلى هذا النحو استعمل النحويون الاسم في تصريف أقوالهم فالذي يتنخل من هذا: أن الأسماء قد تجيء يراد بها ذوات المسميات، وفي هذا يقال الاسم هو المسمى، وقد تجيء يراد بها ذواتها نفسها لا مسمياتها، ومر بي أن مالكا رحمه الله سئل عن الاسم أهو المسمى ؟ فقال: «ليس به ولا هو غيره»، يريد دائما في كل موضع، وهذا موافق لما قلناه، والمكتوبة التي لفظها الله أبهر أسماء الله تعالى وأكثرها استعمالا، وهو المتقدم لسائرها في الأغلب، وإنما تجيء الأخر أوصافا، واختلف الناس في اشتقاقه، فقالت فرقة من أهل العلم: «هو اسم مرتجل، لا اشتقاق له من فعل، وإنما هو اسم موضوع له تبارك وتعالى، والألف واللام لازمة له لا لتعريف ولا لغيره، بل هكذا وضع الاسم»، وذهب كثير من أهل العلم إلى أنه مشتق من أله الرجل إذا عبد، وتأله إذا تنسك، ومن ذلك قول رؤبة بن العجاج [الرجز]:.

لله در الغانيات المدّه   ***   سبّحن واسترجعن من تألّهي.

ومن ذلك قول الله تعالى: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) [الأعراف: 127] على هذه القراءة فإن ابن عباس وغيره قال: وعبادتك، قالوا: فاسم الله مشتق من هذا الفعل، لأنه الذي يألهه كل خلق ويعبده، حكاه النقاش في صدر سورة آل عمران فإلاه فعال من هذا، واختلف كيف تعلل إله حتى جاء الله، فقيل: حذفت الهمزة حذفا على غير قياس ودخلت الألف واللام للتعظيم على لاه، وقيل بل دخلتا على اله ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام فجاء اللاه ثم أدغمت اللام في اللام. وقيل إن أصل الكلمة لاه، وعليه دخلت الألف واللام، والأول أقوى، وروي عن الخليل أن أصل إله ولاه وأن الهمزة مبدلة من واو كما هي في إشاح ووشاح وإسادة ووسادة، وقيل إن أصل الكلمة ولاه كما قال الخليل إلا أنها مأخوذة من وله الرجل إذا تحير، لأنه - تعالى - تتحير الألباب في حقائق صفاته، والفكر في المعرفة به، وحذفت الألف الأخيرة من «الله» لئلا يشكل بخط اللات، وقيل طرحت تخفيفا، وقيل هي لغة فاستعملت في الخط، ومنها قول الشاعر ابن الأعرابي [الرجز]:.

أقبل سيل جاء من أمر الله   ***   يحرد حرد الجنّة المغلّة.

و (الرحمن) [الفاتحة: 3]​ صفة مبالغة من الرحمة، ومعناها أنه انتهى إلى غاية الرحمة كما يدل على الانتهاء سكران وغضبان، وهي صفة تختص بالله ولا تطلق على البشر، وهي أبلغ من فعيل، وفعيل أبلغ من فاعل، لأن راحما يقال لمن رحم ولو مرة واحدة، ورحيما يقال لمن كثر منه ذلك، والرحمن النهاية في الرحمة، وقال بعض الناس: (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) [الفاتحة: 3] بمعنى واحد، كالندمان والنديم، وزعم أنهما من فعل واحد، ولكن أحدهما أبلغ من الآخر، وأما المفسرون فعبروا عن (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) [الفاتحة: 3]​ بعبارات، فمنها أن العرزمي قال: "معناه: الرحمن بجميع خلقه في الأمطار، ونعم الحواس، والنعم العامة، الرحيم بالمؤمنين في الهداية لهم، واللطف به" ومنها أن أبا سعيد الخدري وابن مسعود رويا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة»، وقال أبو علي الفارسي: الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى، و (الرَّحِيمِ) [الفاتحة: 3] إنما هو في جهة المؤمنين كما قال تعالى: (وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً) [الأحزاب: 43]، وهذه كلها أقوال تتعاضد، وقال عطاء الخراساني: «كان الرحمن فلما اختزل وسمي به مسيلمة الكذاب قال الله - سبحانه - لنفسه: «الرحمن الرحيم» فهذا الاقتران بين الصفتين ليس لأحد إلا لله تعالى» وهذا قول ضعيف، لأن بسم الله الرحمن الرحيم كان قبل أن ينجم أمر مسيلمة، وأيضا فتسمي مسيلمة بهذا لم يكن مما تأصل وثبت، وقال قوم: إن العرب كانت لا تعرف لفظة الرحمن، ولا كانت في لغتها، واستدلوا على ذلك بقول العرب: «وما الرحمن ؟ أنسجد لما تأمرنا» وهذا القول ضعيف، وإنما وقفت العرب على تعيين الإله الذي أمروا بالسجود له، لا على نفس اللفظة.

واختلف في وصل الرحيم بالحمد، فروي عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم الرحيم الحمد تسكن الميم ويوقف عليها ويبتدأ بألف مقطوعة، وقرأ به قوم من الكوفيين، وقرأ جمهور الناس الرحيم الحمد يعرب الرحيم بالخفض، وتوصل الألف من الحمد، ومن شاء أن يقدر أنه أسكن الميم ثم لما وصل حركها للالتقاء ولم يعتد بألف الوصل فذلك سائغ، والأول أخصر، وحكى الكسائي عن بعض العرب أنها تقرأ الرحيم الحمد بفتح الميم وصلة الألف كأنها سكنت الميم وقطعت الألف، ثم ألقيت حركتها على الميم وحذفت، ولم ترو هذه قراءة عن أحد فيما علمت، وهذا هو نظر يحيى بن زياد في قوله تعالى: (الم، اللَّهُ).

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) قال ابن عباس، وموسى بن جعفر عن أبيه، وعلي بن الحسين، وقتادة، وأبو العالية، ومحمد بن يحيى بن حبان: إنها مكية، ويؤيد هذا أن في سورة الحجر (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي) [الحجر: 87] والحجر مكية بإجماع، وفي حديث أبي بن كعب أنها السبع المثاني، والسبع الطّول نزلت بعد الحجر بمدد، ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة، وما حفظ أنها كانت قط في الإسلام صلاة بغير الحمد لله رب العالمين، وروي عن عطاء بن يسار، وسوادة بن زياد، والزهري محمد بن مسلم، وعبد الله بن عبيد بن عمير أن سورة الحمد مدنية، وأما أسماؤها فلا خلاف أنها يقال لها فاتحة الكتاب، لأن موضعها يعطي ذلك، واختلف هل يقال لها أم الكتاب، فكره الحسن بن أبي الحسن ذلك وقال: «أم الكتاب والحلال والحرام»، قال الله تعالى: (آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ) [آل عمران: 7]، وقال ابن عباس وغيره: «يقال لها أم الكتاب»، وقال البخاري: سميت أم الكتاب لأنها يبدأ بكتابتها في المصحف وبقراءتها في الصلاة، وفي تسميتها بأم الكتاب حديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه، واختلف هل يقال لها أم القرآن ؟ فكره ذلك ابن سيرين وجوزه جمهور العلماء، قال يحيى بن يعمر: «أم القرى مكة، وأم خراسان مرو، وأم القرآن سورة الحمد»، وقال الحسن بن أبي الحسن: اسمها أم القرآن.

وأما المثاني فقيل سميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة وقيل سميت بذلك لأنها استثنيت لهذه الأمة فلم تنزل على أحد قبلها ذخرا لها.

وأما فضل هذه السورة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بن كعب «إنها لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها»، ويروى أنها تعدل ثلثي القرآن، وهذا العدل إما أن يكون في المعاني، وإما أن يكون تفضيلا من الله تعالى لا يعلل، وكذلك يجيء عدل (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص: 1] وعدل (زُلْزِلَتِ) [الزلزلة: 1]، وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحمد لله رب العالمين فضل ثلاثين حسنة على سائر الكلام»، وورد حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال لا إله إلا الله كتبت له عشرون حسنة، ومن قال الحمد لله رب العالمين كتبت له ثلاثون حسنة»، وهذا الحديث هو في الذي يقولها من المؤمنين مؤتجرا طالب ثواب، لأن قوله الحمد لله في ضمنها التوحيد الذي هو معنى لا إله إلا الله، ففي قوله توحيد وحمد، وفي قول لا إله إلا الله توحيد فقط، فأما إذا أخذا بموضعهما من شرع الملة ومحلهما من رفع الكفر والإشراك فلا إله إلا الله أفضل، والحاكم بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله».

المنتخب لعلماء الأزهر

Tafseer Not Available

الوجيز للواحدي

{بسم الله الرحمن الرحيم} أَيْ: ابدؤوا أوِ افتتحوا بتسمية الله تيمُّناً وتبرُّكاً و {الله} : اسمٌ تفرَّد الباري به سبحانه يجري فِي وصفه مجرى أسماء الأعلام لا يُعرف له اشتقاق وقيل: معناه: ذو العبادة التي بها يُقصد {الرَّحمن الرَّحيم} : صفتان لله تعالى معناهما: ذو الرَّحمة أَي: الرَّحمة لازمةٌ له وهي إرادة الخير ولا فرق بينهما مثل: ندمانٍ ونديم

تفسير ابن أبي حاتم

تفسير قوله: بسم الله
[الوجه الأول]

1 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ طَاهِرٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- يَعْنِي أَبَا كُرَيْبٍ- الهمداني، ثنا عثمان بْنُ سَعِيدٍ- يَعْنِي الزَّيَّاتَ- الْكُوفِيَّ، ثنا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضحاك، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوَّلُ مَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ يَا مُحَمَّدُ. يَقُولُ: اقْرَأْ بِذِكْرِ رَبِّكَ، قُمْ وَاقْعُدْ بِذِكْرِهِ .

وَالوجه الثَّانِي:
2 - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن ابْنَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، ثنا أَبِي، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ قَالَ: الْبَاءُ مِنْ بَهَاءِ اللَّهِ وَالسِّينُ مِنْ سَنَاءِ اللَّهِ وَالْمِيمُ مِنْ مُلْكِ اللَّهِ. وَاللَّهُ: يَا إِلَهَ الْخَلْقِ .

3 - حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ رَوَّادِ بْنِ الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلانِيُّ، ثنا آدَمُ، ثنا أَبُو هِلالٍ الرَّاسِبِيُّ، ثنا حَيَّانُ الأَعْرَجُ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ قَالَ: اسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ هُوَ اللَّهُ. أَلا تَرَى أَنَّهُ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ كُلِّ اسْمٍ .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: الرَّحْمَنِ
4 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ طَاهِرٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- يَعْنِي أَبَا كُرَيْبٍ- الْهَمْدَانِيَّ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ- يَعْنِي الزَّيَّاتَ- الْكُوفِيَّ ثنا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوَّلُ مَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى مُحَمَّدٍ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ قُلْ يَا مُحَمَّدُ بِسْمِ اللَّهِ. يَقُولُ: اقْرَأْ بِذِكْرِ رَبِّكَ وَقُمْ وَاقْعُدْ بِذِكْرِهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنُ، قَالَ يَقُولُ: الرَّحْمَنُ: الْفَعْلانُ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ مِنْ كَلامِ الْعَرَبِ.

5 - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا جَعْفَرِ بْنِ مُسَافِرٍ ثنا زَيْدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصَّنْعَانِيُّ، ثنا سَلامُ بْنُ وَهْبٍ الْجَنَدِيُّ ثنا أَبِي عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْمِ اللَّهِ إِلا كَمَا بَيْنَ سَوَادِ الْعَيْنَيْنِ وَبَيَاضِهِمَا مِنَ القرب.
قَوْلُهُ: الرَّحِيمِ
6 - حَدَّثَنَا ابْنُ طَاهِرٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ- يَعْنِي أَبَا كُرَيْبٍ الهمداني- ثنا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ- يَعْنِي الزَّيَّاتَ- ثنا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوَّلُ مَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَقُولُ: الرَّحِيمِ: الرَّقِيقُ الرَّفِيقُ لِمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْحَمَهُ، الْبَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُعَنِّفَ عَلَيْهِ الْعَذَابَ.

7 - حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، ثنا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ حَدَّثَنِي، أَبُو الأَشْهَبِ عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: الرَّحْمَنِ اسْمٌ لَا يَسْتَطِيعُ النَّاسُ أَنْ يَنْتَحِلُوهُ، تَسَمَّى بِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

تفسير ابن العثيمين

سورة الفاتحة سميت بذلك؛ لأنه افتتح بها القرآن الكريم؛ وقد قيل: إنها أول سورة نزلت كاملة.

هذه السورة قال العلماء: إنها تشتمل على مجمل معاني القرآن في التوحيد، والأحكام، والجزاء، وطرق بني آدم، وغير ذلك؛ ولذلك سميت «أم القرآن» ، والمرجع للشيء يسمى «أُمًّا» .

وهذه السورة لها مميزات تتميز بها عن غيرها؛ منها أنها ركن في الصلوات التي هي أفضل أركان الإسلام بعد الشهادتين: فلا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب؛ ومنها أنها رقية: إذا قرىء بها على المريض شُفي بإذن الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلّم قال للذي قرأ على اللديغ، فبرىء: «وما يدريك أنها رقية».
وقد ابتدع بعض الناس اليوم في هذه السورة بدعة، فصاروا يختمون بها الدعاء، ويبتدئون بها الُخطب ويقرؤونها عند بعض المناسبات، وهذا غلط: تجده مثلاً إذا دعا، ثم دعا قال لمن حوله: «الفاتحة» : يعني اقرؤوا الفاتحة؛ وبعض الناس يبتدىء بها في خطبه، أو في أحواله ـ وهذا أيضاً غلط؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف، والاتِّباع.

{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}

قوله تعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم} : الجار والمجرور متعلق بمحذوف؛ وهذا المحذوف يقدَّر فعلاً متأخراً مناسباً؛ فإذا قلت: «باسم الله» وأنت تريد أن تأكل؛ تقدر الفعل: «باسم الله آكل» .

قلنا: إنه يجب أن يكون متعلقاً بمحذوف؛ لأن الجار والمجرور معمولان؛ ولابد لكل معمول من عامل.

وقدرناه متأخراً لفائدتين:

الفائدة الأولى: التبرك بتقديم اسم الله عز وجل.

والفائدة الثانية: الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، كأنك تقول: لا آكل باسم أحد متبركاً به، ومستعيناً به إلا باسم الله عز وجل.

وقدرناه فعلاً؛ لأن الأصل في العمل الأفعال، وهذه يعرفها أهل النحو؛ ولهذا لا تعمل الأسماء إلا بشروط.

وقدرناه مناسباً؛ لأنه أدلّ على المقصود؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلّم: «ومن كان لم يذبح فليذبح باسم الله» ، أو قال صلى الله عليه وسلّم: «على اسم الله» . فخص الفعل.

و {الله} : اسم الله رب العالمين لا يسمى به غيره؛ وهو أصل الأسماء؛ ولهذا تأتي الأسماء تابعة له.
و {الرحمن} أي ذو الرحمة الواسعة؛ ولهذا جاء على وزن «فَعْلان» الذي يدل على السعة.
و {الرحيم} أي الموصل للرحمة من يشاء من عباده؛ ولهذا جاءت على وزن «فعيل» الدال على وقوع الفعل. فهنا رحمة هي صفته ـ هذه دل عليها {الرحمن} ، ورحمة هي فعله ـ أي إيصال الرحمة إلى المرحوم ـ دلّ عليها {الرحيم} . و {الرحمن الرحيم} : اسمان من أسماء الله يدلان على الذات، وعلى صفة الرحمة، وعلى الأثر: أي الحكم الذي تقتضيه هذه الصفة.

والرحمة التي أثبتها الله لنفسه رحمة حقيقية دل عليها السمع، والعقل؛ أما السمع فهو ما جاء في الكتاب، والسنة من إثبات الرحمة لله ـ وهو كثير جداً؛ وأما العقل: فكل ما حصل من نعمة، أو اندفع من نقمة فهو من آثار رحمة الله.

هذا وقد أنكر قوم وصف الله تعالى بالرحمة الحقيقية، وحرّفوها إلى الإنعام، أو إرادة الإنعام، زعماً منهم أن العقل يحيل وصف الله بذلك؛ قالوا: «لأن الرحمة انعطاف، ولين، وخضوع، ورقة؛ وهذا لا يليق بالله عز وجل» ، والرد عليهم من وجهين:

الوجه الأول: منع أن يكون في الرحمة خضوع، وانكسار، ورقة؛ لأننا نجد من الملوك الأقوياء رحمة دون أن يكون منهم خضوع، ورقة، وانكسار.

الوجه الثاني: أنه لو كان هذا من لوازم الرحمة، ومقتضياتها فإنما هي رحمة المخلوق؛ أما رحمة الخالق سبحانه وتعالى فهي تليق بعظمته، وجلاله، وسلطانه؛ ولا تقتضي نقصاً بوجه من الوجوه.

ثم نقول: إن العقل يدل على ثبوت الرحمة الحقيقية لله عز وجل: فإن ما نشاهده في المخلوقات من الرحمة بَيْنها يدل على رحمة الله عز وجل؛ ولأن الرحمة كمال؛ والله أحق بالكمال؛ ثم إن ما نشاهده من الرحمة التي يختص الله بها ـ كإنزال المطر، وإزالة الجدب، وما أشبه ذلك ـ يدل على رحمة الله.
والعجب أن منكري وصف الله بالرحمة الحقيقية بحجة أن العقل لا يدل عليها، أو أنه يحيلها، قد أثبتوا لله إرادة حقيقية بحجة عقلية أخفى من الحجة العقلية على رحمة الله، حيث قالوا: إن تخصيص بعض المخلوقات بما تتميز به يدل عقلاً على الإرادة؛ ولا شك أن هذا صحيح؛ ولكنه بالنسبة لدلالة آثار الرحمة عليها أخفى بكثير؛ لأنه لا يتفطن له إلا أهل النباهة؛ وأما آثار الرحمة فيعرفه حتى العوام: فإنك لو سألت عاميّاً صباح ليلة المطر: «بِمَ مطرنا؟» لقال: «بفضل الله، ورحمته» .

مسألة: هل البسملة آية من الفاتحة؛ أو لا؟

في هذا خلاف بين العلماء؛ فمنهم من يقول: إنها آية من الفاتحة، ويقرأ بها جهراً في الصلاة الجهرية، ويرى أنها لا تصح إلا بقراءة البسملة؛ لأنها من الفاتحة. ومنهم من يقول: إنها ليست من الفاتحة؛ ولكنها آية مستقلة من كتاب الله، وهذا القول هو الحق؛ ودليل هذا النص، وسياق السورة.
أما النص: فقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: فإذا قال: {الحمد لله رب العالمين} قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرحمن الرحيم} ، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي؛ فإذا قال: {مالك يوم الدين} ، قال الله تعالى: مَّجدني عبدي، فإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} ، قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي نصفين؛ وإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم} قال الله تعالى: هذا لعبدي؛ ولعبدي ما سأل» ، وهذا كالنص على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ وفي الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلّم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان؛ فكانوا يستفتحون بـ {الحمد لله رب العالمين} لا يذكرون {بسم الله الرحمن الرحيم} في أول قراءة، ولا في آخرها».
والمراد لا يجهرون؛ والتمييز بينها وبين الفاتحة في الجهر، وعدمه يدل على أنها ليست منها.
أما من جهة السياق من حيث المعنى: فالفاتحة سبع آيات بالاتفاق؛ وإذا أردت أن توزع سبع الايات على موضوع السورة وجدت أن نصفها هو قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} وهي الآية التي قال الله فيها: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» ؛ لأن {الحمد لله رب العالمين} : واحدة؛ {الرحمن الرحيم} : الثانية؛ {مالك يوم الدين} : الثالثة؛ وكلها حق لله عز وجل: {إياك نعبد وإياك نستعين} : الرابعة ـ يعني الوسط ـ وهي قسمان: قسم منها حق لله؛ وقسم حق للعبد؛ {اهدنا الصراط المستقيم} للعبد؛ {صراط الذين أنعمت عليهم} للعبد؛ {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} للعبد.

فتكون ثلاث آيات لله عز وجل وهي الثلاث الأولى؛ وثلاث آيات للعبد وهي الثلاث الأخيرة؛ وواحدة بين العبد وربه وهي الرابعة الوسطى.

ثم من جهة السياق من حيث اللفظ فإذا قلنا: إن البسملة آية من الفاتحة لزم أن تكون الآية السابعة طويلة على قدر آيتين؛ ومن المعلوم أن تقارب الايات في الطول والقصر هو الأصل.

فالصواب الذي لا شك فيه أن البسملة ليست من الفاتحة كما أن البسملة ليست من بقية السور.

تفسير ابن عرفة

{بِسْمِ اللهِ الرحمن الرَّحِيمِ} قال ابن رشد في البيان (في رسم تدريسه): لم يختلف قول مالك: إنّها لا تقرأ في الفريضة لا في أوّل الحمد، ولا في (أول) السورة التي بعدها لأنها ليست آية منها. (وليست) من القرآن إلا في سورة النمل: وإنما ثبت في المصحف الاستفتاح بها. قال: ويتحصل في قراءتها في أول الحمد في الفريضة أربعة (وجوه): قراءتها للشافعي - وكراهتها لمالك - واستحبابها لمحمد ابن مسلمة - والرابع قراءتها سرّا استحبابا -. وأما النافلة فلمالك فيها في الحمد قولان، وله فيما عدا الحمد ثلاثة، فله في هذه الرواية القراءة، وله في رواية أشهب عنه عدمها إلا أن يقرأ القرآن في صلاته عرضا، وفي المدونة أنّه يخيّر - انتهى. قال القاضي عماد الدين: ذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها ليست آية من الفاتحة ولا من أول كل سورة وذهب الشافعي وجماعة إلى أنها آية من الفاتحة وعنه في كونها آية من (أول) كل سورة قولان: ((فمن أصحابه من حمل القولين على أنها من القرآن في أول كل سورة، ومنهم من حملها على أنها هل هي آية برأسها في أول كل سورة أو هي مع كل آية من أول كل سورة آية؟ ونقل السهيلي)) في الروض الأنف (عن) داود وأبي حنيفة أنها آية مقترنة مع السورة. ابن عرفة: قيل البسملة آية من كل سورة. فقال الغزالي في المستصفى: معناه أنها آية مع كل سورة وليست جزءا من كل سورة. وقال غيره: معناه أنها آية أي جزء من كل سورة. وورد في الحديث عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: (ما كنا نعلم تمام السورة إلا بالبسملة) فظاهره (أنها) تكرر إنزالها مع كل سورة مثل {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} وظاهر غيره من الأحاديث أنه لم يتكَرر فإذا قلنا: إنها مع أول كل سورة فكيف (تصح) قراءة ورش بإسقاطها. قال: لكن يجاب بما (قال) ابن الحاجب بتعارض الشبهات: أي أن كل واحد من الخصمين يرى أن ما أتى به خصمه شبهة أعني دليلا باطلا وهما قويان فتعارضت الشبهات. قال ابن عرفة: ولا بد من زيادة ضميمة أخرى وهي الإجماع على أنها قرآن من حيث الجملة، فلذلك صح التعارض.
أجاب ابن عرفة بأن التأكيد شائع في كلام العرب وليس فيه تحصيل الحاصل. فإن قلت: يلزم عليه (أنْ تَكُون) الفاتحة في القرآن مرتين لتزولها مرتين وكان (تكرر) كما (تكرر) {فَبِأَيّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذّبَان}. فإن قلنا: إنما ذلك إذا نزلت على أنها غير الأولى. فقد ذكر الأصوليون أن الغيرين يصدقان على المثلين أما إذا نزلت على أنها الأولى بعينها فلا يلزم ذلك فيها. زاد القاضي العماد في إبطال النزول بمكة والمدينة أنه يلزم منه أن يكون كلما نزل بمكة نزل المدينة مرة أخرى، لأن جبريل عليه السلام كان (يعرّضه) القرآن في كل سنة مرة، وفي الأخيرة مرتين فيكون ذلك إنزالا آخر وهذا لا يقوله أحد. وقال: ولعلهم يعنون بنزولها مرتين، أن جبريل نزل حين حَوَلت القبلة فأخبره عليه الصلاة والسلام أن الفاتحة ركن في الصلاة كما كانت بمكة، وأقرأه فيها قراءة لم (يكن أقرأه بها) في مكة فظنّوا ذلك إنزالاً وهو ضعيف. 

تفسير ابن كثير

Tafseer Not Available

تفسير الجلالين

Tafseer Not Available

تفسير السعدي

[الآية رقم 1 ]
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {بِسْمِ اللَّهِ} أي: أبتدئ بكل اسم لله تعالى، لأن لفظ {اسم} مفرد مضاف، فيعم جميع الأسماء [الحسنى] . {اللَّهِ} هو المألوه المعبود، المستحق لإفراده بالعبادة، لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال. {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها. واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها، الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأحكام الصفات. فيؤمنون مثلا بأنه رحمن رحيم، ذو الرحمة التي اتصف بها، المتعلقة بالمرحوم. فالنعم كلها، أثر من آثار رحمته، وهكذا في سائر الأسماء. يقال في العليم: إنه عليم ذو علم، يعلم [به] كل شيء، قدير، ذو قدرة يقدر على كل شيء.

تفسير الشعراوي

القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل فيها نزل مقرونا بسم الله سبحانه وتعالى - ولذلك حينما نتلوه فإننا نبدأ البداية نفسها التي أرادها الله تبارك وتعالى - وهي أن تكون البداية بسم الله. وأول الكلمات التي نطق بها الوحي لمحمد صلى الله عليه وسلم كانت { ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ } [العلق: 1]. وهكذا كانت بداية نزول القرآن الكريم ليمارس مهمته في الكون .. هي بسم الله. ونحن الآن حينما نقرأ القرآن نبدأ نفس البداية.
ولقد كان محمد عليه الصلاة والسلام في غار حراء حينما جاءه جبريل وكان أول لقاء بين الملك الذي يحمل الوحي بالقرآن .. وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الحق تبارك وتعالى: {ٱقْرَأْ}.
واقرأ تتطلب أن يكون الإنسان .. إما حافظا لشيء يحفظه، أو أمامه شيء مكتوب ليقرأه .. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان حافظا لشيء يقرؤه .. وما كان أمامه كتاب ليقرأ منه .. وحتى لو كان أمامه كتاب فهو أميّ لا يقرأ ولا يكتب.
وعندما قال جبريل: {ٱقْرَأْ} .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنا بقارئ .. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام منطقيا مع قدراته. وتردد القول ثلاث مرات .. جبريل عليه السلام بوحي من الله سبحانه وتعالى يقول للرسول: {ٱقْرَأْ} ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما أنا بقارئ .. ولقد أخذ خصوم الإسلام هذه النقطة .. وقالوا كيف يقول الله لرسوله اقرأ ويرد الرسول ما أنا بقارئ.
نقول إن الله تبارك وتعالى .. كان يتحدث بقدراته التي تقول للشيء كن فيكون، بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحدث ببشريته التي تقول إنه لا يستطيع أن يقرأ كلمة واحدة، ولكن قدرة الله هي التي ستأخذ هذا النبي الذي لا يقرأ ولا يكتب لتجعله معلماً للبشرية كلها إلى يوم القيامة .. لأن كل البشر يعلمهم بشر .. ولكن محمد صلى الله عليه وسلم سيعلمه الله سبحانه وتعالى. ليكون معلما لأكبر علماء البشر .. يأخذون عنه العلم والمعرفة. لذلك جاء الجواب من الله سبحانه وتعالى:
{ { ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ } [العلق: 1-2].
أي أن الله سبحانه وتعالى الذي خلق من عدم سيجعلك تقرأ على الناس ما يعجز علماء الدنيا وحضارات الدنيا على أن يأتوا بمثله .. وسيكون ما تقرؤه وأنت النبي الأميّ إعجازا .. ليس لهؤلاء الذين سيسمعونه منك فقط لحظة نزوله. ولكن للدنيا كلها وليس في الوقت الذي ينزل فيه فقط، ولكن حتى قيام الساعة، ولذلك قال جل جلاله:
{ { ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ } [العلق: 3-4].
أي أن الذي ستقرؤه يا محمد .. سيظل معلما للإنسانية كلها إلى نهاية الدنيا على الأرض .. ولأن المعلم هو الله سبحانه وتعالى قال:
{ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ } [العلق: 3] مستخدما صيغة المبالغة. فهناك كريم وأكرم .. فأنت حين تتعلم من بشر فهذا دليل على كرم الله جل جلاله .. لأنه يسر لك العلم على يد بشر مثلك .. أما إذا كان الله هو الذي سيعلمك .. يكون "أكرم" .. لأن ربك قد رفعك درجة عالية ليعلمك هو سبحانه وتعالى.
والحق يريد أن يلفتنا إلى أن محمدا عليه الصلاة والسلام لا يقرأ القرآن لأنه تعلم القراءة، ولكنه يقرؤه بسم الله، ومادام بسم الله .. فلا يهم أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلم من بشر أو لم يتعلم. لأن الذي علمه هو الله .. وعلمه فوق مستوى البشرية كلها.
على أننا نبدأ أيضا تلاوة القرآن بسم الله .. لأن الله تبارك وتعالى هو الذي أنزله لنا .. ويسر لنا أن نعرفه ونتلوه .. فالأمر لله علماً وقدرة ومعرفة .. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:
{ { قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } [يونس: 16].
لذلك أنت تقرأ القرآن بسم الله لأنه جل جلاله هو الذي يسره لك كلاماً وتنزيلاً وقراءة .. ولكن هل نحن مطالبون أن نبدأ فقط تلاوة القرآن بسم الله؟ إننا مطالبون أن نبدأ كل عمل بسم الله .. لأننا لابد أن نحترم عطاء الله في كونه. فحين نزرع الأرض مثلا .. لابد أن نبدأ بسم الله .. لأننا لم نخلق الأرض التي نحرثها .. ولا خلقنا البذرة التي نبذرها. ولا أنزلنا الماء من السماء لينمو الزرع.
إن الفلاح الذي يمسك الفأس ويرمي البذرة قد يكون أجهل الناس بعناصر الأرض ومحتويات البذرة وما يفعله الماء في التربة لينمو الزرع .. إن كل ما يفعله الإنسان هو أنه يعمل فكره المخلوق من الله في المادة المخلوقة من الله .. بالطاقة التي أوجدها الله في أجسادنا ليتم الزرع.
والإنسان لا قدرة له على إرغام الأرض لتعطيه الثمار .. ولا قدرة له على خلق الحبة لتنمو وتصبح شجرة. ولا سلطان له على إنزال الماء من السماء .. فكأنه حين يبدأ العمل بسم الله، يبدؤه بسم الله الذي سخر له الأرض .. وسخر له الحب، وسخر له الماء، وكلها لا قدرة له عليها .. ولا تدخل في طاقته ولا في استطاعته .. فكأنه يعلن أنه يدخل على هذه الأشياء جميعا باسم من سخرها له ..
والله تبارك وتعالى سخر لنا الكون جميعا وأعطانا الدليل على ذلك .. فلا تعتقد أن لك قدرة أو ذاتية في هذا الكون .. ولا تعتقد أن الأسباب والقوانين في الكون لها ذاتية. بل هي تعمل بقدرة خالقها الذي إن شاء أجراها وإن شاء أوقفها.
الجمل الضخم والفيل الهائل المستأنس قد يقودهما طفل صغير فيطيعانه. ولكن الحية صغيرة الحجم لا يقوى أي انسان على أن يستأنسها. ولو كنا نفعل ذلك بقدراتنا .. لكان استئناس الحية أو الثعبان سهلا لصغر حجمهما .. ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يجعلهما مثلا لنعلم أنه بقدراته هو قد أخضع لنا ما شاء، ولم يخضع لنا ما شاء. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى:
{ { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } [يس: 71-72].
وهكذا نعرف أن خضوع هذه الأنعام لنا هو بتسخير الله لها وليس بقدرتنا.
يأتي الله سبحانه وتعالى إلى أرض ينزل عليها المطر بغزارة. والعلماء يقولون إن هذا يحدث بقوانين الكون. فيلفتنا الله تبارك وتعالى إلى خطأ هذا الكلام. بأن تأتي مواسم جفاف لا تسقط فيها حبة مطر واحدة لنعلم أن المطر لا يسقط بقوانين الكون ولكن بإرادة خالق الكون .. فإذا كانت القوانين وحدها تعمل فمَنْ الذي عطلها؟ ولكن إرادة الخالق فوق القوانين إن شاءت جعلتها تعمل وإن شاءت جعلتها لا تعمل .. إذن فكل شيء في الكون بسم الله .. هو الذي سخر وأعطى .. وهو الذي يمنح ويمنع. حتى في الأمور التي للإنسان فيها نوع من الاختيار .. واقرأ قول الحق تبارك وتعالى:
{ { لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } [الشورى: 49-50].
والأصل في الذرية أنها تأتي من اجتماع الذكر والأنثى .. هذا هو القانون .. ولكن القوانين لا تعمل إلا بأمر الله .. لذلك يتزوج الرجل والمرأة ولا تأتي الذرية لأنه ليس القانون هو الذي يخلق .. ولكنها إرادة خالق القانون .. إن شاء جعله يعمل .. وإن شاء يبطل عمله .. والله سبحانه وتعالى لا تحكمه القوانين ولكنه هو الذي يحكمها.
وكما أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل القوانين تفعل أو لا تفعل .. فهو قادر على أن يخرق القوانين .. خذ مثلا قصة زكريا عليه السلام .. كان يكفل مريم ويأتيها بكل ما تحتاج إليه .. ودخل عليها ليجد عندها ما لم يحضره لها ..
وسألها وهي القديسة العابدة الملازمة لمحرابها..
{ { قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا } [آل عمران: 37].
الحق سبحانه وتعالى يعطينا هذه الصورة .. مع أن مريم بسلوكها وعبادتها وتقواها فوق كل الشبهات .. ولكن لنعرف أن الذي يفسد الكون .. هو عدم السؤال عن مصدر الأشياء التي تتناسب مع قدرات مَنْ يحصل عليها.
الأم ترى الأب ينفق ما لا يتناسب مع مرتبه .. وترى الابنة ترتدي ما هو أكبر كثيرا من مرتبها أو مصروفها .. ولو سألت الأم الأب أو الابنة من أين لك هذا؟ لما فسد المجتمع .. ولكن الفساد يأتي من أننا نغمض أعيننا عن المال الحرام.
بماذا ردت مريم عليها السلام؟
{ { قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [آل عمران: 37].
إذن فطلاقة قدرة الله لا يحكمها قانون .. لقد لفتت مريم زكريا عليهما السلام إلى طلاقة القدرة .. فدعا زكريا ربه في قضية لا تنفع فيها الا طلاقة القدرة .. فهو رجل عجوز وامرأته عجوز وعاقر ويريد ولدا .. هذه قضية ضد قوانين الكون .. لأن الإنجاب لا يتم الا وقت الشباب، فإذا كبر الرجل وكبرت المرأة لا ينجبان .. فما بالك إذا كانت الزوجة أساسا عاقرا .. لم تنجب وهي شابة وزوجها شاب .. فكيف تنجب وهي عجوز وزوجها عجوز .. هذه مسألة ضد القوانين التي تحكم البشر .. ولكن الله وحده القادر على أن يأتي بالقانون وضده .. ولذلك شاء أن يرزق زكريا بالولد وكان .. ورزق زكريا بابنه يحيى.
إذن كل شيء في هذا الكون بسم الله .. يتم باسم الله وبإذن من الله .. الكون تحكمه الأسباب نعم ولكن إرادة الله فوق كل الأسباب ..
أنت حين تبدأ كل شيء بسم الله .. كأنك تجعل الله في جانبك يعينك .. ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه علمنا أن نبدأ كل شيء بسم الله .. لأن الله هو الاسم الجامع لصفات الكمال سبحانه وتعالى .. والفعل عادة يحتاج إلى صفات متعددة .. فأنت حين تبدأ عملا تحتاج إلى قدرة الله وإلى قوته وإلى عونه وإلى رحمته .. فلو أن الله سبحانه وتعالى لم يخبرنا بالاسم الجامع لكل الصفات .. كان علينا أن نحدد الصفات التي نحتاج إليها .. كأن نقول بسم الله القوي وبسم الله الرازق وبسم الله المجيب وبسم الله القادر وبسم الله النافع .. إلى غير ذلك من الأسماء والصفات التي نريد أن نستعين بها .. ولكن الله تبارك وتعالى جعلنا نقول بسم الله بسم الله بسم الله الجامع لكل هذه الصفات.
على أننا لابد أن نقف هنا عند الذين لا يبدأون أعمالهم بسم الله وإنما يريدون الجزاء المادي وحده .. إنسان غير مؤمن لا يبدأ عمله باسم الله .. وإنسان مؤمن يبدأ كل عمل وفي باله الله .. كلاهما يأخذ من الدنيا لأن الله رب للجميع .. له عطاء ربوبية لكل خلقه الذين استدعاهم للحياة .. ولكن الدنيا ليست هي الحياة الحقيقية للإنسان .. بل الحياة الحقيقية هي الآخرة .. الذي في باله الدنيا وحدها يأخذ بقدر عطاء الربوبية .. بقدر عطاء الله في الدنيا .. والذي في باله الله يأخذ بقدر عطاء الله في الدنيا والآخرة .. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى:
{ { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ } [سبأ: 1].
لأن المؤمن يحمد الله على نعمه في الدنيا .. ثم يحمده عندما ينجيه من النار والعذاب ويدخله الجنة في الآخرة .. فلله الحمد في الدنيا والآخرة.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع"
ومعنى أقطع أي مقطوع الذنب أو الذيل .. أي عمل ناقص فيه شيء ضائع .. لأنك حين لا تبدأ العمل بسم الله قد يصادفك الغرور والطغيان بأنك أنت الذي سخرت ما في الكون ليخدمك وينفعل لك .. وحين لا تبدأ العمل بسم الله .. فليس لك عليه جزاء في الآخرة فتكون قد أخذت عطاءه في الدنيا .. وبترت أو قطعت عطاءه في الآخرة .. فإذا كنت تريد عطاء الدنيا والآخرة. فأقبل على كل عمل بسم الله .. قبل أن تأكل قل بسم الله لأنه هو الذي خلق لك هذا الطعام ورزقك به .. عندما تدخل الامتحان قل بسم الله فيعينك على النجاح .. عندما تدخل إلى بيتك قل بسم الله لأنه هو الذي يسر لك هذا البيت .. عندما تتزوج قل باسم الله لأنه هو الذي خلق هذه الزوجة وأباحها لك .. في كل عمل تفعله ابدأه باسم الله .. لأنها تمنعك من أي عمل يغضب الله سبحانه وتعالى .. فأنت لا تستطيع أن تبدأ عملاً يغضب الله بسم الله .. إذا أردت أن تسرق أو أن تشرب الخمر .. أو أن تفعل عملاً يغضب الله .. وتذكرت بسم الله .. فإنك ستمتنع عنه .. ستستحي أن تبدأ عملا بسم الله يغضب الله .. وهكذا ستكون أعمالك كلها فيما أباحه الله.
الله تبارك وتعالى حين نبدأ قراءة كلامه باسم الله .. فنحن نقرأ هذا الكلام لأنه من الله .. والله هو الإله المعبود في كونه .. ومعنى معبود أنه يطاع فيما يأمر به .. ولا نقدم على ما نهى عنه .. فكأنك تستقبل القرآن الكريم بعطاء الله في العبادة .. وبطاعته في افعل ولا تفعل .. وهذا هو المقصود أن تبدأ قراءة القرآن بسم الله الذي آمنت به رباً وإلهاً .. والذي عاهدته على أن تطيعه فيما أمر وفيما نهى .. والذي بموجب عبادتك لله سبحانه وتعالى تقرأ كتابه لتعمل بما فيها .. والذي خلق وأوجد ويحيي ويميت وله الأمر في الدنيا والآخرة .. والذي ستقف أمامه يوم القيامة ليحاسبك أحسنت أم أسأت .. فالبداية من الله والنهاية إلى الله سبحانه وتعالى.
بعض الناس يتساءل كيف أبدأ بسم الله .. وقد عصيت وقد خالفت .. نقول اياك أن تستحي أن تقرأ القرآن .. وأن تبدأ بسم الله إذا كنت قد عصيت .. ولذلك أعطانا الله سبحانه وتعالى الحيثية التي نبدأ بها قراءة القرآن فجعلنا نبدؤه بسم الله الرحمن الرحيم .. فالله سبحانه وتعالى لا يتخلى عن العاصي .. بل يفتح له باب التوبة ويحثه عليها .. ويطلب منه أن يتوب وأن يعود الي الله .. فيغفر له ذنبه، لأن الله رحمن رحيم .. فلا تقل أنني أستحي أن أبدأ بسم الله لأنني عصيته .. فالله سبحانه وتعالى يطلب من كل عاص أن يعود إلى حظيرة الإيمان وهو رحمن رحيم .. فإذا قلت كيف أقول بسم الله وقد وقعت في معصية أمس .. نقول لك قل بسم الله الرحمن الرحيم .. فرحمة الله تسع كل ذنوب خلقه .. وهو سبحانه وتعالى الذي يغفر الذنوب جميعا.
والرحمة والرحمن والرحيم .. مشتق منها الرحم الذي هو مكان الجنين في بطن أمه .. هذا المكان الذي يأتيه فيه الرزق .. بلا حول ولا قوة .. ويجد فيه كل ما يحتاج إليه نموه ميسرا .. رزقا من الله سبحانه وتعالى بلا تعب ولا مقابل .. انظر إلى حنو الأم على ابنها وحنانها عليه .. وتجاوزها عن سيئاته وفرحته بعودته إليها .. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي.
"أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمَنْ وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته"
الله سبحانه وتعالى يريد أن نتذكر دائما أنه يحنو علينا ويرزقنا .. ويفتح لنا أبواب التوبة بابا بعد آخر .. ونعصي فلا يأخذنا بذنوبنا ولا يحرمنا من نعمه .. ولا يهلكنا بما فعلنا. ولذلك فنحن نبدأ تلاوة القرآن الكريم بسم الله الرحمن الرحيم .. لنتذكر دائما أبواب الرحمة المفتوحة لنا .. نرفع أيدينا إلى السماء .. ونقول يا رب رحمتك .. تجاوز عن ذنوبنا وسيئاتنا. وبذلك يظل قارئ القرآن متصلا بأبواب رحمة الله .. كلما ابتعد عن المنهج أسرع ليعود إليه .. فمادام الله رحمانا ورحيما لا تغلق أبواب الرحمة أبدا.
على أننا نلاحظ أن الرحمن الرحيم من صيغ المبالغة .. يقال راحم ورحمن ورحيم .. إذا قيل راحم فيه صفة الرحمة .. وإذا قيل رحمن تكون مبالغة في الصفة .. وإذا قيل رحيم تكون مبالغة في الصفة .. والله سبحانه وتعالى رحمن الدنيا ورحيم الآخرة.
صفات الله سبحانه وتعالى لا تتأرجح بين القوة والضعف .. وإياكم أن تفهموا أن الله تأتيه الصفات مرة قليلة ومرة كثيرة. بل هي صفات الكمال المطلق .. ولكن الذي يتغير هو متعلقات هذه الصفات .. اقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:
{ { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } [النساء: 40].
هذه الآية الكريمة .. نفت الظلم عن الله سبحانه وتعالى، ثم تأتي الآية الكريمة بقول الله جل جلاله:
{ { وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } [فصلت: 46].
نلاحظ هنا استخدام صيغة المبالغة .. "ظلام" .. أي شديد الظلم .. وقول الحق سبحانه وتعالى: "ليس بظلام" .. لا تنفي الظلم ولكنها تنفي المبالغة في الظلم، تنفي أن يظلم ولو مثقال ذرة .. نقول إنك لم تفهم المعنى .. إن الله لا يظلم أحدا .. الآية الأولى نفت الظلم عن الحق تبارك وتعالى ولو مثقال ذرة بالنسبة للعبد .. والآية الثانية لم تقل للعبد ولكنها قالت للعبيد .. والعبيد هم كل خلق الله .. فلو أصاب كل واحد منهم أقل من ذرة من الظلم مع هذه الأعداد الهائلة .. فإن الظلم يكون كثيراً جداً، ولو أنه قليل في كميته لأن عدد من سيصاب به هائل .. ولذلك فإن الآية الأولى نفت الظلم عن الله سبحانه وتعالى. والآية الثانية نفت الظلم أيضا عن الله تبارك وتعالى .. ولكن صيغة المبالغة استخدمت لكثرة عدد الذين تنطبق عليهم الآية الكريمة.
نأتي بعد ذلك إلى رحمن ورحيم .. رحمن في الدنيا لكثرة عدد الذين يشملهم الله سبحانه وتعالى برحمته .. فرحمة الله في الدنيا تشمل المؤمن والعاصي والكافر .. يعطيهم الله مقومات حياتهم ولا يؤاخذهم بذنوبهم، يرزق مَنْ آمن به ومَنْ لم يؤمن به، ويعفو عن كثير .. إذن عدد الذين تشملهم رحمة الله في الدنيا هم كل خلقه بصرف النظر عن إيمانهم أو عدم إيمانهم.
ولكن في الآخرة الله رحيم بالمؤمنين فقط .. فالكفار والمشركون مطرودون من رحمة الله .. اذن الذين تشملهم رحمة الله في الآخرة .. أقل عددا من الذين تشملهم رحمة الله في الدنيا .. فمن أين تأتي المبالغة؟ .. تأتي المبالغة في العطاء وفي الخلود في العطاء .. فنعم الله في الآخرة أكبر كثيراً منها في الدنيا .. المبالغة هنا بكثرة النعم وخلودها .. فكأن المبالغة في الدنيا بعمومية العطاء، والمبالغة في الآخرة بخصوصية العطاء للمؤمن وكثرة النعم والخلود فيها.
لقد اختلف عدد العلماء حول بسم الله الرحمن الرحيم .. وهي موجودة في 113 سورة من القرآن الكريم هل هي من آيات السور نفسها .. بمعنى أن كل سورة تبدأ {بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] تحسب البداية على أنها الآية الأولى من السورة، أم أنها حسبت فقط في فاتحة الكتاب، ثم بعد ذلك تعتبر فواصل بين السور.
وقال العلماء أن {بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] آية من آيات القرآن الكريم .. ولكنها ليست آية من كل سورة ما عدا فاتحة الكتاب فهي آية من الفاتحة .. وهناك سورة واحدة في القرآن الكريم لا تبدأ بـ {بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] وهي سورة التوبة وتكررت بسم الله الرحمن الرحيم في الآية 30 من سورة النمل في قولهتعالى:
{ { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } }.

تفسير الطبري

Tafseer Not Available

تفسير العز ابن عبد السلام

‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏بسمِ اللَّهِ‏}‏ أبدأ بسم الله، أو بدأت بسم الله، الاسم صلة، أو ليس بصلة عند الجمهور، واشتق من السمة، وهي العلامة، أو من السمو‏.‏

الله - ‏(الله)‏ أخص أسماء الرب لم يتسم به غيره ‏{‏هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 65‏]‏ تسمى باسمه، أو شبيهاً‏.‏ أبو حنيفة‏:‏ «هو الاسم الأعظم» وهو علم إذ لا بد اللذات من اسم علم يتبعه أسماء الصفات، أو هو مشتق من الوله لأنه يأله إليه العباد‏:‏ أي يفزعون إليه في أمورهم، فالمألوه إليه إله، كما أن المأموم ‏[‏به‏]‏ إمام أو اشتق من التأله وهو التعبدن تأله فلان‏:‏ تعبد، واشتق من فعل العبادة فلا يتصف به في الأزل، أو من استحقاقها على الأصح فيتصف به أزلاً ‏{‏الرَّحْمَن الرَّحِيمِ‏}‏ الرحمن والرحيم الراحم، أو الرحمن أبلغ، وكانت الجاهلية تصرفه للرب سبحانه وتعالى، الشنفري‏:‏

إلا ضربت تلك الفتاة هجينها *** ألا هدر الرحمن ربي يمينها

ولما سُمي مسيلمة بالرحمن قُرِن لله تعالى الرحمن الرحيم، لأن أحداً لم يتسم بهما،، واشتقا من رحمة واحدة، أو الرحمن من رحمته لجميع الخلق، والرحيم من رحمته لأهل طاعته، أو الرحمن من رحمته لأهل الدنيا، والرحيم من رحمته لأهل ‏[‏الآخرة‏]‏، أو الرحمن من الرحمن التي يختص بها، والرحيم من الرحمن التي يوجد في العباد مثلها‏.‏

تفسير القرطبي

Tafseer Not Available

تفسير الماوردي

Tafseer Not Available

تفسير المراغي

[سورة الفاتحة (1) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1)
السورة طائفة من القرآن مؤلفة من ثلاث آيات فأكثر لها اسم يعرف بطريق الرواية، وقد روى لهذه السورة عدة أسماء اشتهر منها: أم الكتاب، أم القرآن.
(لاشتمالها على مقاصد القرآن من الثناء على الله والتعبد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده) ، (والسبع المثاني لأنها تثنى فى الصلاة) ، والأساس (لأنها أصل القرآن وأول سورة فيه) ، والفاتحة (لأنها أول القرآن فى هذا الترتيب أو أول سورة نزلت)
فقد أخرج البيهقي فى كتابه الدلائل عن أبى ميسرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: إنى إذا خلوت وحدي سمعت نداء فقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا.
فقالت معاذ الله، ما كان الله ليفعل بك، فو الله إنك لتؤدى الأمانة وتصل الرّحم.
وتصدق. ثم إنه صلى الله عليه وسلم أخبر ورقة بذلك، وإن ورقة أشار عليه بأن يثبت ويسمع النداء، وإنه صلى الله عليه وسلم لما خلا ناداه الملك يا محمد قل: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين- حتى بلغ ولا الضالين» .
وقد رجح هذا بأنها مشتملة على مقاصد القرآن على سبيل الإجمال، ثم فصل ما أجملته بعد.
بيان هذا أن القرآن الكريم اشتمل على التوحيد، وعلى وعد من أخذ به بحسن المثوبة ووعيد من تجافى عنه وتركه بسىء العقوبة، وعلى العبادة التي تحيى التوحيد فى القلوب وتثبته فى النفوس، وعلى بيان سبيل السعادة الموصل إلى نعيم الدنيا والآخرة، وعلى القصص الحاوي أخبار المهتدين الذين وقفوا عند الحدود التي سنها الله لعباده، وفيها سعادتهم فى دنياهم وآخرتهم، والضالين الذين تعدّوا الحدود، ونبذوا أحكام الشرائع وراءهم ظهريا.
وقد حوت الفاتحة هذه المعاني جملة، فالتوحيد يرشد إليه قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)
لأنه يدل على أن كل ثناء وحمد يصدر عن نعمة فهو له، ولن يكون هذا إلا إذا كان عز اسمه مصدر النعم التي تستوجب الحمد، وأهمها نعمة الإيجاد والتربية وذلك صريح قوله: (رَبِّ الْعالَمِينَ) وقد استكمله بقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وبذلك اجتثّ جذور الشرك التي كانت فاشية فى جميع الأمم، وهى اتخاذ أولياء من دون الله يستعان بهم على قضاء الحاجات ويتقرب بهم إلى الله زلفى.
والوعد والوعيد يتضمنهما قوله: (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) إذ الدين هو الجزاء وهو إما ثواب للمحسن وإما عقاب للمسىء.
والعبادة تؤخذ من قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) .
وطريق السعادة يدل عليه قوله: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) إذ معناه أنه لا تتم السعادة إلا بالسير على ذلك الصراط القويم، فمن خالفه وانحرف عنه كان فى شقاء مقيم.
والقصص والأخبار يهدى إليها قوله: (صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) فهو يرشد إلى أن هناك أمما قد مضت وشرع الله شرائع لهديها فاتبعتها وسارت على نهجها، فعلينا أن نحذو حذوها ونسير على سننها.
وقوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) يدل على أن غير المنعم عليهم صنفان:
صنف خرج عن الحق بعد علمه به، وأعرض عنه بعد أن استبان له، ورضى بما ورثه عن الآباء والأجداد وهؤلاء هم المغضوب عليهم، وصنف لم يعرف الحق أبدا أو عرفه على وجه مضطرب مهوش، فهو فى عماية تلبس الحق بالباطل وتبعد عن الجادة الموصلة إلى الصراط السوي، وهؤلاء هم الضالون.
وهذه السورة إحدى السور المكية التي نزلت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وعدة آيها سبع.
وقد نزل القرآن الكريم منجّما أي مفرقا فى ثلاث وعشرين سنة بحسب الحوادث التي دعت إلى نزوله، وقد نزل بعضه بمكة قبل الهجرة وبعضه بالمدينة بعدها، ولكل من المكي والمدني ميزات يعرف بها.

ميزات المكي:
فمن ميزات المكي أنه نزل لبيان أسس الدين من الإيمان بالله واليوم الآخر، والملائكة والكتاب والنبيين، وفعل الخيرات وترك المنكرات، مع إيجاز فى التعبير، واختصار فى الأسلوب، ويتضح ذلك جليا فى قصار المفصّل كالحاقة والواقعة والمرسلات.

ميزات المدني:
ومن ميزات المدني أنه جاء بأحكام العبادات والمعاملات الشخصية والمدنية فى السلم والحرب، وأصول التشريع للحكومات الإسلامية، إلى إسهاب فى الأسلوب وبسطة فى القول، ولا سيما عند محاجة أهل الكتاب، والنعي عليهم بتحريف ما أنزل إليهم ودعوتهم إلى التوحيد الخالص، وبيان أن الإسلام الذي جاء به القرآن هو دين الأنبياء صلوات الله عليهم جميعا. بسم الله الرّحمن الرّحيم

تمهيد
يرى بعض الصحابة كأبى هريرة وعلىّ وابن عباس وابن عمر، وبعض التابعين كسعيد بن جبير وعطاء والزهري وابن المبارك وبعض فقهاء مكة وقرائها ومنهم ابن كثير، وبعض قراء الكوفة وفقهائها ومنهم عاصم والكسائي والشافعي وأحمد، أن البسملة آية من كل سورة من سورة القرآن الكريم.
ومن أدلتهم على ذلك:
(1) إجماع الصحابة ومن بعدهم على إثباتها فى المصحف أول كل سورة عدا سورة براءة، مع الأمر بتجريد القرآن من كل ما ليس منه، ومن ثم لم يكتبوا (آمين) فى آخر الفاتحة.
(2) ما ورد في ذلك من الأحاديث،
فقد أخرج مسلم فى صحيحه عن أنس رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزلت علىّ آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم» ،
وروى أبو داود عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف انقضاء السورة، حتى ينزل عليه (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)
وروى الدار قطنى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إذا قرأتم الحمد لله فاقرءوا بسم الله الرّحمن الرحيم فإنها أم القرآن والسبع المثاني، وبسم الله الرّحمن الرحيم إحدى آياتها» .
(3) أجمع المسلمون على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى، والبسملة بينهما فوجب جعلها منه.
ويرى مالك وغيره من علماء المدينة، والأوزاعى وجماعة من علماء الشام، وأبو عمرو يعقوب من قراء البصرة وهو الصحيح من مذهب أبى حنيفة- أنها آية مفردة من القرآن أنزلت لبيان رءوس السور والفصل بينها.
ويرى عبد الله بن مسعود أنها ليست من القرآن أصلا وهو رأى بعض الحنفية.
ومن أدلتهم على ذلك
حديث أنس قال: صليت خلف النبي صلّى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان، وكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم فى أول قراءة ولا آخرها.

الإيضاح
(بسم) الاسم هو اللفظ الذي يدل على ذات كمحمد وإنسان، أو معنى كعلم وأدب.
وقد أمرنا الله بذكره وتسبيحه فى آيات فقال: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ) وقال: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً) وقال:
(فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ) .
وأمرنا بذكر اسمه وتسبيحه فى آيات أخرى فقال: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) وقال: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) وقال: (وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) .
ومن ذلك يعلم أن ذكر المسمى مطلوب بتذكر القلب إياه ونطق اللسان به لتذكر عظمته وجلاله ونعمه المتظاهرة على عباده، وذكره باللسان هو ذكر أسمائه الحسنى وإسناد الحمد والشكر إليه وطلب المعونة منه على إيجاد الأفعال وإحداثها.
وذكر الاسم مشروع ومطلوب كذلك، فيعظم الاسم مقرونا بالحمد والشكر وطلب المعونة فى كون الفعل معتدا به شرعا، فإنه ما لم يصدّر باسمه تعالى يكون بمنزلة المعدوم.
(اللَّهِ) علم مختص بالمعبود بالحق لم يطلق على غيره تعالى، وكان العربي فى الجاهلية إذا سئل من خلق السموات والأرض؟ يقول الله: وإذا سئل هل خلقت اللات والعزّى شيئا من ذلك؟ يجيب (لا) . والإله اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بالحق.
(الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) كلاهما مشتق من الرحمة وهى معنى يقوم بالقلب يبعث صاحبه على الإحسان إلى سواه، ويراد منها فى جانب المولى عزّ اسمه أثرها وهو الإحسان.
إلا أن لفظ (الرَّحْمنِ) يدل على من تصدر عنه آثار الرحمة وهى إسباغ النعم والإحسان، ولفظ (الرَّحِيمِ) يدل على منشأ هذه الرحمة، وأنها من الصفات الثابتة اللازمة له، فإذا وصف الله جل ثناؤه بالرحمن استفيد منه لغة أنه المفيض للنعم، ولكن لا يفهم منه أن الرحمة من الصفات الواجبة له دائما. وإذا وصف بعد ذلك بالرحيم علم أن لله صفة ثابتة دائمة هى الرحمة التي يكون أثرها الإحسان الدائم وتلك الصفة على غير صفات المخلوقين، وإذا يكون ذكر الرحيم بعد الرحمن كالبرهان على أنه يفيض الرحمة على عباده دائما لثبوت تلك الصفة له على طريق الدوام والاستمرار.
افتتح عزّ اسمه كتابه الكريم بالبسملة إرشادا لعباده أن يفتتحوا أعمالهم بها،
وقد ورد في الحديث «كل أمر ذى بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر»
(أي مقطوع الذنب ناقص) .
وقد كان العرب قبل الإسلام يبدءون أعمالهم بأسماء آلهتهم فيقولون باسم اللات أو باسم العزى، وكذلك كان يفعل غيرهم من الأمم، فإذا أراد امرؤ منهم أن يفعل أمرا مرضاة لملك أو أمير يقول أعمله باسم فلان، أي إن ذلك العمل لا وجود له لولا ذلك الملك أو الأمير.
وإذا فمعنى أبتدئ عملى باسم الله الرحمن الرحيم أننى أعمله بأمر الله ولله لا لحظ نفسى وشهواتها.
ويمكن أن يكون المراد- أن القدرة التي أنشأت بها العمل هى من الله ولولا ما أعطانى من القدرة لم أفعل شيئا، فأنا أبرأ من أن يكون عملى باسمي، بل هو باسمه تعالى، لأننى أستمد القوة والعون منه، ولولا ذلك لم أقدر على عمله، وإذا فمعنى البسملة التي جاءت أول الكتاب الكريم، أن جميع ما جاء فى القرآن من الأحكام والشرائع والأخلاق والآداب والمواعظ- هو لله ومن الله ليس لأحد غيره فيه شىء، وكأنه قال اقرأ يا محمد هذه السورة بسم الله الرحمن الرحيم، أي اقرأها على أنها من الله لا منك، فإنه أنزلها عليك لتهديهم بها إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم فى الدنيا والآخرة، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد من تلاوتها على أمته أنه يقرأ عليهم هذه السورة باسم الله لا باسمه أي أنها من الله لا منه، فإنما هو مبلّغ عنه تبارك وتعالى كما جاء فى قوله:
(وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ) .

 

تفسير المنار

لا أذكر ما قاله الأستاذ الإمام في البسملة، من حيث لفظها وإعرابها، وهل هي آية أو جزء آية من الفاتحة أو ليست منها؟ فإن الخلاف في ذلك مشهور، وقد اختصر الأستاذ القول فيه اختصارا وقال: إنها على كل حال من القرآن فنتكلم عليها كسائر الآيات.
وأقول الآن: أجمع المسلمون على أن البسملة من القرآن وأنها جزء آية من سورة النمل. واختلفوا في مكانها من سائر السور، فذهب إلى أنها آية من كل سورة علماء السلف من أهل مكة فقهائهم وقرائهم ومنهم ابن كثير، وأهل الكوفة ومنهم عاصم والكسائي من القراء، وبعض الصحابة والتابعين من أهل المدينة، والشافعي في الجديد وأتباعه، والثوري وأحمد في أحد قوليه، والإمامية، ومن المروي عنهم ذلك من علماء الصحابة: علي وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة، ومن علماء التابعين سعيد بن جبير، وعطاء، والزهري، وابن المبارك، وأقوى حججهم في ذلك إجماع الصحابة ومن بعدهم على إثباتها في المصحف أول كل سورة سوى سورة براءة {التوبة} مع الأمر بتجريد القرآن عن كل ما ليس منه، ولذلك لم يكتبوا {آمين} في آخر الفاتحة، وأحاديث منها ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

 

" أنزلت علي آنفا سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم " وروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يعرف فصل السورة - وفي رواية انقضاء السورة - حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم ". وأخرجه الحاكم في المستدرك، وقال صحيح على شرط الشيخين. وروى الدارقطني من حديث أبي هريرة قال: " "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا قرأتم الحمد لله (أي سورة الحمد لله ) فاقرأوا {بسم الله الرحمن الرحيم} فإنها أم القرآن والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها " وذهب مالك وغيره من علماء المدينة، والأوزاعي وغيره من علماء الشام، وأبو عمرو ويعقوب من قراء البصرة إلى أنها آية مفردة أنزلت لبيان رءوس السور والفصل بينها، وعليه الحنفية، وقال حمزة من قراء الكوفة وروي عن أحمد: أنها آية من الفاتحة دون غيرها، وثمة أقوال أخرى شاذة.
هذا - وقد قال الأستاذ الإمام: القرآن إمامنا وقدوتنا، فافتتاحه بهذه الكلمة إرشاد لنا بأن نفتتح أعمالنا بها فما معنى هذا؟ ليس معناه أن نفتتح أعمالنا باسم من أسماء اللهتعالى بأن نذكره على سبيل التبرك أو الاستعانة به، بل أن نقول هذه العبارة: {بسم الله الرحمن الرحيم} فإنها مطلوبة لذاتها.
أقول الآن: الاسم هو اللفظ الذي يدل على ذات من الذوات كحجر وخشب وزيد، أو معنى من المعاني كالعلم والفرح. وقال ابن سيده: هو اللفظ الموضوع على الجوهر أو العرض. وقال الراغب: الاسم ما يعرف به ذات الشيء وأصله. وقال كثيرون: إنه مشتق من السمو، وإن أصله سمو؛ لأن تصغيره سمي وجمعه أسماء. والسمو: العلو، كأن الاسم يعلو مسماه بكونه عنوانا له ودليلا عليه. وقال آخرون: إنه من السمة، وهي العلامة، وأصله وسم. وقال بعض الباحثين في الكلام والفلسفة: إن الاسم يطلق على نفس الذات والحقيقة والوجود والعين - وهي عندهم أسماء مترادفة - وهذا القول ليس من اللغة في شيء، ولا هو من الفلسفة النافعة، بل من الفلسفة الضارة، وإن قال الألوسي بعد نقله عن ابن فورك والسهيلي: " وممن يعض عليه بالنواجذ " بل لا ينبغي أن يذكر مثل هذا القول إلا لأجل النهي عن إضاعة الوقت في قراءة ما بني عليه من السفسطة في إثبات قول القائلين: إن الاسم عين المسمى. وقد كتبوا لغوا كثيرا في هذه المسألة، وقلما ترى أحدا رضي كلام غيره فيها، ولكن قد يرضيه كلام نفسه الذي يؤيد به ما لم يفهمه من كلام غيره.
والحق أن الاسم: هو اللفظ الذي ينطق به لسانك ويكتبه قلمك، كقولك: الشمس أو زيد أو مكة. والمسمى: هو الكوكب المعروف أو الشخص المعين أو البلد المحدد، وقد يكون بعيدا عنك عند إطلاق الاسم.
ولفظ " اسم " اسم لهذا النوع من اللفظ الذي يدل على الجواهر والأعراض، دون الأحداث التي تسمى في النحو أفعالا. ومدلوله مثل مدلول لفظ إنسان يطلق على أفراد كثيرة كلفظ " الشمس " الذي تنطق به وتكتبه، ولفظ " زيد " ولفظ " مكة "، وغير ذلك من أسماء الموجودات.
فالاسم غير المسمى في اللغة، وقد أخطأ من نسب إلى سيبويه غير هذا كما قال ابن القيم، بل قال في كتابه (بدائع الفوائد): ما قال نحوي قط ولا عربي إن الاسم عين المسمى، وذكر بعض من قال باتحاد الاسم والمسمى بالتسمية وبين الخطأ في ذلك. وأن معنى " {سبح اسم ربك الأعلى} " سبح ربك ذاكرا اسمه الأعلى، ومعنى " سبح باسم ربك " سبحه ناطقا باسمه العظيم.
ومنشأ الاشتباه عند بعضهم أن اللهتعالى أمرنا بذكره و تسبيحه في آيات، وبذكر اسمه وتسبيح اسمه في آيات أخرى، فقالتعالى:
{ واذكر اسم ربك و تبتل إليه تبتيلا } [المزمل: 89] { واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا } [الإنسان: 25] { ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا } [الحج: 40] { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين } [الأنعام: 118] { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه } [الأنعام: 119] { فاذكروا اسم الله عليها صواف } [الحجر: 36] أي البدن عند نحرها، وقالتعالى: { ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا } [الأحزاب: 41 - 42]. { فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم } [البقرة: 198]. { فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا } [198 - 200}. { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض } [آل عمران: 191]. { فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم } [النساء: 103]. وقالتعالى في التسبيح: { إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون } [الأعراف: 206] أي يسبحون ربك فعدى التسبيح بنفسه إلى ضمير الرب كما عداه بنفسه إلى اسم الرب في قولهتعالى: { سبح اسم ربك الأعلى } [الأعلى: 1] وبالباء في قوله: { فسبح باسم ربك العظيم } [الواقعة: 74، 96]. وقال { سبح لله ما في السماوات والأرض } [الحديد: 1] ومثله كثير. وقالتعالى: { فتبارك الله } [المؤمنون: 14]. { تبارك الذي نزل الفرقان } [الفرقان: 1] كما قال: { تبارك اسم ربك } [الرحمن: 78].
رأى بعضهم أن يجمع بين هذه الآيات بجعل الاسم عين المسمى، وأن ذكر الله وذكر اسمه وتسبيحه وتسبيح اسمه واحد؛ لأن اسمه عين ذاته، وأن هذا خير من القول بأن لفظ " اسم " مقحم زائد. والصواب أن الذكر في اللغة ضد النسيان، وهو ذكر القلب، ولذلك قرنه بالتفكر في سورة آل عمران [3: 191] وهما عبادتان قلبيتان، وقال:
{ واذكر ربك إذا نسيت } [الكهف: 24] ويطلق الذكر أيضا على النطق باللسان؛ لأنه دليل على ذكر القلب وعنوان وسبب له، وإنما يذكر اللسان اسم اللهتعالى كما يذكر من كل الأشياء أسماءها، دون ذوات مسمياتها، فإذا قال: " نار " لا يقع جسم النار على لسانه فيحرقه، وإذا قال الظمآن: " ماء " لا يحصل مسمى هذا اللفظ في فيه فينقع غلته، فذكر اللهتعالى في القلب هو تذكر عظمته وجلاله وجماله ونعمه، وورد التصريح بالأمر بذكر نعمة الله وآلاء الله. وذكره باللسان هو ذكر أسمائه الحسنى وإسناد الحمد والشكر والثناء إليها، وكذلك تسبيحهتعالى، فالقلب يسبحه باعتقاد كماله وتذكر تنزيهه عما لا يليق به، واللسان يسبحه بإضافة التسبيح إلى أسمائه من غير ذكر للفظ الاسم. روى أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم في " مستدركه " وابن حبان في " صحيحه " عن عقبة بن عامر قال: " لما نزلت {فسبح باسم ربك العظيم} قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اجعلوها في ركوعكم" " "فلما نزلت {سبح اسم ربك الأعلى} قال: اجعلوها في سجودكم " والمراد أن يقولوا: " سبحان ربي العظيم " لا " سبحان اسم ربي العظيم " فقد روى أحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه الترمذي عن حذيفة قال: "صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان ربي الأعلى" ". ولهذا ورد في الكلام عن الذبائح ذكر اسم الله عليها " {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} وتقدم آنفا ذكر عدة آيات في هذا - فعلم من هذا التحقيق: أن الاسم غير المسمى، وأن ذكر الاسم مشروع، وذكر المسمى مشروع. والفرق بينهما ظاهر كالصبح، وكذلك التسبيح والتبارك، فكما يعظم الله يعظم اسمه الكريم، فيذكر مقرونا بالحمد والشكر والثناء والتقديس. وقد صرحوا بأن تعمد إهانة أسماء اللهتعالى في اللفظ والكتابة كفر؛ لأنه لا يمكن أن يأتي من مؤمن. ا هـ. ما زدته الآن.
وقال الأستاذ الإمام ما معناه عندما تقول: إنني أذكر اسم اللهتعالى كالعزيز والحكيم، لا تعني أنك تذكر لفظ " اسم " فلو كان قولهم: إن المراد من الابتداء بالكلمة " بسم الله " التبرك باسم الله هو الصواب لكان ينبغي أن يكون قولك: " بالله الرحمن الرحيم " مثل " {بسم الله الرحمن الرحيم} وقولهتعالى:
{ بسم الله مجراها ومرساها } [هود: 41] وقد قال بعضهم: إن الإضافة هاهنا للبيان، أي أفتتح كلامي بسم الله، ولكن يقتضي أن يكون لفظ " الرحمن الرحيم " واردا على اللفظ وهو غير صحيح. وإرادة أن الأسماء الثلاثة هي المبينة للفظ الاسم تمحل ظاهر، فما المقصود إذا من هذا التعبير؟
مثل هذا التعبير مألوف عند جميع الأمم، ومنهم العرب، وهو أن الواحد منهم إذا أراد أن يفعل أمرا ما لأجل أمير أو عظيم بحيث يكون متجردا من نسبته إليه ومنسلخا عنه، يقول: أعمله باسم فلان، ويذكر اسم ذلك الأمير أو السلطان؛ لأن اسم الشيء دليل وعنوان عليه، فإذا كنت أعمل عملا لا يكون له وجود ولا أثر، لولا السلطان الذي به أمر، أقول إن عملي هذا باسم السلطان أي إنه معنون باسمه ولولاه لما عملته. فمعنى أبتدئ عملي {بسم الله الرحمن الرحيم} أنني أعمله بأمره وله لا لي، ولا أعمله باسمي مستقلا به على أنني فلان. فكأني أقول: إن هذا العمل لله لا لحظ نفسي. وفيه وجه آخر وهو: أن القدرة التي أنشأت بها العمل هي من اللهتعالى، فلولا ما منحني منها لم أعمل شيئا، فلم يصدر عني هذا العمل إلا باسم الله ولم يكن باسمي، إذ لولا ما آتاني من القوة عليه لم أستطع أن آتيه. وقد تم هذا المعنى بلفظ {الرحمن الرحيم} كما هو ظاهر. وحاصل المعنى أنني أعمل عملي متبرئا من أن يكون باسمي، بل هو باسمهتعالى، لأنني استمد القوة والعناية منه وأرجو إحسانه عليه، فلولاه لم أقدر عليه ولم أعمله، بل وما كنت عاملا له على تقدير القدرة عليه، لولا أمره ورجاء فضله، فلفظ الاسم معناه مراد، ومعنى لفظ الجلالة مراد أيضا، وكذلك كل من لفظ {الرحمن الرحيم}. وهذا الاستعمال معروف مألوف في كل اللغات. وأقربه إليكم اليوم ما ترونه في المحاكم النظامية حيث يبتدئون الأحكام قولا وكتابة باسم السلطان فلان أو الخديوي فلان.
ومعنى البسملة في الفاتحة أن جميع ما يقرر في القرآن من الأحكام والآيات وغيرها هو لله ومنه، ليس لأحد غير الله فيه شيء ا هـ.
أقول: هذا صفوة ما قرره في متعلق " {بسم الله} ومعناها، وهاهنا نظر آخر فيه، وهو أن القرآن كان وحيا يلقيه الروح الأمين في قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - وكل سورة منه مبتدأة ببسملة، فمتعلق البسملة من ملك الوحي تعلم من أول آية نزل بها وهي قولهتعالى: " {اقرأ باسم ربك} " فمعنى البسملة الذي كان يفهمه النبي - صلى الله عليه وسلم - من روح الوحي: اقرأ يا محمد هذه السورة {بسم الله الرحمن الرحيم} على عباده، أي اقرأها على أنها منهتعالى لا منك، فإنه برحمته بهم أنزلها عليك لتهديهم بها إلى ما فيه الخير لهم في الدنيا والآخرة. وعلى هذا كان يقصد النبي - صلى الله عليه وسلم - من متعلق البسملة أنني أقرأ السورة عليكم أيها الناس باسم الله لا باسمي، وعلى أنها منه لا مني، فإنما أنا مبلغ عنه - عز وجل -
{ وأمرت لأن أكون أول المسلمين } [الزمر: 12]. { وأن أتلو القرآن } [البقرة: 92] إلخ.
اختصر الأستاذ الإمام في الكلام على لفظ اسم ولفظ الجلالة؛ لأن الكلام فيهما مشهور. وقد تكلمنا على اللفظ الأول، وهاك جملة صالحة في اللفظ الآخر العظيم:
لفظ الجلالة {الله} علم على ذات واجب الوجود، قال ابن مالك: وضع معرفا، وقيل: أصله " إله " فحذفت همزته وأدخلت عليه الألف واللام، وقيل: أصله الإله، والإله في اللغة: يطلق على كل معبود، ولذلك جمعوه على آلهة، وما كل معبود سموه إلها يطلقون عليه اسم {الله} فإن هذا الاسم الكريم كان خاصا في لغتهم بخالق السماوات والأرض وكل شيء. فالتعريف فيه خصصه بالواحد الفرد الكامل، كما جعلوا لفظ " النجم " بالتعريف خاصا بالثريا. فكان العربي في الجاهلية إذا سئل من خلقك أو من خلق السماوات والأرض؟ يقول: " الله " وإذا سئل عن بعض آلهتهم: هل خلقت اللات والعزى شيئا من هذه الموجودات؟ يقول: " لا " وقد احتج القرآن عليهم باعتقادهم هذا كما يأتي في محله. وإنما كانوا يتوسلون بها إلى الله ويعتقدون شفاعتها عنده.
قال بعض العلماء: إن لفظ " إله " من أله بمعنى عبد فهو بمعنى معبود ككتاب بمعنى المكتوب، يقال: أله يأله إلاهة وألوهة وألوهية، كما يقال عبد يعبد عبادة وعبودة وعبودية فهو صفة بمعنى اسم المفعول، وقيل: هو من أله بمعنى تحير، وقيل: من وله بمعنى تحير. وهو إذا استشكل من جهة اللفظ - لأنهتعالى منزه عن الحيرة - يصح أن يقال من جهة المعنى، والمراد أنه سبب الحيرة. لأن الناظرين إذا ارتقوا في سلم أسباب التكوين ينتهون عند درجة الحيرة في معرفة الموجد الأول الذي هو موجود بنفسه لا بسبب ولا علة سابقة عليه، وبه وجد كل ما عداه، لا يستطيعون الوصول إلى حقيقة هذا الموجود العظيم الذي لا يعقل وجود هذه الكائنات الممكنة إلا بوجوده حتى إن الملاحدة الماديين لما بحثوا في أصل الموجودات، وارتقوا إلى معرفة البسائط التي تركبت منها الكائنات، قالوا: إنه لا بد أن يكون لها منشأ وحده مجهول الذات، ذو قوة وحياة.
والحاصل أن اسم الجلالة " الله " علم على ذات الباري سبحانه وتعالى تجري عليه الصفات ولا يوصف به. ولفظ " الإله " صفة. والجمهور على أن معناه الشرعي: المعبود بحق، ولذلك أنكر القرآن عليهم تسمية أصنامهم آلهة، والتحقيق أنه أنكر عليهم تأليهها وعبادتها، لا مجرد تسميتها، وقد سماها هو آلهة في قوله:
{ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب } [هود: 101] ولا يظهر في هذه الآية قصد الحكاية.
ومما يترتب على قولنا: أن لفظ الجلالة {الله} علم يوصف ولا يوصف به أن أسماء الله الحسنى صفات تجري على هذا الاسم العظيم، ولكونها صفات وصفت بالحسنى. قالتعالى:
{ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه } [الأعراف: 180] وتسند إليهتعالى أفعال هذه الصفات، ويقال: رحم الله فلانا، ويرحمه الله، واللهم ارحم فلانا، وتضاف إليه مصادرها فيقال: رحمة الله وربوبيته ومغفرته { إن رحمة الله قريب من المحسنين } [الأعراف: 56] وهذه الأسماء المشتقة كل منها يدل على ذات اللهتعالى وعلى الصفة التي اشتق منها معا بالمطابقة، وعلى الذات وحدها أو الصفة بالتضمن، ولكل منها لوازم يدل عليها بالالتزام، كدلالة الرحمن على الإحسان والإنعام، ودلالة الحكيم على الإتقان والنظام، ودلالة الرب على البعث والجزاء؛ لأن الرب الكامل لا يترك مربوبيه سدى، ومن عرف الأسماء الحسنى، والصفات العليا، عرف أن اسم الجلالة الأعظم {الله} يدل عليها كلها وعلى لوازمها الكمالية وعلى تنزهه عن أضدادها السلبية، فدل هذا الاسم الأعلى على اتصاف مسماه بجميع صفات الكمال، وتنزهه عن جميع النقائص، فسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ا هـ ما أحببت زيادته الآن.
قال الأستاذ الإمام ما معناه: والرحمن الرحيم مشتقان من الرحمة وهي معنى يلم بالقلب فيبعث صاحبه ويحمله على الإحسان إلى غيره، وهو محال على اللهتعالى بالمعنى المعروف عند البشر؛ لأنه في البشر ألم في النفس شفاؤه الإحسان واللهتعالى منزه عن الآلام والانفعالات، فالمعنى المقصود بالنسبة إليه من الرحمة أثرها وهو الإحسان. وقد مشى الجلال في تفسيره وتبعه الصبان على أن الرحمن والرحيم بمعنى واحد، وأن الثاني تأكيد للأول. ومن العجيب أن يصدر مثل هذا القول عن عالم مسلم وما هي إلا غفلة نسأل الله أن يسامح صاحبها.
(قال): وأنا لا أجيز لمسلم أن يقول في نفسه أو بلسانه: إن في القرآن كلمة تغاير أخرى، ثم تأتي لمجرد تأكيد غيرها بدون أن يكون لها في نفسها معنى تستقل به. نعم قد يكون في معنى الكلمة ما يزيد معنى الأخرى تقريرا أو إيضاحا، ولكن الذي لا أجيزه هو أن يكون معنى الكلمة هو عين معنى الأخرى بدون زيادة، ثم يؤتى بها لمجرد التأكيد لا غير بحيث تكون من قبيل ما يسمى بالمترادف في عرف أهل اللغة. فإن ذلك لا يقع إلا في كلام من يرمي في لفظه إلى مجرد التنميق والتزويق. وفي العربية طرق للتأكيد ليس هذا منها، وأما ما يسمونه بالحرف الزائد الذي يأتي للتأكيد فهو حرف وضع لذلك، ومعناه هو التأكيد وليس معناه معنى الكلمة التي يؤكدها، الباء في قولهتعالى: "
{ وكفى بالله شهيدا } [الفتح: 28] تؤكد معنى اتصال الكفاية بجانب الله جل شأنه بذاتها ومعناها الذي وضعت له. ومعنى وصفها بالزيادة أنها كذلك في الإعراب، وكذلك معنى " من " في قوله " { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } [البقرة: 102] ونحو ذلك. أما التكرار للتأكيد أو التقريع أو التهويل فأمر سائغ في أبلغ الكلام عندما يظهر ذلك القصد منه كتكرار جملة " { فبأي آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 13] ونحوها عقب ذكر كل نعمة، وهي عند التأمل ليست مكررة، فإن معناها عند ذكر كل نعمة: أفبهذه النعمة تكذبان. وهكذا كل ما جاء في القرآن على هذا النحو.
والجمهور على أن معنى " الرحمن " المنعم بجلائل النعم، ومعنى " الرحيم " المنعم بدقائقها، وبعضهم يقول: إن الرحمن هو المنعم بنعم عامة تشمل الكافرين مع غيرهم، والرحيم هو المنعم بالنعم الخاصة بالمؤمنين. وكل هذا تحكم في اللغة مبني على أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. ولكن الزيادة تدل على زيادة الوصف مطلقا، فصفة الرحمن تدل على كثرة الإحسان الذي يعطيه سواء كان جليلا أو دقيقا. وأما كون أفراد الإحسان الذي يدل عليها اللفظ الأكثر حروفا أعظم من أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأقل حروفا فهو غير معني ولا مراد. وقد قارب من قال: إن معنى الرحمن المحسن بالإحسان العام، ولكنه أخطأ في تخصيص مدلول الرحيم بالمؤمنين، ولعل الذي حمل من قال: إن الثاني مؤكد للأول على قوله هذا هو عدم الاقتناع بما قالوه من التفرقة مع عدم التفطن لما هو أحسن منه.
قال الأستاذ الإمام: والذي أقول إن صيغة " فعلان " تدل على وصف " فعلى " فيه معنى المبالغة كفعال وهو في استعمال اللغة للصفات العارضة كعطشان وغرثان وغضبان، وأما صيغة فعيل فإنها تدل في الاستعمال على المعاني الثابتة كالأخلاق والسجايا في الناس كعليم وحكيم وحليم وجميل. والقرآن لا يخرج عن الأسلوب العربي البليغ في الحكاية عن صفات الله - عز وجل - التي تعلو عن مماثلة صفات المخلوقين. فلفظ الرحمن يدل على من تصدر عنه آثار الرحمة بالفعل وهي إفاضة النعم والإحسان، ولفظ الرحيم يدل على منشأ هذه الرحمة والإحسان وعلى أنها من الصفات الثابتة الواجبة. وبهذا المعنى لا يستغنى بأحد الوصفين عن الآخر ولا يكون الثاني مؤكدا للأول، فإذا سمع العربي وصف الله جل ثناؤه بالرحمن وفهم منه أنه المفيض للنعم فعلا لا يعتقد منه أن الرحمة من الصفات الواجبة له دائما. لأن الفعل قد ينقطع إذا لم يكن عن صفة لازمة ثابتة وإن كان كثيرا، فعندما يسمع لفظ الرحيم يكمل اعتقاده على الوجه الذي يليق باللهتعالى ويرضيه سبحانه. ويعلم أن لله صفة ثابتة هي الرحمة التي عنها يكون أثرها، وإن كانت تلك الصفة على غير مثال صفات المخلوقين، ويكون ذكرها بعد الرحمن كذكر الدليل بعد المدلول ليقوم برهانا عليه ا هـ.
أقول قد سبق العلامة ابن القيم إلى مثل هذه التفرقة، ولكنه عكس في دلالة الاسمين الكريمين. قال: وأما الجمع بين الرحمن والرحيم ففيه معنى بديع، وهو أن الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم، وكأن الأول الوصف والثاني الفعل، فالأول دال على أن الرحمة صفته أي صفة ذات له سبحانه، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، أي صفة فعل له سبحانه، فإذا أردت فهم هذا فتأمل قولهتعالى:
{ وكان بالمؤمنين رحيما } [الأحزاب: 43]، { إنه بهم رءوف رحيم } [التوبة: 117] ولم يجيء قط رحمن بهم، فعلمت أن رحمن هو الموصوف بالرحمة. ورحيم هو الراحم برحمته. قالرحمه اللهتعالى: هذه النكتة لا تكاد تجدها في كتاب، وإن تنفست عندها مرآة قلبك لم تنجل لك صورتها.
وقال في كتاب آخر عند ذكر الاسمين الكريمين: وكرر أذانا (أي إعلاما) بثبوت الوصف وحصول أثره وتعلقه بمتعلقاته، فالرحمن: الذي الرحمة وصفه، والرحيم: الراحم لعباده، ولهذا يقولتعالى:
{ وكان بالمؤمنين رحيما } [السجدة: 43]. { إنه بهم رءوف رحيم } [التوبة: 117] ولم يجيء رحمن بعباده ولا رحمن بالمؤمنين، مع ما في اسم الرحمن الذي هو على وزن (فعلان) من سعة هذا الوصف وثبوت جميع معناه للموصوف به، ألا ترى أنهم يقولون: غضبان للممتلئ غضبا، وندمان وحيران وسكران ولهفان لمن ملئ بذلك، فبناء فعلان للسعة والشمول المراد منه. ا هـ.
أقول: إن هذه الأمثلة تؤيد ما قاله الأستاذ الإمام من أن صيغة (فعلان) تدل على الصفة العارضة، ولا تدل على الدائمة، فاحتيج إلى صيغة أخرى تدل على الصفة الثابتة الدائمة وهي صيغة (فعيل) فهذا أقوى ما قيل في نكتة الجمع بين الاسمين الكريمين بالصيغتين. ويليه دلالة أحدهما على الرحمة بالقوة، والآخر دلالته عليها بالفعل، وهذا معنى آخر ألم به هذان الإمامان، ولكن ابن القيم جعل لفظ الرحيم هو الدال على الرحمة بالفعل بدليل الآيتين اللتين أوردهما، ولفظ الرحمن هو الدال عليها بالقوة لعدم تعلق مثل ذلك الظرف به، وهو قوي. وعكس (محمد عبده) وجعل ذلك من مدلول الصيغة باللزوم.
{الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم} قالوا: إن معنى الحمد الثناء باللسان، وقيدوه بالجميل؛ لأن كلمة " ثناء " تستعمل في المدح والذم جميعا، يقال: أثنى عليه شرا، كما يقال: أثنى عليه خيرا. ويقولون: إن " أل " التي في الحمد هي للجنس في أي فرد من أفراده لا للاستغراق ولا للعهد المخصوص؛ لأنه لا يصار إلى كل منهما في فهم الكلام إلا بالبديل، وهو غير موجود في الآية، ومعنى كون الحمد للهتعالى بأي نوع من أنواعه، هو أن أي شيء يصح الحمد عليه فهو مصدره، وإليه مرجعه، فالحمد له على كل حال.
وهذه الجملة خبرية ولكنها استعملت لإنشاء الحمد - فأما معنى الخبرية فهو إثبات أن الثناء الجميل في أي أنواعه تحقق، فهو ثابت لهتعالى وراجع إليه؛ لأنه متصف بكل ما يحمد عليه الحامدون فصفاته أجل الصفات، وإحسانه عم جميع الكائنات، ولأن جميع ما يصح أن يتوجه إليه الحمد مما سواه فهو منه جل ثناؤه، إذ هو مصدر الكون كله، فيكون له ذلك الحمد أولا وبالذات. والخلاصة: أن أي حمد يتوجه إلى محمود ما فهو للهتعالى، سواء لاحظه الحامد أو لم يلاحظه. وأما معنى الإنشائية فهو أن الحامد جعلها عبارة عما وجهه من الثناء إلى اللهتعالى في الحال.
هذا ملخص ما قاله الأستاذ الإمام، وأقول الآن: التعريف المشهور بين العلماء للحمد: أنه الثناء باللسان على الجميل الاختياري. أي الفعل الجميل الصادر عن فاعله باختياره، أي سواء أسدى هذا الجميل إلى الحامد أم لا. ا هـ وأزيد عليهم: أنه قد يحمد غير الفاعل المختار تنزيلا له منزلة الفاعل في نفعه، ومنه: " إنما يحمد السوق من ربح ". وهذا هو المتبادر من استعمال اللغة. وحذف بعضهم قيد الاختيار ليدخل في الحمد الثناء على صفات الكمال ولذلك وصف بعضهم الجميل الاختياري بقوله: سواء كان من الفضائل - أي الصفات الكمالية لصاحبها أو الفواضل، وهي ما يتعدى أثره من الفضل إلى غير صاحب الفضل. والظاهر أن الحمد على الفضائل وصفات الكمال إنما يكون باعتبار ما يترتب عليها من الأفعال الاختيارية، ما عدا هذا من الثناء تسميه العرب مدحا. يقال: مدح الرياض، ومدح المال، ومدح الجمال، ولا يطلق الحمد على مثل هذه الأشياء، وقيل: هما مترادفان.
والمقام المحمود للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ما يحمد فيه لما يناله الناس كلهم من خير دعائه وشفاعته على المشهور. وسيأتي تفسيره في موضعه إن شاء اللهتعالى.
وقد يقال: إن ما ذكر هو الحمد الذي يكون من بعض الناس لبعض، وأما الله - عز وجل - فإنه يحمد لذاته باعتبار أنها مصدر جميع الوجود الممكن وما فيه من الخيرات والنعم، أو مطلقا خصوصية له، إذ ليست ذات أحد من الخلق كذاته، ويحمد لصفاته باعتبار تعلقها وآثارها كما سترى بيانه في تفسير الرب والرحمن والرحيم.
{رب العالمين} يشعر هذا الوصف ببيان وجه الثناء المطلق، ومعنى الرب: السيد المربي الذي يسوس مسوده ويربيه ويدبره، ولفظ " العالمين " جمع عالم بفتح اللام جمع جمع المذكر العاقل تغليبا، وأريد به جميع الكائنات الممكنة، أي: إنه رب كل ما يدخل في مفهوم لفظ العالم. وما جمعت العرب لفظ العالم هذا الجمع إلا لنكتة تلاحظها فيه، وهي أن هذا اللفظ لا يطلق عندهم على كل كائن وموجود كالحجر والتراب، وإنما يطلقونه على كل جملة متمايزة لأفرادها صفات تقربها من العاقل الذي جمعت جمعه، إن لم تكن منه فيقال: عالم الإنسان، وعالم الحيوان، وعالم النبات. ونحن نرى أن هذه الأشياء هي التي يظهر فيها معنى التربية الذي يعطيه لفظ " رب "؛ لأن فيها مبدأها وهو الحياة والتغذي والتولد، وهذا ظاهر في الحيوان. ولقد كان السيد (أي جمال الدين الأفغاني)رحمه اللهتعالى يقول: الحيوان شجرة قطعت رجلها من الأرض فهي تمشي، والشجرة حيوان ساخت رجلاه في الأرض، فهو قائم في مكانه يأكل ويشرب، وإن كان لا ينام ولا يغفل.
هذا ملخص ما قاله الأستاذ الإمام. وأزيد الآن أن بعض العلماء قال: إن المراد بالعالمين هنا أهل العلم والإدراك من الملائكة والإنس والجن، ويؤثر عن جدنا الإمام جعفر الصادق عليه الرضوان. أن المراد به الناس فقط كما يدل على هذا وذاك استعمال القرآن في مثل: "
{ أتأتون الذكران من العالمين } [الشعراء: 165] أي الناس، ومثل " { ليكون للعالمين نذيرا } [الفرقان: 1] " ويرى بعضهم: أنه على هذا مشتق من العلم. ومن قال: يعم جميع أجناس المخلوقات يرى أنه مشتق من العلامة، وربوبية الله للناس تظهر بتربيته إياهم، وهذه التربية قسمان: تربية خلقية بما يكون به نموهم، وكمال أبدانهم وقواهم النفسية والعقلية - وتربية شرعية تعليمية وهي ما يوحيه إلى أفراد منهم ليكمل به فطرتهم بالعلم والعمل إذا اهتدوا به. فليس لغير رب الناس أن يشرع للناس عبادة، ولا أن يحرم عليهم ويحل لهم من عند نفسه بغير إذن منهتعالى.
{الرحمن الرحيم} تقدم معناهما وبقي الكلام في إعادتهما، والنكتة فيها ظاهرة وهي أن تربيتهتعالى للعالمين ليست لحاجة به إليهم كجلب منفعة أو دفع مضرة، وإنما هي لعموم رحمته وشمول إحسانه. وثم نكتة أخرى وهي أن البعض يفهم من معنى الرب: الجبروت والقهر، فأراد اللهتعالى أن يذكرهم برحمته وإحسانه ليجتمعوا بين اعتقاد الجلال والجمال، فذكر الرحمن وهو المفيض للنعم بسعة وتجدد لا منتهى لهما، والرحيم الثابت له وصف الرحمة لا يزايله أبدا. فكأن اللهتعالى أراد أن يتحبب إلى عباده، فعرفهم أن ربوبيته ربوبية رحمة وإحسان ليعلموا أن هذه الصفة هي التي ربما يرجع إليها معنى الصفات، وليتعلقوا به ويقبلوا على اكتساب مرضاته، منشرحة صدورهم، مطمئنة قلوبهم، ولا ينافي عموم الرحمة وسبقها ما شرعه الله من العقوبات في الدنيا، وما أعده من العذاب في الآخرة للذين يتعدون الحدود، وينتهكون الحرمات، فإنه وإن سمي قهرا بالنسبة لصورته ومظهره فهو في حقيقته وغايته من الرحمة؛ لأن فيه تربية للناس وزجرا لهم عن الوقوع فيما يخرج عن حدود الشريعة الإلهية، وفي الانحراف عنها شقاؤهم وبلاؤهم، وفي الوقوف عندها سعادتهم ونعيمهم، والوالد الرءوف يربي ولده بالترغيب فيما ينفعه والإحسان عليه إذا قام به، وربما لجأ إلى الترهيب والعقوبة إذا اقتضت ذلك الحال، ولله المثل الأعلى لا إله إلا هو وإليه يرجعون.
أقول الآن: إنني لا أرى وجها للبحث في عد ذكر " الرحمن الرحيم " في سورة الفاتحة تكرارا أو إعادة مطلقا، أما على القول بأن البسملة ليست آية منها فظاهر، وأما على القول بأنها آية منها فيحتاج إلى بيان، وهو أن جعلها آية منها ومن كل سورة يراد به ما تقدم شرحه آنفا من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلقنها ويبلغها للناس على أنها (أي السورة) منزلة من عند اللهتعالى أنزلها برحمته لهداية خلقه، وأنه - صلى الله عليه وسلم - لا كسب له فيها ولا صنع، وإنما هو مبلغ لها بأمر اللهتعالى. فهي مقدمة للسور كلها إلا سورة براءة المنزلة بالسيف، وكشف الستار عن نفاق المنافقين، فهي بلاء على من أنزل أكثرها في شأنهم لا رحمة بهم. وإذا كان المراد ببدء الفاتحة بالبسملة أنها منزلة من الله رحمة بعباده فلا ينافي ذلك أن يكون من موضوع هذه السورة بيان رحمة اللهتعالى مع بيان ربوبيته للعالمين، وكونه الملك الذي يملك وحده جزاء العاملين على أعمالهم، وأنه بهذه الأسماء والصفات كان مستحقا للحمد من عباده، كما أنه مستحق له في ذاته، ولهذا نسب الحمد إلى اسم الذات، الموصوف بهذه الصفات.
والحاصل: أن معنى الرحمة في بسملة كل سورة، هو أن السورة منزلة برحمة الله وفضله فلا يعد ما عساه يكون في أول السورة أو أثنائها من ذكر الرحمة مكررا مع ما في البسملة، وإن كان مقرونا بذكر التنزيل كأول سورة فصلت
{ حم تنزيل من الرحمن الرحيم } [فصلت: 1 - 2] لأن الرحمة في البسملة للمعنى العام في الوحي والتنزيل، وفي السور للمعنى الخاص الذي تبينه السورة، وقد لاحظ هذا المعنى من قال: إن البسملة آية مستقلة فاصلة بين السور. وأما من قال: إنها آية من كل سورة فمراده أنها تقرأ عند الشروع في قراءتها، وأن من حلف ليقرأن سورة كذا لا يبرأ إلا إذا قرأ البسملة معها، وأن الصلاة لا تصح إلا بقراءتها أيضا.
هذا - وأما حظ العبد من وصف الله بالربوبية فهو أن يحمدهتعالى ويشكره باستعمال نعمه التي تتربى بها القوى الجسدية والعقلية فيما خلقت لأجله، فليحسن تربية نفسه وتربية من يوكل إليه تربيته من أهل وولد ومريد وتلميذ، وباستعمال نعمته بهداية الدين في تربية نفسه الروحية والاجتماعية، وكذا تربية من يوكل إليه تربيتهم وألا يبغي كما بغى فرعون فيدعي أنه رب الناس، وكما بغى فراعنة كثيرون ولا يزالون يبغون بجعل أنفسهم شارعين يتحكمون في دين الناس بوضع العبادات التي لم ينزلها اللهتعالى، وبقولهم: هذا حلال وهذا حرام من عند أنفسهم أو من عند أمثالهم، فيجعلون أنفسهم شركاء لله في ربوبيته. قالتعالى:
{ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } [الشورى: 21] وفسر النبي - صلى الله عليه وسلم - اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابا بمثل هذا.
وأما حظ العبد من وصف الله بالرحمة فهو أن يطالب نفسه بأن يكون رحيما بكل من يراه مستحقا للرحمة من خلق اللهتعالى حتى الحيوان الأعجم، وأن يتذكر دائما أنه يستحق بذلك رحمة اللهتعالى، قال - صلى الله عليه وسلم -:
"إنما يرحم الله من عباده الرحماء" رواه الطبراني عن جرير بسند صحيح، وقال: "الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم من حديث ابن عمر، ورويناه مسلسلا بالأولية من طريق الشيخ أبي المحاسن محمد القاوقجي الطرابلسي الشامي. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من رحم ولو ذبيحة عصفوررحمه الله يوم القيامة" رواه البخاري في الأدب المفرد والطبراني عن أبي أمامة، وأشار السيوطي في الجامع الصغير إلى صحته. ومما يدل على الترغيب في رحمة الحيوان والرفق به بغير لفظ الرحمة حديث: "في كل ذات كبد حرى أجر" رواه أحمد وابن ماجه عن سراقة بن مالك، وأحمد أيضا عن عبد الله بن عمرو. وهو حديث صحيح.
ومن مباحث اللغة أن لفظ الرحمن خاص باللهتعالى كلفظ الجلالة. قالوا: لم يسمع عن أحد من العرب أنه أطلقه على غير اللهتعالى، وكذلك لفظ " رحمن " غير معرف، قالوا: لم يرد إطلاقه على غير اللهتعالى إلا في شعر لبعض الذين فتنوا بمسيلمة الكذاب قال فيه: "وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا.
وقيل: إن هذا تعنت وغلو لا من الاستعمال المعروف عند العرب، وأما العرب فكانت تطلق لفظ رب على الناس، يقولون: رب الدار ورب هذه الأنعام مثلا لا رب الأنعام مطلقا. قال عبد المطلب في يوم الفيل: أما الإبل فأنا ربها، وأما البيت فإن له ربا يحميه، وقالتعالى في حكاية قول يوسف عليه السلام في مولاه عزيز مصر:
{ إنه ربي أحسن مثواي } [يوسف: 23] ويرى بعض العلماء أن هذا الاستعمال ممنوع في الإسلام، واستدل بالنهي في الحديث عن قول المملوك لسيده " ربي " والصواب أن يمنع ما ورد النص به كهذا الاستعمال، وما من شأنه ألا يقال إلا في البارئتعالى كلفظ الرب بالتعريف مطلقا، ولفظ رب الناس، رب المخلوقات، رب العالمين، وما أشبه ذلك.
{مالك يوم الدين}
قرأ عاصم والكسائي ويعقوب: " مالك " والباقون " ملك " وعليها أهل الحجاز والفرق بينهما أن المالك ذو الملك بكسر الميم، والملك ذو الملك بضمها، والقرآن يشهد للأولى بمثل قوله:
{ يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } [الإنفطار: 19] وللثانية بقوله: { لمن الملك اليوم } [غافر: 16] قال بعضهم: إن قراءة ملك أبلغ؛ لأن هذا اللفظ يفهم منه معنى السلطان والقوة والتدبير. قال آخرون: إن القراءة الأخرى أبلغ؛ لأن الملك هو الذي يدبر أعمال رعيته العامة، ولا تصرف له بشيء من شئونهم الخاصة، والمالك سلطته أعم، فلا ريب أن مالكه هو الذي يتولى جميع شئونه دون سلطانه.
وأقول الآن: الظاهر أن قراءة " ملك " أبلغ؛ لأن معناها المتصرف في أمور العقلاء المختارين بالأمر والنهي والجزاء، ولهذا يقال: "ملك الناس" ولا يقال ملك الأشياء. قاله الراغب. وقال في {ملك يوم الدين} تقديره الملك في يوم الدين؛ لقوله:
{ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } [غافر: 16] ا هـ. وإنما كان هذا أبلغ؛ لأن السياق يدلنا على أن المراد بالآية تذكير المكلفين بما ينتظرهم من الجزاء على أعمالهم رجاء أن تستقيم أحوالهم، ومعنى {مالك يوم الدين} قد يستفاد من قوله " {رب العالمين} " على أن مجموع القراءتين يدل على المعنيين فكلاهما ثابت، ولكن القراءة في الصلاة بملك يوم الدين تثير من الخشوع ما لا تثيره القراءة الأخرى التي يفضلها بعضهم؛ لأنها تزيد حرفا في النطق. وورد في الحديث أن للقارئ بكل حرف كذا حسنة، ولكن فاتهم أن حسنة واحدة تكون أكبر تأثيرا في القلب خير من مائة حسنة يكن دونها في التأثير.
و {الدين} يطلق في اللغة على الحساب وعلى المكافأة، وورد " كما تدين تدان " وقال الشاعر:

 

ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما دانوا

 

وعلى الجزاء وهو قريب من معنى المكافأة، وعلى الطاعة، وعلى الإخضاع، وعلى السياسة؛ يقال: دنته، ودينته فلانا (بالتشديد) أي وليته سياسته، وهو قريب من معنى الإخضاع، وعلى الشريعة: ما يؤخذ العباد به من التكاليف. والمناسب هنا من هذه المعاني الجزاء والخضوع وإنما قال " يوم الدين " ولم يقل " الدين " لتعريفنا بأن للدين يوما ممتازا عن سائر الأيام، وهو اليوم الذي يلقى فيه كل عامل عمله ويوفى جزاءه.
ولسائل أن يسأل: أليست كل الأيام أيام جزاء. وكل ما يلاقيه الناس في هذه الحياة من البؤس هو جزاء على تفريطهم في أداء الحقوق والقيام بالواجبات التي عليهم؟ والجواب: بلى إن أيامنا التي نحن فيها قد يقع فيها الجزاء على أعمالنا، ولكن ربما لا يظهر لأربابه إلا على بعضها دون جميعها. والجزاء على التفريط في العمل الواجب إنما يظهر في الدنيا ظهورا تاما بالنسبة إلى مجموع الأمة لا إلى كل فرد من الأفراد، فما من أمة انحرفت عن صراط الله المستقيم ولم تراع سننه في خليقته إلا وأحل بها العدل الإلهي ما تستحق من الجزاء كالفقر والذل وفقد العزة والسلطة. وأما الأفراد فإننا نرى كثيرا من المسرفين الظالمين يقضون أعمارهم منغمسين في الشهوات واللذات، نعم إن ضمائرهم توبخهم أحيانا وإنهم لا يسلمون من المنغصات، وقد يصيبهم النقص في أموالهم، وعافية أبدانهم، وقوة عقولهم. ولكن هذا كله لا يقابل بعض أعمالهم القبيحة، لا سيما الملوك والأمراء الذين تشقى بأعمالهم السيئة أمم وشعوب. كذلك نرى من المحسنين في أنفسهم وللناس من يبتلى بهضم حقوقه، ولا ينال الجزاء الذي يستحقه على عمله، فإن كان قد ينال رضاء نفسه وسلامة أخلاقه وصحة ملكاته، فما ذلك كل ما يستحق، وفي ذلك اليوم يوفى كل فرد من أفراد العالمين جزاءه كاملا لا يظلم شيئا منه، كما قالتعالى:
{ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } [الزلزلة: 7 - 8].
علمنا الله أنه رحمن رحيم ليجذب قلوبنا إليه، ولكن هل يشعر كل عباده بهذه المنة فينجذبوا إليه الانجذاب المطلوب؟ أليس فينا من يسلك كل سبيل لا يبالي بمستقيم ومعوج؟ بلى، ولهذا أعقب سبحانه ذكر الرحمة بذكر الدين، فعرفنا أنه يدين العباد ويجازيهم على أعمالهم فكان من رحمته بعباده أن رباهم بنوعي التربية كليهما: الترغيب والترهيب، كما تشهد بذلك آيات القرآن الكثيرة
{ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم } [الحجر: 49 - 50].
{إياك نعبد وإياك نستعين}
ما هي العبادة؟ يقولون هي الطاعة مع غاية الخضوع، وما كل عبارة تمثل المعنى تمام التمثيل، وتجليه للأفهام واضحا لا يقبل التأويل، فكثيرا ما يفسرون الشيء ببعض لوازمه ويعرفون الحقيقة برسومها، بل يكتفون أحيانا بالتعريف اللفظي ويبينون الكلمة بما يقرب من معناها، ومن ذلك هذه العبارة التي شرحوا بها معنى العبادة، فإن فيها إجمالا وتساهلا. وإننا إذا تتبعنا آي القرآن وأساليب اللغة واستعمال العرب لـ " عبد " وما يماثلها ويقاربها في المعنى - كخضع وخنع وأطاع وذل - نجد أنه لا شيء من هذه الألفاظ يضاهي " عبد " ويحل محلها ويقع موقعها، ولذلك قالوا: إن لفظ " العباد " مأخوذ من العبادة، فتكثر إضافته إلى اللهتعالى، ولفظ " العبيد " تكثر إضافته إلى غير اللهتعالى؛ لأنه مأخوذ من العبودية بمعنى الرق، وفرق بين العبادة والعبودية بذلك المعنى، ومن هنا قال بعض العلماء: إن العبادة لا تكون في اللغة إلا للهتعالى، ولكن استعمال القرآن يخالفه.
يغلو العاشق في تعظيم معشوقه والخضوع له غلوا كبيرا حتى يفنى هواه في هواه، وتذوب إرادته في إرادته، ومع ذلك لا يسمى خضوعه هذا عبادة بالحقيقة، ويبالغ كثير من الناس في تعظيم الرؤساء والملوك والأمراء، فترى من خضوعهم لهم وتحريهم مرضاتهم ما لا تراه من المتحنثين القانتين، دع سائر العابدين، ولم يكن العرب يسمون شيئا من هذا الخضوع عبادة، فما هي العبادة إذا؟
تدل الأساليب الصحيحة، والاستعمال العربي الصراح على أن العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية، ناشئ عن استشعار القلب عظمة للمعبود لا يعرف منشأها، واعتقاده بسلطة له لا يدرك كنهها وماهيتها. وقصارى ما يعرفه منها أنها محيطة به، ولكنها فوق إدراكه، فمن ينتهي إلى أقصى الذل لملك من الملوك لا يقال إنه عبده وإن قبل موطئ أقدامه، ما دام سبب الذل والخضوع معروفا وهو الخوف من ظلمه المعهود، أو الرجاء بكرمه المحدود، اللهم إلا بالنسبة إلى الذين يعتقدون أن الملك قوة غيبية سماوية أفيضت على الملوك من الملأ الأعلى، واختارتهم للاستعلاء على سائر أهل الدنيا، لأنهم أطيب الناس عنصرا، وأكرمهم جوهرا، وهؤلاء هم الذين انتهى بهم هذا الاعتقاد إلى الكفر والإلحاد، فاتخذوا الملوك آلهة وأربابا وعبدوهم عبادة حقيقية.
للعبادة صور كثيرة في كل دين من الأديان شرعت لتذكير الإنسان بذلك الشعور بالسلطان الإلهي الأعلى الذي هو روح العبادة وسرها، ولكل عبادة من العبادات الصحيحة أثر في تقويم أخلاق القائم بها وتهذيب نفسه، والأثر إنما يكون عن ذلك الروح، والشعور الذي قلنا إنه منشأ التعظيم والخضوع، فإذا وجدت صورة العبادة خالية من هذا المعنى لم تكن عبادة، كما أن صورة الإنسان وتمثاله ليس إنسانا.
خذ إليك عبادة الصلاة مثلا، وانظر كيف أمر الله بإقامتها دون مجرد الإتيان بها، وإقامة الشيء: هي الإتيان به مقوما كاملا يصدر عن علته وتصدر عنه آثاره. وآثار الصلاة ونتائجها هي ما أنبأنا اللهتعالى بها بقوله:
{ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } [العنكبوت: 45] وقوله - عز وجل -: { إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين } [المعارج: 19 - 22] وقد توعد الذين يأتون بصورة الصلاة من الحركات والألفاظ مع السهو عن معنى العبادة وسرها فيها المؤدي إلى غايتها بقوله: { فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون } [الماعون: 4 - 7] فسماهم مصلين، لأنهم أتوا بصورة الصلاة، ووصفهم بالسهو عن الصلاة الحقيقية التي هي توجه القلب إلى اللهتعالى المذكر بخشيته، والمشعر للقلوب بعظم سلطانه، ثم وصفهم بأثر هذا السهو وهو الرياء ومنع الماعون. وذكر الأستاذ الإمام أن الرياء ضربان: رياء النفاق وهو العمل لأجل رؤية الناس، ورياء العادة وهو العمل بحكمها من غير ملاحظة معنى العمل وسره وفائدته، ولا ملاحظة من يعمل له ويتقرب إليه به، وهو ما عليه أكثر الناس، فإن صلاة أحدهم في طور الرشد والعقل هي عين ما كان يحاكي به أباه في طور الطفولية عندما يراه يصلي - يستمر على ذلك بحكم العادة من غير فهم ولا عقل، وليس لله شيء في هذه الصلاة، وقد ورد في بعض الأحاديث: أن " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا " وأنها تلف كما يلف الثوب البالي ويضرب بها وجهه " وأما الماعون فهو المعونة والخير الذي تقدم في الآية الأخرى أن من شأن الإنسان أن يكون منوعا له إلا المصلين.
والاستعانة: طلب المعونة، وهي إزالة العجز والمساعدة على إتمام العمل الذي يعجز المستعين عن الاستقلال به بنفسه.
ثم تكلم الأستاذ الإمام على حصر العبادة والاستعانة في اللهتعالى الذي دل عليه تقديم المفعول {إياك} على الفعل {نعبد} و {نستعين} فقال ما مثاله:
أمرنا اللهتعالى بألا نعبد غيره؛ لأن السلطة الغيبية التي هي وراء الأسباب ليست إلا له دون غيره، فلا يشاركه فيها أحد فيعظم تعظيم العبادة، وأمرنا بألا نستعين بغيره أيضا، وهذا يحتاج إلى البيان؛ لأنه أمرنا أيضا في آيات أخرى بالتعاون:
{ وتعاونوا على البر والتقوى } [المائدة: 2] فما معنى حصر الاستعانة به مع ذلك؟
الجواب: أن كل عمل يعمله الإنسان تتوقف ثمرته ونجاحه على حصول الأسباب التي اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون مؤدية إليه وانتفاء الموانع التي من شأنها بمقتضى الحكمة أن تحول دونه وقد مكن اللهتعالى الإنسان بما أعطاه من العلم والقوة من دفع بعض الموانع وكسب بعض الأسباب، وحجب عنه البعض الآخر، فيجب علينا أن نقوم بما في استطاعتنا من ذلك. ونبذل في إتقان أعمالنا كل ما نستطيع من حول وقوة، وأن نتعاون ويساعد بعضنا بعضا على ذلك. ونفوض الأمر فيما وراء كسبنا إلى القادر على كل شيء، ونلجأ إليه وحده، ونطلب المعونة المتممة للعمل والمواصلة لثمرته منه سبحانه دون سواه، إذ لا يقدر على ما وراء الأسباب الممنوحة لكل البشر على السواء إلا مسبب الأسباب، ورب الأرباب، فقولهتعالى: " {وإياك نستعين} متمم لمعنى قوله: " {إياك نعبد} لأن الاستعانة بهذا المعنى فزع من القلب إلى الله وتعلق من النفس به، وذلك من مخ العبادة، فإذا توجه العبد بها إلى غير اللهتعالى كان ضربا من ضروب العبادة الوثنية التي كانت ذائعة في زمن التنزيل وقبله، وخصت بالذكر لئلا يتوهم الجهلاء أن الاستعانة بمن اتخذوهم أولياء من دون الله، واستعانوا بهم فيما وراء الأسباب المكتسبة لعامة الناس، هي كالاستعانة بسائر الناس في الأسباب العامة، فأراد الحق جل شأنه أن يرفع هذا اللبس عن عباده ببيان أن الاستعانة بالناس فيما هو في استطاعة الناس إنما هو ضرب من استعمال الأسباب المسنونة، وما منزلتها إلا كمنزلة الآلات فيما هي آلات له، بخلاف الاستعانة بهم في شئون تفوق القدرة والقوى الموهوبة لهم، والأسباب المشتركة بينهم، كالاستعانة في شفاء المرض بما وراء الدواء، وعلى غلبة العدو بما وراء العدة والعدة، فإن ذلك مما لا يجوز الفزع والتوجه فيه إلى غير اللهتعالى صاحب السلطان الأعظم، على ما لا يصل إليه سلطان أحد من العالم.
ضرب الأستاذ الإمام مثلا لذلك، الزارع يبذل جهده في الحرث والعزق وتسميد الأرض وريها، ويستعين باللهتعالى على إتمام ذلك بمنع الآفات والجوائح السماوية أو الأرضية، ومثل بالتاجر يحذق في اختيار الأصناف، ويمهر في صناعة الترويج، ثم يتوكل على الله فيما بعد ذلك. ثم قال: ومن هنا تعلمون أن الذين يستعينون بأصحاب الأضرحة والقبور على قضاء حوائجهم، وتيسير أمورهم، وشفاء أمراضهم، ونماء حرثهم وزرعهم، وهلاك أعدائهم، وغير ذلك من المصالح، هم عن صراط التوحيد ناكبون، وعن ذكر الله معرضون.
أرشدتنا هذه الكلمة الوجيزة " {وإياك نستعين} " إلى أمرين عظيمين هما معراج السعادة في الدنيا والآخرة: (أحدهما): أن نعمل الأعمال النافعة، ونجتهد في إتقانها ما استطعنا؛ لأن طلب المعونة لا يكون إلا على عمل بذل فيه المرء طاقته فلم يوفه حقه، أو يخشى ألا ينجح فيه، فيطلب المعونة على إتمامه وكماله، فمن وقع من يده القلم على المكتب لا يطلب المعونة من أحد على إمساكه، ومن وقع تحت عبء ثقيل يعجز عن النهوض به وحده، يطلب المعونة من غيره على رفعه، ولكن بعد استفراغ القوة في الاستقلال به، وهذا الأمر هو مرقاة السعادة الدنيوية، وركن من أركان السعادة الأخروية.
(ثانيهما): ما أفاده الحصر من وجوب تخصيص الاستعانة باللهتعالى وحده فيما وراء ذلك، وهو روح الدين، وكمال التوحيد الخالص الذي يرفع نفوس معتقديه ويخلصها من رق الأغيار، ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين، والشيوخ الدجالين، ويطلق عزائمهم من قيد المهيمنين الكاذبين، من الأحياء والميتين، فيكون المؤمن مع الناس حرا خالصا وسيدا كريما، ومع الله عبدا خاضعا
{ ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما } [الأحزاب: 71].
وأقول أيضا: عبادة اللهتعالى هي غاية الشكر له في القيام بما يجب لألوهيته، واستعانته هي غاية الشكر له في القيام بما يجب لربوبيته، أما الأول فظاهر؛ لأنه هو الإله الحق فلا يعبد بحق سواه، وأما الثاني: فلأنه هو المربي للعباد الذي وهب لهم جميع ما تكمل به تربيتهم الصورية والمعنوية، ومن هنا تعلم أن إيراد ذكر العبادة والاستعانة بعد ذكر اسم الجلالة الأعظم، واسم الرب الأكرم، إنما هو لترتبهما عليهما من قبيل ترتيب النشر على اللف. والاستعانة بهذا المعنى ترادف التوكل على الله وتحل محله، وهو كمال التوحيد والعبادة الخالصة، ولذلك جمع القرآن بينهما في مثل قولهتعالى:
{ ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه } [هود: 123].
فهذه الاستعانة هي ثمرة التوحيد واختصاص اللهتعالى بالعبادة، فإن من معنى العبادة: الشعور بأن السلطة الغيبية التي هي وراء الأسباب العامة، الموهوبة من اللهتعالى لعباده كافة، هي لله وحده، كما تنطق به الآية التي استشهدنا بها آنفا على قرن العبادة بالتوكل، فمن كان موحدا خالصا لا يستعين بغير اللهتعالى قط، فما كان من أنواع المعونة داخلا في حلقات سلسلة الأسباب كان طلبه بسببه طلبا من اللهتعالى ولكنه يحتاج في تحقق ذلك إلى قصد وملاحظة وشهود قلبي، وما كان غير داخل فيها يتوجه في طلبه إلى اللهتعالى بلا واسطة ولا حجاب، وبهذا البيان تعلم أنه لا منافاة بين التوحيد والتوكل وبين الأخذ بالأسباب وإقامة سنن اللهتعالى فيها، بل الكمال والأدب في الجمع بينهما، فالسيد المالك إذا نصب لعبده وخدمه مائدة يأكلون منها غدوا وعشيا، وجعل لهم خدما يقومون بأمرها، لا يكون طلب الطعام منه إلا بالاختلاف إلى المائدة، وإنما ينبغي ألا يغفلوا بها وبخدمها عن ذكر صاحب الفضل الذي أنشأها بماله وسخر أولئك الخدم للآكلين عليها، ولا عن حمده وشكره، فهذا مثال مائدة الكون بأسبابه ومسبباته، والعبد إذا احتاج شيئا من الأشياء التي لم يجعلها سيده مبذولة لجميع عبيده في كل وقت، طلبه منه دون سواه، فإن أظهر الحاجة إلى غيره كان ذلك من قلة ثقته بمولاه، وجعل ذلك الغير في مرتبته أو أجدر منه بالفضل. هذا في العبيد مع السادة الذين لهم نظراء وأنداد، فكيف إذا كان العبد الذي يتوجه إلى غير مولاه، لا يجد من يتوجه إليه سواه، إلا أمثاله من العبيد المحتاجين إلى المولى مثله؛ لأنه هو السيد الصمد الذي ليس له كفوا أحد؟
ثم إن لفظ الاستعانة يشعر بأن يطلب العبد من الربتعالى الإعانة على شيء له فيه كسب ليعينه على القيام به، وفي هذا تكريم للإنسان بجعل عمله أصلا في كل ما يحتاج إليه لإتمام تربية نفسه وتزكيتها، وإرشاد له إلى أن ترك العمل والكسب، ليس من سنة الفطرة ولا من هدي الشريعة، فمن تركه كان كسولا مذموما لا متوكلا محمودا، وبتذكيره من جهة أخرى بضعفه لكيلا يغتر، فيتوهم أنه مستغن بكسبه عن عناية ربه، فيكون من الهالكين في عاقبة أمره.
إذا تدبرت هذا فهمت منه نكتة من نكت تقديم العبادة على الاستعانة، وهي أن الثانية ثمرة للأولى، ولا ينافي هذا أن العبادة نفسها مما يستعان عليه باللهتعالى ليوفق العابد للإتيان بها على الوجه المرضي له - عز وجل -. لا منافاة بين الأمرين؛ لأن الثمرة التي تخرج من الشجرة تكون حاوية للنواة التي تخرج منها شجرة أخرى. فالعبادة تكون سببا للمعونة من وجه، والمعونة تكون سببا للعبادة من وجه آخر، كذلك الأعمال تكون الأخلاق التي هي مناشئ الأعمال، فكل منهما سبب ومسبب وعلة ومعلول، والجهة مختلفة فلا دور في المسألة.
وأقول أيضا إن نكتة تقديم " إياك " على الفعلين " نعبد، ونستعين " هي إفادة الاختصاص والحصر على المشهور الذي جرى عليه الأستاذ الإمام كغيره فالمعنى إذا: نعبدك ولا نعبد غيرك ونستعينك ولا نستعين بسواك. وقد استخرج له بعض الغواصين على المعاني نكتا أخرى (منها) أن " إياك " ضمير راجع إلى اللهتعالى، وقيل إن " إيا " اسم ظاهر مضاف إلى الضمير الذي هو الكاف، فتقديمه على الوجهين يؤذن بالاهتمام به الذي هو العلة الأصلية العامة للتقديم في هذه اللغة (ومنها) أنه من الأدب أيضا، (ومنها) أن إفادة الحصر بهذا الاسم أو " الضمير " المقدم على الفعل أبلغ من إفادة الحصر بالضمير المتصل الذي يقرن به ما يدل على ذلك من الكلم، كقولك: إنما نعبدك وإنما نستعينك، أو نستعين بك وحدك وإعادة، إياك مع الفعل الثاني يفيد أن كلا من العبادة والاستعانة مقصود بالذات فلا يستلزم كل منهما الآخر. ذلك بأن الاستعانة باللهتعالى يجب أن تكون عامة في كل شيء، ومن الناس من لا يستعين بالله على شيء من أعماله الاختيارية، زعما منهم أنهم يستقلون بذلك بدون إعانة خاصة منهتعالى كالقدرية. وأفضل الاستعانة ما كان على الطاعة والخير، وقد
"أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيد معاذ يوما وقال: والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك عبادتك " وقد روينا هذا المعنى في الأحاديث المسلسلة. قال لي شيخنا أبو المحاسن محمد القاوقجي في طرابلس الشام: " إني أحبك فقل: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك "، قال لي شيخنا محمد عابد السندي في الحرم النبوي الشريف: " إني أحبك " إلخ وذكر سنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
{اهدنا الصراط المستقيم}
ذكر الأستاذ الإمام أولا ما قالوه في معنى الهداية لغة من أنها: الدلالة بلطف على ما يوصل إلى المطلوب، ثم بين أنواعها ومراتبها فقال ما مثاله: منح اللهتعالى الإنسان أربع هدايات يتوصل بها إلى سعادته.
(أولاها): هداية الوجدان الطبيعي والإلهام الفطري. وتكون للأطفال منذ ولادتهم، فإن الطفل بعد ما يولد يشعر بألم الحاجة إلى الغذاء فيصرخ طالبا له بفطرته، وعندما يصل الثدي إلى فيه يلهم التقامه وامتصاصه. (الثانية): هداية الحواس والمشاعر، وهي متممة للهداية الأولى في الحياة الحيوانية، ويشارك الإنسان فيهما الحيوان الأعجم، بل هو فيهما أكمل من الإنسان، فإن حواس الحيوان وإلهامه يكملان له بعد ولادته بقليل، بخلاف الإنسان فإن ذلك يكمل فيه بالتدريج في زمن غير قصير، ألا تراه عقب الولادة لا تظهر عليه علامات إدراك الأصوات والمرئيات، ثم بعد مدة يبصر، ولكنه لقصر نظره يجهل تحديد المسافات، فيحسب البعيد قريبا فيمد يديه إليه ليتناوله وإن كان قمر السماء ولا يزال يغلط حسه حتى في طور الكمال:
(الهداية الثالثة): العقل، خلق الله الإنسان ليعيش مجتمعا ولم يعط من الإلهام والوجدان ما يكفي مع الحس الظاهر لهذه الحياة الاجتماعية كما أعطي النحل والنمل، فإن الله قد منحها من الإلهام ما يكفيها، لأن تعيش مجتمعة يؤدي كل واحد منها وظيفة العمل لجميعها، ويؤدي الجميع وظيفة العمل للواحد، وبذلك قامت حياة أنواعها كما هو مشاهد. أما الإنسان فلم يكن من خاصة نوعه أن يتوفر له مثل ذلك الإلهام، فحباه الله هداية هي أعلى من هداية الحس والإلهام، وهي العقل الذي يصحح غلط الحواس والمشاعر ويبين أسبابه، وذلك أن البصر يرى الكبير على البعد صغيرا، ويرى العود المستقيم في الماء معوجا، والصفراوي يذوق الحلو مرا. والعقل هو الذي يحكم بفساد مثل هذا الإدراك. (الهداية الرابعة): الدين، يغلط العقل في إدراكه كما تغلط الحواس، وقد يهمل الإنسان استخدام حواسه وعقله فيما فيه سعادته الشخصية النوعية ويسلك بهذه الهدايات مسالك الضلال، فيجعلها مسخرة لشهواته ولذاته حتى تورده موارد الهلكة. فإذا وقعت المشاعر في مزالق الزلل، واسترقت الحظوظ والأهواء العقل فصار يستنبط لها ضروب الحيل، فكيف يتسنى للإنسان مع ذلك أن يعيش سعيدا؟ وهذه الحظوظ والأهواء ليس لها حد يقف الإنسان عنده وما هو بعائش وحده، وكثيرا ما تتطاول به إلى ما في يد غيره، فهي لهذا تقتضي أن يعدو بعض أفراده على بعض، فيتنازعون ويتدافعون، ويتجادلون ويتجالدون، ويتواثبون ويتناهبون حتى يفني بعضهم بعضا، ولا تغني عنهم تلك الهدايات شيئا فاحتاجوا إلى هداية ترشدهم في ظلمات أهوائهم، إذا هي غلبت على عقولهم، وتبين لهم حدود أعمالهم ليقفوا عندها ويكفوا أيديهم عما وراءها. ثم إن مما أودع في غرائز الإنسان الشعور بسلطة غيبية متسلطة على الأكوان ينسب إليها كل ما لا يعرف له سببا. لأنها هي الواهبة كل موجود ما به قوام وجوده، وبأن له حياة وراء هذه الحياة المحدودة، فهل يستطيع أن يصل بتلك الهدايات الثلاث إلى تحديد ما يجب عليه لصاحب تلك السلطة الذي خلقه وسواه، ووهبه هذه الهدايات وغيرها، وما فيه سعادته في تلك الحياة الثانية؟ كلا إنه في أشد الحاجة إلى هذه الهداية الرابعة - الدين - وقد منحه اللهتعالى إياها.
أشار القرآن إلى أنواع الهداية التي وهبها اللهتعالى للإنسان في آيات كثيرة منها قولهتعالى:
{ وهديناه النجدين } [البلد: 10] أي طريقي السعادة والشقاوة والخير والشر.
قال الأستاذ الإمام: وهذه تشمل هداية الحواس الظاهرة والباطنة، وهداية العقل وهداية الدين، ومنها قولهتعالى:
{ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } [فصلت: 17] أي دللناهم على طريقي الخير والشر، فسلكوا سبل الشر المعبر عنه بالعمى. وذكر غير هاتين الآيتين مما في معناهما ثم قال
بقي معنا هداية أخرى وهي المعبر عنها بقولهتعالى:
{ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } [الأنعام: 90] فليس المراد من هذه الهداية ما سبق ذكره، فالهداية في الآيات السابقة بمعنى الدلالة، وهي بمنزلة إيقاف الإنسان على رأس الطريقين: المهلك، والمنجي، مع بيان ما يؤدي إليه كل منهما، وهي مما تفضل الله به على جميع أفراد البشر. وأما هذه الهداية فهي أخص من تلك، والمراد بها إعانتهم وتوفيقهم للسير في طريق الخير والنجاة مع الدلالة، وهي لم تكن ممنوحة لكل أحد كالحواس والعقل وشرع الدين.
ولما كان الإنسان عرضة للخطأ والضلال في فهم الدين وفي استعمال الحواس والعقل على ما قدمنا، كان محتاجا إلى المعونة الخاصة، فأمرنا الله بطلبها منه في قوله {اهدنا الصراط المستقيم} فمعنى " {اهدنا الصراط المستقيم " دلنا دلالة تصحبها معونة غيبية من لدنك تحفظنا بها من الضلال والخطأ، وما كان هذا أول دعاء علمنا الله إياه، إلا لأن حاجتنا إليه أشد من حاجتنا إلى كل شيء سواه.
ثم بين معنى الصراط (وهو الطريق) واشتقاقه، وقراءة الصراط بالسين المهملة واشتقاقها على نحو ما في كتب اللغة والتفسير، ومعنى المستقيم: وهو ضد المعوج، وقال: ليس المراد بمقابل المستقيم المعوج ذا التموج والتعاريج، بل المراد: كل ما فيه انحراف عن الغاية التي يجب أن ينتهي سالكه إليها. والمستقيم في عرف الهندسة: أقرب موصل بين طرفين، وهذا المعنى لازم للمعنى اللغوي كما هو ظاهر بالبداهة. وإنما قلنا: إن المراد بمقابل المستقيم كل ما فيه انحراف؛ لأن كل من يميل وينحرف عن الجادة يكون أضل عن الغاية ممن يسير عليها في خط ذي تعاريج؛ لأن هذا الأخير قد يصل إلى الغاية بعد زمن طويل. ولكن الأول لا يصل إليها أبدا. بل يزداد عنها بعدا كلما أوغل في السير وانهمك فيه.
وقد قالوا: إن المراد بالصراط المستقيم، الدين، أو الحق، أو العدل، أو الحدود. ونحن نقول: إنه جملة ما يوصلنا إلى سعادة الدنيا والآخرة من عقائد وآداب وأحكام وتعاليم. لم سمي الموصل إلى السعادة من ذلك صراطا وطريقا؟ خذ الحق مثلا وهو العلم الصحيح بالله وبالنبوة وبأحوال الكون والناس، ترى معنى الصراط فيه واضحا؛ لأن السبيل أو الصراط ما أسلكه وأسير فيه لبلوغ الغاية التي أقصدها، كذلك الحق الذي يبين لي الواقع الثابت في العقيدة الصحيحة هو كالجادة بين السبل المتفرقة المضلة، فالطريق الواضح للحس، يشبه الحق للعقل والنفس، سير حسي، وسير معنوي، كذلك إذا اعتبرت هذا المعنى في الحدود والأحكام تجده واضحا - قسمت أحكام الأعمال إلى: واجب، ومندوب، ومباح، ومحرم ومكروه، فكان هذا مريحا لنا من تمييز الخير من الشر بأنفسنا واجتهادنا، فبيان الأحكام بالهداية الكبرى وهي الدين كالطريق الواضح يسلك بالعمل. ومع هذا تجد الشهوات تتلاعب بالأحكام وترجعها إلى أهوائها كما يصرف السفهاء عقولهم وحواسهم فيما يرديهم. وهذا التلاعب بالدين إنما يصدر من علمائه. وضرب الأستاذ الإمام لذلك مثلا أحد الشيوخ المتفقهين، سرق كتابا من وقف أحد الأروقة في الأزهر مستحلا له بحجة أن قصد الواقف الانتفاع به، وهو يحصل بوجود الكتاب عنده، وأنه قد يفوت النفع ببقائه في الرواق حيث وضعه الواقف، إذ لا يوجد فيه من يفهمه مثله بزعمه!! واستحلال المحرمات بمثل هذا التأويل ليس بقليل، ولذلك كان الإنسان محتاجا أشد الاحتياج إلى العناية الإلهية الخاصة لأجل الاستقامة والسير في تلك الهدايات الأربع سيرا مستقيما يوصل إلى السعادة. لهذا نبهنا الله جل شأنه أن نلجأ إليه، ونسأله الهداية ليكون عونا لنا ينصرنا على أهوائنا وشهواتنا، وأن تكون استعانتنا في ذلك به لا بسواه، بعد أن نبذل ما نستطيع من الفكر والجهاد في معرفة ما أنزل إلينا من الشريعة والأحكام وأخذ أنفسنا بما نعلم من ذلك. وهذا أفضل ما نطلب فيه المعونة منه جل شأنه لاشتماله على خيري الدنيا والآخرة. فهو بهذه الآية يعلمنا كيف نستعين بعد أن علمنا اختصاصه بالاستعانة في قوله: {وإياك نستعين}.
{صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}
قال الأستاذ: الصراط المستقيم: هو الطريق الموصل إلى الحق، ولكنهتعالى ما بينه بذلك كما بينه في نحو سورة العصر وإنما بينه بإضافته إلى من سلك هذا الصراط كما قال في سورة الأنعام: {فبهداهم اقتده} وقد قلنا: إن الفاتحة مشتملة على إجمال ما فصل في القرآن حتى من الأخبار، التي هي مثل الذكرى والاعتبار، وينبوع العظة والاستبصار، وأخبار القرآن كلها تنطوي في إجمال هذه الآية.
(قال): فسر بعضهم المنعم عليهم بالمسلمين، والمغضوب عليهم: باليهود، والضالين بالنصارى، ونحن نقول إن الفاتحة أول سورة نزلت كما قال الإمام علي رضي الله عنه، وهو أعلم بهذا من غيره؛ لأنه تربى في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأول من آمن به، وإن لم تكن أول سورة على الإطلاق فلا خلاف في أنها من أوائل السور (كما مر في المقدمة) ولم يكن المسلمون في أول نزول الوحي بحيث يطلب الاهتداء بهداهم، وما هداهم إلا من الوحي ثم هم المأمورون بأن يسألوا الله أن يهديهم هذه السبيل، سبيل من أنعم الله عليهم من قبلهم، فأولئك غيرهم، وإنما المراد بهذا ما جاء في قولهتعالى: "
{ فبهداهم اقتده } [الأنعام: 90] " وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من الأمم السالفة. فقد أحال على معلوم أجمله في الفاتحة وفصله في سائر القرآن بقدر الحاجة، فثلاثة أرباع القرآن تقريبا قصص. وتوجيه للأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم، في كفرهم وإيمانهم، وشقاوتهم وسعادتهم، ولا شيء يهدي الإنسان كالمثلات والوقائع. فإذا امتثلنا الأمر والإرشاد، ونظرنا في أحوال الأمم السالفة، وأسباب علمهم وجهلهم، وقوتهم وضعفهم، وعزهم وذلهم، وغير ذلك مما يعرض للأمم - كان لهذا النظر أثر في نفوسنا يحملنا على حسن الأسوة والاقتداء بأخبار تلك الأمم فيما كان سبب السعادة والتمكن في الأرض، واجتناب ما كان سبب الشقاوة أو الهلاك والدمار. ومن هنا ينجلي للعاقل شأن علم التاريخ وما فيه من الفوائد والثمرات، وتأخذه الدهشة والحيرة إذا سمع أن كثيرا من رجال الدين من أمة هذا كتابها يعادون التاريخ باسم الدين ويرغبون عنه، ويقولون: إنه لا حاجة إليه ولا فائدة له. وكيف لا يدهش ويحار والقرآن ينادي بأن معرفة أحوال الأمم من أهم ما يدعو إليه هذا الدين؟ { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات } [الرعد: 6].
وهاهنا سؤال وهو: كيف يأمرنا اللهتعالى باتباع صراط من تقدمنا وعندنا أحكام وإرشادات لم تكن عندهم، وبذلك كانت شريعتنا أكمل من شرائعهم، وأصلح لزماننا وما بعده؟ والقرآن يبين لنا الجواب وهو أنه يصرح بأن دين الله في جميع الأمم واحد، وإنما تختلف الأحكام بالفروع التي تختلف باختلاف الزمان، وأما الأصول فلا خلاف فيها. قالتعالى:
{ قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } [آل عمران: 64] الآية، وقالتعالى: { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } [النساء: 163] الآية. فالإيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر، وترك الشر وعمل البر، والتخلق بالأخلاق الفاضلة مستو في الجميع. وقد أمرنا الله بالنظر فيما كانوا عليه والاعتبار بما صاروا إليه: لنقتدي بهم في القيام على أصول الخير. وهو أمر يتضمن الدليل على أن في ذلك الخير والسعادة. على حسب طريقة القرآن في قرن الدليل بالمدلول والعلة بالمعلول، والجمع بين السبب والمسبب. وتفصيل الأحكام التي هذه كلياتها بالإجمال، نعرفه من شرعنا وهدي نبينا عليه الصلاة والسلام ا هـ بتفصيل وإيضاح. وأزيد هنا أن في الإسلام من ضروب الهداية ما قد يعد من الأصول الخاصة بالإسلام، ويرى أنه مما يستدرك على ما قرره الأستاذ الإمام، كبناء العقائد في القرآن على البراهين العقلية والكونية، وبناء الأحكام الأدبية والعملية على قواعد المصالح والمنافع ودفع المضار والمفاسد، وكبيان أن للكون سننا مطردة تجري عليه عوالمه العاقلة وغير العاقلة، وكالحث على النظر في الأكوان، للعلم والمعرفة بما فيها من الحكم والأسرار التي يرتقي بها العقل وتتسع بها أبواب المنافع للإنسان، وكل ذلك مما امتاز به القرآن. والجواب عن هذا أنه تكميل لأصول الدين الثلاثة التي بعث بها كل نبي مرسل لجعل بنائه رصينا مناسبا لارتقاء الإنسان. وأما تلك الأصول وهي: الإيمان الصحيح، وعبادة اللهتعالى وحده، وحسن المعاملة مع الناس، فهي التي لا خلاف فيها.
وأما وصفهتعالى الذين أنعم عليهم بأنهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فالمختار فيه أن المغضوب عليهم هم الذين خرجوا عن الحق بعد علمهم به، والذين بلغهم شرع الله ودينه فرفضوه ولم يتقبلوه، انصرافا عن الدليل، ورضاء بما ورثوه من القيل، ووقوفا عند التقليد، وعكوفا على هوى غير رشيد، وغضب الله يفسرونه بلازمه: وهو العقاب، ووافقهم الأستاذ الإمام، والذي ينطبق على مذهب السلف أن يقال: إنه شأن من شئونهتعالى يترتب عليه عقوبته وانتقامه، وإن الضالين هم الذين لم يعرفوا الحق ألبتة، أو لم يعرفوه على الوجه الصحيح الذي يقرن به العمل كما سيأتي تفصيله. وقرن المعطوف في قوله " {ولا الضالين} بلا لما في " غير " من معنى النفي، أي وغير الضالين، ففيه تأكيد للنفي. وهو يدل على أن الطوائف ثلاث: المنعم عليهم، والمغضوب عليهم، والضالون. ولا شك أن المغضوب عليهم ضالون أيضا لأنهم بنبذهم الحق وراء ظهورهم قد استدبروا الغاية واستقبلوا غير وجهتها، فلا يصلون منها إلى المطلوب، ولا يهتدون فيها إلى مرغوب، ولكن فرقا بين من عرف الحق فأعرض عنه على علم، وبين من لم يظهر له الحق فهو تائه بين الطرق، لا يهتدي إلى الجادة الموصلة منها، وهم من لم تبلغهم الرسالة، أو بلغتهم على وجه لم يتبين لهم فيه الحق. فهؤلاء هم أحق باسم الضالين، فإن الضال حقيقة: هو التائه الواقع في عماية لا يهتدي معها إلى المطلوب، والعماية في الدين: هي الشبهات التي تلبس الحق بالباطل وتشبه الصواب بالخطأ.
الأستاذ الإمام: الضالون على أقسام: - القسم الأول من لم تبلغهم الدعوة إلى الرسالة، أو بلغتهم على وجه لا يسوق إلى النظر. فهؤلاء لم يتوفر لهم من أنواع الهداية سوى ما يحصل بالحس والعقل، وحرموا رشد الدين، فإن لم يضلوا في شئونهم الدنيوية ضلوا لا محالة فيما تطلب به نجاة الأرواح وسعادتها في الحياة الأخرى. على أن من شأن الدين الصحيح أن يفيض على أهله من روح الحياة ما به يسعدون في الدنيا والآخرة معا، فمن حرم الدين حرم السعادتين، وظهر أثر التخبط والاضطراب في أعماله المعاشية، وحل به من الرزايا ما يتبع الضلال والخبط عادة، سنة الله في هذا العالم ولن تجد لسنته تبديلا. أما أمرهم في الآخرة فعلى أنهم لن يساووا المهتدين في منازلهم، وقد يعفو الله عنهم وهو الفعال لما يريد.
وأزيد في إيضاح كلام الأستاذ: أن الذين حرموا هداية الدين لا يعقل أن يؤاخذوا في الآخرة على ترك شيء مما لا يعرف إلا بهذه الهداية. وهذا هو معنى كونهم غير مكلفين، وعليه جمهور المتكلمين لقولهتعالى في سورة الإسراء
{ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } [الإسراء: 15] ومن قال: إنهم مكلفون بالعقل لا يظهر وجه لقوله إلا إذا أراد أن حالهم في الآخرة تكون على حسب ارتقاء أرواحهم بهداية العقل وسلامة الفطرة، إذ لا شك أن من لم يبعث فيهم رسول يتفاوتون في إدراكهم وأعمالهم بتفاوت استعدادهم الفطري وما يصادفون من حسن التربية وقبحها. وبهذا يجمع بين القولين في تكليفهم وعدمه أو يفصل بينها. وما يعطيهم اللهتعالى إياه في الآخرة على حسب حالهم في الخير والشر والفضيلة والرزيلة - يكون جزاء عادلا على أعمالهم الاختيارية ويزيدهم من فضله إن شاء وسأفصل هذا المعنى في تفسير الآيات المنزلة فيه إن شاء اللهتعالى. وأعود الآن إلى إتمام سياق الأستاذ، قال:
القسم الثاني: من بلغته الدعوة على وجه يبعث على النظر، فساق همته إليه، واستفرغ جهده فيه، ولكن لم يوفق إلى الإيمان بما دعي إليه، وانقضى عمره وهو في الطلب، وهذا القسم لا يكون إلا أفرادا متفرقة في الأمم، ولا يعم حاله شعبا من الشعوب، فلا يظهر له أثر في أحوالها العامة، وما يكون لها من سعادة وشقاء في حياتها الدنيا أما صاحب هذه الحالة فقد ذهب بعض الأشاعرة إلى أنه ممن ترجى له رحمة اللهتعالى، وينقل صاحب هذا الرأي مثله عن أبي الحسن الأشعري وأما على رأي الجمهور فلا ريب أن مؤاخذته أخف من مؤاخذة الجاحد الذي أنكر التنزيل، واستعصى على الدليل، وكفر بنعمة العقل، ورضي بحظه من الجهل.
القسم الثالث: من بلغتهم الرسالة وصدقوا بها، بدون نظر في أدلتها ولا وقوف على أصولها، فاتبعوا أهواءهم في فهم ما جاءت به من أصول العقائد، وهؤلاء هم المبتدعة في كل دين، ومنهم المبتدعون في دين الإسلام، وهم المنحرفون في اعتقادهم عما تدل عليه جملة القرآن وما كان عليه السلف الصالح وأهل الصدر الأول، ففرقوا الأمة إلى مشارب، يغص بمائها الوارد، ولا يرتوي منها الشارب، قال: وإني أشير إلى طرف من آثارهم في الناس: يأتي الرجل إلى دوائر القضاء فيستحلف بالله العلي العظيم، أو بالمصحف الكريم وهو كلام الله القديم، - أنه ما فعل كذا، فيحلف وعلامة الكذب بادية على وجهه، فيأتيه المستحلف من طريق آخر ويحمله على الحلف بشيخ من المشايخ الذين يعتقد لهم الولاية، فيتغير لونه، وتضطرب أركانه، ثم يرجع في أليته ويقول الحق، ويقر بأنه فعل ما حلف أولا أنه لم يفعله، تكريما لاسم ذلك الشيخ، وخوفا منه أن يسلب عنه نعمة أو يحل به نقمة إذا حلف باسمه كاذبا. فهذا ضلال في أصول العقيدة، يرجع إلى الضلال في الإيمان باللهتعالى وما يجب له من الوحدانية في الأفعال، ولو أردنا أن نسرد ما وقع فيه المسلمون من الضلال في العقائد الأصلية بسبب البدع التي عرضت على دين الإسلام لطال المقال، واحتيج إلى وضع مجلدات في وجوه الضلال، ومن أشنعها أثرا، وأشدها ضررا، خوض رؤساء الفرق منهم في مسائل القضاء والقدر، والاختيار والجبر، وتحقيق الوعد والوعيد، وتهوين مخالفة الله على نفوس العبيد.
إذا وزنا ما في أدمغتنا من الاعتقادات بكتاب اللهتعالى من غير أن ندخلها أولا فيه يظهر لنا كوننا مهتدين أو ضالين. وأما إذا أدخلنا ما في أدمغتنا في القرآن وحشرناها فيه أولا فلا يمكننا أن نعرف الهداية من الضلال لاختلاط الموزون بالميزان. فلا يدرى ما هو الموزون من الموزون به - أريد أن يكون القرآن أصلا تحمل عليه المذاهب والآراء في الدين لا أن تكون المذاهب أصلا والقرآن هو الذي يحمل عليها، ويرجع بالتأويل أو التحريف إليها، كما جرى عليه المخذولون، وتاه فيه الضالون.
القسم الرابع: ضلال في الأعمال، وتحريف للأحكام عما وضعت له، كالخطأ في فهم معنى الصلاة والصيام وجميع العبادات، والخطأ في فهم الأحكام التي جاءت في المعاملات، ولنضرب لذلك مثلا: الاحتيال في الزكاة بتحويل المال إلى ملك الغير قبل حلول الحول ثم استرداده بعد مضي قليل من الحول الثاني، حتى لا تجب الزكاة فيه، ويظن المحتال أنه بحيلته قد خلص من أداء الفريضة، ونجا من غضب من لا تخفى عليه خافية، ولا يعلم أنه بذلك قد هدم ركنا من أهم أركان دينه، وجاء بعمل من يعتقد أن الله قد فرض فرضا وشرع بجانب ذلك الفرض ما يذهب به ويمحو أثره، وهو محال عليه جل شأنه.
ثلاثة أقسام من هذا الضلال أولها وثالثها ورابعها يظهر أثرها في الأمم فتختل قوى الإدراك فيها، وتفسد الأخلاق، وتضطرب الأعمال، ويحل بها الشقاء، عقوبة من الله لا بد من نزولها بهم، سنة الله في خلقه ولن تجد لسنته تحويلا. ويعد حلول الضعف ونزول البلاء بأمة من الأمم من العلامات والدلائل على غضب اللهتعالى عليها لما أحدثته في عقائدها وأعمالها مما لا يخالف سننه، ولا يتبع فيه سننه. لهذا علمنا اللهتعالى كيف ندعوه بأن يهدينا طريق الذين ظهرت نعمته عليهم بالوقوف عند حدوده، وتقويم العقول والأعمال بفهم ما هدانا إليه، وأن يجنبنا طرق أولئك الذين ظهرت فيهم آثار نقمه بالانحراف عن شرائعه، سواء كان ذلك عمدا وعنادا، أو غواية وجهلا.
إذا ضلت الأمة سبيل الحق ولعب الباطل بأهوائها، ففسدت أخلاقها واعتلت أعمالها، وقعت في الشقاء لا محالة، وسلط الله عليها من يستذلها ويستأثر بشئونها ولا يؤخر لها العذاب إلى يوم الحساب، وإن كانت ستلاقي نصيبها منه أيضا، فإذا تمادى بها الغي وصل بها إلى الهلاك، ومحا أثرها من الوجود، هكذا علمنا اللهتعالى كيف ننظر في أحوال من سبقنا، ومن بقيت آثارهم بين أيدينا من الأمم، لنعتبر ونميز بين ما به تسعد الأقوام وما به تشقى. أما في الأفراد فلم تجر سنة الله بلزوم العقوبة لكل ضال في هذه الحياة الدنيا، فقد يستدرج الضال من حيث لا يعلم، ويدركه الموت قبل أن تزول النعمة عنه، وإنما يلقى جزاءه
{ يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله } [الإنفطار: 19] ا هـ.
فوائد في تفسير الفاتحة
كان غرضنا الأول من كتابة تفسير الفاتحة ونشره في المنار هو بيان ما نستفيده من دروس شيخنا الأستاذ الإمام، مع شيء مما يفتح الله به علينا بالاختصار، فلذلك اختصرنا فيما كتبناه أولا، ثم لما طبعنا تفسير الفاتحة على حدته مرة ثانية زدنا فيه بعض زيادات، وكان بدا لنا أن نجعل هذا التفسير مطولا مستوفى. ولهذا زدنا في تفسير الفاتحة هنا زيادات كثيرة كما نبهنا على ذلك في المقدمة. وبعد الفراغ من طبعه رأينا أن نعززه بالفوائد الآتية:
حكمة إيثار ذكر الربوبية والرحمة في أول الفاتحة على سائر الصفات
قد علمت أن اسم الجلالة (الله) هو اسم الذات الجامع لمعاني الصفات العليا، وسائر الأسماء الحسنى، والأصول من هذه الأسماء والصفات التي ترجع إليها غيرها، وتعود إليها معانيها ولو بطريق اللزوم أربعة: اثنان منها ذاتيان وهما {الحي القيوم} والاثنان الآخران: فعليان وهما الرب والرحمن الرحيم، وبتعبير أظهر أو أصح اثنان منهما لا يتعلقان بتدبير الخلق، واثنان يتعلقان به، فالحي ذو الحياة وهي بأعم معانيها الصفة الوجودية التي هي الأصل في معقولنا لجميع صفات الكمال في الوجود من صفات ذات وصفات أفعال كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، وهي الصفات التي يسميها علماء الكلام صفات المعاني. ويجعلون عليها مدار معرفة اللهتعالى مع الصفات السلبية التي يراد بها تنزيهه سبحانه وتعالى عما لا يليق من النقص ومشابهة الخلق كالرحمة والحلم والغضب والعدل والعزة والخالقية والرازقية إلخ، وكمال الحياة يستلزم الاتصاف بهذه الصفات وبغيرها من صفات الكمال.
والحياة في الخلق قسمان: حسية ومعنوية، فالأولى: الحياة النباتية، والحياة الحيوانية، ولكل منها صفات لازمة لها أعلاها في الحياة الثانية حياة الإنسان التي من خواصها العلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام وغير ذلك مما يفقده بالموت. والثانية الحياة العقلية والعلمية والروحية الدينية. ومن الشواهد القرآنية على هذه الحياة قولهتعالى:
{ لينذر من كان حيا } [يس: 70] وقوله: { استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } [الأنفال: 28] وكمال هذه الحياة للبشر لا يكون إلا في الآخرة وإنما يكون الاستعداد له في الدنيا بتزكية النفس بالعلم والعمل.
وحياة الخالقتعالى أعلى وأكمل من حياة جميع خلقه من الجن والإنس والملائكة وهي لا تشبهها
{ ليس كمثله شيء } [الشورى: 11]. وإنما نفهم من إطلاقها اللغوي مع التنزيه أنها الصفة الذاتية الواجبة الأزلية الأبدية التي يلزمها اتصافه بما وصف به نفسه من صفات الكمال، بدونها، فهي لا يتوقف تعقلها على غيرها من الصفات، ويتوقف تعقل جميع الصفات عليها، وعبر عنها بعضهم بأنها تصحح له الاتصاف بصفات المعاني.
وأما " القيوم " فأحسن ما قيل في تفسيرها في معجم (لسان العرب) وهو القائم (أي الثابت المتحقق) بنفسه مطلقا لا بغيره وهو مع ذلك يقوم به كل موجود حتى لا يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إلا به اهـ. وسبقه إلى مثله غيره. وقولهم: " القائم بنفسه " بمعنى قول المتكلمين " واجب الوجود " أي الذي وجوده ثابت لذاته غير مستمد من وجود آخر فهو يستلزم القدم الذي لا أول له، والبقاء الذي لا آخر له
{ هو الأول والآخر } [الحديد: 3] وقولهم: الذي يقوم به كل موجود، معناه أنه لا وجود لشيء غيره ابتداء ولا بقاء إلا به، فكل وجود سواه مستمد منه وباق ببقائه إياه { إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده } [فاطر: 41] ومن كان هذا وصفه كان بالضرورة قادرا مريدا عليما حكيما، فإذا كانت الحياة تصحح لصاحبها الاتصاف بهذه الصفات وغيرها وتدل عليها بقيد الكمال دلالة التزام، فالقيومية تدل عليها دلالة بغير قيد.
ولجمع هذين الاسمين الكريمين هذه المعاني وغيرها من معاني الكمال الأعلى كان القول بأنهما مع اسم الجلالة - ما يعبر عنه بالاسم الأعظم - هو القول الراجح المختار عندنا، وإنما فسرنا الاسمين الكريمين هنا وذكرهما استطرادي لا يدخل في تفسير الفاتحة؛ لأن أكثر القراء لا يفهم معانيهما التي يدل عليها لفظهما بطرق الدلالة الثلاث: المطابقة والتضمن والالتزام.
وأما صفتا الربوبية والرحمة فهما الصفتان الدالتان على أن اللهتعالى هو المالك المدبر لأمور العالم كلها، وعلى أن رحمتهتعالى تغلب غضبه، وإحسانه الذي هو أثر رحمته يغلب انتقامه، ومعنى الانتقام لغة: الجزاء على السيئات، فإذا كان جزاء على السيئة بمثلها كان انتقام حق وعدل، وإن كان بأكثر من ذلك كان انتقام باطل وجور، واللهتعالى منزه عن الباطل والجور
{ ولا يظلم ربك أحدا } [الكهف: 49] بل يتجاوز عن بعض السيئات، ويضاعف جزاء الحسنات { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون } [الفرقان: 42]، { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } [الروم: 42]، { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } [النساء: 40] والآيات في الجزاء على السيئة بمثلها وعلى الحسنة بعشر أمثالها معروفة، وكذا آية المضاعفة سبعمائة ضعف وما شاء اللهتعالى.
فمن شأن الرب المالك للعباد المدبر لأمورهم المربي لهم أن يجازي كل عامل بعمله، وينتقم للمظلوم من ظالمه، والجزاء بالعدل مخيف لأكثر الناس بل لجميع الناس، فإنه ما من أحد إلا ويقصر فيما يجب عليه لربه ولنفسه ولأهله ولولده بله من دونهم حقا عليه ومكانة عنده، ومن حقهم أن يغلب الخوف على الرجاء في قلوبهم، ولذلك قرن سبحانه صفة الربوبية بصفة الرحمة، وعبر عنها باسمين لا باسم واحد: اسم الرحمن الدال على منتهى الكمال في اتصافه بها، واسم الرحيم الدال على أنها من الصفات النفسية المعنوية مع تعلقها بالحق تعلقا تنجيزيا كقولهتعالى:
{ إن الله كان بكم رحيما } [النساء: 29]، { وكان بالمؤمنين رحيما } [الأحزاب: 34] وبهذا التفسير ضممنا في التفرقة بين الاسمين ما قاله المحقق ابن القيم إلى ما قاله شيخنا رحمهما الله.
وأما دلالة صفتي الربوبية والرحمة على جميع معاني صفات الأفعال الإلهية فظاهر؛ فإن رب العباد هو الذي يسدي إليهم كل ما يتعلق بخلقهم ورزقهم وتدبير شئونهم من فعل دلت عليه أسماؤه الحسنى كالخالق البارئ المصور القهار الوهاب الرزاق الفتاح القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم الرقيب المقيت الباعث الشهيد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت المقدم المؤخر المغني المانع الضار النافع وأمثالها. والرحمن في ذاته الرحيم بعباده لا بد أن يكون توابا غفورا عفوا رءوفا شكورا حليما وهابا. إذا علمنا هذا تجلت لنا حكمة وصف اللهتعالى في أول فاتحة الكتاب العزيز بالربوبية والرحمة الدالتين على جميع صفات الأفعال دون الحياة والقيومية الدالتين على صفات الذات وغيرها، وهي - والله أعلم بمراده - أن الفاتحة ينظر فيها من وجهين (أحدهما): ما دل عليه اسمها هذا؛ أعني كونها فاتحة ومبدأ للقرآن (وثانيهما): أنها قد شرعت للقراءة في الصلوات كل يوم، وكل منهما يناسبه البدء بذكر ربوبية الله ورحمته.
ذلك بأن القرآن كما قال الله في أول سورة البقرة
{ هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة } [البقرة: 2 - 3] إلخ. الآيات. فهم الذين يتلونه حق تلاوته، وهم الذين يتدبرونه ويتعظون به، وهم { الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون } [الأنبياء: 49] فالمناسب في حقهم أن تكون السورة الأولى وهي المثاني التي يثنونها دائما في صلاتهم وفي بدء أورادهم القرآنية المسماة بالختمات مبدوءة بذكر الصفتين الجامعتين لمعاني الصفات التي تتعلق بتدبير الله سبحانه لشئونهم، وبعدله في الحكم بينهم فيما يختصمون فيه، وبمجازاتهم على أعمالهم، وبرحمته لهم وإحسانه إليهم الدالتين على ما يجب عليهم من شكره وتخصيصه بالعبادة والاستعانة، والتوجه إليه في طلب كمال الهداية، وهاتان الصفتان هما الربوبية والرحمة. فبدء فاتحة القرآن بذكرهما في البسملة ثم أثناء السورة مرشد لما ذكر، مذكر للمصلي وللتالي به. وكذا بدء كل سورة بالبسملة التي لم يوصف اسم الذات (الله) فيها بغير الرحمة الكاملة الشاملة، هو إعلام منه سبحانه بأنه أنزله رحمة للعالمين، كما قال مخاطبا لمن أنزله عليه: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } [الأنبياء: 107] ولذلك لم تنزل البسملة في أول سورة التوبة التي فضحت آياتها المنافقين، وبدئت بنبذ عهود المشركين، وشرع فيها القتال بصفة أعم مما أنزله فيما قبلها من أحكامه.
وهذا الذي شرحناه يفند زعم بعض المتعصبين الغلاة في ذم الإسلام بالهوى الباطل أن رب المسلمين رب غضوب منتقم قهار، ودينهم دين رعب وخوف، بخلاف دين النصرانية الذي يسمي الرب أبا للإعلام بأنه يعامل عباده كمعاملة الأب لأولاده، وقد أشار شيخنا إلى هذا الزعم وفنده في تفسير اسم الرب. وسنذكر في فائدة أخرى المقابلة بين صلاة المسلمين بقراءة الفاتحة وصلاة النصارى بالصيغة المعروفة عندهم بالصلاة الربانية، وثبت في الحديث الصحيح أن الرب أرحم بعباده من الأم بولدها الرضيع، وأن جميع ما أودعه في قلوب خلقه من الرحمة جزء من مائة جزء من رحمته تبارك وتعالى، ويجد القارئ تفصيل القول في سعة الرحمة الإلهية في تفسير قوله - عز وجل -:
{ ورحمتي وسعت كل شيء } [الأعراف: 156] من سورة الأعراف.
تفسير صفة الرحمة على مذهب السلف
ما نقلناه عن شيخنا في معنى الرحمة. تبع فيه متكلمي الأشاعرة والمعتزلة ومفسريهم كالزمخشري والبيضاوي ذهولا. ومحصله أن الرحمة ليست من صفات الذات أو صفات المعاني القائمة بذاتهتعالى لاستحالة معناها اللغوي عليه فيجب تأويلها بلازمها وهو الإحسان فتكون من صفات الأفعال كالخالق الرزاق. وقال بعضهم: يمكن تأويلها بإرادة الإحسان فترجع إلى صفة الإرادة فلا تكون صفة مستقلة. وهذا القول من فلسفة المتكلمين الباطلة المخالفة لهدي السلف الصالح. والتحقيق: أن صفة الرحمة كصفة العلم والإرادة والقدرة وسائر ما يسميه الأشاعرة صفات المعاني ويقولون إنها صفات قائمة بذاتهتعالى خلافا للمعتزلة. فإن معاني هذه الصفات كلها بحسب مدلولها اللغوي واستعمالها في البشر محال على اللهتعالى إذ العلم بحسب مدلوله اللغوي هو صورة المعلومات في الذهن، التي استفادها من إدراك الحواس أو من الفكر، وهي بهذا المعنى محال على اللهتعالى، فإن علمهتعالى قديم بقدمه غير عرض منتزع من صور المعلومات. وكذلك يقال في سمعهتعالى وبصره وقد عدوهما من صفات المعاني القائمة بنفسه، والرحمة مثلها في هذا.
فقاعدة السلف في جميع الصفات التي وصف اللهتعالى بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله أن نثبتها له ونمرها كما جاءت مع التنزيه عن صفات الخلق الثابت عقلا ونقلا بقوله - عز وجل -
{ ليس كمثله شيء } [الشورى: 11] فنقول: إن لله علما حقيقيا هو وصف له، ولكنه لا يشبه علمنا، وإن له سمعا حقيقيا هو وصف له لا يشبه سمعنا، وإن له رحمة حقيقية هي وصف له لا تشبه رحمتنا التي هي انفعال في النفس، وهكذا نقول في سائر صفاتهتعالى فنجمع بذلك بين النقل والعقل، وأما التحكم بتأويل بعض الصفات وجعل إطلاقها من المجاز المرسل. أو الاستعارة التمثيلية كما قالوا في الرحمة والغضب وأمثالهما دون العلم والسمع والبصر وأمثالهما، فهو تحكم في صفات الله وإلحاد فيها، فأما أن تجعل كلها من باب الحقيقية مع الاعتراف بالعجز عن إدراك كنه هذه الحقيقة والاكتفاء بالإيمان بمعنى الصفة العامة مع التنويه عن التشبيه، وإما أن تجعل كلها من باب المجاز اللغوي باعتبار أن واضع اللغة وضع هذه الألفاظ لصفات المخلوقين فاستعملها الشرع في الصفات الإلهية المناسبة لها مع العلم بعدم شبهها بها من باب التجوز.
وقد عبر الشيخ أبو حامد الغزاليرحمه اللهتعالى عن هذا المعنى أفصح تعبير، فقال في كتاب الشكر من الإحياء: إن الله - عز وجل - في جلاله وكبريائه صفة يصدر عنها الخلق والاختراع وتلك الصفة أعلى وأجل من أن تلمحها عين واضع اللغة حتى تعبر عنها بعبارة تدل على كنه جلالها وخصوص حقيقتها، فلم يكن لها في العالم عبارة لعلو شأنها وانحطاط رتبة واضعي اللغات عن أن يمتد طرف فهمهم إلى مبادئ إشراقها، فانخفضت عن ذروتها أبصارهم كما تنخفض أبصار الخفافيش عن نور الشمس، لا لغموض في نور الشمس، ولكن لضعف أبصار الخفافيش، فاضطر الذين فتحت أبصارهم لملاحظة جلالها إلى أن يستعيروا من حضيض عالم المتناطقين باللغات عبارة تفهم من مبادئ حقائقها شيئا ضعيفا جدا، فاستعاروا لها اسم القدرة فتجاسرنا بسبب استعارتهم على النطق فقلنا: إن للهتعالى صفة هي القدرة، عنها يصدر الخلق والاختراع اهـ.
وقد رجع الإمام أبو الحسن الأشعري شيخ المتكلمين والنظار إلى مذهب السلف في نهاية أمره، وصرح في آخر كتبه وهو (الإبانة) بذلك، وأنه متبع للإمام أحمد بن حنبل شيخ السنة والمدافع عنها رحمهم الله أجمعين.
معارضة نصرانية سخيفة، للفاتحة الشريفة
عرف كل من ذاق طعم البلاغة العربية من مؤمن وكافر أن القرآن أبلغ الكلام وأفصحه، لم يكابر في ذلك مكابر، ولم يجادل فيه مجادل، وأن الفاتحة من أعلاه فصاحة وبلاغة وجمعا للمعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة، واشتمالا على مهمات الدين من صفات الله التي تجذب قلب من تدبرها إلى حبه، وتنطق لسانه بحمده، وتعلي همته بتوحيده. وتهذب نفسه بمعاني أسمائه وصفاته، وإحاطة ربوبيته وملكه، وتذكره يوم الدين الذي يجزى فيه على عمله، وتوجه وجهه إلى السير على الصراط المستقيم في خاصة نفسه، وفي معاملة الله ومعاملة خلقه، وتذكره بالقدوة الصالحة في ذلك بإضافة الصراط الذي يتحرى الاستقامة عليه، ويسأل الله توفيقه دائما له، إلى من أسبغ الله عليهم نعمه، ومنحهم رضوانه، وجعلهم هداة خلقه بأقوالهم، وأسوتهم الحسنة في أفعالهم، ومثل الكمال في آدابهم وأخلاقهم، من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، وتحذره من شرار الخلق الذين يؤثرون الباطل على الحق، ويفضلون الشر على الخير، على علم منهم بذلك. وهم المغضوب عليهم - أو على جهل به كالذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وهم الضالون. وهذا التحذير يتضمن حث المسلم المتعبد بالفاتحة المكرر لها في صلاته على العناية بتكميل نفسه بتحري التزام الحق وعمل الخير، بأحكام العلم وتربية النفس والتمرن على العمل الصالح.
هذه السورة الجليلة التي ذكرناك أيها القارئ بمجمل مما فصلناه في تفسيرها يزعم أحد دعاة النصرانية في هذا العصر أنها بمعزل من البلاغة بأن ما بعد الصراط المستقيم فيها " حشو وتحصيل حاصل " وما قبله يمكن اختصاره بما لا يضيع شيئا من معناه، كما فعله بعضهم، قال هذا القول داعية من المبشرين المأجورين من قبل جمعيات التبشير الإنكليزية والأميركانية في كتاب لفقه في إبطال إعجاز القرآن بزعمه، بل أنكر بلاغته من أصلها؛ قال:
" وما أحسن قول بعضهم أنه لو قال: الحمد للرحمن، رب الأكوان، الملك الديان، لك العبادة وبك المستعان، اهدنا صراط الإيمان، لأوجز وجمع كل المعنى وتخلص من ضعف التأليف والحشو والخروج عن الرديء كما بين الرحيم ونستعين " أ هـ.
أقول لقد كان خيرا لهذا المتعصب المأجور لإضلال عوام المسلمين على شرط ألا يذكر اسمه في كتيبه، ولا يفضح نفسه بين قومه، أن يختصر لمستأجريه آلهتهم وكتبهم التي صدت جميع مستقلي الفكر من أقوامهم وشعوبهم عن دينهم بل صدت بعضهم عن كل دين، فإن اختصار الدراري السبع في السماء، أهون من اختصار آيات الفاتحة السبع في الأرض. وحسب العالم من فضيحته إيراد سخافته هذه وتشهيره بها لو كان حيا يمشي بين الناس.
وأما العامي الجاهل، الذي قد يغتر بقول كل قائل، ولا سيما إذا كان في الطعن بغير دينه، فربما يحتاج إلى التنبيه لبعض فضائح هذا الاختصار، وإن كانت لا تخفى على أولي الأبصار ونكتفي منه بما يلي:
1- إن أول شيء اختصره هذا الجاهل المتعصب وجعل ذكره مطعنا في فاتحة القرآن اسم الجلالة الأعظم (الله) الذي لا يغني عنه سرد جميع أسماء الله الحسنى! فإنه هو اسم الذات الملاحظ معه اتصاف تلك الذات بجميع صفات الكمال إجمالا.
2- أنه اختصر اسم الرحيم وقد بينا فائدته وأن اسم الرحمن لا يغني عنه، وأنى لمثله أن يعلمه؟ ويراجع الفرق بينهما فيما تقدم.
3- أنه استبدل الأكوان بالعالمين وليس في هذا اختصار، وإنما فيه استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير وأولى، فإن الأكوان جمع كون، وهو في الأصل مصدر لا يجمع، وله معان لا يصح إضافة اسم الرب إليها، منها الحدث والصيرورة والكفالة، ويطلقه عرب الجزيرة على الحرب لعلهم لا يستعملونه في غيرها، وأما العالمون فجمع عالم، وفي اشتقاقه التذكير بكونه علامة ودليلا على وجود خالقه، وفي جمعه جمع العقلاء تذكير للقارئ بما في كلمة رب من معنى تربيته جل جلاله وعم نواله للأحياء ولا سيما الناس، وكونهم يشكرونه عليها بقدر استعمال عقولهم، ولذلك قال بعض الأعلام: إن لفظ العالمين عام مستعمل هنا في الخاص، وهو عالم البشر، وراجع سائر تفسيره المتقدم.
4- أنه استبدل كلمة (الديان) بكلمة {يوم الدين} وهي لا تقوم مقامها، ولا تفيد ما فيها من المعاني المطلوبة لذاتها، فإن للديان في اللغة معاني منها القاضي والحاسب أو المحاسب والقاهر. وغاية ما يفيده وصف الرب بأنه حاكم يدين عباده ويجزيهم. وأما يوم الدين: فإنه اسم ليوم معين موصوف في كتاب الله بأوصاف عظيمة هائلة، يحاسب الله فيه الخلائق ويحكم بينهم ويجزيهم، والإيمان بهذا اليوم ركن من أركان الدين، وإضافة ملك ومالك إليه تفيد أن الأمر كله في ذلك اليوم له وحده فلا يملك أحد لأحد فيه شيئا من نفع ولا من كشف ضر كما تقدم تفصيله في تفسير الآية - فاستحضار هذه المعاني في النفس له من التأثير المقوي لعقيدة التوحيد المرغب في العمل الصالح المرهب الزاخر عن الشر، ما ليس لاسم الديان وحده، ويكفي الإنسان في الجزم بهذا مشاورة فكره، ومراجعة وجدانه، وإن لم يكن يعلم من فنون البلاغة شيئا، وهل لهذا المبشر المتعصب فكر ووجدان يهديانه إلى ما يجهل من بلاغة القرآن؟
5و6- أنه اختصر قولهتعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} بقوله هو: لك العبادة وبك المستعان. وهو أغرب ما جاء به وسماه إيجازا، فإنه استبدل أربعا بأربع، ولكنها أطول منها بزيادة حرف، وتنقص عنها في المعنى، فأين الإيجاز؟ إنه مفقود لفظا ومعنى.
إذا أراد بقوله: لك العبادة - أنها كلها لهتعالى في الواقع ونفس الأمر، فالجملة غير صحيحة؛ لأن الذين لا يعبدونه وحده من البشر هم الأكثرون. ومنهم النصارى قوم الطاعن في دين التوحيد وكتاب التوحيد الأعظم (القرآن) المبدلين لآية التوحيد البليغة. وإن أراد أن العبادة مستحقة للهتعالى وحده فالمعنى صحيح، لكنه لا يدل على أن القارئ، ولا واضع الجملة من القائمين بهذا الحق لهتعالى. وأما " إياك نعبد " فإنها تفيد عرض عبادة القارئ مع عبادة جميع المؤمنين الموحدين عليه جل جلاله، وتقربهم إليه بأنهم يعبدونه ولا يعبدون غيره.
وأحيلك في الفرق بين تأثير هذا وذاك على الوجدان الذي ذكرتك به في النقد الذي قبله، دع ما في عرض المؤمن عبادته واستعانته على ربه في ضمن عبادة جميع المؤمنين واستعانتهم من ملاحظة أخوة الإيمان وتكافل أهله، ومن هضم الفرد لنفسه، ورجاء القبول في ضمن الجماعة، وغير ذلك مما يعلم من تفسير الآية.
ومثل هذا يقال في مسألة الاستعانة، ويمكن الزيادة عليه من جهة المعنى ومن جهة اللفظ، ومنه اختياره المصدر الميمي الذي هو صيغة اسم المفعول (المستعان) على المصدر الأصلي وهو الاستعانة المناسب للفظ العبادة، ومن جهة ارتباطه بما بعده، فإن طلبنا للهداية من الاستعانة التي أسندناها إلى أنفسنا.
7- استبداله " صراط الإيمان " بالصراط المستقيم، وهذا أعم منه وأشمل؛ لأنه يشمل الإيمان والإسلام والإحسان، من العقائد والعبادات والآداب، مع وصفه بالمستقيم الذي لا عوج فيه. فإن بعض الطرق الموصلة إلى المقاصد التي يسمى سالكها مهتديا إلى مقصده في الجملة، قد يكون فيها عوج يعوق هذا السالك، والمستقيم هو أقرب موصل بين طرفين فسالكه يصل إلى مقصده في أسرع وقت، كذلك الطرق المعنوية، منها الموصل إلى الغاية وغير الموصل، ومن الموصل ما يوصل بسرعة لعدم العائق، وما يعتري سالكه الموانع واقتحام لعقبات واتقاء العثرات.
8- أن وصف الصراط المستقيم بكونه الصراط الذي سلكه خيار عباد الله المفلحين، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، مذكر لقارئه بأولئك الأئمة الوارثين، الذين يجب التأسي بهم، والسعي للانتظام في سلكهم، والتصريح بكونه غير صراط المغضوب عليهم من المعاندين للحق، وغير الضالين الزائغين عن القصد، مذكر للقارئ بوجوب اجتناب سبلهم، لئلا يتردى في هاويتهم.
أين من هذه المقاصد السامية الهادية إلى تزكية النفس وإعدادها لسعادتي الدنيا والآخرة، صيغة الصلاة في ملة هذا المختصر المستأجر، وهي كما في إنجيل متى "أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفافنا أعطنا اليوم، واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، ولكن نجنا من الشرير آمين" [6: 9 - 13] أهـ. زاد في نسخة الأميركان: {لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد} وجعلوا هذه الزيادة بين علامتي الكلام الدخيل هكذا ( ) فمن ذا الذي زادها على كلام المسيح؟
وقد يقول لهم من لا يؤمن بأن هذه الصيغة منقولة نقلا صحيحا عن المسيح - عليه السلام -، أو من لا يؤمن به نفسه: إنها صلاة ليس فيها من الثناء على اللهتعالى ما في فاتحة المسلمين ولا بعضه، وطلب تقديس اسم الأب وإتيان ملكوته تحصيل حاصل، فهو لغو لا يليق بالعاقل، وذكره بصيغة الأمر باللام غير لائق - إن لم نقل في انتقاده ما هو أشد من ذلك - وأبعد من ذلك عن اللياقة والأدب مع الرب تبارك وتعالى طلب كون مشيئته على الأرض كمشيئته في السماء. وكونها بصيغة الأمر باللام أيضا، فمشيئتهتعالى نافذة في جميع خلقه من سمائه وأرضه بالضرورة، فلا معنى لطلبها، وطلب المساواة بين السماء والأرض فيها إن أريد به من كل وجه، فهو تحكم لا يخفى ما يترتب عليه.
وأما طلب الخبز الكفاف في كل يوم بصيغة الحصر فهو يفيد أن كل همهم وكل مطلبهم من ربهم ولو لدنياهم هو الخبز الذي يكفيهم، فأين هذا المطلب من طلب الهداية إلى الصراط المستقيم الموصل إلى سعادتي الدنيا والآخرة على أكمل وجه، لكونه نفس صراط خيار الناس دون شرارهم.
وأما مطلب المغفرة - فهو على كونه يليق أن يطلب منهتعالى - ينتقد منه تشبيهها بمغفرة الطالب للمذنب المسيء إليه من وجهين: (أحدهما) أن مغفرة الله لعبده أجل وأعظم وأعم من مغفرة العبد لمثله. (ثانيهما) أن الذي يغفر لجميع المسيئين إليه نادر، ومن المشاهد أن أكثر الناس يجزون على السيئة إما بمثلها، وإما بأكثر منها، فكيف يكلف هؤلاء بمخاطبة ربهم بالكذب عليه، الذي حاصله أنهم يطلبون ألا يغفر لهم، لأنهم لا يغفرون للمسيئين إليهم.
قد يقولون: نعم نحن نلتزم هذا؛ لأن ديننا يوجب علينا أن نغفر لجميع من أذنب وأساء إلينا، ونعتقد أن ربنا لا يغفر لنا إذا لم نغفر لهم؛ لأن من علمنا هذه الصلاة قال بعدها: (متي 6: فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضا أبوكم السماوي، وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضا زلاتكم).
فنقول: هذا التعبير يدل على وجوب مغفرة جميع الذنوب لجميع الناس عامة كانت أو خاصة، فأين منكم يا معشر النصارى من يفعل ذلك؟ وهل يوجد في الألف أو الألوف منكم واحد كذلك؟ ألسنا نرى أكثركم ومن تعدونهم أرقاكم وتفتخرون بهم كالإفرنج لا يغفرون لأحد أدنى زلة، بل لا يكتفون بعقاب من يسئ إلى أحد منهم إذا كان من غيرهم بمثل ذنبه، وإنما يضاعفون له العقاب أضعافا، بل ينتقمون من أمته كلها إذا كانت ضعيفة لا يمكنها أن تصدهم بالقوة، فهم لا يمنعهم من الجزاء على السيئة بأضعافها من السيئات ولا من ابتداء الظلم والعدوان إلا العجز.
وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، والبسملة منها
في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة أحاديث قولية صحيحة صريحة، وجرى عليها العمل من أول الإسلام إلى اليوم، وإن تنازع بعض أهل الخلاف والجدل في تسمية هذا الواجب فرضا وعده شرطا، وأصح ما ورد وأصرحه فيه ما رواه الجماعة كلهم من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وفي لفظ رواه الدارقطني بإسناد صحيح "لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وهو تفسير للفظ الجماعة، فإن نفي الصلاة فيه نفي صحتها ووجهه: أن الحقيقة المؤلفة من عدة أركان ذاتية تنتفي بانتفاء ركن منها، كقولك: لا وضوء لمن لم يغسل يديه إلى المرفقين، وقد أجمع المسلمون على العمل بهذا، فلم يصل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا خلفاؤه وأصحابه ولا التابعون ولا غيرهم من الخلفاء وأئمة العلم صلاة بدون قراءة الفاتحة فيها، وإنما بحث الحنفية في تسمية قراءتها فرضا وعدها ركنا بناء على اصطلاحات لهم ردها الجمهور بأدلة صحيحة لا محل لتلخيصها هنا وأجابوا عن شبهاتهم النقلية بأجوبة سديدة، وأقواها قوله - صلى الله عليه وسلم - للمسيء صلاته: " ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن " قالوا في الجواب عنه: إنه ثبت رواية أخرى أنه قال له: " ثم اقرأ بأم القرآن " فهذا مفسر لما تيسر من القرآن، وأن الفاتحة هي التي كانت متيسرة لجميع المسلمين، لأنهم كانوا يلقنونها كل من يدخل في الإسلام، وقال بعضهم: المراد بما يتيسر منه هنا ما زاد عن الفاتحة، وفي البخاري عن أبي قتادة: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ الفاتحة في كل ركعة" والأحاديث المصرحة بأنه كان يقرأ في الركعة الأولى أم القرآن وسورة كذا، وفي الثانية بعد أم القرآن كذا في صلاة كذا، كثيرة.
وأما كون البسملة آية في الفاتحة، فأقوى الحجج المثبتة له: كتابتها في المصحف الإمام الرسمي الذي وزع نسخه الخليفة الثالث على الأمصار برأي الصحابة وأجمعت عليه الأمة، وكذا جميع المصاحف المتواترة إلى اليوم، والخط حجة عليه، كما قال العلامة العضد، وعليه جميع شعوب العلم والمدنية في هذا العصر، لا حجة عندهم أقوى من حجة الكتابة الرسمية، ثم إجماع القراء على قراءتها في أول الفاتحة. وإن زعم بعضهم أنها آية مستقلة، فإن هذا رأي، والعبرة بالعمل، وهو إذا كان عاما مطردا من أقوى الحجج. على أن تواترها عن واحد منهم تقوم به الحجة على باقيهم وعلى سائر الناس، فإنه إثبات بالتواتر لا يعارضه نفي ما. وقد كنا ذكرنا هذه المسألة وآراء أهل الخلاف فيها ونزيدها إيضاحا فنقول:
وقد وردت أحاديث آحادية في إثبات ذلك ونفيه ترتب عليها اختلاف الفقهاء الذين جعلوا المسألة مسألة مذاهب، ينصر كل حزب منهم أهل المذهب الذي ينسبون إليه
{ كل حزب بما لديهم فرحون } [الروم: 32] ولولا ذلك لاتفقوا؛ لأن لإثبات البسملة في أول الفاتحة في جميع المصاحف المجمع عليها المتواترة حجة قطعية لا تعارض بأحاديث الآحاد وإن صح سندها.
وأصرح الأحاديث التي استدلوا بها على كون البسملة ليست آية من الفاتحة ما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج " يقولها ثلاثا - أي كلمة " فهي خداج " أي ناقصة غير تامة كالناقة تلد لغير التمام - فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " قال الله - عز وجل -: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين} قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال الله: أثنى علي عبدي. فإذا قال: {مالك يوم الدين} قال: مجدني عبدي. وقال مرة: فوض إلي عبدي. وإذا قال {إياك نعبد وإياك نستعين} قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل "
قال النافون: إن الحديث يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ لأنها لو كانت منها لذكرت في الحديث، وهو استدلال سلبي لا يعارض القطعي المتواتر وهو إثباتها في المصحف وإجماع القراء على قراءتها عند البدء بالختمات، وثبوت التواتر بذلك، على أن عدم ذكرها في الحديث قد يكون لسبب اقتضى ذلك. ومما يخطر على البال بداهة: أنه كما اكتفى من قسمة الصلاة بالفاتحة دون سائر التلاوة والأذكار والأفعال اكتفى من الفاتحة بما لا يشاركها فيه غيرها من السور، إذ البسملة آية من كل سورة غير (براءة) على التحقيق الذي يدل عليه خط المصحف، وثم سبب آخر لعدم ذكر البسملة في القسمة، وهو أنه ليس فيها إلا الثناء على اللهتعالى بوصفه بالرحمة، وهو معنى مكرر في الفاتحة وذكر في القسمة. والعمدة في عدم المعارضة أن دلالة الحديث ظنية سلبية، وإثبات البسملة إيجابي وقطعي كما تقدم، وإذا كان من علل الحديث المانعة من وصفه بالصحة: مخالفة راويه لغيره من الثقات فمخالفة القطعي من القرآن المتواتر أولى بسلب وصف الصحة عنه. على أن هذا الحديث هو المعارض بالأحاديث المثبتة لكون البسملة من الفاتحة.
واستدلوا أيضا بحديث أبي هريرة المرفوع عند أحمد وأصحاب السنن قال: " إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: " تبارك الذي بيده الملك " قالوا: وإنما هي ثلاثون بدون البسملة. وأجيب بمثل ما قلنا آنفا من أن عدد آيات السور باعتبار ما هو خاص بالسورة وهو ما دون البسملة. ويؤيده ما روي عن أبي هريرة من أن سورة الكوثر ثلاث آيات. وقد روى أحمد ومسلم والنسائي من حديث أنس قال:
" بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: نزلت علي آنفا سورة، فقرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر}" . وهذا الحديث ناطق بأن البسملة من سورة الكوثر مع عدم عدها من آياتها لما ذكرنا، فكونها آية من الفاتحة أولى وهو أصح في حديث أبي هريرة في سورة الملك؛ لأن البخاري أعله بأن عباسا الحشمي راويه لا يعرف سماعه من أبي هريرة.
واستدلوا بالأحاديث الواردة في عدم قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه لها في الصلاة وأصرحها قول عبد الله بن مغفل: " صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع أبي بكر، ومع عمر ومع عثمان. فلم أسمع أحدا منهم يقولها " يعني البسملة رواه أحمد والترمذي وحسنه النسائي وابن ماجه عن ابن عبد الله بن مغفل وهو مجهول، فقد كان له سبعة أولاد وهذه علة تمنع صحة الحديث. قالوا: وقد تفرد به الحريري وقيل: إنه قد اختلط بآخره. وقد يفسر بما ترى فيما قالوه في الحديث الذي بعده.
وفي معناه حديث أنس في إحدى الروايات قال: " صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وعمر، وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم}. رواه أحمد ومسلم. قال في المنتقى: وفي لفظ " صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم ". رواه أحمد والنسائي بإسناد على شرط الصحيح. ولأحمد ومسلم: " صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان، وكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا آخرها ". ولعبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: " صليت خلف رسول الله وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فلم يكونوا يستفتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم " قال شعبة قلت لقتادة: أنت سمعت من أنس؟ قال: نعم نحن سألناه عنه. وللنسائي عن منصور بن زازان عن أنس قال: " صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يسمعنا قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما " اهـ.
قال الشوكاني في شرح الحديث: ورواية " فكانوا لا يجهرون " أخرجها أيضا ابن حبان والدارقطني، والطحاوي والطبراني. وفي لفظ لابن خزيمة: " كانوا يسرون " - وقوله: " كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين " هذا متفق عليه. وإنما انفرد مسلم بزيادة: " لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم " وقد أعل هذا اللفظ بالاضطراب وفسر بأن جماعة من أصحاب شعبة رووه عنه به، وجماعة رووه عنه بلفظ: " فلم أسمع أحدا منهم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ". ثم نقل عن الحافظ أن بعضهم رواه باللفظين وقد خرج كل رواية.
أقول: وقد جمعوا بين الروايات بأن المراد بالاستفتاح بالحمد لله الاستفتاح بهذه السورة فقد صح التعبير عنها في حديث آخر بجملة: " الحمد لله ". وبأن عدم سماعها سببه عدم الجهر بها، وقد يكون له سبب آخر وهو البعد عن أول الصف. ومن العادة أن يكون صوت القارئ خافتا في أول القراءة. وسبب ثالث وهو اشتغال المأموم عند السماع بالتحرم ودعاء الافتتاح.
وقد عورض وأعل حديث أنس على اضطراب متنه بما يأتي عنه من مخالفته له في صفة قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبما رواه الدارقطني وصححه عن أبي سلمة، قال: سألت أنس بن مالك: " أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح بالحمد لله رب العالمين، أو ببسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: إنك سألتني عن شيء ما أحفظه وما سألني عنه أحد قبلك فقلت: أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى في النعلين؟ قال: نعم ". قالوا: وعروض النسيان في مثل هذا غير مستنكر فقد حكى الحازمي عن نفسه أنه حضر جامعا وحضره جماعة من أهل التمييز المواظبين في ذلك الجامع، فسألهم عن حال إمامهم في الجهر والإخفات قال: - وكان صيتا يملأ صوته الجامع - فاختلفوا في ذلك فقال بعضهم: يجهر، وقال بعضهم يخفت. أ هـ.
أقول: ولم يختلف هؤلاء المصلون في صلاة واحدة، بل في جميع الصلوات، وسبب ذلك الغفلة والناس عرضة لها، ولا سيما الغفلة عن أول صلاة الإمام. إذ يكون المأمومون مشغولين بمثل ما يشغله من الدخول فيها وقراءة دعاء الافتتاح كما تقدم آنفا.
وأما أحاديث إثبات كون البسملة من الفاتحة، فمنها: ما رواه البخاري عن قتادة قال: سئل أنس
" كيف كانت قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال كانت مدا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. ويمد بالرحمن وبالرحيم" ". وروى عنه الدارقطني من طريقين " "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر بالبسملة"
". ومنها: حديث أم سلمة أم المؤمنين - رضي الله عنها - أنها سئلت عن قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: " كان يقطع قراءته آية آية: {بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين} رواه أحمد وأبو داود بهذا اللفظ وغيرهما.
ومنها ما رواه النسائي وغيره عن نعيم المجمر. قال: " صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. ثم قرأ بأم القرآن ". وفيه يقول إذا سلم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ". وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، قال: على شرط البخاري ومسلم وأقره الحافظ الذهبي. وقال البيهقي: صحيح الإسناد وله شواهد. وقال أبو بكر الخطيب فيه: ثابت صحيح لا يتوجه عليه تعليل، وروي عن أبي هريرة حديثان آخران بمعناه، وثق بعضهم جميع رجالهما وتكلم بعضهم في بعضهم.
ومنها: حديث علي - رضي الله عنه - سئل عن السبع المثاني فقال: {الحمد لله رب العالمين} قيل: إنما هي ست فقال: {بسم الله الرحمن الرحيم}. ورواه الدارقطني وإسناده كلهم ثقات لم يطعنوا في أحد منهم، وله حديثان آخران عنه وعن عمار بن ياسر في إثبات جهر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالبسملة في صلاته قد تكلموا في سندها.
ومنها حديث أنس:
" سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " رواه الحاكم وقال: ورواته عن آخرهم ثقات، وأقره الحافظ الذهبي.
وقد أورد الشوكاني في نيل الأوطار هذه الأحاديث الصحيحة وغيرها من الروايات الضعيفة الأسانيد الصحيحة المتون، وذكر حمل الروايات الصحيحة من أحاديث النفي المعارضة لها على عدم الجهر بالبسملة من باب حمل المطلق على المقيد وهو ترك الجهر، ثم قال:
" إذا كان محصل أحاديث نفي البسملة هو نفي الجهر بها، فمتى وجدت رواية فيها إثبات الجهر قدمت على نفيه. قال الحافظ - ابن حجر - لا بمجرد تقديم رواية المثبت على النافي - أي كما هي القاعدة - لأن أنسا يبعد جدا أن يصحب النبي - صلى الله عليه وسلم - مدة عشر سنين ويصحب أبا بكر وعمر وعثمان خمسا وعشرين سنة فلا يسمع منهم الجهر بها في صلاة واحدة، بل لكون أنس اعترف بأنه لا يحفظ هذا الحكم، كأنه لبعد عهده به لم يذكر منه إلا الجزم بالافتتاح بالحمد لله جهرا، فلم يستحضر الجهر بالبسملة، فيتعين الأخذ بحديث من أثبت الجهر أ هـ.
أقول: وقد تقدم نص الرواية عنه بنسيان هذا الحكم آنفا فعد حديثه مضطربا لا يحتج به. قال الحافظ ابن عبد البر بعد سرده روايات حديثه في الاستذكار: هذا الاضطراب لا تقوم معه حجة. وقد سئل عن ذلك أنس فقال: كبرت سني ونسيت. أ هـ
وقد روى الطبراني في الكبير والأوسط في سبب ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - للجهر بالبسملة في الصلاة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس " أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان المشركون يهزءون بمكاء وتصدية، ويقولون: محمد يذكر إله اليمامة - وكان مسيلمة الكذاب يسمى رحمن - فأنزل الله
{ ولا تجهر بصلاتك } [الإسراء: 110] فتسمع المشركين فيهزءوا بك { ولا تخافت بها } [الإسراء: 110] عن أصحابك فلا تسمعهم. وقد قال في مجمع الزوائد: إن رجاله موثقون. وقال الحكيم الترمذي. فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذكر الرسم وإن زالت العلة. وجمع به القرطبي بين الروايات.
وقال ابن القيم في زاد المعاد:
" "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة ويخفتها أكثر مما جهر بها إلخ " . وهذا القول معقول، وإذا صح أن سببه ما رواه الطبراني واعتمده القرطبي والنيسابوري والحكيم الترمذي يكون ترك الجهر في أول الإسلام بمكة وأوائل الهجرة، والجهر فيما بعده، وقد علمت ما في حديثي أنس وأبي قتادة المخالفين لهذا.
ولا يغرن أحدا قول العلماء إن منكر البسملة من الفاتحة أو من كل سورة لا يكفر ومثبتها لا يكفر فيظن أن سبب هذا عدم ثبوتها بالدليل القطعي، كلا إنها ثابتة ولكن منكرها لا يكفر لتأويله الدليل القطعي بشبه المعارضة التي تقدمت وبينا ضعفها، وسنزيده بيانا والشبهة تدرأ حد الردة.
وجملة القول أن اختلاف الروايات الآحادية في الإسرار بالبسملة والجهر بها قوي، وأما الاختلاف في كونها من الفاتحة أو ليست منها فضعيف جدا جدا وإن قال به بعض كبار العلماء ذهولا عن رسم المصحف الإمام القطعي المتواتر والقراءات المتواترة التي لا يصح أن تعارض بروايات أحادية، أو بنظريات جدلية، وأصحاب الجدل يجمعون بين الغث والسمين وبين الضدين والنقيضين، وصاحب الحق منهم يشتبه بغيره، وربما يظهر عليه المبطل بخلابته، إذا كان ألحن بحجته.
وقد ذكر الرازي في تفسيره سبع عشرة حجة على إثبات كون البسملة من الفاتحة منها القوية والضعيفة، وتصدى له الألوسي محاولا دحضها تعصبا لمذهبه الذي تنحله في الكبر إذ كان شافعيا فتحول حنفيا تقربا إلى الدولة وصرح بهذا التعصب إذ قال هنا: " على المرء نصرة مذهبه والذب عنه " إلخ. وهذه كبرى زلاته المثبتة لعدم استقلاله بعدم طلبه الحق لذاته، حتى إنه مارى في حجة لإثبات البسملة في أولها بخط المصحف المتواتر فجعلها دليلا على كونه من القرآن دون كونها من الفاتحة، وهو من تمحل الجدل، فلا معنى لكونها آية مستقلة في القرآن ألحقت بسوره كلها إلا واحدة وليست في شيء منها ولا في فاتحته التي اقتدوا بها في بدء كتبهم كلها، إنه لقول واه تبطله عبادتهم وسيرتهم، وينبذه ذوقهم، لولا فتنة الروايات والتقليد. فتعارض الراويات اغتر به أفراد مستقلون، وبالتقليد فتن كثيرون، ولله في خلقه شئون.
على أن الألوسي حكم وجدانه واستفتى قلبه في بعض فروع المسألة، فأفتاه بوجوب قراءة الفاتحة والبسملة في الصلاة، وخانه في كونها آية منها، وأورد في حاشية تفسيره على ذلك إشكالا استكبره جد الاستكبار وما هو بكبير، فنحن نذكر عبارتيه، ونقفي عليهما بالرد عليه. قال في تفسيره " روح المعاني ": " وبالجملة يكاد أن يكون اعقتاد كون البسملة جزءا من سورة (1) من الفطريات!! كما لا يخفى على من سلم له وجدانه (!!) فهي آية من القرآن مستقلة ولا ينبغي لمن وقف على الأحاديث أن يتوقف في قرآنيتها. أو ينكر وجوب قراءتها ويقول بسنيتها، فوالله لو ملئت لي الأرض ذهبا لا أذهب إلى هذا القول وإن أمكنني بفضل الله توجيهه (!!) كيف وكتب الأحاديث ملأى بما يدل على خلافه. وهو الذي صح عندي عن الإمام - يعني إمامه الجديد أبا حنيفةرحمه اللهتعالى - والقول بأنه لم ينص بشيء ليس بشيء، وكيف لا ينص إلى آخر عمره في مثل هذا الأمر الخطير الدائر عليه أمر الصلاة من صحتها أو استكمالها، ويمكن أن يناط به بعض الأحكام الشرعية، وأمور الديانات كالطلاق والحلف والعتق. وهو الإمام الأعظم، والمجتهد الأقدم، رضي الله عنه
وكتب في حاشيته عند قوله: فهي آية من القرآن مستقلة ما نصه:
استشكل بعضهم الإثبات والنفي، فإن القرآن لا يثبت بالظن ولا ينفى به. وهو إشكال كالجبل العظيم (؟) وأجيب عنه أن حكم البسملة في ذلك حكم الحروف المختلف فيها بين القراء السبعة قطعية الإثبات والنفي معا (!!) ولهذا قرأ بعضهم بإثباتها وبعضهم بإسقاطها، وإن اجتمعت المصاحف على الإثبات، فإن من القراءات ما جاء على خلاف خطها كالصراط ومصيطر فإنهما قرئا بالسين ولم يكتبا إلا بالصاد
{ وما هو على الغيب بضنين } [التكوير :24] تقرأ بالظاء ولم تكتب إلا بالضاد ففي البسملة التخيير، وتتحتم قراءتها في الفاتحة عند الشافعي احتياطيا (!!) وخروجا من عهدة الصلاة الواجبة بيقين لتوقف صحتها على ما أسماه الشرع فاتحة الكتاب فافهم، والله أعلم بالصواب " ا هـ
أقول: نعم. إن الله أعلم بالصواب، وقد وفق لعلمه أولي الألباب، وهم
{ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب } [الزمر: 18] دون الذين يستمعون القول فيتبعون منه ما وافق رواية فلان ورأي فلان، ويوجبون على أنفسهم نصره ولو بتأويل ما مضت به السنة العملية وثبت بنص القرآن، ولولا عصبية المذاهب عند المقلدين، والغرور بظواهر بعض الروايات عند الأثريين، لما اختلف أحد من الفريقين في هذه المسألة، ونحمد اللهتعالى أن اختلافهم فيها قولي جدلي لا عملي.
سبحان الله! ما أعجب صنع الله في عقول البشر! أيقول السيد محمود الألوسي العالم الذكي النزاع إلى استقلال الفكر في كثير من مسائل التفسير. وبالرغم من رضائه بمهانة جهالة التقليد: إن استشكال الجمع بين الإثبات والنفي القطعيين في مسألة البسملة " إشكال كالجبل العظيم "؟ ثم يرضى بالجواب عنه بما يقرر به الجمع بين الإثبات والنفي القطعيين.
سبحان الله! إن الجمع بين النفي والإثبات هو التناقض الحقيقي الذي يعز إيراد مثال للمحال العقلي مثله، فكيف يصدر القول به عن عالم أو عن عاقل؟
إن الإشكال الذي نظر إليه المفسر بعيني التقليد العمياوين فرآه كالجبل العظيم، هو في نفسه صغير حقير ضئيل قميء خفي كالذرة من الهباء، أو كالجزء لا يتجزأ من حيث كونه لا يرى ولا يثبت إلا بطريقة الفرض، أو كالعدم المحض.
والجواب الحق: أنه لم ينف أحد من القراء كون البسملة من الفاتحة نفيا حقيقيا برواية متواترة عن المعصوم - صلى الله عليه وسلم - تصرح بأنها ليست من الفاتحة - كما يقول بعض الناس بشبهة عدم رواية القراء لها، وشبه تعارض الروايات الآحادية التي ذكرنا أقواها والمخرج منها - أو ليست إلا جزء آية من سورة النمل، كما زعم من لا شبهة لهم على النفي تستحق أن يجاب عنها. وإنما أثبت بعض القراء بالروايات المتواترة: أن البسملة آية من الفاتحة وبعضهم لم يرو ذلك بأسانيده المتواترة، وعدم نقل الإثبات للشيء ليس نفيا لذلك الشيء، لا رواية ولا دراية. وأعم من هذا، ما قال العلماء، من أن بين عدم إثبات الشيء وبين إثبات عدمه بونا بعيدا كما هو معلوم بالضرورة. ولو فرضنا أن بعضهم روى التصريح بالنفي لجزمنا بأن روايته باطلة سببها أن بعض رجال سندها اشتبه عليه عدم الإثبات بإثبات النفي، إذ يستحيل عقلا أن يكون الأمران المتناقضان قطعيين معا، ورواية الإثبات لا يمكن الطعن فيها، وناهيك وقد عززت بخط المصحف الذي هو بتواتره خطا وتلقينا أقوى من جميع الروايات القولية وأعصى على التأويل والاحتمال، وأما القول بأنها آية مستقلة بين كل سورتين للفصل بينهما ما عدا الفصل بين سورتي الأنفال وبراءة، فما هو إلا رأي للجمع بين الروايات الآحادية الظنية المتعارضة، ويمكن الجمع بغيره مما لا إشكال فيه، إذ لو كانت البسملة للفصل بين السور لم توضع في أول الفاتحة ولم تحذف من أول براءة للعلة التي ذكرناها عنهم في هذا البحث فهي لا تتحقق إلا إذا كانت البسملة من السورة، ورد على ذلك ما أوردناه من المعاني والحكم في بدء القرآن بها، وما صح مرفوعا من كونها هي السبع المثاني.
وأما الجواب الذي نقله الألوسي وارتضاه فلا يستغرب صدوره ولا إقراره ممن يثبت الجمع بين النقيضين المنطقيين ويفتخر بأنه يمكنه توجيه ما يعتقد بطلانه على أنه جواب عن إشكال غير وارد، وبعبارة أخرى ليس جوابا عن إشكال إذ لا إشكال. والخلاف بين القراء في مثل السراط و الصراط، ومسيطر ومصيطر، وضنين، وظنين، ليس خلافا بين النفي والإثبات كمسألة البسملة بل هي قراءات ثابتة بالتواتر، فأما ضنين وظنين فهما قراءتان متواترتان - كمالك وملك في الفاتحة - كتبت قراءة الضاد في مصحف أبي وهو الذي وزع في الأمصار وقرأ بها الجمهور، وقراءة الظاء في مصحف عبد الله بن مسعود وقرأ بها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ولكل منهما معنى وليستا من قبيل تسهيل القراءة لقرب المخرج كما سيأتي في بيان الفرق بين مخرجي الحرفين قريبا، وأما السراط والصراط ومسيطر ومصيطر فلا فرق بينهما إلا تفخيم السين وترقيقه وبكل منهما نطق بعض العرب وثبت به النص فهو من قبيل ما صح من تحقيق الهمزة و تسهيلها، ومن الإمالة وعدمها، فلا تنافي بين هذه القراءات فنعد إثبات إحداها نفيا لمقابلتها كما هو بديهي. على أن خط المصحف أقوى الحجج فلو فرضنا تعارض هذه القراءات لكان هو المرجح، ولكن لا تعارض ولله الحمد.
نكتفي بهذا ردا لما في كلام الألوسي وأمثاله من الخطأ، فإن غيره لا يعنينا في موضوعنا ولا سيما ما رجحه عن إمامه وخالف فيه غيره، وعلله بإطلاقهم عليه لقب الإمام الأعظم، وزيادته هو عليهم لقب المجتهد الأقدم، مع علمه بأن علماء الصحابة والتابعين أقدم منه اجتهادا، وأن هذه الألقاب وإن صح معناها لا تقتضي عدم الخطأ ولا عدم النسيان ولا إهمال بعض المسائل المهمة. ونحن يسرنا أن يصح ما ذكره، وأن يخطئ ما أنكره، فإن من المصائب أن يوجد في المسلمين عالم ينكر ما ثبت في خط المصحف المتواتر كتابة ورواية. وقد نقل الرازي أن أبا حنيفة ليس له نص في المسألة، وإنما قال: يقرأ البسملة ويسر بها، ولم يقل إنها آية من أول السورة أم لا. (قال الرازي): وسئل محمد بن الحسن عن بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: ما بين الدفتين كلام الله، قال (أي السائل له): فلم تسره؟ قال: فلم يجبني. وقال الكرخي: لا أعرف هذه المسألة بعينها لمتقدمي أصحابنا، إلا أن أمرهم بإخفائها يدل على أنها ليست من السورة. وقال بعض فقهاء الحنفية: تورع أبو حنيفة وأصحابه عن الوقوع في هذه المسألة؛ لأن الخوض في أن البسملة من القرآن أو ليست منه أمر عظيم، فالأولى السكوت عنه ا هـ.
أقول: من الخطأ البين الاستدلال بأمر بعض الفقهاء بإخفاء البسملة على كونها ليست من القرآن، مع الإجماع على أن ما بين دفتي المصحف قرآن منزل من الله. على أن الروايات الصحيحة في الأحاديث فيها الجهر بالبسملة والإسرار، وروايات الجهر أقوى وأبعد عن التعليل والتأويل.
وصفوة القول: أن دلالة المصحف أقوى الدلالات، ترجح على كل ما عارضها من الروايات، ودلالتها قطعية، تؤيدها الروايات المتواترة في إثباتها، والإجماع العملي على قراءتها، ولا ينافيها عدم رواية بعضهم لها. فالمسألة قطعية في نفسها، وإنما جعلوها اجتهادية باختلاف الروايات الآحادية في قراءتها، وقد علمت ما فيها والله الموفق للصواب.
فضل الفاتحة وكونها هي السبع المثاني
قال اللهتعالى في سورة الحجر مخاطبا خاتم الأنبياء والمرسلين:
{ ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم } [الحجر: 87] وقد ثبت في الحديث الصحيح والآثار الصحيحة عن الصحابة والتابعين: "أن السبع المثاني هي سورة الفاتحة" ، ومعنى كونها مثاني: أنها تثنى وتعاد في كل ركعة من الصلاة لفرضيتها فيها كما تقدم، وقيل معناه: أنها يثنى فيها على اللهتعالى بما أمره، وقيل غير ذلك: فأما الحديث المرفوع في تفصيلها وكونها هي المرادة بالسبع المثاني فهو ما رواه البخاري في مواضع من صحيحه، وأصحاب السنن عن أبي سعيد بن المعلى، وروى نحوه مالك والترمذي والحاكم من حديث أبي هريرة. ذكر أبو سعيد بن المعلى: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له وهما في المسجد: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن نخرج من المسجد - وفي رواية: قبل أن أخرج - (قال): أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ فقال: الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته " وفي حديث أبي هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بن كعب: " أتحب أن أعلمك سورة لم تنزل في التوراة ولا الإنجيل ولا في الفرقان مثلها؟ قال أبي: ثم أخذ بيدي يحدثني وأنا أتباطأ مخافة أن يبلغ الباب قبل أن ينقضي الحديث ولما سأله عن السورة قال: كيف نقرأ في الصلاة؟ فقرأت عليه أم الكتاب فقال: إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته " . وفيه إزالة إشكال في حديث أبي سعيد بن المعلى، وهو أن ظاهره يوهم أنه لم يكن يعرف الفاتحة مع أنه كان يصلي في ذلك اليوم وقبله فهو من الأنصار - وقد علم من حديث أبي هريرة: أن المراد بتعليمه هذه السورة تعليمه ما فيها من الفضيلة على غيرها، وكونها هي المرادة بآية سورة الحجر. وأما عطف القرآن على " سبعا من المثاني " فهو من عطف الكل على الجزء أو العام على الخاص، وقيل في توجيهه غير ذلك.
وقد تعلق برواية " الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني " من قالوا: إن البسملة ليست من الفاتحة. وعكس الآخرون قائلين: إن المراد بالجملة الأولى لفظها على أنه اسم السورة وإلا ما صح قوله: هي السبع المثاني؛ لأنها آية واحدة، وإنما السبع المثاني: هي آيات الفاتحة السبع، وهي ليست سبعا إلا بالبسملة آية منها، فكونها منها ثابت بالقرآن أي بآية سورة الحجر، كما فسرها أعلم الناس به وهو الرسول الذي أنزله الله عليه، وكبار أصحابه والتابعين والحديث يدل على تسميتها بالحمد لله رب العالمين، إذ لا يصح معناه إلا بذلك.
وأما الآثار فقد فصلها السيوطي في الدر المنثور، وأجملها الحافظ في الفتح مع بيان درجة أسانيدها بقوله: وقد روى الطبري بإسنادين جيدين عن عمر ثم عن علي قال: السبع المثاني فاتحة الكتاب - زاد عن عمر " تثنى في كل ركعة " " وبإسناد منقطع عن ابن مسعود مثله، وبإسناد حسن عن ابن عباس: أنه قرأ الفاتحة، ثم قال:
{ ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم } [الحجر: 87] قال: هي فاتحة الكتاب، وبسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة ومن طريق جماعة من التابعين: السبع المثاني فاتحة الكتاب. ومن طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: السبع المثاني فاتحة الكتاب: قلت للربيع: إنهم يقولون: إنها السبع الطول (جمع طولى مؤنث أطول) قال: لقد أنزلت هذه الآية وما نزل من الطول شيء. ا هـ.
يقول محمد رشيد: يعني أن سورة الحجر التي فيها هذه الآية قد نزلت بمكة قبل السور السبع الطول وهن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة - المدنيات - والأنعام والأعراف، ويونس - المكيات - كذا قال بعضهم في السابعة: إنها سورة يونس، قال آخرون: هي الأنفال، وبراءة - وعدهما سورة واحدة - وقال بعضهم: إن الراوي نسي السابعة عن ابن عباس.
والقول بأنها السبع الطول، رواه النسائي والطبري والحاكم عن ابن عباس بإسناد قوي كما قال الحافظ. ولا حاجة إلى التفصيل فيه فإنه مردود لمخالفته للحديث الصحيح المرفوع، ولا قول لأحد من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومنه يعلم أن قوة الإسناد لا قيمة لها تجاه الدليل القوي على بطلان متن الرواية.
استدراك على تفسير المغضوب عليهم والضالين
ورد في الحديث المرفوع تفسير {المغضوب عليهم} باليهود، و {الضالين} بالنصارى، رواه أحمد والترمذي وحسنه ابن حبان وصححه غيرهم، ونقلنا عن شيخنا الأستاذ الإمام عزوه إلى بعضهم، أي بعض المفسرين وهو يريد أن بعض المفسرين اختار أن هذا هو المعنى المراد، وهو لم يكن يجهل أن هذا روي مرفوعا، ولكنه كان يعلم ـ مع هذا ـ أن أكثر المفسرين فسروا اللفظين بما يدلان عليه لغة حتى بعض أهل الحديث منهم، وكأنهم لم يروا أن الحديث صحيح، فقد قال البغوي الملقب بمحيي السنة في تفسيره (معالم التنزيل) بعد تفسيرهما بمدلولهما اللغوي، " قيل: المغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى؛ لأن اللهتعالى حكم على اليهود بالغضب فقال:
{ لعنه الله وغضب عليه } [المائدة: 60] وحكم على النصارى بالضلال فقال: { ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل } المائدة: 77] وقال سهل بن عبد الله: غير المغضوب عليهم بالبدعة، ولا الضالين عن السنة ا هـ. فعبر عن هذا القول بقيل الدال على ضعفه عنده ولم يستدل عليه بالحديث.
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين، وهم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق، وأكد الكلام بـ " لا " ليدل على أن ثم مسلكين فاسدين وهما: طريقة اليهود والنصارى. ا هـ.
وبعد كلام طويل في إعراب " غير " و " لا " إنما جيئ بـ " لا " لتأكيد النفي لئلا يتوهم أنه معطوف على {الذين أنعمت عليهم} وللفرق بين الطريقتين لتجتنب كل واحدة منهما، فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل والنصارى فقدوا العلم، ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى ـ واستشهد بالآيتين اللتين استشهد بهما البغوي، ثم ذكر الحديث ورواياته وهو عند أحمد والترمذي وكذا ابن حبان من طريق سماك بن حرب عن عدي بن حاتم، قال الترمذي، حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديثه.
وسماك ضعفه جماعة ووثقه آخرون، واتفقوا على أنه تغير في آخر عمره بل خرف، فما رواه في هذه الحال فلا جدال في رده بالاتفاق، وأخرجه ابن مردويه عن أبي ذر أيضا بسند، قال الحافظ في الفتح، إنه حسن، وقال ابن أبي حاتم: إنه لا يعرف في تفسيرهما بما ذكر خلافا يعني المأثور، ومع هذا نقول: إن ما ذكره المحققون من الوجوه الأخرى لا يعد مخالفة للمأثور الذي هو من قبيل تفسير العام ببعض أفراده، من قبيل التمثيل لا التخصيص، ولا الحصر بالأولى.
التأمين بعد الفاتحة
عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
" إذا أمن الإمام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " وقال ابن شهاب: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: آمين" . رواه الجماعة، إلا أن الترمذي لم يذكر قول ابن شهاب، وفي رواية: " إذا قال الإمام: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " رواه أحمد والنسائي. وعن أبي هريرة قال: " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا تلا {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: آمين. حتى يسمع من يليه من الصف الأول" رواه أبو داود وابن ماجه وقال: " "حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد " وعن وائل بن حجر قال: " " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فقال: آمين. يمد بها صوته" ، رواه أحمد وأبو داود والترمذي. اهـ منتقى الأخبار.
وهذه الأحاديث كلها صحيحة وأخرجها غير من ذكر، وزاد أبو داود في الأخير منها " ورفع بها صوته " قال الحافظ ابن حجر: وسنده صحيح، وخطأ ابن القطان في إعلانه إياه بجهالة حجر بن عنبس وقال: إنه ثقة معروف، قيل: إن له صحبة.
وهنالك أحاديث أخرى في المسألة تبلغ مع هذه سبعة عشر حديثا، وهذه أصحها. قال الشوكاني في نيل الأوطار عند شرح حديث أبي هريرة الأول: والحديث يدل على مشروعية التأمين. قال الحافظ: وهذا الأمر عند الجمهور للندب، وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم وجوبه عملا بظاهر الأمر، وأوجبته الظاهرية على كل من يصلي، والظاهر من الحديث وجوبه على المأموم فقط، لكن لا مطلقا بل مقيدا بأن يؤمن الإمام، وأما الإمام والمنفرد فمندوب فقط.
قال: وحكى المهدي في البحر عن العترة جميعا، أن التأمين بدعة ـ وقد عرفت ثبوته عن علي - رضي الله عنه - من فعله وروايته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتب أهل البيت وغيرهم ـ على أنه قد حكى السيد العلامة الإمام محمد بن إبراهيم الوزير عن الإمام المهدي. محمد بن المطهر وهو أحد أئمتهم المشاهير أنه قال في كتابه (الرياض الندية): إن رواة التأمين جم غفير، قال: وهو مذهب زيد بن علي وأحمد بن عيسى. ا هـ. وقد استدل صاحب البحر على أن التأمين بدعة بحديث معاوية بن الحكم السلمي " إن هذه صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الناس " ولا شك أن أحاديث التأمين خاصة وهذا عام، وإن كانت أحاديثه الواردة عن جمع من الصحابة لا يقوى بعضها على تخصيص حديث واحد من الصحابة ـ مع أنها مندرجة تحت تلك العمومات القاضية بمشروعية مطلق الدعاء في الصلاة؛ لأن التأمين دعاء، فليس في الصلاة تشهد، وقد أثبته العترة، فما هو جوابهم في إثباته فهو الجواب في إثبات ذلك. على أن المراد بكلام الناس في الحديث هو تكليمهم؛ لأنه اسم مصدر كلم لا تكلم ويدل على ذلك السبب المذكور في الحديث. أ هـ.
والمراد بقوله السبب المذكور في الحديث: هو أن معاوية بن الحكم السلمي شمت عاطسا في الصلاة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فرماه القوم بأبصارهم فقال: وا ثكل أماه، مالكم تنظرون إلي؟ إلخ. وجملة القول: أن التأمين في الصلاة مشروع بنص الأحاديث الصحيحة الصريحة، فلا وجه لمنعه بعموم أحاديث أخرى لا تنافيها، ولو عارضتها لوجب ترجيحها عليها.
واختلف في موضعه بالنسبة إلى المأموم، هل هو بعد قول الإمام: {ولا الضالين} أم عند قوله: " آمين "؟ وهو مبني على أن بين الحديثين في ذلك تعارضا، وهو غفلة عن كون الإمام إنما يؤمن بعد قوله: {ولا الضالين} كما صرح به في رواية أحمد والنسائي لحديث أبي هريرة فمعنى الحديثين متفق، وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا أمن الإمام فأمنوا" مبني على أن من شأن الإمام أن يؤمن عقب إتمام الفاتحة اتباعا للسنة فلا مفهوم للشرط فيه.
فائدة في مخرجي الضاد والظاء وحكم تحريف الأول
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء لقرب مخرجيهما، وذلك أن الضاد مخرجها من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس، ومخرج الظاء من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا، ولأن كلا من الحرفين من الحروف المجهورة ومن الحروف الرخوة ومن الحروف المطبقة، فلهذا كله اغتفر استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك، والله أعلم. وأما الحديث: " أنا أفصح من نطق بالضاد " فلا أصل له. ا هـ.
وأقول: إن أكثر أهل الأمصار العربية قد أرادوا الفرار من جعل الضاد ظاء، كما يفعل الترك وغيرهم من الأعاجم، فجعلوها أقرب إلى الطاء منها إلى الضاد حتى القراء المجودون منهم، إلا أهل العراق وأهل تونس فهم على ما نعلم أفصح أهل الأمصار نطقا بالضاد، وإننا نجد أعراب الشام وما حولها ينطقون بالضاد فيحسبها السامع ظاء لشدة قربها منها وشبهها بها. وهذا هو المحفوظ عن فصحاء العرب الأولين حتى اشتبه نقلة العربية عنهم في مفردات كثيرة قالوا: إنها سمعت بالحرفين وجمعها بعضهم في مصنف مستقل، والأشبه أنه قد اشتبه عليهم أداؤها منهم فلم يفرقوا، والفرق ظاهر ولكنه غير بعيد.
وقد قرئ قولهتعالى في سورة التكوير:
{ وما هو على الغيب بضنين } [التكوير: 24] بكل من الضاد والظاء، والضنين: البخيل، والظنين: المتهم، وفائدتهما نفي كل من البخل والتهمة. والمعنى: ما هو ببخيل في تبليغه فيكتم، ولا بمتهم فيكذب، قال في الكشاف: وهو في مصحف عبد الله بالظاء، وفي مصحف أبي بالضاد، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بهما. وإتقان الفصل بين الضاد والظاء واجب، ومعرفة مخرجيهما مما لا بد منه للقارئ، فإن أكثر العجم لا يفرقون بين الحرفين، وإن فرقوا ففرقا غير صواب وبينهما بون بعيد، فإن مخرج الضاد من أصل حافة اللسان وما يليها من الأضراس من يمين اللسان ويساره، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أضبط: يعمل بكلتا يديه، وكان يخرج الضاد من جانبي لسانه، وهي أحد الأحرف الشجرية أخت الجيم والشين، وأما الظاء فمخرجها من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا. وهي أحد الأحرف الذولقية، أخت الذال والثاء، ولو استوى الحرفان لما ثبتت في هذه الكلمة قراءتان اثنتان، واختلاف بين جبلين من جبال العلم والقراءة. ولما اختلف المعنى والاشتقاق والتركيب. ا هـ.
وأقول: صدق أبو القاسم الزمخشري في تحقيقه هذا كله إلا قوله: إن البون بين الحرفين بعيد، فالفرق ثابت ولكنه قريب، وهو يحصل بإخراج طرف اللسان بالظاء بين الثنايا كأختيه الثاء والذال، ولا شركة بينه وبينهما إلا في هذا.
التوسع في الاستنباط من معنى الفاتحة
إن ما أوردناه في تفسير الفاتحة من تلخيص لما فهمناه من دروس شيخنا ومما قرأناه في الكتب، ثم ما زدناه عليه في أصله وفي هذه الفوائد الزوائد، فالغرض منه التفقه في معاني القرآن والاهتداء به، وقد اقتصدنا فيه، فاقتصرنا على ما لا يشغل القارئ عن المقصد، وقد أطال الفخر الرازي في استطرادات عديدة، ومسائل مستنبطة من لوازم للمعاني قريبة أو بعيدة، ولكنها تشغل مريد الاهتداء بالقرآن، وأطال ابن القيم في أول كتابه " مدارج السالكين " القول في استنباط المسائل منها من طريق الدلالات الثلاثة: المطابقة، والتضمن، والالتزام، وأخذ في الثالثة باللزوم البين بالمعنى الأعم وبالمعنى الأخص باللزوم غير البين أيضا، بل سمى كتابه " مدارج السالكين، بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين " وأجمل ذلك. بقوله: في خطبة الكتاب، إنه ينبه " على بعض ما تضمنته هذه السورة من هذه المطالب، وما تضمنته من الرد على جميع طوائف أهل البدع والضلال، وما تضمنته من: منازل السائرين، ومقامات العارفين، والفرق بين وسائلها وغاياتها، ومواهبها وكسبياتها، وبيان أنه لا يقوم غير هذه السورة مقامها ولا يسد مسدها، ولذلك لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها " ا هـ.
ومما ذكره في تفصيل ذلك: فصول في الرد على أهل الوحدة، والمجوس، والقدرية، والجهمية، والجبرية، ومنكري النبوات، والقائلين بقدم العالم.
والفرق بين هذه المستنبطات، ومستنبطات الرازي: أن أكثر تلك في المصطلحات العربية والعقلية والكلامية والفقهية، وأكثر هذه في المقاصد الروحية التعبدية لتلك المصطلحات والعلوم، فهي تزيد قارئها دينا وإيمانا وتقوى، ولكن لا يصح أن يسمى شيء منهما تفسيرا للفاتحة، ولو كنا نعده تفسيرا لاقتبسناه أو لخصناه في هذه الفوائد.
وللصوفية منازع فيها أبعد عن اللغة والنقل والعقل من كل ذلك، جرأت مثل الدجال ميرزا غلام أحمد القادياني، الذي ادعى النبوة والوحي في هذا العصر، وزعم أنه المسيح الذي ينتظره أهل الملل في آخر الزمان - جرأته على ادعاء دلالة البسملة على دعواه الباطلة!! وقد فندنا شبهة أمثال هؤلاء في تفسير قولهتعالى:
{ ما فرطنا في الكتاب من شيء } [الأنعام: 38].
وقد ذهب بعض المعاصرين مذهبا أبعد من هذا وذاك في تفسير الفاتحة وغيرها من القرآن، فهو يرى أن تفسير لفظ العالمين ـ مثلا ـ يقتضي بيان كل ما وصل إليه علم البشر من مدلول هذا اللفظ، وأن تفسير لفظي {الرحمن} و {الرحيم} يقتضي بيان كل ما يعرف من نعم الله وإحسانه بخلقه وإلى خلقه من كل وجه، فاتباع هذا المذهب في تفسير الفاتحة أو آية أو كلمة منها لا يكمل إلا بكتابة ألوف من المجلدات يدون فيها كل ما وصل إليه علم جميع علماء الأرض في أعيان العالم، وصفاتها وأحوالها من أدنى الحشرات إلى أرقى البشر من حكماء الصديقين، والأنبياء المرسلين، وإن عد مثل هذا من التفسير إضلال عن القرآن، وإنما يحسن في التفسير تذكير المؤمن بألا يغفل عن ذكر الله والتفكر في آياته ورحمته ونعمه في كل نوع من مخلوقاته، عند النظر فيها، والتفكر في آيات الله الدالة عليها.
ونزع بعض الدجالين والمخرفين منزعا آخر سبقهم إليه اليهود، وهو استنباط المعاني من أعداد حروف الهجاء بحساب الجمل، قال بعضهم: إن القرآن يدل على قيام الساعة سيكون في سنة 1407 للهجرة، وهو عدد حروف " بغتة " من قولهتعالى:
{ لا تأتيكم إلا بغتة } [الأعراف: 187] ولهؤلاء في الحروف المقطعة في أوائل السور وفي أعدادها ضلالات لا نضيع الوقت بكتابتها، فلدلالة الألفاظ على المعاني طرق في اللغة لا تخرج عنها، وليس هذا منها.
ما ينبغي تدبره واستحضاره من معاني الفاتحة وغيرها في الصلاة
إذا قمت أيها المسلم إلى الصلاة فوجه كل قلبك فيها إلى استحضار كل ما يتحرك به لسانك من ذكر وتلاوة.
فإذا قلت: " الله أكبر " فحسبك أن تذكر في قلبك أن اللهتعالى أعظم من كل عظيم، وأكبر من كل شيء، فلا يصح أن يشغلك عن الصلاة له أو فيها شيء دونه، وكل شيء دونه.
وإذا قرأت ما ورد في ذكر الافتتاح فلا تشغل نفسك بغير معناه وهو ظاهر، وإذا استعذت باللهتعالى قبل القراءة عملا بعموم قولهتعالى:
{ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } [النحل:98] فتصور من معنى صيغة الاستعاذة أنك تلجأ إلى اللهتعالى وتعتصم به من وسوسة الشيطان الشاغلة عن الصلاة وما يجب فيها من التدبر لكتابه والخشوع والإخلاص لهتعالى.
وإذا قرأت البسملة فاستحضر من معناها: إنني أصلي {بسم الله} ولله الذي شرع الصلاة وأقدرني عليها {الرحمن الرحيم} ذي الرحمة العامة التي وسعت كل شيء والخاصة بمن شاء من عباده المخلصين.
وإذا قلت: {الحمد لله رب العالمين} فاستحضر من معناها أن كل ثناء جميل بالحق فهو للهتعالى استحقاقا وفعلا، من حيث إنه الرب خالق العالمين ومدبر جميع أمورهم {الرحمن} في نفسه {الرحيم} بخلقه {مالك يوم الدين} ذي الملك والتصرف دون غيره يوم محاسبة الخلق ومجازاتهم بأعمالهم فلا يرجى غيره، وإذا قلت: {إياك نعبد} إلخ فتذكر أنك تخاطب هذا الرب العظيم كفاحا بما يجب أن تكون صادقا فيه، ومعناه نعبدك وحدك دون سواك بدعائك والتوجه إليك {وإياك نستعين} نطلب معونتك وحدك على عبادتك وعلى جميع شئوننا، بالعلم بما أعطيتنا من الأسباب، وبالتوكل عليك وحدك عند العجز عنها {اهدنا الصراط المستقيم} دلنا وأوصلنا بتوفيقك ومعونتك إلى طريق الحق في العلم والعمل، الذي لا عوج فيه ولا زلل {صراط الذين أنعمت عليهم} بالإيمان الصحيح والعمل الصالح وثمرتهما وهي سعادة الدارين، وتذكر إجمالا أولئك المنعم عليهم " من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين " وأن حظك من هذه الهداية لصراطهم إنما يكون بالتأسي والاقتداء بهم في الدنيا، ومرافقتهم في الآخرة، وحسن أولئك رفيقا " {صراط الذين أنعمت عليهم} فضلا وإحسانا منك {غير المغضوب عليهم} بإيثارهم الباطل على الحق، وترجيحهم الشر على الخير {ولا الضالين} عن طريق الحق والخير بجهلهم
{ الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } [الكهف: 104].
وأنصح لك أيها التالي للقرآن في الصلاة وفي غير الصلاة، أن تقرأه على مكث وتمهل، بخشوع وتدبر، وأن تقف على رءوس الآيات، وتعطي القراءة حقها من التجويد والنغمات، مع اجتناب التكلف والتطريب، واتقاء الاشتغال بالألفاظ عن المعاني، فإن قراءة آية واحدة مع التدبر والخشوع، خير لك من قراءة ختمة مع الغفلة، ومن المجربات: أن تغميض العينين في الصلاة يثير الخواطر، ولذلك كان مكروها، وأن رفع الصوت المعتدل في الصلاة الجهرية ولا سيما صلاة الليل يطرد الغفلة، ويوقظ راقد الخشية، وإعطاء كل أسلوب حقه من الأداء والصوت يعين على الفهم، ويستفيض ما غاض بطول الغفلة من شآبيب الدمع.

 

تفسير سفيان الثوري

Tafseer Not Available

تفسير عبد الرزاق الصنعاني

Tafseer Not Available

تفسير مجاهد

. أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الثِّقَةُ أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ خَيْرُونَ رَحِمَهُ اللَّهُ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي شَهْرِ اللَّهِ الْأَصَمِّ رَجَبٍ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمِّي الْعَدْلُ أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَيْرُونَ فَأَقَرَّ بِهِ فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، قَالَ: أَنْبَأَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْهَمَذَانِيِّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ بِسُوقِ يَحْيَى مَشْرَعَةَ التَّبَّانِينَ فِي الْمَسْجِدِ قَدِمَ عَلَيْنَا وَقْتَ الْحَجِّ فِي غُرَّةِ ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْهَمَذَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَرِئُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُجَاوِزُونَ الْعَشْرَ حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ قَالَ: فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعاً [الفاتحة: 1]

تفسير مقاتل بن سليمان

بسم الله الرحمن الرحيم قَالَ: حدثنا عُبَيْدُ الله، قال: وحدثني أبى عن [3 ب] الْهُذَيْلِ عن سُفْيَان عن مَنْصُور عن مُجَاهِد، قال: قَالَ : فاتحة الكتاب مدنية.
قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، قال: وحدثني أبي عن الهذيل عن مُقَاتِلٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ مَدَنِيَّةٌ .
سُورَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ سَبْعُ آيَاتٍ كوفية وهي مدنية ويقال مكية . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

تيسير التفسير للقطان

بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ١ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٢ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ٤ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٥ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ٦ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ ٧


{ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}: الحمد والمدحُ أخَوانِ لفظاً، ومعناهما الثناء الجميل، وهما هنا بقصد التعظيم والتبجيل في الضّراء والسراء على السواء.
وبعضهم فرقاً بينهما، فيقول: الحمد يكون بعد الإحسان وهو مأمور به دائما لحديث:
"من لم يحمَدِ الناسَ لم يحمد الله"
أما المدح فيكون قبل الاحسان وبعده. وهو منهيٌّ عنه، لحديث "احثُوا في وجوه المدّاحين التراب"
والربّ في كلام العرب له معان ثلاثة: السيد المطاع، والرجل المصْلِح للشيء، والمالك للشيء.
فربُّنا جل ثناؤه: السيد المطاع في خلقه، والمصلح أمْرَ خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخَلْق والأمر.
{ٱلْعَالَمِينَ}: جميع الكائنات في هذا الوجود.
فمعنى {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} الحمد لله الذي له الخلق كله، السماوات والأرض، ومن فيهن وما بينهن، مما يُعلم وما لا يُعلم، فالثناء المطلق الذي لا يُحَدّ لله سبحانه إنما كان لأنه هو رب العالمين.
{ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}: الرحمن صفة ذاتية هي مبدأ الرحمة، وقد تقدم انه لا يوصف بها الا الله:
{ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ } [الرحمن:1ـ2]. { ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } [طه:5]. { قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ } [الإسراء:110].
أما الرحيم، فقد كثر استعمالها في القرآن وصفاً فعليا وجاءت بأسلوب ايصال النعمة والرحمة:
{ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ } [البقر:143] { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } [الأعراف:156] { وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً } [الأحزاب:43]. ولا نطيل أكثر من ذلك، وإنما نريد أن نبين هنا نكتة إعادتهما وتكرارهما. فنأياً عن أن يُفهم من لفظة الرب صفة الجبروت والقهر اراد اللهتعالى أن يذكِّر الخلق برحمته واحسانه، ليجمعوا بين اعتقاد الجلال والجمال. فذكَر "الرحمن" اي المفيض للنعم بسعة وتجدُّد لا منتهى لهما، و"الرحيم" الثابتَ له وصف الرحمة، لا تزايله أبدا. بذا عرّفهم أن ربوبيته رحمة واحسان، ليعلموا ان هذه الصفة هي الأصلية التي يرجع اليها معنى بقية الصفات فيتعلقوا به ويُقبلوا على اكتساب مرضاته.
هذا وإن تكرار وصف الله لنفسه بالرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب لهو تأكيد لمعنى ان الدين الذي كتابه القرآن انما تقوم فضائله ونظُمه على الرحمة والحب والإحسان.
وإذا كان الحمد لله والثناء عليه مرجعهما وأساسهما التربية من الله للعالَم فما أجدر المؤمن ان يتخلق بخُلق الله، وان يلتمس الحمد والثناء من هذا السبيل الكريم. فمن حمّله الله مسئولية التربية من إمام أو معلّم أو أحد الزوجين فإن عليه أن يعتبر ما كُلف برعايته أمانةً عنده من المربي الاعظم سبحانه، فلْيمضِ فيها على سَنَن الرحمة والاحسان لا الجبروت والطغيان. ان ذلك أوفى الى ان يُصلح الله به، وأقربُ ان تناله رحمته.
{مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ}: قرىء: "مَلك يَوم الدِّين" و "مالكِ يوم الدين" قراءتان يدل مجموعهما على ان المُلك والمِلك في يوم القيامة لله وحده.
{ يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } [الإنفطار:19] لا يشاركه في ذلك أحدٌ ممن خلق.
وللفظ "الدين" معان كثيرة، منها المكافأة والعقوبة، وهذا المعنى يناسب المقام.
وفي هذا تربية أُخرى للعبد، فإنه إذا آمن بأن هناك يوماً يظهر فيه احسان المحسن، واساءة المسيء، وأن زمام الحكم في ذلك اليوم العظيم بيد الله ـ تكوّن عنده خُلُق المراقبة، وتوقَّع المحاسبة، فكان ذلك أعظمَ سبيل لإصلاح كل ما يعمل.
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: نخصّك بالعبادة ونخصك بطلب المعونة. والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلُّل، لذلك لم يستعمل اللفظُ الا في الخضوعِ للهتعالى، لأنهُ مولي أعظم النعم، فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع.
أمرنا اللهتعالى أن لا نعبد غيره لأنه هو الإلَه الواحد لا شريك له. وترشدنا عبارة {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الى أمرين عظيمين هما معراج السعادة في الدنيا والآخرة.
أحدهما: أن نعمل الاعمال النافعة ونجتهد في إتقانها ما استطعنا، لأن طلب المعونة لا يكون الا على عملٍ يود المرء أن يبذل فيه طاقته، فهو يطلب المعونة على اتمامه.
وثانيهما: قصْر الاستعانة بالله عليه وحده.
وليس في هذا ما ينافي التعاون بين الناس.

{ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ } [المائدة:2].
فان هذا التعاون في دائرة الحدود البشرية لا يخرج عنها.
قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن. وسرُّها هذه الكلمة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فالقسم الأول من الآية تبرؤ من الشِرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، وتفويضٌ إلى الله عز وجل.
{ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}: هداه الله هُدًى وهَدْياً وهِدَايةً الى الإيمان أرشده، وهداه الى الطريق وهداه الطريق وللطريق بيّنة له وعرّفه به. و الهداية دلالة بلطف، كما يقول الراغب الاصفهاني، والصراط المستقيم: هو الطريق الواضح الذي لا عوج فيه ولا انحراف.
والصراط المستقيم ههنا هو جملة ما يوصِل الناس الى سعادة الدنيا والآخرة من عقائد وآداب وأحكام من جهتي العلم والعمل، وهو سبيل الاسلام الذي ختم الله به الرسالاتِ وجعل القرآن دستوره الشامل، ووكل الى الرسول الكريم تبليغه وبيانه.
فالشريعة الاسلامية في جميع امورها من عقيدة، واخلاق، وتشريع، وفي صلة الانسان بالحياة، وعلاقته بالمجتمع، وعلاقة المسلمين بالأمم ـ تأخذ الطريق الصائب، لا إفراط ولا تفريط. هذا هو الصراط المستقيم.
وهداية اللهتعالى لا تحصى، نذكر منها:
أولاً: الهداية التي تعم كل مكلَّف بحيث يهتدي الى مصالحه، كالعقل والفطنة والمعارف الضرورية كما قال عز وجل
{ ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ } [طه:50].
ثانياً: نَصْبُ الدلائل الفارقة بين الحق والباطل، والصلاح والفساد:
{ وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ } [البلد:10]، وقوله: { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } [فصلت:17].
ثالثاً: الهداية بإرسال الرسل وانزال الكتب:
{ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } [الآنبياء:73]، وقوله: { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } [الإسراء:9].
رابعاً: الكشف عن كثير من أسرار الأشياء كما هي، بالوحي والالهام والرؤيا الصادقة. وهذا القسم يختص بنيله الأولياء. والى ذلك اشار سبحانه وتعالى بقوله:
{ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } [الأنعام:90].
وقال ابن تيمية: "كل عبد مضطرٌّ دائما الى مقصود هذا الدعاء، أي هداية الصراط المستقيم. فإنه لا نجاة من العذاب إلا بهذه الهداية، ولا وصول الى السعادة الا بها، فمن فاته هذا الهدى فهو إما من المغضوب عليهم، واما من الضالين". وهذا الاهتداء لا يحصل الا بهدى الله
{ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً } [الكهف:17].
وقد بين اللهتعالى هذا الصراط المستقيم بقوله: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}.
اختلف المفسرون في بيان: الذين أنعم اللهُ عليهم، والمغضوبِ عليهم، والضآلِّين ـ وكتبوا وطوّلوا في ذلك. وأحسن ما قيل في ذلك ان الآية دلّت على أن الناس ثلاث فرق:
الفرقة الأولى: أهل الطاعة
{ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } [البقرة:3ـ5]، وهؤلاء هم الذين انعم الله عليهم.
الفرقة الثانية: الكافرون:
{ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } [البقرة:6ـ7]، وهؤلاء هم أهل النقمة المغضوب عليهم.
الفرقة الثالثة: هم المنافقون الحائرون، المترددون بين إيمانهم الظاهر وكفرهم الباطني
{ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً } [البقرة:10] فهم { وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوۤا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } [البقرة:14]. وهؤلاء هم الضالّون المتحيرون.
وقد فصّل اللهتعالى هذه الفرق الثلاث في أول سورة البقرة كما سيأتي ان شاء الله.
القراءات:
قرأ ابنُ كَثير برواية قنبل، والكسائي عن طريق رويس "السراط" بالسين في الموضعَين، وقرأ الباقون "الصراط" بالصاد، وهي لغة قريش.
هذه هي سورة الفاتحة، وقد تكفّل نصفُها الاول ببيان الحقيقة التي هي أساس هذا الوجود: تقرير ربوبية الله للعاملين ورحمته ورحمانيته، وتفرُّده بالسلطان يوم الدين؛ وتكفّل نصفها الثاني ببيان أساس الخطة العملية في الحياة، سواء في العبادات أو المعاملات. فالعبادة لله، والاستعانة به، والهداية منه بالتزام طريق الله، والبعد عن طريق الجاحدين والضالين المتحدّين.
هذا والمتتبع للقرآن جميعه، الواقف على مقاصده ومعارفه، يرى أنه جاء تفصيلاً لما أجملته هذه السورة الكريمة.
بهذا كانت "فاتحة الكتاب" و"أمَّ القرآن" و"السبع المثاني" والسورة الوحيدة التي طُلبت من المؤمنين في كل ركعة من كل صلاة.

جامع البيان للإيجي

(بِسْمِ اللهِ)، أي: متبركًا باسم مسمى لهذا اللفظ الجامع لجميع صفات الكمال أقرأ أو مستعينًا به كما في: كتبت بالقلم، (الرَّحْمَنِ): الموصوف بصفة إرادة لخير لجميع الخلائق ولا يطلق إلا على الله تعالى، (الرَّحِيمِ): بالمؤمنين ويطلق على غيره.

روح المعاني

خطبة المفسِّر

حمدًا لمن جعل روح معاني الأكوان تفسيرًا لآيات قدرته وصير نقوش أشباح الأعيان بيانًا لبينات وحدته وأظهر من غيب هويته قرآنًا غدا فرقانه كشافًا عن فرق الكتب الإلهية الغياهب وأبرز من سجف ألوهيته نورًا أشرق على مرايا الكائنات بحسب مزايا الاستعدادات فاتضحت من معالم العوالم المراتب. وصلاة وسلامًا على أول ذرة أضاءت من الكنز المخفي في ظلمة عماء القدم فأبصرتها عين الوجود وعلة إيجاد كل ذرة برأتها يد الحكيم إذ تردت في هوة العدم فعادت ترفل بأرْدِيةِ كرم وجود مهبط الوحي الشفاهي الذي ارتفع رأس الروح الأمين بالهبوط إلى موطيء أقدامه ومعدن السر الإلهي الذي انقطع فكر الملأ الأعلى دون ذكر الوصول إلى أدنى مقامه فهو النبي الذي أبرزه مولاه من ظهور الكُمون إلى حواشي متون الظهور ليكون شرحًا لكتاب صفاته وتقريرًا ورفعه بتخصيصه من بين العموم بمظهرية سره المستور وأنزل عليه (قرآنا عربيًّا غير ذي عوج ليكون للعالمين نذيرًا) وشق له من اسمه ليجله    فذو العرش محمود وهذا محمد   وعلى آله وأصحابه مطالع أنوار التنزيل ومغارب أسرار التأويل الذين دخلوا عكاظ الحقائق بالوساطة المحمدية فما برحوا حتى ربحوا فباعوا نفوسًا وشروا نفيسًا وقطعوا أسباب العلائق بالهمم الحقيقية فما عرجوا حتى عرجوا فلقوا عزيزًا وألقوا خسيسًا فهم النجوم المشرقة بنور الهدى والرجوم المحرقة لشياطين الردى رضي الله عنهم وأرضاهم وإلى متبعيهم وأولاهم ما سرحت روح المعاني في رياض القرآن، وسبحت أشباح المباني في حياض العرفان . 
أما بعد فيقول عيبة العيوب وذنوب الذنوب أفقر العباد إليه - عز شأنه - مدرس دار السلطنة العلية ومفتي بغداد المحمية أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي عفى الله عنه- : إن العلوم وإن تباينت أصولها وغربت وشرقت فصولها واختلفت أحوالها واتهمت وأنجدت أقوالها وتنوعت أبوابها وأشأمت وأعرقت أصحابها وتغايرت مسائلها وأيمنت وأيسرت وسائلها؛ فهي بأسرها مهمة ومعرفتها على العلات نعمة إلا أن أعلاها قدرًا وأغلاها مهرًا وأسناها مبنى واسماها معنى وأدقها فكرًا وأرقها سرًّا وأعرقها نسبًا وأعرفها أبًا وأقومها قيلاً وأقواها قبيلاً وأحلاها لسانًا وأجلاها بيانًا وأوضحها سبيلاً وأصحها دليلاً وأفصحها نطقًا وأمنحها رفقًا - العلوم الدينية والفهوم اللدنية فهي شمس ضحاها وبدر دجاها وخال وجنتها ولعس شفتها ودعج عيونها وغنج جفونها وحبب رضابها وتنهد كعابها ورقة كلامها ولين قوامها على نفسه، فليبك من ضاع عمره وليس له منها نصيب ولا سهم فلا ينبغي لعاقل أن يستغرق النهار والليل إلا في غوص بحارها أو يستنهض الرجل والخيل إلا في سبر أغوارها أو يصرف نفائس الأنفاس إلا في مهور أبكارها أو ينفق بدر الأعمار إلا لتشوف بدر اسرارها إذا كان هذا الدمع يجري صبابة على غير سمي فهو دمع مضيع وإن من ذلك علم التفسير الباحث عما أراده الله سبحانه بكلامه المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فهو الحبل المتين والعروة الوثقى والصراط المبين والوزر الأقوى والأوقى ، وإني ولله تعالى المنة مذ ميطت عني التمائم ونيطت على رأسي العمائم لم أزل متطلبًا لاستكشاف سره المكتوم مترقبًا لارتشاف رحيقه المختوم طالما فرقت نومي لجمع شوارده وفارقت قومي لوصال خرائده فلو رأيتني وأنا أصافح بالجبين صفحات الكتاب من السهر وأطالع إن أعوز الشمع يومًا على نور القمر في كثير من ليالي الشهر وأمثالي إذ ذاك يرفلون في مطارف اللهو ويرقلون في ميادين الزهو ويؤثرون مسرآت الأشباح على لذات الأرواح ويهبون نفائس الأوقات لنهب خسائس الشهوات وأنا مع حذاثة سني وضيق عطني لا تغرني حالهم ولا تغيرني أفعالهم كأن لبني لمبانتي ووصال سعدي سعادتي حتى وقفت على كثير من حقائقه ووفقت لحل وفير من دقائقه وثقبت والثناء لله تعالى من دره بقلم فكري درأ مثمنًا ولا بدع فأنا من فضل الله الشهاب وأبو الثنا وقبل أن يكمل سني عشرين جعلت أصدح به وأصدع وشرعت أدفع كثيرًا من إشكالات الأشكال وأدفع وأتجاهر بما ألهمنيه ربي مما لم أظفر به في كتاب من دقائق التفسير وأعلق على ما أغلق مما لم تعلق به ظفر كل ذي ذهن خطير ولست أنا أول من مَنَّ الله تعالى عليه بذلك ولا آخر من سلك في هاتيك المسالك فكم وكم للزمان ولد مثلي وكم تفضل الفرد عز شأنه على كثير بأضعاف فضلي ؛ ألا إنما الأيام ابناء واحد وهذي الليالي كلها أخوات إلا أن رياض هذه الأعصار عراها إعصار وحياض تيك الأمصار أعتراها إعتصار فصار العلم بالعيوق والعلماء أعز من بيض الأنوق ، والفضل معلق بأجنحة النسور وميت حي الأدب لا يرجي له نشور كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر ولكن الملك المنان أبقى من فضله الكثير قليلاً من ذوي العرفان في هذه الأزمان دينهم اقتناص الشوارد وديدنهم افتضاض أبكار الفوائد يروون فيروون ويقدحون فيورون لكل منهم مزية لا يستتر نورها ومرتبة لا ينتثر نورها طالما أقتطفت من أزهارهم واقتبست من أنوارهم وكم صدر منهم أودعت علمه صدري وحبر فيهم أفنيت في فوائده حبري ولم أزل مدة على هذه الحال لا أعبأ بما عبالي مما قيل أو يقال كتاب الله لي أفضل مؤانس وسميري إذا أحلولكت ظلمة الحنادس نعم السمير كتاب الله إن له حلاوة هي أحلى من جنى الضرب به فنون المعاني قد جمعن فما تفتر من عجب إلا إلى عجب أمر ونهي وأمثال وموعظة وحكمة أودعت في أفصح الكتب لطائف يجتليها كل ذي بصر وروضة يجتنيها كل ذي أدب وكانت كثيرًا ما تحدثني في القديم نفسي أن أحبس في قفص التحرير ما اصطاده الذهن بشبكة الفكر أو اختطفه بان الإلهام في جو حدسي فأتعلل تارة بتشويش البال بضيق الحال وأخرى بفرط الملال لسعة المجال إلى أن رأيت في بعض ليالي الجمعة من رجب الأصم سنة الألف والمائتين والاثنتين والخمسين بعد هجرة النبي رؤية لا أعدها أضغاث أحلام ولا أحسبها خيالات أوهام إن الله جل شأنه وعظم سلطانه أمرني بطي السموات والأرض ورتق فتقهما على الطول والعرض فرفعت يدًا إلى السماء وخفضت الأخرى إلى مستقر الماء ثم انتبهت من نومتي وأنا مستعظم رؤيتي فجعلت أفتفش لها عن تعبير فرأيت في بعض الكتب أنها إشارة إلى تأليف تفسير فرددت حينئذ على النفس تعللها القديم وشرعت مستعينًا بالله تعالى العظيم 
وكأني إن شاء الله تعالى عن قريب عند إتمامه بعون عالم سري ونجواي أنادي وأقول غير مبال بتشنيع جهول : هذا تأويل رؤياي وكان الشروع في الليلة السادسة عشرة من شعبان المبارك من السنة المذكورة وهي السنة الرابعة والثلاثون من سني عمري جعلها الله تعالى بسني لطفه معمورة وقد تشرف الذهن المشتت بتأليفه وأحكمت غرف مغاني المعاني بمحكم ترصيفه زمن خلافة الله الأعظم وظله المبسوط على خليقته في العالم مجدد نظام القواعد المحمدية ومحدد جهات العدالة الإسلامية [ سورة الحمد الذي أظهره الرحمن في صورة الملك لكسر سورة الكافرين وآية السيف الذي عوده الفاطر الفتح والنصر وأيده بمرسلات الذاريات في كل عصر فويل للمنافقين من نازعات أرواحهم إذا عبس] صمصام عزمه المتين حضرة مولانا السلطان ابن السلطان سلطان الثقلين وخادم الحرمين المجدد الغازي محمود خان العدلي بن السلطان عبدالحميد خان أيده الرحمن وأبَّد ملكه ما دام الدوران آمين ! وبعد أن أبرمت حبل النية ونشرت مطوى الأمنية وعرا المخاض قريحة الأذهان وقرب ظهور طفل التفسير للعيان جعلت أفكر ما اسمه وبماذا أدعوه إذا وضعته أمه فلم يظهر لي اسم تهتشن له الضمائر وتبتش من سماعه الخواطر فرعضت الحال لدى حضرة وزير الوزراء ونور حديقة البهاء ونور حدقة الوزراء آية الله التي لا تنسخها آية ورب النهي الذي ليس له نهاية وصاحب الأخلاق التي ملك بها القلوب ومعدن الأذواق التي يكاد أن يعلم معها الغيوب مولانا علي رضا باشا لا زال له الرضا غطاء وفراشا فسماه على الفور وبديهة ذهنه تغنى عن الغور [روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني] فيا له اسم ما اسماه نسأل الله تعالى أن يطابقه مسماه وأحمد الله تعالى حمدًا غضًّا وأصلي وأسلم على نبيه النبيه حتى يرضى وقد آن وقت الشروع في المقصود مقدما عليه فوائد يليق أن تكتب بسواد العيون على صفحات الخدود فأقول الفائدة الأولى في معنى التفسير والتأويل وبيان الحاجة إلى هذا العلم وشرفه 
أما معناهما فالتفسير تفعيل من الفسر وهو لغة: البيان والكشف ، والقول بأنه مقلوب السفر مما لا يسفر له وجه ويطلق التفسير على التعرية للانطلاق يقال: فسرت الفرس إذا عريته لينطلق ولعله يرجع لمعنى الكشف كما لا يخفى بل كل تصاريف حروفه لا تخلو عن ذلك كما هو ظاهر لمن أمعن النظر 
ورسموه بأنه : علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك كمعرفة النسخ وسبب النزول وقصة توضح ما أبهم في القرآن ونحو ذلك .
والتأويل من الأول وهو الرجوع والقول بأنه من الأيالة وهي السياسة كأن المؤول للكلام ساس الكلام ووضع المعنى فيه موضعه ليس بشيء . واختلف في الفرق بين التفسير والتأويل فقال أبو عبيدة: هما بمعنى وقال الراغب : التفسير أعم وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها في الكتب الإلهية وغيرها والتأويل في المعاني والجمل في الكتب الإلهية خاصة وقال الماتريدي : 
التفسير القطع بأن مراد الله تعالى كذا ، والتأويل ترجيح أحد المحتملات بدون قطع وقيل : التفسير ما يتعلق بالرواية والتأويل ما يتعلق بالدراية وقيل غير ذلك . وعندي أنه إن كان المراد الفرق بينهما بحسب العرف فكل الأقوال فيه ما سمعتها وما لم تسمعها مخالفة للعرف اليوم إذ قد تعارف من غير نكير أن التأويل إشارة قدسية ومعارف سبحانية تنكشف من سجف العبارات للسالكين وتنهل من سحب الغيب على قلوب العارفين والتفسير غير ذلك وإن كان المراد الفرق بينهما بحسب ما يدل عليه اللفظ مطابقة فلا أظنك في مرية من رد هذه الأقوال أو بوجه ما ، فلا أراك ترضى إلا أن في كل كشف إرجاعًا وفي كل إرجاع كشفًا فافهم وإما بيان الحاجة إليه فلأن فهم القرآن العظيم المشتمل على الأحكام الشرعية التي هي مدار السعادة الأبدية وهو العروة الوثقى والصراط المستقيم أمر عسير لا يهتدي إليه إلا بتوفيق من اللطيف الخبير حتى أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم على علو كعبهم في الفصاحة واستنارة بواطنهم بما أشرق عليها من مشكاة النبوة كانوا كثيرًا ما يرجعون إليه بالسؤال عن أشياء لم يعرجوا عليها ولم تصل أفهامهم إليها بل ربما التبس عليهم الحال ففهموا غير ما أراده الملك المتعال كما وقع لعدي بن حاتم في الخيط الأبيض والأسود ، ولا شك أنا محتاجون إلى ما كانوا محتاجين إليه وزيادة وأما بيان شرفه فلان شرف العلم بشرف موضوعه وشرف معلومه وغايته وشدة الاحتياج إليه وهو حائز لجميعها فإن موضوعه كلام الله تعالى وماذا عسى أن يقال فيه ومعلومه مع أنه مراد الله تعالى الدال عليه كلامه جامع للعقائد الحقة والأحكام الشرعية وغيرها وغايته الاعتصام بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها والوصول إلى سعادة الدارين وشدة الاحتياج إليه ظاهرة مما تقدم بل هو رئيس جميع العلوم الدينية لكونها مأخوذة من الكتاب وهي تحتاج من حيث الثبوت أو من حيث الاعتداد إلى علم التفسير وهذا لا ينافي كون الكلام رئيسها أيضًا لأن علم التفسير لتوقفه على ثبوت كونه تعالى متكلمًا يحتاج إلى الكلام والكلام لتوقف جميع مسائله من حيث الثبوت أو الاعتداد على الكتاب يتوقف على التفسير فيكون كل منهما رئيسًا للآخر من وجه على أن رياسة التفسير بناء على ذلك الشرف مما لا ينتطح فيه كبشان وأما الآثار الدالة على شرفه فكثيرة أخرج ابن أبي حاتم وغيره من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : (يؤتى الحكمة) قال : المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخة ومحكمة ومتشابهة ومقدمة ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله وأخرج أبو عبيدة عن الحسن قال : ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن تعلم فيما أنزلت وما أراد بها وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن مرة قال : ما مررت بآية لا أعرفها إلا أحزنتني لأني سمعت الله يقول : وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون إلى غير ذلك 
الفائدة الثانية فيما يحتاجه التفسير ومعنى التفسير بالرأي وحكم كلام السادة الصوفية في القرآن فأما ما يحتاجه التفسير فأمور: الأول علم اللغة لأن به يعرف شرح مفردات الألفاظ ومعلولاتها بحسب الوضع ولا يكفي اليسير إذ قد يكون اللفظ مشتركًا وهو يعلم أحد المعنيين والمراد الآخر فمن لم يكن عالمًا بلغات العرب لا يحل له التفسير كما قاله مجاهد وينكل كما قاله مالك وهذا مما لا شبهة فيه. نعم روى عن أحمد أنه سئل عن القرآن يمثل له الرجل ببيت من الشعر فقال : ما يعجبني وهو ليس بنص في المنع عن بيان المدلول اللغوي للعارف كما لا يخفى. الثاني: معرفة الأحكام التي للكلم العربية من جهة إفرادها وتركيبها ويؤخذ ذلك من علم النحو. أخرج أبو عبيدة عن الحسن أنه سئل عن الرجل يتعلم العربية يلتمس بها أحسن المنطق ويقيم بها قراءته فقال : حسن فتعلمها فإن الرجل يقرأ الآية فيعيا بوجهها فيهلك فيها وفي قصة الأسود ما يغني عن الإطالة. الثالث :علم المعاني والبيان والبديع ويعرف بالأول خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى وبالثاني خواصها من حيث اختلافها وبالثالث وجوه تحسين كلام وهو الركن الأقوم واللازم الأعظم في هذا الشأن كما لا يخفى ذلك على من ذاق طعم العلوم ولو بطرف اللسان . الرابع : تعيين مبهم وتبيين مجمل وسبب نزول ونسخ ويؤخذ ذلك من علم الحديث. الخامس: معرفة الإجمال والتبيين والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد ودلالة الأمر والنهي وما أشبه هذا وأخذوه من أصول الفقه. السادس : الكلام فيما يجوز على الله وما يجب له وما يستحيل عليه والنظر في النبوة. ويؤخذ هذا من علم الكلام ولولاه يقع المفسر في ورطات . السابع : علم القراءات لأنه به يعرف كيفية النطق بالقرآن وبالقراءات ترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض . هذا وعدَّ السيوطي مما يحتاج إليه المفسر علم التصريف وعلم الاشتقاق.  وأنا أظن أن المهارة ببعض ما ذكرنا يترتب عليهما من الثمرة . وعد أيضًا علم الفقه ولم يعده غيره ولكل وجهة وعد علم الموهبة أيضًا من ذلك قال: وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم وإليه الإشارة بالحديث : ((من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم)) ثم قال: ولعلك تستشكل علم الموهبة وتقول: هذا شيء ليس في قدرة الإنسان تحصيله وليس كما ظننت والطريق في تحصيله ارتكاب الأسباب الموجبة له من العمل والزهد إلى آخر ما قاله وفيه أن علم الموهبة بعد تسليم أنه كسبي إنما يحتاج إليه في الاطلاع على الأسرار لا في أصل فهم معاني القرآن كما يفهمه كلام البرهان وكثير من المفسرين بصدد الثاني والواقفون على الأسرار وقليل ما هم لا يستطيعون التعبير عن كثير مما أفيض عليهم فضلاً عن تحريره وإقامة البرهان عليه على أن ذلك تأويل لا تفسير فلعل السيوطي أراد من عبارته معنى آخر يظهر لك بالتدبر فتدبر. وأما التفسير بالرأي فالشائع المنع عنه واستدل عليه بما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي من قوله : من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ. وفي رواية عن أبي داود: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار. ولا دليل في ذلك أما أولاً فلأن في صحة الحديث الأول مقالاً قال في المدخل: في صحته نظر وإن صح فإنما أراد به والله تعالى أعلم فقد أخطأ الطريق إذ الطريق الرجوع في تفسير ألفاظه إلى أهل اللغة وفي نحو الناسخ والمنسوخ إلى الأخبار وفي بيان المراد منه إلى صاحب الشرع فإن لم يجد هناك وهنا فلا بأس بالفكرة ليستدل بما ورد على ما لم يرد أو أراد : من قال بالقرآن قولاً يوافق هواه بأن يجعل المذهب أصلاً والتفسير تابعًا له فيرد إليه بأي وجه فقد أخطأ ؛ فالباء على ذلك سببية أو يقال ذلك في المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله أو في الجزم بأن مراد الله تعالى كذا على القطع من غير دليل. وأما الحديث الثاني فله معنيان الأول: من قال في مشكل القرآن بما لا يعلم فهو متعرض لسخط الله تعالى. والثاني وصحح من قال في القرآن قولاً يعلم أن الحق غيره فليتبوأ مقعده من النار. وأما ثانيًا فلأن الأدلة على جواز الرأي والاجتهاد في القرآن كثيرة وهي تعارض ما يشعر بالمنع فقد قال تعالى : (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) وقال تعالى : (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) وقال تعالى : (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب) وأخرج أبو نعيم وغيره من حديث ابن عباس: (( القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه)) وقد دعا رسول الله لابن عباس بقوله: (( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)) وقد روى عن علي كرم الله وجهه أنه سئل: هل خصكم رسول الله بشيء؟ فقال : ما عندنا غير ما في هذه الصحيفة أو فهم يؤتاه الرجل في كتابه . إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة والعجب كل العجب مما يزعم أن علم التفسير مضطر إلى النقل في فهم معاني التراكيب ولم ينظر إلى اختلاف التفاسير وتنوعها ولم يعلم أن ما ورد عنه في ذلك كالكبريت الأحمر فالذي ينبغي أن يعول عليه أن من كان متبحرًا في علم اللسان مترقيًا منه إلى ذوق العرفان وله في رياض العلوم الدينية أو في مرتع وفي حياضها أصفى مكرع يدرك إعجاز القرآن بالوجدان لا بالتقليد وقد غدا ذهنه لما أغلق من دقائق التحقيقات أحسن إقليد فذاك يجوز له أن يرتقي من علم التفسير ذروته ويمتطي منه صهوته وأما من صرف عمره بوساوس أرسطاطاليس واختار شوك القنافذ على ريش الطواويس فهو بمعزل عن فهم غوامض الكتاب وإدراك ما تضمنه من العجب العجاب. وأما كلام السادة الصوفية في القرآن فهو من باب الإشارات إلى دقائق تنكشف عن أرباب السلوك ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة وذلك من كمال الإيمان ومحض العرفان لا أنهم اعتقدوا أن الظاهر غير مراد أصلاً وإنما المراد الباطن فقط إذ ذاك اعتقاد الباطنية الملاحدة توصلوا به إلى نفي الشريعة بالكلية وحاشى سادتنا من ذلك كيف وقد حضوا على حفظ التفسير الظاهر وقالوا: لا بد منه أولاً إذ لا يطمع في الوصول إلى الباطن قبل أحكام الظاهر ومن ادعى فهم أسرار القرآن قبل إحكام التفسير الظاهر فهو كمن ادعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب ومما يؤيد أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال : القرآن ذو شجون وفنون وظهور وبطون لا تنقضي عجائبه ولا تبلغ غايته، فمن أوغل فيه برفق نجا،  ومن أوغل فيه بعنف هوى. أخبار وأمثال وحلال وحرام وناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه وظهر وبطن، فظهره التلاوة وبطنه التأويل؛ فجالسوا به العلماء وجانبوا به السفهاء .
وقال ابن مسعود : من أراد علم الأولين والآخرين فليتل القرآن. ومن المعلوم أن هذا لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر وقد قال بعض من يوثق به: لكل آية ستون ألف فهم، وروى عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع)) قال ابن النقيب: إن ظاهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر وباطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله تعالى عليها أرباب الحقائق. ومعنى قوله: ولكل حرف حد أن لكل حرف منتهى فيما أراده الله تعالى من معناه ومعنى قوله: ولكل حد مطلع أن لكل غامض من المعاني والأحكام مطلعًا يتوصل به إلى معرفته ويوقف عن القدر يكفي بعد ذلك في المقصود كما لا يخفى على من لم يركب مطية الجحود المراد به وقيل في رواية: لكل آية ظهر وبطن وحد ومطلع .والمذكور بوساطة الألفاظ وتأليفاتها وضعًا وإفادة وجعلها طرقا إلى استنباط الأحكام الخمسة هو الظهر وروح الألفاظ أعني الكلام المعتلى عن المدارك الآلية بجواهر الروح القدسية هو البطن وإليه الإشارة بقول الأمير السابق والحد إما بين الظهر والبطن يرتقى منه إليه وهو المدرك بالجمعية من الجمعية وإما بين البطن والمطلع فالمطلع مكان الاطلاع من الكلام النفسي إلى الاسم المتكلم المشار إليه بقول الصادق: (( لقد تجلى الله تعالى في كتابه لعباده ولكن لا يبصرون)) والحد بينهما يرتقي به من البطن إليه عند إدراك الرابطة بين الصفة والاسم واستهلاك صفة العبد تحت تجليات أنوار صفة المتكلم تعالى شأنه وقيل: الظهر التفسير والبطن التأويل والحد ما تتناهى إليه الفهوم من معنى الكلام والمطلع ما يصعد إليه منه فيطلع على شهود الملك العلام . انتهى .
فلا ينبغي لمن له أدنى مسكة من عقل بل أدنى ذرة من إيمان أن ينكر اشتمال القرآن على بواطن يفيضها المبدأ الفياض على بواطن من شاء من عباده ويا ليت شعري ماذا يصنع المنكر بقوله تعالى: (وتفصيلاً لكل شيء) وقوله تعالى: ( ما فرطنا في الكتاب من شيء) ويا الله العجب كيف يقول باحتمال ديوان المتنبي وأبياته المعاني الكثيرة ولا يقول باشتمال قرآن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآياته وهو كلام رب العالمين المنزل على خاتم المرسلين على ما شاء الله تعالى من المعاني المحتجبة وراء سرادقات تلك المباني سبحانك هذا بهتان عظيم، بل ما من حادثة ترسم بقلم القضاء في لوح الزمان إلا وفي القرآن العظيم إشارة إليها فهو المشتمل على خفايا الملك والملكوت وخبايا قدس الجبروت 
وقد ذكر ابن خلكان في تاريخه: أن السلطان صلاح الدين لما فتح مدينة حلب أنشد القاضي محيي الدين قصيدة بائية أجاد فيها كل الإجادة وكان من جملتها:  [ وَفَتْحُكَ القلعةَ الشهباءَ في صفرٍ ...   مبشرٌ بفتوحِ القدسِ في رجبِ]  فكان كما قال فسئل القاضي : من أين لك هذا؟! فقال: أخذته من تفسير ابن برجان في قوله تعالى : (ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) قال المؤرخ : فلم أزل أتطلب التفسير المذكور حتى وجدته على هذه الصورة وذكر له حسابًا طويلاً وطريقًا في استخراجه وله نظائر كثيرة ومن المشهور استنباط ابن الكمال فتح مصر على يد السلطان سليم من قوله تعالى : (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) فالإنصاف كل الإنصاف التسليم للسادة الصوفية الذين هم مركز للدائرة المحمدية ما هم عليه واتهام ذهنك السقيم فيما لم يصل لكثرة العوائق والعلائق إليه وإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار وسيأتي تتمة لهذا البحث إن شاء الله تعالى والله الهادي إلى سواء السبيل .
الفائدة الثالثة: اعلم أن لكتاب الله تعالى أسماء أنهاها شيدلة في البرهان إلى خمسة وخمسين اسما وذكر السيوطي بعد عدها في الإتقان وجوه تسميته بها ولم يذكر غير ذلك وعندي أنها كلها ترجع بعد التأمل الصادق إلى القرآن والفرقان رجوع أسماء الله تعالى إلى صفتي الجمال والجلال فهما الأصل فيها وقد اختلف الناس في تحقيق لفظ القرآن فالمروي عن الشافعي وبه قال جماعة: أنه اسم علم غير مشتق خاص بهذا الكلام المنزل على النبي المرسل وهو معرفًا غير مهموز عنده كما حكاه عنه البيهقي والخطيب وغيرهما والمنقول عن الأشعري وأقوام: أنه مشتق من قرنت الشيء إذا ضممته إليه وسمي به عندهم لقرآن السور والآيات والحروف فيه بعضها ببعض . وقال الفراء: هو مشتق من القرائن؛ لأن الآيات فيه يصدق بعضها بعضًا ويشبه بعضها بعضًا وهو على هذين القولين بلا همز أيضًا ونونه أصلية . وقال الزجاج: هذا القول غلط والصواب: أن ترك الهمزة فيه من باب التخفيف ونقل حركتها إلى ما قبلها فهو عنده وصف مهموز على فعلان مشتق من القرء بمعنى الجمع ومنه قرأت الماء في الحوض إذا جمعته وسمي به لأنه جمع السور كما قال أبو عبيدة أو ثمرات الكتب السالفة كما قال الراغب أو لأن القارئ يظهره من فيه أخذًا من قولهم: ما قرأت الناقة سلى قط كما حكى عن قطرب وعند اللحياني وجماعة هو مصدر كالغفران سمى به المقروء تسمية المفعول بالمصدر قال السيوطي : قلت والمختار عندي في هذه المسألة ما نص عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه. انتهى. وأنا متبري من حولي أقول قول الزجاج أرق من وجه إذ الشائع فيه الهمز وبه قرأ السبعة ما عدا ابن كثير وقد وجه إسقاطها بما مر آنفا ولم يوجه إثباتها وكأن قول السيوطي محض تقليد لإمام مذهبه حيث لم يذكر الدليل ولم يوضح السبيل وعندي أنه في الأصل وصف أو مصدر كما قال الزجاج واللحياني لكنه نقل وجعل علما شخصيًّا كما ذهب إليه الشافعي ومحققو الأصوليين وعليه لا يعرف القرآن لأن التعريف لا يكون إلا للحاق الكلية ولعل من عرفه بالكلام المنزل للإعجاز بسورة منه أراد تصوير مفهوم لفظ القرآن وكذا من قال كالغزالي أنه ما نقل بين دفتي المصحف تواترًا أراد تخصيص الاسم بأحد الأقسام الثلاثة مما نقل بين الدفتين ومما لم ينقل كالمنسوخ تلاوته نحو: ( إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) وما نقل ولم يتواتر نحو : (ثلاثة أيام متتابعات) ليعلم أن ذلك هو الدليل وعليه الأحكام من نحو منع التلاوة والمس محدثًا وإلا فيرد على الأول إن أريد التمييز أن كونه للإعجاز ليس لازمًا بينا إذ لا يعرفه إلا الأفراد من العلماء فضلاً  عن أن يكون ذاتيًّا فكيف يصح لتعريف الحقيقة وتمييزها وهو إنما يكون بالذاتيات أو باللوازم البينة وأيضًا أن معرفة السورة منه متوقفة على معرفته فيدور ويرد على الثاني مثل ثاني ما ورد على الأول إذ معرفة المصحف موقوفة على معرفة القرآن إذ ليس هو إلا ما كتب فيه القرآن فأخذه في تعريفه دور أيضًا. هذا وقد قال ساداتنا الصوفية أفاض الله تعالى علينا من فتوحاتهم القدسية : إن القرآن إشارة إلى الذات التي يضمحل بها جميع الصفات فهي المجلي المسمى بالأحدية أنزلها الحق تعالى شأنه على نبيه محمد ليكون مشهد الأحدية من الأكوان ومعنى هذا الإنزال أن الحقيقة الأحدية المتعالية في ذراها ظهرت فيه بكمالها وما ادخر عنه شيء بل أفيض عليه الكل كرمًا إليها ذاتيًّا ووصف القرآن في بعض الآيات بالكريم لذلك إذ رأى كرمًا يضاهي هذا الكرم وأنى تقاس هذه النعمة بسائر النعم وأما القرآن الحكيم فهوية الحقائق الإلهية يعرج العبد بالتحقيق بها في الذات شيئًا فشيئًا على ما اقتضته الحكمة وإلى ذلك أشار الحق تعالى بقوله : (ورتلناه ترتيلاً) وهذا الحكم لا ينقطع أبدًا إذ لا يزال العبد في ترق والحق في تجلٍّ فسبحان من لا تقيده الأكوان وهو كل يوم في شأن وأما القرآن العظيم في قوله تعالى : (ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم) فهو إشارة إلى الجملة الذاتية لا باعتبار النزول ولا باعتبار المكانة بل مطلق الأحدية الذاتية التي هي في مطلق الهوية الجامعة لجميع المراتب والصفات والشئون والاعتبارات ولهذا قرن بالعظيم. وأما (السبع المثاني) فهو ما ظهر عليه في وجوده من التحقق بالصفات السبع وأما قوله تعالى : (الرحمن علم القرآن) فهو إشارة إلى أن العبد إذا تجلى عليه الرحمن وجد لذة رحمانية تكسبه معرفة قرآنية فلا يعلم الحق إلا من طريق اسمائه وصفاته وأما الفرقان عندهم فإشارة إلى حقيقة الأسماء والصفات على اختلاف تنوعاتها فباعتباراتها تتميز كل صفة واسم من غيرها فحصل الفرق في نفس الحق من حيث اسماؤه وصفاته فإن اسمه المنعم غير اسمه المنتقم وصفة الرضا غير صفة الغضب وإليه الإشارة بقوله : ((سبقت رحمتي غضبي)) وهي متفاوتة المراتب في الفضل نظرًا إلى أعيانها لا باعتبار أن في شيء منها نقصًا أو مفضولية ؛ ولهذا حكمت بعضها على بعض كما يشير إليه قوله : ((أعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك)) فكانت المعافاة أفضل من العقوبة والرضا أفضل من السخط فأعاذه بالفاضل مما يليه وكذا أعاذه بذاته من ذاته فكما أن الفرق حاصل في الأفعال كذلك في الصفات بل في نفس واحدية الذات التي لا فرق فيها لكن من غريب شئونها جمعها النقيضين قال أبو سعيد : عرفت الله تعالى بجمعه بين الضدين ولكونه مظهرًا للقرآن والفرقان كان خاتم النبيين وإمام المرسلين لأنه ما ترك شيئًا يحتاج إليه إلا وقد جاء به فلا يجد الذي يأتي بعده من الكمال شيئًا مما ينبغي أن ينبه عليه قال تعالى : (ما فرطنا في الكتاب من شيء) وقال تعالى : (فصلناه تفصيلاً) إلى غير ذلك من الآيات .
وقد يقال القرآن والفرقان إشارتان إلى مقام الجمع والفرق بأقسامها قالوا: ولا بد للعبد الكامل منهما فإن من لا تفرقة له لا عبودية له ومن لا جمع له لا معرفة له والجمع عندهم شهود الأشياء بالله تعالى والتبري من الحول والقوة إلا بالله وجمع الجمع الاستهلاك بالكلية والفناء عما سوى الله تعالى وهو المرتبة الأحدية والفرق أنواع فرق أول وهو الاحتجاب بالخلق عن الحق وبقاء رسوم الخليقة بحالها وفرق ثان وهو شهود قيام الخلق بالحق ورؤية الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة من غير احتجاب إحداهما عن الأخرى وفرق الوصف وهو ظهور الذات الأحدية بأوصافها في الحضرة الواحدة وفرق الجمع وهو تكثر الواحد بظهوره في المراتب التي هي ظهور شئون الذات الأحدية وتلك الشئون في الحقيقة اعتبارات محضة لا تحقق لها إلا عند بروز الواحد بصورها وكثيرًا ما يطلقون القرآن على العلم اللدني الإجمالي الجامع للحقائق كلها والفرقان على العلم التفصيلي الفارق بين الحق والباطل وكتاب الله تعالى جامع لذلك كله كما لا يخفى على أهله وذكر الشيخ الأكبر قدس الله سره : أن القرآن يتضمن الفرقان والفرقان لا يتضمن القرآن؛ لأن تفاصيل المراتب والأسماء المقتضية لها موجودة في الجمع والجمع لا يوجد في التفاصيل ولهذا ما اختص بالقرآن إلا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فليفهم . ونسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا ويزيل بعلمه جهلنا إنه على ما يشاء قدير . 
الفائدة الرابعة في تحقيق معنى أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق: اعلم أن هذه المسألة من أمهات المسائل الدينية والمباحث الكلامية كم زلت فيها أقدام وضلت عن الحق بها أقوام وهي وإن كانت مشروحة في كتب المتقدمين مبسوطة في زبر المتأخرين لكني بحول من عز حوله وفضل من غمرنا فضله أوردها في هذا الكتاب ليتذكر أولو الألباب بأسلوب عجيب وتحقيق غريب لا أظنك شنفت سمعك بمثل لآليه ولا نورت بصرك بشبه بدر لياليه فماء ولا كصدى ومرعى ولا كالسعدان وما كل زهر ينبت الروض طيب ولا كل كحل للنواظر أثمد فأقول: إن الإنسان له كلام بمعنى التكلم الذي هو مصدر وكلام بمعنى المتكلم به الذي هو الحاصل بالمصدر ولفظ الكلام موضوع لغة لثاني قليلاً كان أو كثيرًا حقيقة كان أو حكمًا وقد يستعمل استعمال المصدر كما ذكره الرضي وكل من المعنيين إما لفظي أو نفسي فالأول من اللفظي فعل الإنسان باللسان وما يساعده من المخارج والثاني منه كيفية في الصوت المحسوس والأول من النفسي فعل قلب الإنسان ونفسه الذي لم يبرز إلى الجوارح والثاني كيفية في النفس إذ لا صوت محسوسًا عادة فيها وإنما هو صوت معنوي مخيل أما الكلام اللفظي بمعنييه فمحل وفاق وأما النفسي فمعناه الأول تكلم الإنسان بكلمات ذهنية وألفاظ مخيلة يرتبها في الذهن على وجه إذا تلفظ بها بصوت محسوس كانت عين كلماته اللفظية ومعناه الثاني هو هذه الكلمات الذهنية والألفاظ المخيلة المرتبة ترتيبًا ذهنيًّا منطبقًا عليه الترتيب الخارجي 
والدليل على أن للنفس كلامًا بالمعنيين الكتاب والسنة فمن الآيات قوله تعالى: (فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانًا) فإن قال بدل من (أسر) أو استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال في نفسه في ذلك الإسرار؟ فقيل : قال: أنتم شر مكانًا. وعلى التقديرين فالآية دالة على أن للنفس كلامًا بالمعنى المصدري وقولاً بالمعنى الحاصل بالمصدر وأثمد من أسر والجملة بعدها وقوله تعالى : (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى) وفسر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بما أسره ابن آدم في نفسه وقوله تعالى : (واذكر ربك في نفسك) وقوله تعالى : (يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا) أي يقولون في أنفسهم كما هو الأسرع انسياقًا إلى الذهن والآيات في ذلك كثيرة. ومن الأحاديث ما رواه الطبراني عن أم سلمة أنها سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقد سأله رجل فقال : إني لأحدث نفسي بالشيء لو تكلمت به لأحبطت أجرى؟ فقال: (( لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن)) فسمى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك الشيء المحدث به كلامًا مع أنه كلمات ذهنية والأصل في الإطلاق الحقيقة ولا صارف عنها. وقوله تعالى في الحديث القدسي: (( أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ...)) الحديث وفيه دليل على أن للعبد كلامًا نفسيًّا بالمعنيين وللرب أيضًا كلامًا نفسيًّا كذلك ولكن أين التراب من رب الأرباب فالمعنى الأول للحق تعالى شأنه صفة أزلية منافية للآفة الباطنية التي هي بمنزلة الخرس في التكلم الإنساني اللفظي ليس من جنس الحروف والألفاظ أصلاً وهي واحدة بالذات تتعدد تعلقاتها بحسب تعدد المتكلم به وحاصل الحديث من تعلق تكلمه بذكر اسمي تعلق تكلمي بذكر اسمه والتعلق من الأمور النسبية التي لا يضر تجددها وحدوث المتعلق إنما يلزم في التعلق التنجيزي ولا ننكره وأما التعلق المعنوي التقديري ومتعلقه فأزليان ومنه ينكشف وجه صحة نسبة السكوت عن أشياء رحمة غير نسيان كما في الحديث إذ معناه أن تكلمه الأزلي لم يتعلق ببيانها مع تحقق اتصافه أزلاً بالتكلم النفسي وعدم هذا التعلق الخاص لا يستدعي انتفاء الكلام الأزلي كما لا يخفى .
والمعنى الثاني له تعالى شأنه كلمات غيبية وهي ألفاظ حكمية مجردة عن المواد مطلقًا نسبية كانت أو خيالية أو روحانية وتلك الكلمات أزلية مترتبة من غير تعاقب في الوضع الغيبي العلمي لا في الزمان إذ لا زمان والتعاقب بين الأشياء من توابع كونها زمانية ويقربه من بعض الوجوه وقوع البصر على سطور الصفحة المشتملة على كلمات مرتبة في الوضع الكتابي دفعة فهي مع كونها مترتبة لا تعاقب في ظهورها فجميع معلومات الله الذي هو نور السموات والأرض مكشوفة له أزلا كما هي مكشوفة له فيما لا يزال ثم تلك الكلمات الغيبية المترتبة ترتبًا وضعيًّا أزليًّا يقدر بينها التعاقب فيما لا يزال والقرآن كلام الله تعالى المنزل بهذا المعنى فهو كلمات غيبية مجردة عن المواد مترتبة في علمه أزلاً غير متعاقبة تحقيقًا بل تقديرًا عند تلاوة الألسنة الكونية الزمانية ومعنى تنزيلها إظهار صورها في المواد الروحانية والخيالية والحسية من الألفاظ المسموعة والذهنية والمكتوبة ومن هنا قال السنيون : القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق وهو مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور مقروء بالألسن مسموع بالآذان غير حال في شيء منها وهو في جميع هذه المراتب قرآن حقيقة شرعية معلوم من الدين بالضرورة فقولهم غير حال إشارة إلى مرتبته النفسية الأزلية فإنه من الشئون الذاتية ولم تفارق الذات ولا تفارقها أبدًا ولكن الله تعالى أظهر صورها في الخيال والحس فصارت كلمات مخيلة وملفوظة مسموعة ومكتوبة مرئية فظهر في تلك المظاهر من غير حلول إذ هو فرع الانفصال وليس فليس فالقرآن كلامه تعالى غير مخلوق وإن تنزل في هذه المراتب الحادثة ولم يخرج عن كونه منسوبًا إليه أما في مرتبة الخيال فلقوله : أغنى الناس حملة القرآن من جعله الله تعالى في جوفه وأما في مرتبة اللفظ فلقوله تعالى : (وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن) وأما في مرتبة الكتابة فلقوله تعالى : (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) وقول الإمام أحمد : لم يزل الله متكلمًا كيف شاء وإذا يشاء بلا كيف إشارة إلى مرتبتين فالأول إلى كلامه في مرتبة التجلي والتنزل إلى مظهر له كقوله : ((إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة أجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان ...)) الحديث والثاني إلى مرتبة الكلام النفسي إذ الكيف من توابع مراتب التنزلات والكلام النفسي في مرتبة الذات مجرد عن المادة فارتفع الكيف بارتفاعها. فالحاصل لم يزل الله تعالى متكلمًا وموصوفًا بالكلام من حيث تجلي ومن حيث لا فمن حيث تجليه في مظهر لكلامه كيف وإذا شاء لم يتكلم بما اقتضاه مظهر تجليه فيكون متكلمًا بلا كيف كما كان ولم يزل والأشعري إذا حققت الحال وجدته قائلاً بأن لله تعالى كلامًا بمعنى التكلم وكلامًا بمعنى المتكلم به وأنه بالمعنى الثاني لم يزل متصفًا بكونه أمرًا ونهيًا وخبرًا فإنها أقسام المتكلم به وأن الكلام النفسي بالمعنى الثاني حروفه غير عارضة للصوت في الحق والخلق غير أنها في الحق كلمات غيبية مجردة عن المواد أصلاً إذ كان الله تعالى ولم يكن شيء غيره وفي الخلق كلمات مخيلة ذهنية فهي في مادة خيالية فكلمات الكلام النفسي في جنابه تعالى كلمات حقيقية لكنها ألفاظ حكمية ولا يشترط اللفظ الحقيقي في كون الكلمة حقيقية إذ قد أطلق الفاروق الكلمة على أجزاء مقالته المخيلة في خبر يوم السقيفة والأصل في الإطلاق الحقيقة فالأجزاء كلمات حقيقية لغوية مع أنها ليست ألفاظًا كذلك إذ ليست حروفها عارضة لصوت واللفظ الحقيقي ما كانت حروفه عارضة وهو لكونه صورة اللفظ النفسي الحكمي دال عليه وهو دال في النفس على معناه بلا شبهة ولا انفكاك فيصدق على اللفظ النفسي بمعناه أنه مدلول اللفظ الحقيقي ومعناه فتفسير المعنى النفسي المشهور عن الأشعري بمدلول اللفظ وحده كما نقله صاحب المواقف عن الجمهور لا ينافي تفسيره بمجموع اللفظ والمعنى كما فسره هو أيضًا وذلك بأن يحمل اللفظ في قوله على النفسي وفي قول الجمهور على الحقيقي ولا شك حينئذ أن مجموع النفسي ومعناه من حيث المجموع يصدق عليه أنه مدلول اللفظ الحقيقي وحده لأن اللفظ الحقيقي لكونه صورة النفسي في مرتبة تنزله دال عليه ويدل على أن المراد المجموع قول إمام الحرمين في الإرشاد : ذهب أهل الحق إلى إثبات الكلام القائم بالنفس وهو القول أي المقول الذي يدور في الخلد وهو اللفظ النفسي الدال على معناه بلا انفكاك نعم عبارة صاحب المواقف غير واضحة في المقصود وله مقالة مفردة في ذلك ومحصولها كما قال السيد قدس الله سره: أن لفظ المعنى يطلق تارة على مدلول اللفظ وأخرى على الأمر القائم بالغير، فالشيخ لما قال الكلام النفسي هو المعنى النفسي فهم الأصحاب منه أن مراده مدلول اللفظ وحده وهو القديم عنده وأما العبرات فإنما تسمى كلامًا مجازًا لدلالته على ما هو كلام حقيقي حتى صرحوا بأن الألفاظ خاصة حادثة على مذهبه أيضًا لكنها ليست كلامه حقيقة وهذا الذي فهموه من كلام الشيخ له لوازم كثيرة فاسدة كعدم إكفار من أنكر كلامية ما بين دفتي المصحف مع أنه علم من الدين ضرورة كونه كلام الله تعالى حقيقة وكعدم المعارضة والتحدي بكلام الله الحقيقي وكعدم كون المقروء والمحفوظ كلامه حقيقة إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطن في الأحكام الدينية فوجب حمل كلام الشيخ على أنه أراد به المعنى الثاني فيكون الكلام النفسي عنده أمرًا شاملاً للفظ والمعنى جميعًا قائمًا بذات الله تعالى وهو مكتوب في المصاحف مقروء بالألسن محفوظ في الصدور وهو غير الكتابة والقراءة والحفظ الحادثة وما يقال من أن الحروف والألفاظ مترتبة متعاقبة فجوابه أن ذلك الترتب إنما هو في التلفظ بسبب عدم مساعدة الآلة فالتلفظ حادث والأدلة الدالة على الحدوث يجب حملها على حدوثه دون حدوث الملفوظ جمعاً بين الأدلة وهذا الذي ذكرناه وإن كان مخالفًا لما عليه متأخر وأصحابنا إلا أنه بعد التأمل يعرف حقيقته. انتهى.  واعتراضه الدواني بوجوه قال: أما أولاً فلأن مذهب الشيخ أن كلامه تعالى واحد وليس بأمر ولا نهي ولا خبر وإنما يصير أحد هذه الأمور بحسب التعلق وهذه الأوصاف لا تنطبق على الكلام اللفظي وإنما يصح تطبيقه على المعنى المقابل للفظ بضرب من التكلف. وأما ثانيًا فلان كون الحروف والألفاظ قائمة بذاته تعالى من غير ترتب يفضي إلى كون الأصوات مع كونها أعراضًا سيالة موجودة بوجود لا تكون فيه سيالة وهو سفسطة من قبيل أن يقال الحركة توجد في بعض الموضوعات من غير ترتب وتعاقب بين أجزائها وأما ثالثًا فلأنه يؤدي إلى أن يكون الفرق بين ما يقوم بالقارئ من الألفاظ وبين ما يقوم بذاته تعالى باجتماع الأجزاء وعدم اجتماعها بسبب قصور الآلة فنقول: هذا الفرق إن أوجب اختلاف الحقيقة فلا يكون القائم بذاته من جنس الألفاظ وإن لم يوجب وكان ما يقوم بالقارئ وما يقوم بذاته تعالى حقيقة واحدة والتفاوت بينهما إنما يكون باجتماعه وعدمه اللذين هما من عوارض الحقيقة الواحدة كان بعض صفاته الحقيقية مجانسًا لصفات المخلوقات .
وأما رابعًا فلان لزوم ما ذكره من المفاسد وهم , فإن تكفير من أنكر كون ما بين الدفتين كلام الله تعالى إنما هو إذا اعتقد أنه من مخترعات البشر أما إذا أعتقد أنه ليس كلام الله بمعنى أنه ليس بالحقيقة صفة قائمة بذاته بل هو دال على الصفة القائمة بذاته لا يجوز تكفيره أصلاً كيف وهو مذهب أكثر الأشاعرة ما خلا المصنف وموافقيه وما علم من الدين من كون ما بين الدفتين كلام الله تعالى حقيقة إنما هو بمعنى كونه دالاًّ على ما هو كلام الله تعالى حقيقة لا على أنه صفة قائمة بذاته تعالى وكيف يدعي أنه من ضروريات الدين مع أنه خلاف ما نقله عن الأصحاب وكيف يزعم أن هذا الجم الغفير من الأشاعرة أنكروا ما هو من ضروريات الدين حتى يلزم تكفيرهم حاشاهم عن ذلك وأما خامسًا فلأن الأدلة الدالة على النسخ لا يمكن حملها على التلفظ بل ترجع إلى الملفوظ كيف وبعضها مما لا يتعلق النسخ بالتلفظ به كما نسخ حكمه بقى تلاوته .انتهى 
والجواب : أما عن الأول فهو أن الحق عز اسمه له كلام بمعنى التكلم وكلام بمعنى المتكلم به وما هو أمر واحد المعنى الأول وهو صفة واحدة تتعدد تعلقاتها بحسب تعدد المتكلم به من الكتب والكلمات وأنها ليست من جنس الحروف والألفاظ أصلاً لا الحقيقية ولا الحكمية وما ذكر في الاعتراض ينطبق عليه بلا كلفة والدليل على أن المنعوت بهذه الأوصاف عند الشيخ هو المعنى الأول نقل الإمام أن الكلام الأزلي لم يزل متصفًا بكونه أمرًا نهيًا خبرًا ولا شك أن هذه أقسام المتكلم به وكل من كان قائلاً بانقسام الثاني كان المنعوت بالوحدة ذاتًا والتعدد تعلقًا المعنى الأول عنده جمعًا بين الكلامين وأما عن الثاني فهو أن ذلك إنما يلزم إذا أريد من اللفظ الحقيقي وأما إذا أريد النفسي الحكمي فلا ورود له ؛ لأن الألفاظ النفسية كلها مجتمعة الأجزاء في الوجود العلمي مع كونها مترتبة كما ذكره هو نفسه وكلام صاحب المواقف محتمل للتأويل كما تقدم فليحمل عليه سعيًا بالإصلاح مهما أمكن، وأما الثالث فهو أن الإيراد مبني على ظن أن المراد باللفظ الحقيقي مع أنه محتمل لأن يراد النفسي كما يقتضيه ظاهر تشبيهه بالقائم بنفس الحافظ ، وأما الرابع فهو أن الكلام النفسي عند أهل الحق هو مجموع اللفظ النفسي والمعنى ولكن ظاهر كلام صاحب المواقف يدل على أنه فهم من ظاهر كلام بعض الأصحاب أن مرادهم بالمعنى هو المقابل للفظ مجردًا عن اللفظ مطلقًا وقد سمعهم يقولون: إن الكلام اللفظي ليس كلامه تعالى حقيقة بل مجازًا فإذا أنضم قولهم بنفي كونه كلامًا حقيقة شرعية إلى قولهم في ظنه أن النفسي هو المعنى المقابل للفظ لزم من هذا ما هو في معنى القول بكون اللفظي من مخترعات البشر ولا يخفى استلزامه للمفاسد ولكن لم يريدوا بالمجاز الشرعي فإن إطلاق كلام الله تعالى المسموع متواتر فلا يتأتى نفيه لأحد بل المراد أن الكلام إنما يتبادر منه ما هو وصف للمتكلم وقائم به قيامًا يقتضيه حقيقة الكلام وذات المتكلم في الحق والخلق على الوجه اللائق بكل وأما ما يتلى فهو حروف عارضة للصوت الحادث ولا شك أنه ليس قائمًا بذاته سبحانه من حيث هو هو بل هو صورة من صور كلامه القديم القائم به تعالى ومظهر تنزلاته فهو دال على الحقيقي القائم فسمى كلامًا حقيقة شرعية لذلك وفيه إطلاق لاسم الحقيقة على الصورة فيكون مجازًا من هذا الوجه وإلى هذا يشير كلام التفتازاني فلا يلزم شيء من المفاسد واعتراض صاحب المواقف مبني على ظنه . وأما الخامس فهو أن كلام صاحب المواقف ليس نصًّا في أن الضمير راجع إلى التلفظ بل يحتمل أن يكون راجعًا إلى الملفوظ وذلك أنه قال المعنى الذي في النفس لا ترتب فيه كما هو قائم بنفس الحافظ ولا ترتب فيه وقد مر أن المراد به مجموع اللفظ النفسي والمعنى كما يقتضيه ظاهر التشبيه بالقائم بنفس الحافظ ولا شك أنه لا ترتب فيه أي لا تعاقب فيه في الوجود العلمي وحينئذ فقولهم نعم الترتب إنما يحصل في التلفظ معناه أن الترتب في المعنى النفسي الذي هو مجموع اللفظ النفسي والمعنى إنما يحصل في التلفظ الخارجي لضرورة عدم مساعدة الآلة فقوله : وهو الذي هو حادث أي الملفوظ بالتلفظ الخارجي الذي هو الصورة حادث لا اللفظ النفسي وتحمل الأدلة التي تدل على الحدوث على حدوثه أي الملفوظ بالتلفظ الخارجي وعلى هذا لا ورود للاعتراض أصلاً ومنهم من اعترض أيضًا بأنهم اشتركوا في المعجزة أن تكون فعل الله تعالى أو ما يقوم مقامه كالنزول فلا يكون القرآن اللفظي الذي هو معجزة قديمًا صفة له تعالى ولا يخفى أن المعجزة هو القرآن في مرتبة تنزله إلى الألفاظ الحقيقة العربية فكونه لفظًا حقيقيًّا عربيًّا مجعول بالنص فيكون معجزة بلا شبهة والقديم على ما حقق هو القرآن اللفظي النفسي الذي هو مجموع اللفظ النفسي والمعنى وهذا واضح لمن ساعدته العناية وقد شنع على الشيخ الأشعري في هذا المقام أقوام تشابهت قلوبهم واتحدت أغراضهم وإن اختلفت أساليبهم وها أنا بحوله تعالى راد لاعتراضاتهم بعد نقلها غير هياب ولا وكل وإن اتسع علم أهلها فالبعوضة قد تدمي مقلة الأسد وفضل الله تعالى ليس مقصورًا على أحد. 
فأقول: قال تلميذ مولانا الدواني عفيف الدين الإيجي ما حاصله : أن هذا الذي تدعيه : الأشاعرة من أن للكلام معنى آخر يسمى النفسي باطل فإنا إذ قلنا: زيد قائم فهناك أربعة أشياء الأول العبارة الصادرة عنه، والثاني مدلول هذه العبارة وما وضع له هذه الألفاظ من المعاني المقصودة بها الثالث علمه بثبوت تلك النسبة وانتفائها. 
الرابع ثبوت تلك النسبة وانتفاؤها في الواقع والأخير أن ليسا كلامًا اتفاقا والأول لا يمكن أن يكون كلام الله حقيقة على مذهبهم فبقى الثاني وكذا نقول في الأمر والنهي ههنا ثلاثة أمور الأول الإرادة والكراهة الحقيقية الثاني اللفظ الصادر عنه الثالث مفهوم لفظه ومعناه والأول ليس كلامًا اتفاقًا والثاني كذلك على مذهبهم فبقى الثالث وبه صرح أكثر محققيهم وكونه كلامًا نفسيًّا ثابتًا لله تعالى شأنه محكومًا عليه بأحكام مختلفة باطل من وجه الأول أنه مخالف للعرف واللغة فإن الكلام فيهما ليس إلا المركب من الحروف الثاني أنه لا يوافق الشرع إذ قد ورد فيما لا يحصى كتابًا وسنة أن الله تعالى ينادي عباده ولا ريب أن النداء لا يكون إلا بصوت بل قد صرح به في الأخبار الصحيحة وباب المجاز وإن لم يغلق بعد إلا أن حمل ما يزيد على نحو مائة ألف من الصرائح على خلاف معناه مما لا يقبله العقل السليم الثالث أن ما قالوه من كون هذا المعنى النفسي واحدًا يخالف العقل فإنه لا شك أن مدلول اللفظ في الأمر يخالف مدلوله في النهي ومدلول الخبر يخالف مدلول الإنشاء بل مدلول أمر مخصوص غير مدلول أمر آخر وكذا في الخبر ولا يرتاب عاقل أن مدلول اللفظ لا يمكن أن يكون غير القرآن وسائر الكتب السماوية فيلزم أن يكون كل واحد مشتملاً على ما اشتمل عليه الآخر وليس كذلك وكيف يكون معنى واحد خبرًا وإنشاء محتملاً للتصديق والتكذيب وغير محتمل وهو جمع بين النفي والإثبات . انتهى 
ولا يخفى أن مبنى جميع اعتراضاته على فهمه أن مرادهم بالمعنى النفسي هو مدلول اللفظ وحده أي المعنى المجرد عن مقارنة اللفظ مطلقًا ولو حكميًّا وقد عرفت أنه ليس كذلك بل المراد به مجموع اللفظ النفسي والمعنى وهو الذي يدور في الخلد وتدل عليه العبارات كما صرح به إمام الحرمين وعليه إذا قال القائل: زيد قائم فهناك أربعة أشياء كما ذكر المعترض وشيء خامس تركه وهو المراد وهي هذه الجملة بشرط وجودها في الذهن بألفاظ مخيلة ذهنية دالة على معانيها في النفس وهذا يعنونه بالكلام النفسي فلا محذور ونقول على سبيل التفصيل أما الأول فجوابه: أنه إنما تتم المخالفة إذا لم يكن عندهم مجموع اللفظ النفسي والمعنى فحيث كان لا مخالفة لأن الكلام حينئذ مركب من الحروف إلا أنها نفسية غيبية في الحق خيالية في الخلق وأما الثاني فجوابه: أن هذا الذي لا يحصى ليس فيه سوى أن الحق سبحانه وتعالى متكلم بكلام حروفه عارضة للصوت لا أنه لا يتكلم إلا به فلا ينتهض ما ذكر حجة على الشيخ بل إذا أمعنت النظر رأيت ذلك حجة له حيث بين أن الله تعالى لا يتكلم بالوحي لفظًا حقيقيًّا إلا على طبق ما في علمه وكلما كان كذلك كان الكلام اللفظي صورة من صور الكلام النفسي ودليلاً من أدلة ثبوتها والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. 
وأما الثالث فجوابه: أن المنعوت بأنه واحد بالذات تتعدد تعلقاته هو الكلام بمعنى صفة المتكلم ووحدته مما لا شك لعاقل فيها وأما الكلام النفسي بمعنى المتكلم به فليس عنده واحدًا بل نص في الإبانة على انقسامه إلى الخبر والأمر والنهي في الأزل فلا اعتراض وقال النجم سليمان الطوفي : إنما كان الكلام حقيقة في العبارة مجازًا في مدلولها لوجهين أحدهما: أن المتبادر إلى فهم أهل اللغة من إطلاق الكلام إنما هو العبارة والمبادرة دليل الحقيقة الثاني أن الكلام مشتق من الكلم لتأثيره في نفس السامع والمؤثر فيها إنما هو العبارات لا المعاني النفسية بالفعل نعم هي مؤثرة للفائدة بالقوة والعبارة مؤثرة بالفعل فكانت أولى بأن تكون حقيقة والأخرى مجازًا وقال المخالفون : أستعمل لغة في النفسي والعبارة قلنا نعم لكن بال أو بالحقيقة فيما ذكرناه وبالمجاز فيما ذكرتموه والأول ممن قالوا الأصل في الإطلاق الحقيقة قلنا : والأصل عدم  أل  ثم إن لفظ الكلام أكثر ما يستعمل في العبارات والكثرة دليل الحقيقة وأما قوله تعالى : (يقولون في أنفسهم) فمجاز دل على المعنى النفسي بقرينة (في أنفسهم) ولو أطلق لما فهم إلا العبارة وأما قوله تعالى : (وأسروا قولكم) الآية فلا حجة فيه لأن الأسرار خلاف الجهر وكلاهما عبارة عن أن يكون أرفع صوتًا من الآخر وأما بيت الأخطل فالمشهور أن البيان وبتقدير أن يكون الكلام فهو مجاز عن مادته وهو التصورات المصححة له إذ من لم يتصور ما يقول لا يوجد كلامًا ثم هو مبالغة من هذا الشاعر بترجيح الفؤاد على اللسان .انتهى وفيه ما لا يخفى .
أما أولاً فلأن ما ادعاه من التبادر إنما هو لكثرة استعماله في اللفظي لمسيس الحاجة إليه لا لكونه الموضوع له خاصة بدليل استعماله لغة وعرفًا في النفسي والأصل في الإطلاق الحقيقة وقوله: والأصل عدم ال. قلنا : نعم إن أردت به ال اللفظي ونحن لا ندعيه وإنما ندعي ال المعنوي وذلك أن الكلام في اللغة بنقل النحويين ما يتكلم به قليلاً كان أو كثيرًا حقيقة أو حكمًا، وأما ثانيًا فلأن ما ادعاه من أن المؤثر في نفس السامع إنما هو العبارات لا المعاني النفسية الأمر فيه بالعكس بدليل أن الإنسان إذا سمع كلامًا لا يفهم معناه لا تؤثر ألفاظه في نفسه شيئًا وقد يتذكر الإنسان في حالة سروه كلامًا يحزنه وفي حالة حزنه كلامًا يسره فيتأثر بهما ولا صوت ولا حرف هناك وإنما هي حروف وكلمات مخيلة نفسية وهو الذي عناه الشيخ بالكلام النفسي وعلى هذا فالسامع في قولهم لتأثيره في نفس السامع ليس بقيد والتأثير في النفس مطلقًا معتبر في وجه التسمية. وأما ثالثًا فلأن ما قاله في قوله تعالى : (يقولون في أنفسهم) من أنه مجاز دل على المعنى النفسي فيه بقرينة في أنفسهم ولو أطلق لما فهم إلا العبارة يرده قوله تعالى: (يقولون بأفواههم) وفي آية (بألسنتهم ما ليس في قلوبهم) إذ لو كان مجرد ذكر في أنفسهم قرينة على كون القول مجازًا في النفسي لكان ذكر (بأفواههم) و(بألسنتهم) قرينة على كونه مجازًا في العبارة واللازم باطل فكذا الملزوم نعم التقييد دليل على أن القول مشترك معنى بين النفسي واللفظي وعين به المراد من فرديه فهو لنا لا علينا. وأما رابعًا فلأن ما ذكره في قوله تعالى : وأسروا الآية تحكم بحت لأن السر كما قال الزمخشري: ما حدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال. ويساعده الكتاب والأثر واللغة كما لا يخفى على المتتبع .وأما خامسًا فلأن ما ذكره في بيت الأخطل خطل من وجوه أما أولاً فعلى تقدير أن يكون المشهور البيان بدل الكلام يكفينا في البيان لأنه إما اسم مصدر بمعنى ما يبين به أو مصدر بمعنى التبيين وعلى الأول هو بمعنى الكلام ولا فرق بينهما إلا في اللفظ وعلى الثاني هو مستلزم للكلام النفسي بمعنى المتكلم به إن كان المراد به التبيين القلبي أعني ترتيب القلب للكلمات الذهنية على وجه إذا عبر عنها باللسان فهم غيره ما قصده منها. وأما ثانيًا فلأن قوله: وبتقدير أن يكون... إلخ إقرار بالكلام النفسي من غير شعور. 
وأما ثالثًا فلأن دعوى المجاز تحكم مع كون الأصل في الإطلاق الحقيقة. وأما رابعًا فلأن دعوى أن ذلك مبالغة من هذا الشاعر خلاف الواقع بل هو تحقيق من غير مبالغة كما يفهم مما سلف فما ذكره هذا الشاعر كلمة حكمة سواء نطق بها على بينة من الأمر أو كانت منه رمية من غير رام فإن معناه موجود في حديث أبي سعيد:  ((العينان دليلان والأذنان قمعان واللسان ترجمان - إلى أن قال - : والقلب ملك فإذا صلح ....)) الحديث وفي حديث أبي هريرة: (( القلب ملك وله جنود - إلى أن قال - : وا للسان ترجمان)) الحديث فما قيل: إن هذا الشاعر نصراني عدو لله تعالى ورسوله فيجب اطراح كلام الله تعالى ورسوله تصحيحًا لكلامه أو حمله على المجاز صيانة لكلمة هذا الشاعر عنه وأيضًا يحتاجون إلى إثبات هذا الشعر والشهرة غير كافية فقد فتش ابن الخشاب دواوين الأخطل العتيقة فلم يجد فيها البيت. انتهى كلام أوهن وأوهى من بيت العنكبوت وأنه لأوهن البيوت أما أولاً فلأن كلام هذا العدو موافق لكلام الحبيب حتى لكلام المنكرين للكلام النفسي حيث اعترفوا به في عين إنكارهم وأما ثانيًا فلأنا أغنانا الله تعالى ورسوله من فضله عن إثبات هذا الشعر. وأما ثالثًا فلأن عدم وجدان ابن الخشاب لا يدل على انتفائه بالكلية كما لا يخفى، والحاصل أن الناس أكثروا القال والقيل في حق هذا الشيخ الجليل وكل ذلك من باب [وكم من عائب قولاً صحيحًا   وآفته من الفهم السقيم] نعم البحث دقيق لا يرشد إليه إلا توفيق كم أسهر أناسًا وأكثر وسواسًا وأثار فتنة وأورث محنة وسجن أقوامًا وأم إمامًا مرام شط مرمى العقل فيه ودون مداه بيد لا تبيد ولكن بفضل الله تعالى قد أتينا فيه بلب اللباب وخلاصة ما ذكره الأصحاب وقد اندفع به كثير مما أشكل على الأقوام وخفى على إفهام ذوي الأفهام ولا حاجة معه إلى ما قاله المولى المرحوم غنى زاده في التخلص عن هاتيك الشبه مما نصه ثم اعلم أني بعد ما حررت البحث بعثني فرط الإنصاف إلى أنه لا ينبغي لذي الفطرة السليمة أن يدعي قدم اللفظ لاحتياجه إلى هذه التكلفات وكذا كون الكلام عبارة عن المعنى القديم لركاكة توصيف الذات به كيف ومعنى قصة نوح مثلاً ليس بشيء يمكن اتصاف الذات به إلا بتمحل بعيد فالحق الذي لا محيد عنه هو أن المعاني كلها موجودة في العلم الأزلي بوجود علمي قديم لكن لما كان في ماهية بعضها داعية البروز في الخارج بوجود لفظي حادث حسبما يستدعيه حدوث فيما لا يزال أقتضى أزليًّا إبراز ذلك البعض في الخارج بذلك الوجود الحادث فيما لا يزال فهذا الاقتضاء صفة للذات هو بها في الأزل مسماة بالكلام النفسي وأثره الذي هو ظهور المعنى القديم باللفظ الحادث إنما يكون فيما لا يزال والمغايرة بينه وبين صفة العلم ظاهرة وهذا هو غاية الغايات في هذا الباب والحمد لله على ما خصني بفهمه من بين أرباب الألباب. انتهى 
وفيه أنه غاية الغايات في الجسارة على رب الأرباب وإحداث صفة قديمة ما أنزل الله تعالى بها من كتاب إذ لم يرد في كتاب الله تعالى ولا في سنة نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم ولا روى عن صحابي ولا تابعي تسمية ذلك الاقتضاء كلامًا بل لا يقتضيه عقل ولا نقل على أنه لا يحتاج إليه عند من أخذت العناية بيديه هذا وإذا سمعت ما تلوناه ووعيت ما حققناه فاسمع الآن تحقيق الحق في كيفية سماع موسى عليه السلام كلام الحق فأقول: الذي انتهى إليه كلام أئمة الدين كالماتريدي والأشعري وغيرهما من المحققين أن موسى عليه السلام سمع كلام الله تعالى بحرف وصوت كما تدل عليه النصوص التي بلغت في الكثرة مبلغًا لا ينبغي معه تأويل ولا يناسب في مقابلته قال وقيل فقد قال تعالى : (وناديناه من جانب الطور الأيمن) (وإذ نادى ربك موسى) (نودي من شاطيء الوادي الأيمن) (إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى) (نودي أن بورك من في النار ومن حولها) واللائق بمقتضى اللغة والأحاديث أن يفسر النداء بالصوت بل قد ورد إثبات الصوت لله تعالى شأنه في أحاديث لا تحصى وأخبار لا تستقصي. 
روى البخاري في الصحيح: (( يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان )) ومن علم أن لله تعالى الحكيم أن يتجلى بما شاء وكيف شاء وأنه منزه في تجليه قريب في تعاليه لا تقيده المظاهر عند أرباب الأذواق إذ له الإطلاق الحقيقي حتى عن قيد الإطلاق زالت عنه إشكالات واتضحت لديه متشابهات ومما يدل على ثبوت التجلي في المظهر لله تعالى قول ابن عباس ترجمان القرآن في قوله تعالى : (أن بورك من في النار) كما في الدر المنثور يعني تبارك وتعالى نفسه كان نور رب العالمين في الشجرة وفي رواية عنه: (( كان الله في النور ونودي من النور)) وفي صحيح مسلم: (( حجابه النور)) وفي رواية له (( حجابه النار)) ودفع الله سبحانه توهم التقييد بما ينافي التنزيه بقوله : (وسبحان الله) أي عن التقييد بالصورة والمكان والجهة وإن ناداك منها لكونه موصوفًا بصفة رب العالمين فلا يكون ظهوره مقيدًا له بل هو المنزه عن التقييد حين الظهور يا موسى إنه أي المنادي المتجلي أنا الله العزيز فلا أتقيد لعزتي ولكني الحكيم فاقتضت حكمتي الظهور والتجلي في صورة مطلوبك فالمسموع على هذا صوت وحرف سمعهما موسى عليه السلام من الله تعالى المتجلي بنوره في مظهر النار لما اقتضته الحكمة فهو عليه السلام كليم الله تعالى بلا واسطة لكن من وراء حجاب مظهر النار وهو عين تجلي الحق تعالى له وأما ما شاع عن الأشعري من القول بسماع الكلام النفسي القائم بذات الله تعالى فهو من باب التجويز والإمكان لا أن موسى عليه السلام سمع ذلك بالفعل إذ هو خلاف البرهان ومما يدل على جواز سماع الكلام النفسي بطريق خرق العادة قوله تعالى في الحديث القدسي : (( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ....)) الحديث ومن الواضح أن الله تبارك وتعالى إذا كان بتجليه النوري المتعلق بالحروف غيبية كانت أو خيالية أو حسية سمع العبد على الوجه اللائق المجامع لـ( ليس كمثله شيء) عند من يتحقق معنى الإطلاق الحقيقي صح أن يتعلق سمع العبد بكلام ليس حروفه عارضة لصوت لأنه بالله يسمع إذ ذاك والله سبحانه يسمع السر والنجوى .
والإمام الماتريدي أيضًا يجوز سماع ما ليس بصوت على وجه خرق العادة كما يدل عليه كلام صاحب التبصرة في كتاب التوحيد فما نقله ابن الهمام عنه من القول بالاستحالة فمراده الاستحالة العادية فلا خلاف بين الشيخين عند التحقيق ومعنى قول الأشعري أن كلام الله تعالى القائم بذاته يسمع عند تلاوة كل تال وقراءة كل قارئ أن المسموع أولاً وبالذات عند التلاوة إنما هو الكلام اللفظي الذي حروفه عارضة لصوت القارئ بلا شك لكن الكلمات اللفظية صور الكلمات الغيبية القائمة بذات الحق فالكلام النفسي مسموع بعين سماع الكلام اللفظي لأنه صورته لا من حيث الكلمات الغيبية فإنها لا تسمع إلا على طريق خرق العادة وقول الباقلاني إنما تسمع التلاوة دون المتلو والقراءة دون المقروء يمكن حمله على أنه أراد إنما يسمع أولا وبالذات التلاوة أي المتلو اللفظي الذي حروفه عارضة لصوت التالي لا النفسي الذي حروفه غيبية مجردة عن المواد الحسية والخيالية فلا نزاع في التحقيق أيضًا 
والفرق بين سماع موسى عليه السلام كلام الله تعالى وسماعنا له على هذا أن موسى عليه السلام سمع من الله عز وجل بلا واسطة لكن من وراء حجاب ونحن إنما نسمعه من العبد التالي بعين سماع الكلام اللفظي المتلو بلسانه العارض حروفه لصوته لا من الله تعالى من وراء حجاب العبد فلا يكون سماعًا من الله تعالى بلا واسطة وهذا واضح عند من له قدم راسخة في العرفان وظاهر عند من قال بالمظاهر مع تنزيه الملك الديان وأنت إذا أمعنت النظر في قول أهل السنة: القرآن كلام الله عز وجل غير مخلوق وهو مقروء بألسنتنا مسموع بآذاننا محفوظ في صدورنا مكتوب في مصاحفنا غير حال في شيء منها رأيته قولاً بالمظاهر ودالاًّ على أن تنزل القرآن القديم القائم بذات الله تعالى فيها غير قادح في قدمه لكونه غير حال في شيء منها مع كون كل منها قرآنًا حقيقة شرعية بلا شبهة وهذا عين الدليل على أن تجلي القديم في مظهر حادث لا ينافي قدمه وتنزيهه وليس من باب الحلول ولا التجسيم ولا قيام الحوادث بالقديم ولا ما يشأ كل ذاك من شبهات تعرض لمن لا رسوخ له في هاتيك المسالك وعنه يظهر معنى ظهور القرآن في صورة الرجل الشاحب يلقى صاحبه حين ينشق عنه القبر وظهوره خصمًا لمن حمله فخالف أمره وخصمًا دون من حمله فحفظ الأمر بل من أحاط خبرًا بأطراف ما ذكرناه وطاف فكره المتجرد عن مخبط الهوى في كعبة حرم ما حققناه أندفع عنه كل إشكال في هذا الباب ورأى أن تشنيع ابن تيمية وابن القيم وابن قدامة وابن قاضي الجبل والطوفي وأبي نصر وأمثالهم صرير باب أو طنين ذباب وهم وإن كانوا فضلاء محققين وأجلاء مدققين لكنهم كثيرًا ما انحرفت أفكارهم واختلطت أنظارهم فوقعوا في علماء الأمة وأكابر الأئمة وبالغوا في التعنيف والتشنيع وتجاوزوا في التسخيف والتفظيع ولولا الخروج عن الصدد لوفيتهم الكيل صاعًا بصاع ولتقدمت إليهم بما قدموا باعًا بباع ولعلمتهم كيف يكون الهجاء بحروف الهجاء ولعرفتهم إلام ينتهي المراء بلا مراء في فرس للحم بالحلم ملجم ولي فرس للجهل بالجهل مسرج فمن رام تقويمي فإني مقوم ومن رام تعويجي فإني معوج على أن العفو أقرب للتقوى والإغضاء مبنى الفتوة وعليه الفتوى والسادة الذين تكلم فيهم هؤلاء إذا مروا باللغو مروا كرامًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا وحيث تحرر الكلام في الكلام على مذهب أهل السنة واندفع عنه بفضل الله تعالى كل محنة ومهة فلا بأس بأن نحكي بعض الأقوال كما حكى الله تعالى كثيرًا من أقوال ذوي الضلال وبعد أن رسخ الحق في قلبك وتغلغل في سويدائه كلام ربك لا أخشى عليك من سماع باطل لا يزيدك إلا حقًّا وكاذب لا يورثك إلا صدقًا فنقول أما المعتزلة فاتفقوا كافة على أن معنى كونه تعالى متكلمًا أنه خالق الكلام على وجه لا يعود إليه منه صفة حقيقية كما لا يعود إليه من خلق الأجسام وغيرها صفة حقيقية واتفقوا أيضًا على أن كلام الرب تعالى مركب من الحروف والأصوات وأنه محدث مخلوق ثم اختلفوا فذهب الجبائي وابنه أبو هاشم إلى أنه حادث في محل ثم زعم الجبائي أن الله تعالى يحدث عند قراءة كل قارئ كلامًا لنفسه في محل القراءة وخالفه الباقون وذهب أبو الهذيل بن العلاف وأصحابه إلى أن بعضه في محل وهو قوله (كن ) وبعضه لا في محل كالأمر والنهي والخبر والاستخبار وذهب الحسن بن محمد النجار إلى أن كلام الباري إذا قريء فهو عرض وإذا كتب فهو جسم وذهبت الإمامية والخوارج والحشوية إلى ان كلام الرب تعالى مركب من الحروف والأصوات ثم اختلف هؤلاء فذهب الحشوية إلى أنه قديم أزلي قائم بذات الرب تعالى لكن منهم من زعم أنه من جنس كلام البشر وبعضهم قال: لا بل الحرف حرفان والصوت صوتان قديم وحادث والقديم منهما ليس من جنس الحادث وأما الكرامية فقالوا: إن الكلام قد يطلق على القدرة على التكلم وقد يطلق على الأقوال والعبارات وعلى كلا التقديرين فهو قائم بذات الله تعالى لكن إن كان بالاعتبار الأول فهو قديم متحد لا كثرة فيه وإن كان بالاعتبار الثاني فهو حادث متكثر وأما الواقفية فقد أجمعوا على أن كلام الرب تعالى كائن بعد أن لم يكن لكن منهم من توقف في إطلاق اسم القديم والمخلوق عليه ومنهم من توقف في إطلاق اسم المخلوق وأطلق اسم الحادث ومن القائلين بالحدوث من قال ليس جوهرًا ولا عرضًا وذهب بعض المعترفين بالصانع إلى أنه لا يوصف بكونه متكلمًا لا بكلام ولا بغير كلام والذي أوقع الناس في حيص بيص أنهم رأوا قياسين متعارضي النتيجة وهما كلام الله تعالى صفة له وكل ما هو صفة له فهو قديم فكلام الله تعالى قديم وكلام الله تعالى مركب من حروف مرتبة متعاقبة في الوجود وكل ما هو كذلك فهو حادث فكلام الله تعالى حادث فقوم ذهبوا إلى أن كلامه تعالى حروف وأصوات وهي قديمة ومنعوا أن كل ما هو مؤلف من حروف وأصوات فهو حادث ونسب إليهم أشياء هم برآء منها وآخرون قالوا بحدوث كلامه تعالى وأنه مؤلف من أصوات وحروف وهو قائم بغيره ومعنى كونه متكلمًا عندهم أنه موجد لتلك الحروف والأصوات في جسم كاللوح أو ملك كجبريل أو غير ذلك فهم منعوا أن المؤلف من الحروف والأصوات صفة الله تعالى وأناس لما رأوا مخالفة الأولين للضرورة الظاهرة  التي هي أشنع من مخالفة الدليل ومخالفة الآخرين فيما ذهبوا إليه للعرف واللغة ذهبوا إلى أن كلامه تعالى صفة له مؤلفة من الحروف والأصوات الحادثة القائمة بذاته تعالى فهم منعوا أن كل ما هو صفة له تعالى فهو قديم وجمعٌ قالوا : كلامه تعالى معنى واحد بسيط قائم بذاته تعالى فهم منعوا أن كلامه تعالى مؤلف من الحروف والأصوات وكثر في حقهم القال والقيل والنزاع الطويل وبعضهم تحير فوقف وحبس ذهنه في مسجد الدهشة واعتكف وعندي القياسان صحيحان والنتيجتان صادقتان ولكل مقام مقال ولكل كلام أحوال ولا أظنك تحوجني إلى التفصيل بعد ما وعاه فكرك الجميل بل ولا تكلفني رد هذه الأقوال الشنيعة التي هي لديك إذا أخذت العناية بيديك كسراب بقيعة فليطر شحرور القلم إلى روضة أخرى وليغرد بها بفائدة لعلها أولى من الإطالة وأحرى، والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب لا رب غيره .
الفائدة الخامسة: في بيان المراد بالأحرف السبعة التي نزل بها القرآن. أقول: روى أحد وعشرون صحابيًّا حديث نزول القرآن على سبعة أحرف حتى نص أبو عبيدة على تواتره وفي مسند أبي يعلى أن عثمان رضي الله عنه قال على المنبر: أذكر الله رجلاً سمع النبي قال: (( إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف)) لما قام فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا بذلك فقال:  وأنا أشهد معهم واختلف في معناه على أقوال أحدها أنه من المشكل الذي لا يدري ل الحرف وفيه أن مجرد ال لا يستدعي ذلك اللهم إلا أن يكون بالنظر إلى هذا القائل. ثانيها: أن المراد التكثير لا حقيقة العدد وقد جروا على تكثير الآحاد بالسبعة والعشرات بالسبعين والمآت بسبعمائة وسر التسبيع لا يخفى وإليه جنح عياض وفيه مع عدم ظهور معناه أن حديث أبيّ كما رواه النسائي: (( أن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف)) ونحوه من الأحاديث لا سيما حديث أبي بكرة الذي في آخره: (( فنظرت إلى ميكائيل فسكت فعلمت أنه قد انتهت العدة)) أقوى دليل على إرادة الانحصار بل في جمع القلة نوع إشارة إلى عدم الكثرة كما لا يخفى. ثالثها: إن المراد بها سبع قرآت وفيه أن ذلك لا يوجد في كلمة واحدة إلا نادر والقول أن كلمة تقرأ بوجه أو وجهين إلى سبع يشكل عليه ما قريء على أكثر اللهم إلا أن يقال ورد ذلك مورد الغالب وفيه ما لا يخفى حتى قال السيوطي قد ظن كثير من القوم أن المراد بها القراءات السبعة وهو جهل قبيح فتدبر. رابعها: أن المراد بها سبعة أوجه من المعاني المتفقة على ألفاظ مختلفة نحو: أقبل وتعال وهلم وعجل وأسرع ، وإليه ذهب ابن عيينة وجمع وأيد برواية : (حتى بلغ سبعة أحرف قال : كلها شاف كاف ما لم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب) وبما حكي أن ابن مسعود أقرأ رجلاً (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم) فقال الرجل: (طعام الأثيم) فردها عليه فلم يستقم بها لسانه فقال: أتستطيع أن تقول: الفاجر قال: نعم قال: فافعل. وفيه أن ذلك كان رخصة لعسر تلاوته بلفظ واحد على الأميين ثم نسخ، وإلا لجازت روايته بالمعنى ولذهب التعبد بلفظه ولاتسع الخَرْقُ ولفات كثير من الأسرار والأحكام، وهذا يستدعي نسخ الحديث وفيه بُعد بل لا قائل به. خامسها: أن المراد بها كيفية النطق بالتلاوة من إدغام وإظهار وتفخيم وترقيق وإشباع ومد وقصر وتشديد وتخفيف وتليين وتحقيق وفيه أن ذلك ليس من الاختلاف الذي يتنوع فيه اللفظ والمعنى واللفظ الواحد بهذه الصفات باق على وحدته فليس فيه حينئذ جليل فائدة . 
سادسها: أن المراد سبعة أصناف وعليه كثيرون ثم اختلفوا في تعيينها فقيل : محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخصوص وعموم وقصص وقيل : إظهار الربوبية وإثبات الوحدانية وتعظيم الألوهية والتعبد لله ومجانبة الإشراك والترغيب في الثواب والترهيب من العقاب وقيل: أمر ونهي ووعد ووعيد وإباحة وإرشاد واعتبار وقيل غير ذلك والكل محتمل بل وأضعاف أمثاله إلا أنه لا مستند له ولا وجه للتخصيص 
سابعها: أن المراد سبع لغات وإليه ذهب ثعلب وأبو عبيد والأزهري وآخرون وأختاره ابن عطية وصححه البيهقي، وأعترض بأن لغات العرب أكثر، وأجيب بأن المراد أفصحها وهي لغة قريش وهذيل وتميم والأزد وربيعة وهوازن وسعد بن بكر واستنكره ابن قتيبة قائلاً : لم ينزل القرآن إلا بلغة قريش بدليل (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) وعليه يلتزم كون السبع في بطون قريش وبه جزم أبو علي الأهوازي، وليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات بل أنها مفرقة فيه ولعل بعضها أسعد من بعض وأكثر نصيبًا. وقيل: السبع في مضر خاصة لقول عمر رضي الله عنه : نزل القرآن بلغة مضر. وقال بعضهم : إنهم هذيل وكنانة وقيس وضبة وتيم الرباب وأسيد بن خزيمة وقريش. وقيل: أنزل أولاً بلسان قريش ومن جاورهم من الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن تقرأه بلغاتها دفعًا للمشقة ولما كان فيهم من الحمية ولم يقع ذلك بالتشهي بل المرعى فيه السماع من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكيفية نزول القرآن على هذه السبع أن جبريل عليه السلام كان يأتي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في كل عرضة بحرف إلى أن تمت . قال السيوطي بعد نقل هذا القول وذكر ما له وما عليه: وبعد هذا كله هو مردود بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهشام بن حكيم كلاهما قرشي من لغة واحدة وقبيلة واحدة وقد اختلفت قراءتهما ومحال أن ينكر عليه عمر لغته؛ فدل على أن المراد بالأحرف السبعة غير اللغات. انتهى . ويا ليت شعري ادعى أحد من المسلمين أن معنى إنزال القرآن على هذه السبع من لغات هؤلاء العرب أنه أنزل كيفما كان وأنهم هم الذين هذبوه بلغاتهم ورشحوه بكلماتهم بعد الإذن لهم بذلك فإذا لا تختلف أهل قبيلة واحدة في كلمة ولا يتنازع اثنان منهم فيها أبدًا أم أن الله تعالى شأنه ظهر كلامه في مرايا هذه اللغات على حسب ما فيها من المزايا والنكات فنزل بها وحيه وأداها نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم ووعاها أصحابه فكم صحابي هو من قبيلة وعى كلمة نزلت بلغة قبيلة أخرى وكلاهما من السبع وليس له أن يغير ما وعى بل كثيرًا ما يختلف صحابيان من قبيلة في الرواية عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وكل من روايتيهما على غير لغتهما كل ذلك اتباعًا لما أنزل الله تعالى وتسليمًا لما جاء به رسول الله وقد ينفي صحابي غير روايته وينكر رواية غيره وكل ذلك يدل على أن مرجع السبع الرواية لا الدراية. فرد الإمام السيوطي لا أدري ماذا أرد منه وما الذي أسكت عنه فهاهو بين يديك فأعمل ما شئت فيه وسلام الله تعالى عليك. ومما ذكرناه علمت أن القلب يميل إلى هذا السابع فافهم وقد حققنا بعض الكلام في هذا المقام في كتابنا الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية فارجع إليه إن أردته والله سبحانه وتعالى أعلم . 
الفائدة السادسة: في جمع القرآن وترتيبه اعلم أن القرآن جمع أولاً بحضرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ؛ فقد أخرج الحاكم بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال: كنا عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نؤلف القرآن في الرقاع. وثانيًا بحضرة أبي بكر رضي الله تعالى عنه؛ فقد أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت أيضًا قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن !! فقلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟! قال عمر : هذا والله خير فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن! قلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟! قال : هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال ووجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره ( لقد جاءكم رسول ...)  حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر. وأخرج ابن أبي داود بسند رجاله ثقات مع انقطاع أن أبا بكر قال لعمر وزيد مع أنه كان حافظًا: اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه ، ولعل الغرض من الشاهدين أن يشهدا على أن ذلك كتب بين يدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو على أنه مما عرض عليه صلى الله تعالى عليه وسلم عام وفاته وإنما اكتفوا في آية التوبة بشهادة خزيمة ؛ لأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين والقول بأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة مما لا حجار له وما شاع أن عليًّا كرم الله وجهه لما توفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تخلف لجمعه فبعض طرقه ضعيف وبعضها موضوع وما صح فمحمول كما قيل على الجمع في الصدر وقيل كان جمعًا بصورة أخرى لغرض آخر ويؤيده أنه قد كتب فيه الناسخ والمنسوخ فهو ككتاب علم، وقد أخرج ابن أبي داود بسند حسن عن عبد خير قال : سمعت عليًّا يقول: أعظم الناس في المصاحف أجرًا أبو بكر رضي الله تعالى عنه رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله أي على الوجه الذي تقدم، فلا ينافي ما في مختصر القرماني أن أول من جمعه عمر رضي الله تعالى عنه وما روى عن أبي بريدة أنه قال: أول من جمع القرآن في مصحف سالم مولى أبي حذيفة أقسم لا يرتدي برداء حتى يجمعه فهو مع غرابته وانقطاعه محمول على أنه أحد الجامعين بأمر أبي بكر رضي الله تعالى عنه قاله الإمام السيوطي وهي عثرة منه لا يقال لصاحبها لا لأن سالمًا هذا قتل في وقعة اليمامة كما يدل عليه كلام الحافظ ابن حجر في إصابته ونص عليه السيوطي نفسه في إتقانه بعد هذا المبحث بأوراق ولا شك أن الأمر بالجمع وقع من الصديق بعد تلك الوقعة وهي التي كانت سببًا له كما يدل عليه حديث البخاري الذي قدمناه فسبحان من لا ينسى، وما اشتهر أن جامعه عثمان فهو على ظاهره باطل لأنه رضي الله تعالى عنه إنما حمل الناس في سنة خمس وعشرين على القراءة بوجه واحد باختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشي الفتنة من اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات فقد روى البخاري عن أنس: أن حذيفة بن اليماني قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحرث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنه إنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القراءات في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. قال زيد : ففقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت اسمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) ألحقناها في سورتها في المصحف وقد ارتضى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى أن المرتضى كرم الله تعالى وجهه قال على ما أخرج ابن أبي داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة عنه : لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا فوالله ما فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا- وفي رواية-: لو وليت لعملت بالمصحف الذي عمله عثمان. وما نقل عن ابن مسعود أنه قال لما أحرق مصحفه : لو ملكت كما ملكوا لصنعت بمصحفهم كما صنعوا بمصحفي، كذب كسوء معاملة عثمان معه التي يزعمها الشيعة حين أخذ المصحف منه وهذا الذي ذكرناه من فعل عثمان هو ما ذكرناه غير واحد من المحققين حتى صرحوا بأن عثمان لم يصنع شيئًا فيما جمعه أبو بكر من زيادة أو نقص أو تغيير ترتيب سوى أنه جمع الناس على القراءة بلغة قريش محتجًّا بأن القرآن نزل بلغتهم ويشكل عليه ما مر آنفًا من قول زيد: ففقدت آية من الأحزاب ... إلخ فإنه بظاهره يستدعي أن في المصاحف العثمانية زيادة لم تكن في هاتيك الصحف والأمر في ذلك هين إذ مثل هذه الزيادة اليسيرة لا توجب مغايرة يعبأ بها ولعلها تشبه مسألة التضاريس ولو كان هناك غيرها لذكر ، ولا تقدح أيضًا في الجمع السابق إذ يحتمل أن يكون سقوطها منه من باب الغفلة وكثيرًا ما تعتري السارحين في رياض حظائر قدس كلام رب العالمين فيذكرهم سبحانه بما غفلوا فيتداركون ما أغفلوا، وزيد هذا كان في الجمعين ولعله الفرد المعول عليه في البين لكن عراه في أولهما ما عراه وفي ثانيها ذكَّره من تكفل بحفظ الذكر فتدارك ما نساه. 
وبعد انتشار هذه المصاحف بين هذه الأمة المحفوظة لا سيما الصدر الأول الذي حوى من الأكابر ما حوى وتصدر فيه للخلافة الراشدة علي المرتضى وهو باب مدينة العلم لكل عالم والأسد الأشد الذي لا تأخذه في الله لومة لائم لا يبقى في ذهن مؤمن احتمال سقوط شيء بعد من القرآن وإلا لوقع الشك في كثير من ضروريات هذا الدين الواضح البرهان. وزعمت الشيعة أن عثمان بل أبا بكر وعمر أيضًا حرفوه وأسقطوا كثيرًا من آياته وسوره؛ فقد روى الكليني منهم عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله : أن القرآن الذي جاء به جبريل إلى محمد سبعة عشر ألف آية، وروى محمد بن نصر عنه أنه قال: كان في (لم يكن) اسم سبعين رجلاً من قريش باسمائهم وأسماء آبائهم، وروى عن سالم بن سليمة قال: قرأ رجل على أبي عبدالله وأنا اسمعه حروفًا من القرآن ليس ما يقرأها الناس فقال أبو عبدالله: مه عن ذه القراءات واقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم فاقرأ كتاب الله على حده، وروى عن محمد بن جهم الهلالي وغيره عن أبي عبدالله (أن أمة هي أربى من أمة) ليس كلام الله بل محرف عن موضعه والمنزل [أأئمة هي أزكى من أئمتكم] وذكر ابن شهراشب المازندراني في كتاب المثالب له: أن سورة الولاية أسقطت بتمامها وكذا أكثر سورة الأحزاب فإنها كانت مثل سورة الأنعام فأسقطوا منها فضائل أهل البيت، وكذا أسقطوا لفظ [ويلك] من قبل (لا تحزن إن الله معنا) وعن ولاية على من بعد (وقفوهم إنهم مسئولون) وبعلي بن أبي طالب من بعد (وكفى الله المؤمنين القتال) وآل محمد من بعد (وسيعلم الذين ظلموا) إلى غير ذلك فالقرآن الذي بأيدي المسلمين اليوم شرقًا وغربًا وهو لكرة الإسلام ودائرة الأحكام مركزًا أو قطبًا أشد تحريفًا عند هؤلاء من التوراة والإنجيل وأضعف تأليفًا منهما وأجمع للأباطيل وأنت تعلم أن هذا القول أوهى من بيت العنكبوت وأنه لأوهن البيوت ولا أراك في مرية من حماقة مدعيه وسفاهة مفتريه، ولما تفطن بعض علمائهم لما به جعله قولاً لبعض أصحابه. قال الطبرسي في مجمع البيان: أما الزيادة فيه أي القرآن فمجمع على بطلانها وأما النقصان فقد روى عن قوم من أصحابنا وقوم من حشوية العامة والصحيح خلافه وهو الذي نصره المرتضى واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات وذكر في مواضع أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة فإن الغاية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته وبلغت إلى حد لم تبلغه فيما ذكرناه لأن القرآن مفجر النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته فكيف يجوز أن يكون مغيرًا أو منقوصًا مع العناية الصادقة والضبط الشديد وقال أيضًا : أن العلم بتفصيل القرآن وأبعاضه في صحة نقله كالعلم بجملته وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه والمزني فإن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمونه من جملتها حتى لو أن مدخلاً أدخل في كتاب سيبويه بابًا من النحو ليس من الكتاب لعرف وميزانه ملحوق وأنه ليس من أصل الكتاب وكذا القول في كتاب المزني ومعلوم أن العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء وذكر أيضًا أن القرآن كان على عهد رسول الله مجموعًا مؤلفًا على ما هو عليه الآن وأستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان وأنه كان يعرض على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويتلى عليه وأن جماعة من الصحابة مثل عبدالله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عدة ختمات وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعًا مرتبًا غير مثبور ولا مبثوث وذكر أن من خالف ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخبارًا ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع بصحته. انتهى وهو كلام دعاه إليه ظهور فساد مذهب أصحابه حتى للأطفال والحمد لله على أن ظهر الحق وكفى الله المؤمنين القتال إلا أن الرجل قد دس في الشهد سُمًّا وأدخل الباطل في حمى الحق الأحمى أما أولاً فلأن نسبة ذلك إلى قوم من حشوية العامة الذين يعي بهم أهل السنة والجماعة فهو كذب أو سوء فهم لأنهم أجمعوا على قدم وقوع النقص فيما تواتر قرآنًا كما هو موجود بين الدفتين اليوم نعم أسقط زمن الصديق ما لم يتواتر وما نسخت تلاوته وكان يقرأه من لم يبلغه النسخ وما لم يكن في العرضة الأخيرة ولم يأل جهدًا رضي الله تعالى عنه في تحقيق ذلك إلا أنه لم ينتشر نوره في الآفاق إلا زمن ذي النورين فلهذا نسب إليه كما روى عن حميدة بنت يونس أن في مصحف عائشة رضي الله عنها (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا وعلى الذين يصلون الصفوف الأول) وأن ذلك قبل أن يغير عثمان المصاحف فما أخرج أحمد عن أبي قال: قال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : (إن الله أمرني أن أقرأ عليك ) فقرأ علي (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة إن الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل ذلك فلن يكفره) وفي رواية (ومن يعمل صالحًا فلن يكفره وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وفارقوا الكتاب لما جاءهم أولئك عند الله شر البرية ما كان الناس إلا أمة واحدة ثم أرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين يأمرون الناس يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويعبدون الله وحده أولئك عند الله خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه) وفي رواية الحاكم: فقرأ فيها (ولو أن ابن آدم سأل واديًا من مال فأعطيه يسأل ثانيًا ولو سأل ثانيًا فأعطيه يسأل ثالثًا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب) وما روي عنه أيضًا أنه كتب في مصحفه سورتي الخلع والحفد : اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق.  فهو من ذلك القبيل ومثله كثير وعليه يحمل ما رواه أبو عبيد عن ابن عمر قال: لا يقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر. والروايات في هذا الباب أكثر من أن تحصى إلا أنها محمولة على ما ذكرناه وأين ذلك مما يقوله الشيعي الجسور ومن لم يجعل الله له نورًا فماله من نور. 
وأما ثانيًا فلأن قوله: إن القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مجموعًا مؤلفًا على ما هو عليه الآن ... إلخ إن أراد به أنه مرتب الآي والسور كما هو اليوم وأنه يقرأه من حفظه في الصدر من الأصحاب كذلك لكنه كان مفرقًا في العسب واللخاف فمسلم إلا أنه خلاف الظاهر من سياق كلامه وسباقه وإن أراد أنه كان في العهد النبوي مقروءًا كما هو الآن لا غير وكان مرتبًا ومجموعًا في مصحف واحد غير متفرق في العسب واللخاف فممنوع والدليل الذي استدل به لا يدل عليه كما لا يخفى ويالله العجب كيف ذكر في هذا المعرض ختمات ابن مسعود وأبي على النبي وجعل ذلك من أدلة مدعاه مع أن مروي كل منهما يخالف مروي الآخر وكلاهما يخالفان ما في المصحف العثماني فالسور مثلاً في مصحفنا مائة وأربعة عشرة بإجماع من يعتد به وقيل ثلاثة عشرة بجعل الأنفال وبراءة سورة واحدة وفي مصحف ابن مسعود مائة واثنتا عشرة سورة لأنه لم يكتب المعوذتين بل صح عنه أنه كان يحكهما من المصاحف ويقول: ليستا من كتاب الله تعالى وإنما أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتعوذ بهما ولهذا عوذ بهما الحسن والحسين. ولم يتابعه أحد من الصحابة على ذلك وقد صح أنه قرأهما في الصلاة، فالظاهر أنهما غير متواترتين قرآنًا عنده والقول بأنه إنما أنكر الكتابة وأراد بالكتاب المصحف ليتم التأويل مستبعد جدًّا بل لا يصح كما لا يخفى وفي مصحف أبي خمسة عشرة لأنه كتب في آخره بعد العصر سورتي الخلع والحفد وجعل سورة الفيل وقريش فيه سورة واحدة وترتيب كل أيضًا متغاير ومغاير لترتيب مصحفنا لا سترة عليها فسورة (ن) في مصحف ابن مسعود بعد (الذاريات) و (لا أقسم بيوم القيامة) بعد (عم) (والنازعات) بعد (الطلاق) و(الفجر) بعد (التحريم) إلى غير ذلك وسورة (بني إسرائيل) في مصحف أبي بعد الكهف و الحجرات بعد ن و تبارك بعد الحجرات والنازعات بعد الواقعة و ألم نشرح بعد (قل هو الله أحد) مع اختلاف كثير يظهر لمن رجع إلى الكتب المتقنة في هذا الباب وكأن ران البُغض غطى على قلب هذا البعض فقال ما قال ولم يتفكر في حقيقة الحال ولم يبال بوقع النبال قاصدًا أن يستر بمنخل مختل كذبه نور ذي النورين الساطع عليه من برح شمس الكونين ومن بدر صحبه مع أن نسبة هذا الجمع إليهما من أوضح الأمور بل أشهر من المشهور وهو شائع أيضًا عند الشيعة، وليس لهم إلى إنكاره ذريعة ولكن مركب التعصب عثور ومذهب التعسف محذور.
 وإذا حققت ما ذكرناه ووعيت ما عليك تلوناه فاعلم أن ترتيب آيه وسوره بتوقيف من النبي أما ترتيب الآي فكونه توقيفيًّا مما لا شبهة فيه حتى نقل جمع منهم الزركشي وأبو جعفر الإجماع عليه من غير خلاف بين المسلمين والنصوص متظافرة على ذلك وما يدل بظاهره من الآثار على أنه اجتهادي معارض ساقط عن درجة الاعتبار كالخبر الذي أخرجه ابن أبي داود بسنده عن عبدالله بن الزبير عن أبيه قال: أتى الحرث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة فقال: أشهد أني سمعتهما من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ووعيتهما فقال عمر: وأنا أشهد لقد سمعتهما ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة فانظروا آخر سورة من القرآن فألحقوها في آخرها فإنه معارض بما لا يحصى مما يدل على خلافه بل لابن أبي داود مخرجه خبر يعارضه أيضًا فقد أخرج أيضًا عن أبي أنهم جمعوا القرآن فلما انتهوا إلى الآية التي في سورة براءة (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون) ظنوا أن هذا آخر ما نزل فقال أبي: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أقرأني بعد هذا آيتين (لقد جاءكم رسول...) إلى آخر السورة .
وأما ترتيب السور ففي كونه اجتهاديًّا أو توقيفيًّا خلاف والجمهور على الثاني قال أبو بكر الأنباري: أنزل الله تعالى القرآن كله إلى سماء الدنيا ثم فرقه في بضع وعشرين فكانت السورة تنزل لأمر يحدث والآية جوابًا لمستخبر فيوقف جبريل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على موضع الآية والسورة فمن قدم أو أخر فقد أفسد نظم القرآن. وقال الكرماني بترتيب السور هكذا هو عند الله تعالى في اللوح المحفوظ وعليه كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه وعرض عليه في السنة التي توفي فيها مرتين. وقال الطيبي مثله وهو المروي عن جمع غفير إلا أنه يشكل على هذا ما أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بها ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال فقال عثمان: كان رسول الله ينزل عليه السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: (دعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا) وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولاً وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها فقبض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتهما في السبع الطوال. 
فهذا يدل على أن الاجتهاد دخل في ترتيب السور ولهذا ذهب البيهقي إلى أن جميع السور ترتيبها توقيفي إلا براءة والأنفال وله انشرح صدر الإمام السيوطي لما ضاق ذرعًا عن الجواب والذي ينشرح له صدر هذا الفقير هو ما انشرحت له صدور الجمع الغفير من أن ما بين اللوحين الآن موافق لما في اللوح من القرآن وحاشا أن يهمل صلى الله تعالى عليه وسلم أمر القرآن وهو نور نبوته وبرهان شريعته فلا بد إما من التصريح بمواضع الآي والسور وإما من الرمز إليهم بذلك وإجماع الصحابة في المآل على هذا الترتيب وعدولهم عما كان أولاً من بعضهم على غيره من الأساليب وهم الذين لا تلين قناتهم لباطل ولا يصدهم عن اتباع الحق لوم لائم ولا قول قائل أقوى دليل على أنهم وجدوا ما أفادهم علمًا ولم يدع عندهم خيالاً ولا وهمًا وعثمان رضي الله تعالى عنه وإن لم يقف على ما يفيده القطع في براءة والأنفال وفعل ما فعل بناء على ظنه إلا أن غيره وقف وقبل ما فعله ولم يتوقف وكم لعمر رضي الله تعالى عنه موافقات لربه أدى إليها ظنه فليكن لعثمان هذه الموافقة التي ظفر غيره بتحقيقها من النصوص أو الرموز فسكت على أن ذلك كان قبل ما فعل عثمان عند التحقيق ولكن لما رفعت الأقلام وجفت الصحف واجتمعت الكلمة في أيامه واقتدت المسلمون في سائر الآفاق بإمامه نسب ذلك إليه وقصر من دونهم عليه والسؤال منه وجوابه ليسا قطعيين في الدلالة على الاستقلال لجواز أن يكون السؤال للاستخبار عن سر عدم المخالفة والجواب لإبدائه على ما خطر في البال وبالجملة بعد إجماع الأمة على هذا المصحف لا ينبغي أن يصاخ إلى آحاد الأخبار ولا يشرأب إلى تطلع غرائب الآثار فافهم ذاك والله سبحانه وتعالى يتولى هداك.
الفائدة السابعة: في بيان وجه إعجاز القرآن : اعلم أن أعجاز القرآن مما لا مرية فيه ولا شبهة تعتريه وأرى الاستدلال هنا عليه مما لا يحتاج إليه والشبه صرير باب أو طنين ذباب والاهم بالنسبة إلينا بيان وجه الإعجاز والكلام فيه على سبيل الإيجاز فنقول: قد اختلف الناس في ذلك فذهب بعض المعتزلة إلى أن وجه إعجازه اشتماله على النظم الغريب والوزن العجيب والأسلوب المخالف لما استنبطه البلغاء من العرب في مطالعه وفواصله . ورد بوجهين ألأول أنا لا نسلم المخالفة فإن كثيرًا من آياته على وزن أبيات العرب نحو قوله تعالى : (ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه) وقوله تعالى: ( ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب) ومثله كثير. الثاني: أنا لو سلمنا المخالفة لكن لا نسلم أنه لمجردها يكون معجزًا وإلا لكانت حماقات مسيلمة إذ هي على وزنه كذلك وذهب الجاحظ إلى أنه اشتماله على البلاغة التي تتقاصر عنها سائر ضروب البلاغات. ورد بوجوه الأول: أنَّا إذا نظرنا إلى أبلغ الخطب وأجزل الشعر وقطعنا النظر عن الوزن وقسناه بقصار القرآن كان الأمر في التفاوت ملتبسًا والمعجز لا بد أن ينتهي إلى حد لا يبقى معه لبس ولا ريبة الثاني: إن القرآن غير خارج عن كلام العرب وما من أحد من بلغائهم إلا وقد كان مقدورًا له الإتيان بقليل من مثل ذلك والقادر على البعض قادر على الكل الثالث: أن الصحابة اختلفوا في البعض ولو كان منتهيًا إلى الإعجاز بلاغة لعرفوه وما اختلفوا الرابع: أنهم طلبوا البينة ممن أتى بشيء منه ولو كانت بلاغته منتهية إلى حد الإعجاز ما طلبوها. الخامس: أن في كل عصر من تنتهي إليه البلاغة وذلك غير موجب للإعجاز ولا للدلالة على صدق مدعي الرسالة لجواز أن يكون هو من انتهت إليه وقيل: هو اشتماله على الأخبار بالغيب. وردَّ أما أولاً: فبأن الإصابة في المرة والمرتين ليست من الخوارق والحد الذي يصير به الإخبار خارقًا غير مضبوط فإذا لا يمتنع أن يقال ما اشتمل عليه القرآن لم يصل إليه وأما ثانيًا فبأنه يلزم أن يكون أخبار المنجمين والكهنة عن الأموار المغيبة مع كثرة إصابتها معجزة وأما ثالثًا فبأنه يلزم أن تكون التوراة كذلك لاشتمالها كاشتماله وأما رابعًا: فبأنه يلزم أن يكون الخالي عن الأخبار بالغيب من القرآن غير معجز وقيل: هو كونه مع طوله وامتداده غير متناقض ولا مختلف وأبطل بوجهين الأول: أنا لا نسلم عدم التناقض والاختلاف فيه أما التناقض فقوله تعالى : (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) والبحور كلها فيه وقال تعالى : (فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) ثم قال: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) وقال تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلاً) فحصر المانع في أحد السببين وقال : (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرًا رسولاً) فحصر المانع في غيرهما إلى غير ذلك، وأما الاختلاف فكقوله تعالى: (كالصوف المنفوش) بدل (كالعهن المنفوش) وقوله تعالى: (ضربت عليهم المسكنة والذلة) بدل قوله : (الذلة والمسكنة) وقوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) وقوله تعالى في خلق آدم مرة (من تراب) ومرة (من حمأ) ومرة (من طين) ومرة (من صلصال) على أن فيه تكرارًا لفظيًّا ومعنويًّا كما في الرحمن وقصة موسى مثلاً وتعرضًا لإيضاح الواضحات كما في قوله تعالى (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) وقال عثمان : إن في القرآن لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها. الثاني: أنا لو سلمنا السلامة من جميع ذلك لكنه ليس بإعجاز إذ هو موجود في كثير من الخطب والشعر ويظهر كليًّا فيما يكون على مقدار بعض السور القصار بتقدير التحدي بها وقيل: هو موافقته لقضية العقل ودقيق المعنى، ورد بأنه معتاد في أكثر كلام البلغاء وينتقض أيضًا بكلام الرسول الغير المعجز وبالتوراة والإنجيل/ وقيل: إعجازه قدمه وأعترض بأنه يستدعي أن يكون كل من صفاته تعالى كذلك وأيضًا الكلام القديم مما لا يمكن الوقوف عليه فلا يتصور التحدي به وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني والنظام : إعجازه بصرف دواعي بلغاء العرب عن معارضته، وقال المرتضى: بسلبهم العلوم التي لا بد منها في المعارضة وأعترض بأربعة أوجه الأول: أنه يستلزم أن يكون المعجز الصرفة لا القرآن وهو خلاف ما عليه إجماع المسلمين من قبل الثاني: أن التحدي وقع بالقرآن على كل العرب فلو كان الإعجاز بالصرفة لكانت على خلاف المتعاد بالنسبة إلى كل واحد ضرورة تحقق الصرفة بالنسبة إليه فيكون الإتيان بمثل كلام القرآن معتادًا له والمعتاد لكل ليس هو الكلام الفصيح بل خلافه فيلزم أن يكون القرآن كذلك وليس كذلك . الثالث: أنه يستلزم أن يكون مثل القرآن معتادًا من قبل لتحقق الصرفة من بعد فتجوز المعارضة بما وجد من كلامهم مثل القرآن قبلها الرابع: وهو خاص بمذهب المرتضى أنه لو كان الإعجاز بفقدهم العلوم لتناطقوا به ولو تناطقوا لشاع إذ العدة جارية بالتحدث بالخوارق فحيث لم يكن دل على فساد الصرفة بهذا الاعتبار واستدل بعضهم على فساد القول بها بقوله تعالى (قل لئن اجتمعت الإنس والجن...) الآية فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرهم ولو سلبوا القدرة لم تبق فائدة لاجتماعهم لأنه بمنزلة اجتماع الموتى وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره ولا بأس بانضمامه إلى ما ذكرناه وأما الاكتفاء به في الاستدلال فلا أظنك ترضاه وقال الآمدي وغيره: الإعجاز بجملته وبالنظر إلى نظمه وبلاغته وإخباره عن الغيب وارتضاه الكثير وقولهم فيما قبل: لا نسلم المخالفة إلخ يجاب عنه بأن ما ذكروه وإن كان على وزن الشعر إلا أنه لا يعد شعرًا ولا قائله شاعر لأن الشعر ما قصد وزنه وحيث لا قصد لا شعر وقد يعرض للبلغاء في سرد خطبهم المنجسمة مثل ذلك بل قد يتفق لمن لا يعرف الشعر رأسًا من العوام كلمات متزنة نحو قول السيد لعبده مثلاً: ادخل السوق واشتر اللحم واطبخ ، ولهذا قال الوليد لما قرأ عليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم القرآن فكأنما رق له فاقترح عليه أبو جهل أن يقول فيها ما يبلغ قومه أنه منكر له وكاره: ماذا أقول فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه ومغدق اسفله وإنه ليعلو ولا يعلى وإنه ليحطم ما تحته وقولهم: إنا لو سلمنا إلخ مسلم لكن لا يلزم إن لا يكون مع البلاغة والأخبار بالغيب معجزًا ومن هنا يعلم الجواب عن الاعتراض على أن وجه إعجازه بلاغته على أن الأوجه الخمسة التي ذكروها فيه باطلة 
أما الأول فلأن التفاوت بين لمن تحدى به من البلغاء ولذا لم يعارض وغيرهم عم عن ذلك لقصوره في الصناعة فلا اعتداد به ولا مضرة لثبوت الإعجاز بعجز اؤلئك ثم قياس أقصر سورة على ما ذكروه عدول عن سواء السبيل وأما الثاني فلأن القدرة على البعض لا تستلزم القدرة على الكل ولهذا نجد الكثير قادرًا على بليغ فقرة أو فقرتين أو بيت أو بيتين ولا يقدر على وضع خطبة ولا نظم قصيدة 
وأما الثالث فلأن الصحابة لم يختلفوا فيما اختلفوا فيه أنه نازل على النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من ربه أو أن بلاغته غير معجزة ولكنهم اختلفوا في أنه قرآن وذلك لا يضر فيما نحن بصدده 
وأما الرابع فلأن طلب البينة لما قدمناه في الفائدة السادسة أو للوضع والترتيب كما قيل أو لمزيد الاحتياط في الأمر الخطير وأما الخامس فلأن المعجز يظهر في كل زمان من جنس ما يغلب ويبلغ فيه الغاية القصوى ويوقف فيه على الحد المعتاد حتى إذا شوهد ما هو خارج عن الحد علم أنه من عند الله وإلا لم يتحقق عند القوم معجزة النبي ولظنوا أنهم لو كانوا من أهل تلك الصنعة أو متناهين فيها لأمكنهم أن يأتوا بمثلها والبلاغة قد بلغت في ذلك العهد حدها وكان فيها فخارهم حتى علقت السبع بباب الكعبة تحديًا بمعارضتها فلما أتى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم بما عجزوا عن مثله مع كثرة المنازعة والتشاجر والافتراق علم أن ذلك من عند الله تعالى بلا ريب واعتراضهم على كون الإخبار بالغيب معجزًا مكابرة فإن الإخبار عن الغائبات مع التكرر والإصابة غير معتاد ولا معنى لكونه معجزًا غير هذا وما ذكروه من الوجه باطل 
أما الأول فلأنه لا يلزم من عدم كون الإصابة في المرة والمرتين من الخوارق أن لا تكون الإصابة في الكرات الكثيرة منها والضابط العرف ولا يخفى أن ما ورد من أخبار الغيب في القرآن مما يعد في نظر أهل العرف كثيرًا لا تعتاد الإصابة فيه بجملته وأما الثاني فلأن أخبار المنجمين ما كان كاذبًا منها لا احتجاج وما كان صادقًا وتكررت الإصابة فيه كالكسوف والخسوف غير وارد لأنه من الحساب المعتاد لمن يتعاطى صناعة التنجيم وأخبار القرآن بالغيوب ليست كذلك وأما أخبار الكهنة فالقول فيها كما في السحر 
وأما الثالث فلأن ما في التوراة من الأخبار بالغيب إن كان كثيرًا خارقًا للعادة ووقع التحدي به فهو أيضًا معجز وآية صدق لمن أتى به ولا يضرنا التزام ذلك وأما الرابع فلأنه لا يرد على من يقول وجه الإعجاز مجموع ما تقدم أصلاً ومن يقول وجهه مجرد الأخبار بالغيب يقول بأن الخالي من ذلك غير معجز وإنما الأعجاز في القرآن بجملته ويكفي ذلك في غرضه والاعتراض على كون وجه الإعجاز عدم التناقض والاختلاف مع الطول والامتداد بوجهيه مدفوع أما الأول فلأن اشتمال القرآن على الشعر قد سبق جوابه فلا يناقض وما علمناه الشعر وأما الآيتان الاوليتان فقد أجاب عنهما ابن عباس حين سأله رجل عن آيات من هذا القبيل بأن نفي المسألة قبل النفخة الثانية وإثباتها فيما بعد والسدي بأن نفي المسألة عند تشاغلهم بالصعق والمحاسبة والجواز على الصراط وإثباتها فيما عداها وابن مسعود بأن المسألة المنفية طلب بعضهم العفو من بعض والمثبتة على ظاهر معناها فلا منافاة وأما الآيتان الأخريتان فمعنى الأولى منهما وما منع الناس أن يؤمنوا إلا إرادة الله أن تأتيهم سنة الأولين من نحو الخسف أو يأتيهم العذاب قبلاً في الآخرة ولا شك أن إرادة الله تعالى مانعة من وقوع ما ينافي المراد فهذا حصر في السبب الحقيقي ومعنى الثانية وما منع الناس أن يؤمنوا إلا استغراب بعثة البشر رسولاً وهو مدلول القول التزاما والدال لا يناسب المانعية والمدلول ليس مانعًا حقيقيًّا بل عادى لجواز وجود الإيمان معه فهو حصر في المانع العادي فلا تناقض وسيأتي لهذا إن شاء الله تعالى زيادة تحقيق وكذا لأمثاله مما يضيق عنه هذا المبحث وأما الاختلاف المذكور فليس هو المنفي في قوله تعالى : (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا) لأن المراد به أحد أمرين الأول الاختلاف المناقض للبلاغة والثاني الاختلاف فيما أخبر عنه من قصص الماضين وسير الأولين مع أمية من جاء به وعدم دراسته للعلوم ومطالعته للكتب ولا شك أنه لم يوجد في القرآن شيء من هذه الاختلافات على أن أمثال بعض ما ذكر من الاختلاف ليس بقرآن لأنه لم يتواتر وأمثال البعض الآخر اختلاف مقال لاختلاف الأحوال والمرجع إلى جوهر واحد وهو التراب في خلق آدم مثلاً ومنه تدرجت تلك الأحوال وأي ضرر في ذلك وأما التكرار اللفظي والمعنوي فلا يخلو عن فائدة لا تحصل من غير تكرار كبيان اتساع العبارة وإظهار البلاغة وزيادة التأكيد والمبالغة إلى غير ذلك مما قد أمعن المفسرون في تحقيقه وبيانه وستراه بحوله تعالى وأما ما يتوهم فيه أنه من قبيل إيضاح الواضحات فليس يخلو عن درء احتمال ورفع خيال فإنه لو لم يقل فيما ذكر من الآية (تلك عشرة كاملة) لتوهم ولو على بعد أن المراد وتمام سبعة إذا رجعتم بل في ذلك غير هذا أسرار ستأتيك بعون باريك وأما قول عثمان أن في القرآن لحنًا إلخ فهو مشكل جدًّا إذ كيف يظن بالصحابة أولاً اللحن في الكلام فضلاً عن القرآن وهم من هم ثم كيف يظن بهم ثانيًا اجتماعهم على الخطأ وكتابته ثم كيف يظن بهم ثالثًا عدم التنبه والرجوع ثم كيف يظن بعثمان عدم تغييره وكيف لتقيمه العرب وإذا كان الذين تولوا جمعه لم يقيموه وهم الخيار فكيف يقيمه غيرهم فلعمري إن هذا مما يستحيل عقلاً وشرعًا وعادة 
فالحق إن ذلك لا يصح عن عثمان والخبر ضعيف مضطرب منقطع وقد أجابوا عنه بأجوبة لا أراها تقابل مؤنة نقلها والذي أراه أن رواة هذا الخبر سمعوا شيئًا ولم يتقنوه فحرفوه فلزم الإشكال وحل الداء العضال وهو ما روى بالسند عن عبدالله بن عبد الأعلى قال : لما فرغ من المصحف أتى به عثمان فنظر فيه فقال: أحسنتم وأجملتم أرى شيئًا سنقيمه بألسنتنا وهذا لا إشكال فيه لأنه عرض عليه عقيب الفراغ من كتابته فرأى فيه ما كتب على غير لسان قريش ثم وفى بذلك عند العرض والتقويم ولم يترك فيه شيئًا ولا أحسبك في مرية من ذلك نعم يبقى ما روى بسند صحيح على شرط الشيخين عن هشام بن عروة عن أبيه قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن لحن القرآن عن قوله تعالى: ( إن هذان لساحران) وعن قوله: (والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة) وعن قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون) فقالت: يا ابن أخي هذا عمل الكتاب أخطأوا في الكتاب. وكذا ما روى عن سعيد بن جبير كان يقرأ والمقيمين الصلاة ويقول هو لحن من الكاتب ويجاب عن الأول بأن معنى قولها: أخطأوا أي في اختيار الأولى من الأحرف السبعة لجمع الناس عليه لا أن الذي كتبوه من ذلك خطأ لا يجوز فإن ما لا يجوز مردود وإن طالت مدة وقوعه وهذا الذي رأته عائشة وكم لها من رأى رضي الله تعالى عنها وعن الثاني بأن معنى قوله لحن من الكاتب لغة وقراءة له وفي الآية قراءة أخرى وللنحويين في توجيه هذه القراءات كلام طويل ستسمعه فيما بعد إن شاء الله تعالى وأما الوجه الثاني فلأن من ذهب إلى أن وجه الإعجاز عدم التناقض والاختلاف مع الطول والامتداد يقول القرآن بجملته معجز لذلك فسلامة كثير من الخطب والشعر من ذلك وظهور ذلك كليًّا فيما يكون على مقدار بعض السور القصار لا يضره شيئًا كما لا يخفى فتدبر 
وقد أطال العلماء الكلام على وجه إعجاز القرآن وأتوا بوجوه شتى الكثير منها خواصه وفضائله مثل الروعة التي تلحق قلوب سامعيه وأنه لا يمله تاليه بل يزداد حبًّا له بالترديد مع أن الكلام يعادي إذا أعيد وكونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل الله تعالى بحفظه والذي يخطر بقلب هذا الفقير أن القرآن بجملته وأبعاضه حتى أقصر سورة منه معجز بالنظر إلى نظمه وبلاغته وإخباره عن الغيب وموافقته لقضية العقل ودقيق المعنى وقد يظهر كلها في آية وقد يستتر البعض كالإخبار عن الغيب ولا ضير ولا عيب فما يبقى كاف وفي الغرض واف 
نجوم سماء كلما انقض كوكب بدا كوكب تأوى إليه كواكب أما بيان كون النظم معجزًا فلأن مراتب تأليف الكلام على ما قيل خمس الأولى ضم الحروف المبسوطة بعضها إلى بعض فتحصل الكلمات الثلاث الاسم والفعل والحرف والثانية تأليف هذه الكلمات بعضها إلى بعض فتحصل الجمل المفيدة وهو النوع الذي يتداوله الناس جميعًا في مخاطباتهم وقضاء حوائجهم ويقال له المنثور والثالثة ضم ذلك إلى بعض ضمًّا له مباد ومقاطع ومداخل ومخارج ويقال له المنظوم والرابعة أن يعتبر في أواخر الكلام مع ذلك تسجيع ويقال له المسجع والخامسة أن يحصل له مع ذلك وزن ويقال له إن قصد الشعر والمنظوم إما محاورة ويقال له الخطابة وإما مكاتبة ويقال له الرسالة فأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الأقسام ولكل من ذلك نظم مخصوص والقرآن جامع لمحاسن الجميع بنظم مكتس أبهى حلل ومتعر عن كل خلل ومشتمل على خواص ما شامها سواه ومزايا ما سامها عند أهل النقد نظم إلا إياه 
من كل لفظ تكاد الأذن تجعله ربًّا ويعبده القرطاس والقلم ويؤيد ذلك أنه لا يصح أن يقال له رسالة أو خطابة أو سجع كما يصح أن يقال هو كلام والبليغ إذا قرع سمعه فصل بينه وبين ما عداه من النظم بلا ترديد وهذا مما لا خفاء فيه على الرجال حتى على الوليد وأما بيان ذلك في البلاغة فهو أن أجناس الكلام مختلفة ومراتبها في البيان متفاوتة فمنها البليغ الرصين الجزل ومنها الفصيح القريب السهل ومنها الجاري الطلق الرسل وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود فالأول أعلاها والثاني أوسطها والثالث أدناها وأقربها وقد حازت بلاغة القرآن من كل قسم من هذه الأقسام أو فرصة وأخذت من كل نوع أعظم شعبة فانتظم لها بانتظام هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة وهما كالمتضادين فكان اجتماع الأمرين فيه مع نبو كل منهما عن الآخر فضيلة ومنزلة جليلة وقد خص بذلك القرآن كما لا يخفى على ذوي الفطر السليمة ومن كان له في علم البلاغة إتقان وأما بيان إعجاز اشتماله على الأخبار بالغيب فلأنه تضمن ما يحكم العرف بكثرته من أخبار القرون الماضية والأمم البادية والشرائع الدائرة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك وتتبعه فيورده القرآن على وجهه ويأتي به على نصه ومن المعلوم أن من أتى به أمي لا يقرأ ولا يكتب صلى الله تعالى عليه وسلم مع الإعلام بما في ضمائر كثيرين من غير أن يظهر ذلك منهم بقول أو فعل كقوله تعالى : (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا) وقوله تعالى: (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله) والأعلان بالحوادث المستقبلة في الأعصار الآتية كقوله تعالى : (ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) وأخبار أقوام في قضايا أنهم لا يفعلونها فما فعلوا ولا قدروا كقوله تعالى خطابا لليهود : (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدًا) فما تمناه أحد منهم إلى أضعاف مضاعفة من مثل ذلك قد اشتمل القرآن عليها واختص من بين الكتب بها حتى أن أقصر سورة فيه وهي الكوثر تشير إلى أربعة أخبار عن الغيب مع أنها ثلاث آيات الأول في قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر) إذا أريد به كما في بعض الروايات كثرة الاتباع والثاني في قوله: ( وانحر) حيث أريد به كما هو الظاهر الأمر بالنحر فهو إشارة إلى اليسار حتى يمكنه الإقدام عليه والثالث والرابع في قوله تعالى: (إن شانئك هو الأبتر) حيث صرح ورمز بأن شانئك لا أنت أبتر لا عقب له فكان كما أخبر ولا شك عند كل عاقل أن مجموع ما ذكرنا يعجز عنه البشر وأما إعجاز موافقته لقضية العقل ودقيق المعنى فلأنه اشتمل على توحيد الله تعالى وتنزيهه والدعاء إلى طاعته وبيان طرق عبادته من تحليل وتحريم ووعظ وتعليم وأمر بمعروف ونهي عن منكر وإشارة إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها واضعًا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى أولى منه ولا أليق ولا يتصور أحرى من ذاك ولا أخلق جامعًا بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه وامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه مع إشارة أنيقة ورموز دقيقة وأسرار جزيلة وحكم جليلة ستقف إن شاء الله تعالى على الكثير منها بحيث لا تبقى في شك من رد من يقول بأن ذلك معتاد في أكثر كلام البلغاء وأنه ينتقض بالتوراة والإنجيل وبكلام الرسول الغير المعجز فأين الثريا من يد المتناول ، وما كل مخضوب البنان بثينة ولا كل مصقول الحديد يماني؛ فهذه الأوجه الأربعة هي الظاهرة في إعجاز القرآن والمشهور عند الجمهور الاقتصار على بلاغته وفصاحته حيث بلغت الرتبة العليا والغاية القصوى التي لم تكد تخفى على أهل هذا الشأن حتى النساء كما يحكى أن الأصمعي وقف متعجبًا من امرأة تنشد شعرًا فقالت: أتعجب من هذا أين أنت من قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) فقد جمع أمرين ونهيين وبشارتين أي مع ما فيه مما يدرك بالذوق وبعضهم جعل المدار النظم المخصوص والباقي تابع له قائلاً: إن الإعجاز المتعلق بالفصاحة والبلاغة لا يتعلق بعنصره الذي هو اللفظ والمعنى فإن الألفاظ ألفاظهم كما قال تعالى: ( قرآنًا عربيًّا) (بلسان عربي) ولا بمعانيه فإن كثيرًا منها موجود في الكتب المتقدمة كما قال تعالى : (وإنه لفي زبر الأولين) وما فيه من المعارف الإلهية وبيان المبدأ والمعاد والأخبار بالغيب فإعجازه ليس براجع إلى القرآن من حيث هو قرآن بل لكونه حاصلاً من غير سبق تعليم وتعلم ولكون الإخبار بالغيب إخبارًا بما لا يعتاد سواء كان بهذا النظم أو بغيره موردًا بالعربية أو بلغة أخرى بعبارة أو إشارة فإذا هو متعلق بالنظم المخصوص الذي هو صورة القرآن وباختلاف الصور يختلف حكم الشيء واسمه لا بعنصره كالخاتم والقرط والسوار إذا كان الكل من ذهب مثلاً فإن الاسم مختلف والعنصر واحد وكالخاتم المتخذ من ذهب وفضة وحديد يسمى خاتمًا والعنصر مختلف فظهر أن الإعجاز المختص بالقرآن متعلق بنظمه المخصوص وإعجاز نظمه قد سلف بيانه وأنت تعلم ما فيه وإن كان قريبًا إلى الحق وأبعد الأقوال عندي كونه بالصرفة المحضة حتى إن قول المرتضى فيها غير مرتضى كما لا يخفى على من أنصفه ذهنه واتسع عطنه وأبعد من ذلك كونه بالقدم كما هو قريب ممن هو حديث عهد بما تقدم وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة لهذا الكلام من بيان اختلاف الناس أيضًا في تفاوت مراتب الفصاحة والبلاغة في آياته ويتضح لك ما هو الحق الحقيقي بالقبول والله تعالى المبتغي والمسئول ولنقتصر من الفوائد على هذا المقدار وفي السبعة ما لا يحصى من الأسرار وهذا أوان تقبيل شفاه الأقلام حروف سبحان كلام الله تعالى العلام. 
سورة الفاتحة
اختلف فيها فالأكثرون على أنها مكية بل من أوائل ما نزل (الحمد لله) من القرآن على قول وهو المروى عن علي وابن عباس وقتادة وأكثر الصحابة وعن مجاهد أنها مدنية وقد تفرد بذلك حتى عد هفوة منه وقيل: نزلت بمكة حين فرضت الصلاة وبالمدينة لما حولت القبلة ليعلم أنها في الصلاة كما كانت وقيل بعضها مكي وبعضها مدني ولا يخفى ضعفه وقد لهج الناس بالاستدلال على مكيتها بآية الحجر (ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم) وهي مكية لنص العلماء والرواية عن ابن عباس ولها حكم مرفوع لا لأن ما قبلها وما بعدها في حق أهل مكة كما قيل لأنه مبني على أن المكي ما كان في حق أهل مكة والمشهور خلافه والأقوى الاستدلال بالنقل عن الصحابة الذين شاهدوا الوحي والتنزيل لأن ذلك موقوف أولاً على تفسير السبع المثاني بالفاتحة وهو وإن كان صحيحًا ثابتًا في الأحاديث إلا أنه قد صح أيضًا عن ابن عباس وغيره تفسيرها بالسبع الطوال وثانيًا على امتناع الامتنان بالشيء قبل إيتائه مع أن الله تعالى قد امتن عليه صلى الله تعالى عليه وسلم بأمور قبل إيتائه إياها كقوله تعالى: ( إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا) فهو قبل الفتح بسنين والتعبير بالماضي تحقيق للوقوع وهذا وإن كان خلاف الظاهر لا سيما مع إيراد اللام وكلمة قد ووروده في معرض المنة والغالب فيها سبق الوقوع وعطف (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ...) الآية إلا أنه قد خدش الدليل لا يقال: إن هذا وذلك لا يدلان إلا على أنها نزلت بمكة وأما على نفي نزولها بالمدينة أيضًا فلا لأنا نقول : النفي هو الأصل وعلى مدعى الإثبات الإثبات وأنى به وما قالوا في الجواب عن الاعتراض بأن النزول ظهور من عالم الغيب إلى الشهادة والظهور بها لا يقبل التكرر فإن ظهور الظاهر ظاهر البطلان كتحصيل الحاصل من دعوى أنه كان في كل لفائدة أو أنه على حرف مرة وآخر أخرى لورود (مالك) و(ملك) أو ببسلمة تارة وتارة بدونها وبه تجمع المذاهب والروايات مصحح للوقوع لا موجب له كما لا يخفى والسورة مهموزة وغير مهموزة بإبدال إن كانت من السور وهو البقية لأن بقية كل شيء بعضه وبدونه إن كانت من سور البناء وهي المنزلة أو سور المدينة لإحاطتها بآياتها أو من التسور وهو العلو والارتفاع لارتفاعها بكونها كلام الله تعالى وتطلق على المنزلة الرفيعة كما في قول النابغة : ألم تر أن الله أعطاك سورة    ترى كل ملك حولها يتذبذب      وحدها قرآن يشتمل على ذي فاتحة وخاتمة وقيل طائفة مستقلة لتخرج آية الكرسي مترجمة توقيفًا وقد ثبتت أسماء الجميع بالأحاديث والآثار فمن قال بكراهة أن يقال سورة كذا بل سورة يذكر فيها كذا بناء على ما روى عن أنس وابن عمر من النهي عن ذلك لا يعتد به إذ حديث أنس ضعيف أو موضوع وحديث ابن عمر موقوف عليه وإن روى عنه بسند صحيح والفاتحة في الأصل صفة جعلت إما لأول الشيء لكونه واسطة في فتح الكل والتاء للنقل أو المبالغة ولا اختصاص لها بزنة علامة أو مصدر أطلقت على الأول تسمية للمفعول بالمصدر إشعارًا باصالته كأنه نفس الفتح إذ تعلقه به أولاً ثم بواسطته يتعلق بالمجموع لكونه جزءًا منه وكذا يقال في الخاتمة فإن بلوغ الآخر يعرض الآخر أولاً والكل بواسطته وليس هذا كالأول لقلة فاعلة في المصادر إلا أنه أولى من كونه للآلة أو باعثًا لأن هذه ملتبسة بالفعل ومقارنة له والغالب أن لا تتصف الآلة ولا يقارن الباعث على أن الآلة هنا غير مناسبة لإيهام أن يكون البعض غير مقصود وجوزوا أن يكون للنسبة أي ذات فتح مع وجود آخر مرجوحة والكتاب هو المجموع الشخصي وفتح الفاتحة بالقياس إليه لا إلى القدر المشترك بينه وبين أجزائه وهو متحقق في العلم أو اللوح أو بيت العزة فلا ضير في اشتهار السورة بهذا الاسم في الأوائل والإضافة الأولى من إضافة الاسم إلى المسمى وهي مشهورة والثانية بمعنى اللام كما في جزء الشيء لا بمعنى من كما في خاتم فضة لأن المضاف جزئي قاله شيخ الإسلام وهو مذهب بعض في كل وقال ابن كيسان والسيرافي وجمع إضافة الجزء على معنى من التبعيضية بل في اللمع وشرحه إن من المقدرة في الإضافة مطلقًا كذلك من غير فرق بين الجزء والجزئي وبعضهم جعل الإضافة في الجزئي بيانية مطلقًا وبعضهم خصها بالعموم والخصوص الوجهي كما في المثال وجعلها في المطلق كمدينة بغداد لامية والشهرة لا تساعده .
ولهذه السورة الكريمة أسماء أوصلها البعض إلى نيف وعشرين أحدها: فاتحة الكتاب لأنها مبدؤه على الترتيب المعهود لا لأنها يفتتح بها في التعليم وفي القراءة في الصلاة كما زعمه الإمام السيوطي ولا لأنها أول سورة نزلت كما قيل أما الأول والثالث فلأن المبدئية من حيث التعليم أو النزول تستدعي مراعاة الترتيب في بقية أجزاء الكتاب من تينك الحيثيتين ولا ريب في أن الترتيب التعليمي والنزولي ليسا كالترتيب المعهود وأما الثاني فلما عرفت أن ليس المراد بالكتاب القدر المشترك الصادق على ما يقرأ في الصلاة حتى يعتبر في التسمية مبدئيتها له وحكى المرسي أنها سميت بذلك لأنها أول سورة كتبت في اللوح ويحتاج إلى نقل، وإن صححنا أن ترتيب القرآن الذي في مصاحفنا كما في اللوح فلربما كتب التالي ثم كتب المتلو وغلبة الظن أمر آخر. وثانيهما: فاتحة القرآن لما قدمنا حذو القذة بالقذة. وثالثها ورابعها: أم الكتاب وأم القرآن، وحديث: لا يقولن أحدكم أم الكتاب وليقل فاتحة الكتاب لا أصل له بل قد ثبت في الصحاح تسميتها به كما لا يخفى على المتتبع وسميت بذلك لأن الابتداء كتابة أو تلاوة أو نزولاً على قول أو صلاة بها وما بعدها تال لها فهي كالأم التي يتكون الولد بعدها ويقال أيضًا للراية أم لتقدمها واتباع الجيش لها ومنه أم القرى أو لاشتمالها كما قال العلامة على مقاصد المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى بما هو أهله ومن التعبد بالأمر والنهي ومن الوعيد أما الثناء فظاهر وأما التعبد فإما من الحمد لله لأنه للتعليم فيقدر أمر يفيده والأمر الإيجابي يلزمه النهي عن الضد في الجملة ولا نرى فيه بأسًا أو من (اهدنا الصراط المستقيم) إن أريد به ملة الإسلام أو من تقدير قولوا: بسم الله، ومن تأخير متعلقه، وإما من (إياك نعبد) فإنه إخبار عن تخصيصه بالعبادة وهي التحقق بالعبودية بارتسام ما أمر السيد أو نهى فيدل في الجملة على أنهم متعبدون ولا يرد على المعتزلة عدم سبق أمر ونهي أصلاً ويجاب عندنا بعد تسليم العدم للأولية بأن رأس العبادة التوحيد وفي الصدر ما يرشد إليه لا سيما وقد سبق تكليفه صلى الله تعالى عليه وسلم بالتوحيد وتبليغ السورة وذلك يكفي وأما الوعد والوعيد فمن قوله تعالى: (أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم) أو من (يوم الدين) أي الجزاء والمجزي أما ما يسر أو ما يضر وهما الثواب والعقاب وإنما كانت المقاصد هذه لأن بعثة الرسل وإنزال الكتب رحمة للعباد وإرشادًا إلى ما يصلحهم معاشًا ومعادًا وذلك بمعرفة من يقدر على إيصال النعم إيجادًا وإمدادًا ثم التوصل إليه بما يربط العتيد ويجلب المزيد عملاً واعتقادًا والتنصل عما يفضي به إلى رجع المحصل ومنع المستحصل قلوبًا وأجسادًا والثناء فرع معرفة المثنى عليه مع الاستحقاق وتدخل المعرفة بصفات الجلال والجمال ومنها ما منه الإرسال والإنزال والتفاوت بين المطيع والمذنب فدخل الإيمان بالله تعالى وصفاته والنبوات والمعاد على الإجمال والتعبد يتمكن به من التوصل والتنصل ويدخل فيه من وجه الإيمان بالنبوات وما يتعلق بها من الكتاب والملائكة إذ الأمر والنهي فرع ثبوت ذلك في الجملة والوعد والوعيد يتضمنان الإيمان بالمعاد ويبعثان على التعبد والناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة والأكثرون بعثتهم الرغبة والرهبة وأوسطهم الرجاء والخوف والخواص وقليل ما هم الأنس والهيبة فبالثلاثة تم الإرشاد إلى مصالح المعاش والمعاد ولا أحصر لك وجه الحصر بهذا فلمسلك الذهن اتساع ولك أن ترد الثلاثة إلى اثنين فتدرج الثناء في التعبد إذ لا حكم للعقل ولعله إنما جعله قسيمًا له تلميحًا إلى أن شكر المنعم واجب عقلاً مراعاة لمذهب الاعتزال ولم يبال البيضاوي بذلك فعبر بما عبر به من المقال أو لاشتمالها على جملة معانيه من الحكم النظرية والأحكام العملية التي هي سلوك الصراط المستقيم والاطلاع على مراتب السعداء ومنازل الأشقياء والأول مستفاد من أول السورة إلى قوله (يوم الدين) والثاني من قوله (إياك نعبد) وما بعده سلوك الصراط المستقيم مر قوله : (اهدنا) الآية والاطلاع من قوله: (أنعمت عليهم...) إلخ وفيه وعد ووعيد فدخلا فيه والأمثال والقصص المقصود بها الاتعاظ وكذا الدعاء والثناء وهذه جملة المعاني القرآنية إجمالاً مطابقة والتزاما وأبسط من هذا أن يقال: إنها مشتملة على أربعة أنواع من العلوم التي هي مناط الدين الأول علم الأصول ومعاقده معرفة الله تعالى وصفاته وإليها الإشارة بقوله: ( رب العالمين الرحمن الرحيم) ومعرفة النبوات وهي المرادة بقوله تعالى: (أنعمت عليهم) والمعاد المومى إليه بقوله تعالى: ( مالك يوم الدين) 
الثاني: علم الفروع وأسه العبادات وهو المراد بقوله: (إياك نعبد) وهي بدنية ومالية وهما مفتقران إلى أمور المعاش من المعاملات والمناكحات ولا بد لها من الحكومات فتمهدت الفروع على الأصول الثالث: علم ما به يحصل الكمال وهو علم الأخلاق وأجله الوصول إلى الحضرة الصمدانية والسلوك لطريقة الاستقامة في منازل هاتيك الرتب العلية وإليه الإشارة بقوله: (إياك نستعين إهدنا الصراط المستقيم) الرابع: علم القصص والأخبار عن الأمم السالفة السعداء والأشقياء وما يتصل بها من الوعد والوعيد وهو المراد بقوله تعالى: (أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) وإذا انبسط ذهنك أتيت بأبسط من ذلك وهذان الوجهان يستدعيان حمل الكتاب على المعاني أو تقديرها في التركيب الإضافي والوجه الأول لا يقتضيه ومن هذا رجحه البعض وإن كان أدق وأحلى لا لأنه يشكل عليهما ما ورد من أن الفاتحة تعدل ثلثي القرآن إذ يري له إذا ثبت أن الإجمال لا يساوي التفصيل فزيادة مبانيه منزلة منزلة ثلث آخر من الثواب قاله الشهاب ثم قال : ومن العجب ما قيل هنا من أن ذلك لاشتمالها على دلالة التضمن والالتزام وهما ثلثا الدلالات. انتهى وأنا أقول الأعجب من هذا توجيهه رحمه الله مع ما رواه الديلمي في الفردوس عن أبي الدرداء: فاتحة الكتاب تجزي ما لا يجزي شيء من القرآن ولو أن فاتحة الكتاب جعلت في كفة الميزان وجعل القرآن في الكفة الأخرى لفضلت فاتحة الكتاب على القرآن سبع مرات. فأنه لا يتبادر منه إلا الفضل في الثواب فيعارض ظاهره ذلك الخبر على توجيهه وعلى توجيه صاحب القيل لا تعارض نعم أنه بعيد ويمكن التوفيق بين الخبرين وبه يزول الإشكال بأن الأول كان أولاً وتضاعف الثواب ثانيًا ولا حجر على الرحمة الواسعة أو بأن اختلاف المقال لاختلاف الحال أو بأن ما يعدل الشيء كله يعدل ثلثيه أو بأن القرآن في أحد الخبرين أو فيهما بمعنى الصلاة مثله في قوله تعالى : (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا) وذلك يختلف باختلاف مراتب الناس في قراءتهم وصلواتهم فليتدبر وعلى العلات لا يقاسان بما قيل في وجه التسمية بذلك لأنها أفضل السور أو لأن حرمتها كحرمة القرآن كله أو لأن مفزع أهل الإيمان إليها أو لأنها محكمة والمحكمات أم الكتاب ولا اعترض على البعض بعدم الاطراد لأن وجه التسمية لا يجب اطراده ولكني أفوض الأمر إليك وسلام الله تعالى عليك لا يقال إذا كانت الفاتحة جامعة لمعاني الكتاب فلم سقط منها سبعة أحرف الثاء والجيم والخاء والزاي والشين والظاء والفاء لأنا نقول: لعل ذلك للإشارة إلى أن الكمال المعنوي لا يلزمه الكمال الصوري ولا ينقصه نقصانه إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وكانت سبعة موافقة لعدد الآي المشتمل على الكثير من الأسرار وكانت من الحروف الظلمانية التي لم توجد في المتشابه من أوائل السور ويجمعها بعد إسقاط المكرر صراط على حق نمسكه وهي النورانية المشتملة عليها بأسرها الفاتحة للإشارة إلى غلبة الجمال على الجلال المشعر بها تكرر ما يدل على الرحمة في الفاتحة وإنما لم يسقط السبعة الباقية من هذا النوع فتخلص النورانية ليعلم أن الأمر مشوب ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون وفي قوله تعالى: ( نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم) إشارة وأي إشارة إلى ذلك لمن تأمل حال الجملتين على أن في كون النورانية وهي أربعة عشر حرفًا مذكورة بتمامها والظلمانية مذكورة منها سبعة وإذا طوبقت الآحاد يحصل نوراني معه ظلماني ونوراني خالص إشارة إلى قسمي المؤمنين فمؤمن لم تشب نور إيمانه ظلمة معاصيه ومؤمن قد شابه ذلك وفيه رمز إلى أنه لا منافاة بين الإيمان والمعصية فلا تطفيء ظلمتها نوره ولا يزني الزاني وهو مؤمن محمول على الكمال وليس البحث لهذا وإذا لوحظ الساقط وهو الظلماني المحض المشير إلى الظالم المحض الساقط عن درجة الاعتبار والمذكور هو النوراني المحض المشير إلى المؤمن المحض والنوراني المشوب المشير إلى المؤمن المشوب يظهر سر التثليث في (فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك الفضل الكبير) وإنما كان الساقط هذه السبعة بخصوصها من تلك الأربعة عشر ولم يعكس فيسقط المثبت ويثبت الساقط أو يسقط سبعة تؤخذ من هذا وهذا لسر علمه وجهله من جهله نعم في كون الساقط معجمًا فقط إشارة إلى أن الغين في العين والرين في البين فلهذا وقع الحجاب وحصل الارتياب وهذا ما يلوح لأمثالنا من أسرار كتاب الله تعالى وأين هو مما يظهر للعارفين الغارقين من بحاره المتضلعين من ماء زمزم أسراره. 
ولمولانا العلامة فخر الدين الرازي في هذا المقام كلام ليس له في التحقيق أدنى إلمام حيث جعل سبب إسقاط هذه الحروف أنها مشعرة بالعذاب فالثاء تدل على الثبور والجيم أول حرف من جهنم والخاء يشعر بالخزي والزاي والشين من الزفير والشهيق وأيضًا الزاي تدل على الزقوم والشين تدل على الشقاء والظاء أول الظل في قوله تعالى: ( انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب) وأيضًا تدل على لظى والفاء على الفراق ثم قال فإن قالوا : لا حرف من الحروف إلا وهو مذكور في اسم شيء يوجب نوعًا من العذاب فلا يبقى لما ذكرتم فائدة فنقول الفائدة فيه أنه قال في صفة جهنم (لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) ثم إنه تعالى أسقط سبعة من الحروف من هذه السورة وهي أوائل ألفاظ دالة على العذاب تنبيهًا على أن من قرأ هذه السورة وآمن بها وعرف حقائقها صار آمنا من الدركات السبع في جهنم. انتهى ولا يخفى ما فيه وجوابه لا ينفعه ولا يغنيه إذ لقائل أن يقول: فلتسقط الذال والواو والنون والحاء والعين والميم والغين إذ الواو من الويل والذال من الذلة والنون من النار والحاء من الحميم والعين من العذاب والميم من المهاد والغين من الغواشي والآيات ظاهرة والكل في أهل النار وتكون الفائدة في إسقاطها كالفائدة في إسقاط تلك من غير فرق اصلاً على أن في كلامه رحمه الله تعالى غير ذلك بل ومع تسليم سلامته مما قيل أو يقال لا أرتضيه للفخر وهو السيد الذي غدا سعد الملة وحجة الإسلام وناصر أهله وأما نسبته لأمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه حين سأل قيصر الروم معاوية عن ذلك فلم يجب فسأل عليًّا فأجاب فلا أصل له وعلى تقدير التسليم فما مرام الأمير بالاكتفاء على هذا المقدار إلا التنبيه للسائل على ما لا يخفى عليك من الأسرار فافهم ذاك والله تعالى يتولى هداك. 
وخامسها وسادسها وسابعها: الكنز والوافية والكافية؛ لما مر من اشتمالها على الجواهر المكنوزة فتفي وتكفي أو لأنها لا تنصف في الصلاة ولا يكفي فيها غيرها. وثامنها: الأساس لأنها أصل القرآن وأول سورة فيه. وتاسعها وعاشرها والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر: سورة الحمد وسورة الشكر وسورة الدعاء وسورة تعليم المسألة وسورة السؤال لاشتمالها على الحمد فظاهر وكذا على الشكر لدى من أنعم الله تعالى عليه بالفهم ويمكن أن يكون الاسمان كأم القرآن وأم الكتاب 
وأما الاشتمال على الثالث فكالإشكال على الأول بل أظهر وأما تعليم المسألة فلأنها بدئت بالثناء قبله والخاس كالثالث وهما كذينك الثالث والرابع كما لا يخفى. والرابع عشر والخامس عشر: سورة المناجاة وسورة التفويض؛ لأن العبد يناجي ربه بقوله: (إياك نعبد وإياك نستعين) وبالتالي يحصل التفويض. والسادس عشر والسابع عشر والثامن عشر: الرقية والشفاء والشافية والأحاديث الصحيحة مشعرة بذلك. والتاسع عشر: سورة الصلاة لأنها واجبة أو فريضة فيها والاستحباب مذهب بعض المجتهدين ورواية عن البعض في النقل.
قيل: ومن اسمائها الصلاة لحديث: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) وأراد السورة والمجاز اللغوي لعلاقة الكلية والجزئية أو اللزوم حقيقة أو حكمًا كالمجاز في الحذف محتمل. والعشرون: النور لظهورها بكثرة استعمالها أو لتنويرها القلوب لجلالة قدرها أو لأنها لما اشتملت عليه من المعاني عبارة عن النور بمعنى القرآن. والحادي والعشرون: القرآن العظيم وهو ظاهر مما قدمناه. والثاني والعشرون: السبع المثاني لأنها سبع آيات باتفاق وما رأينا مشاركًا لها سوى أرأيت والقول بأنها ثمان كالقول بأنها تسع شاذ لا يعبأ به أو وهم من الراوي إلا أن منهم من عد التسمية آية دون (أنعمت عليهم) ومنهم من عكس والمدار الرواية فلا يوهن الثاني أن وزان الآية لا يناسب وزان فواصل السور على أن في سورة النصر ما هو من هذا الباب وتثنى وتكرر في كل ركعة وصلاة ذات ركوع أو المراد المتعارف الأغلب من الصلاة فلا ترد الركعة الواحدة ولا صلاة الجنازة على أن في البتيراء اختلافًا وصلاة الجنازة دعاء لا صلاة حقيقة وقيل وصفت بذلك لأنها تثنى بسورة أخرى أو لأنها نزلت مرتين أو لأنها على قسمين دعاء وثناء أو لأنها كلما قرأ العبد منها آية ثناه الله تعالى بالإخبار عن فعله كما في الحديث المشهور وقيل غير ذلك وهذه الأقوال مبنية على أن تكون المثاني من التثنية ويحتمل أن تكون من الثناء لما فيها من الثناء على الله تعالى أو لما ورد من الثناء على من يتلوها وأن تكون من الثنيا لأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة والحمد لله على هذه النعمة ثم الحكمة في تسوير القرآن سورًا كالكتب خلافًا للزركشي أن يكون أنشط للقارئ وأبعث على التحصيل كالمسافر إذا قطع ميلاً أو فرسخًا نفس ذلك منه ونشط للمسير وإذا أخذ الحافظ السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله تعالى طائفة مستقلة فيعظم عنده ما حفظ وأيضًا الجنس إذا انطوى تحته أنواع وأصناف كان أحسن من أن يكون تحته باب واحد مع أن في ذلك تحقيق كون السورة بمجردها معجزة وآية من آيات الله تعالى والحكمة في كونها طوالاً وقصارًا أظهر من أن تخفى.

{بسم الله الرحمن الرحيم}

فيها أبحاث البحث الأول: اختلف العلماء فيها هل هي من خواص هذه الأمة أم لا؟ فنقل العلامة أبو بكر التونسي إجماع علماء كل ملة على أن اللهتعالى افتتح كل كتاب بها وروى السيوطي فيما نقله عنه السرميني والعهدة عليه: بسم الله الرحمن الرحيم فاتحة كل كتاب، وذهب هذا الراوي إلى أن البسملة من الخصوصيات لما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يكتب باسمك اللهم إلى أن نزل { بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا } [هود: 41] فأمر بكتابة بسم الله حتى نزل: { قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ } [الإسراء: 110] فأمر بكتابة بسم الله الرحمن إلى أن نزلت آية النمل فأمر بكتابة بسم الله الرحمن الرحيم، ولما اشتهر أن معاني الكتب في القرآن ومعانيه في الفاتحة ومعانيها في البسملة ومعاني البسملة في الباء فلو كانت في الكتب القديمة لأمر من أول الأمر بكتابتها ولكانت معاني القرآن في كل كتاب واللازم منتف فكذا الملزوم، وفيه أن الأمر بذلك التفصيل لا يستلزم النفي لاحتمال نفي العلم إذ ذاك ولا ضير وأن المختص بالقرآن اللفظ العربـي بهذا الترتيب والكتب السماوية بأسرها خلافاً للغيطى غير عربية وما في القرآن منها مترجم فلربما لهذه الألفاظ مدخل في الاشتمال على جميع المعاني فلا تكون في غير القرآن كما توهمه السرميني وإن كان هناك بسملة على أن في أول الدليلين بظاهره دليلاً على عدم الخصوصية.

البحث الثاني: وهو من أمهات المسائل حتى أفرده جمع بالتصنيف اختلف الناس في البسملة في غير النمل إذ هي فيها بعض آية بالاتفاق على عشرة أقوال الأول: أنها ليست آية من السور أصلاً الثاني: أنها آية من جميعها غير براءة الثالث: أنها آية من الفاتحة دون غيرها الرابع: أنها بعض آية منها فقط الخامس: أنها آية فذة أنزلت لبيان رؤوس السور تيمناً للفصل بينها السادس: أنه يجوز جعلها آية منها وغير آية لتكرر نزولها بالوصفين. السابع: أنها بعض آية من جميع السور الثامن: أنها آية من الفاتحة وجزء آية من السور التاسع: عكسه العاشر: أنها آيات فذة وإن أنزلت مراراً فابن عباس وابن المبارك وأهل مكة كابن كثير وأهل الكوفة كعاصم والكسائي وغيرهما سوى حمزة وغالب أصحاب الشافعي والإمامية على الثاني، وقال بعض الشافعية وحمزة ونسب للإمام أحمد بالثالث وأهل المدينة ومنهم مالك والشام ومنهم الأوزاعي والبصرة ومنهم أبو عمرو ويعقوب على الخامس وهو المشهور من مذهبنا وعلى المرء نصرة مذهبه والذب عنه وذلك بإقامة الحجج على إثباته وتوهين أدلة نفاته وكنت من قبل أعد السادة الشافعية لي غزية ولا أعد نفسي إلا منها، وقد ملكت فؤادي غرة أقوالهم كما ملكت فؤاد قيس ليلى العامرية فحيث لاحت لا متقدم ولا متأخر لي عنها:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا

إلى أن كان ما كان فصرت مشغولاً بأقوال السادة الحنفية وأقمت منها برياض شقائق النعمان واستولى عليّ من حبها ما جعلني أترنم بقول القائل:

محا حبها حب الألى كن قبلها وحلت مكاناً لم يكن حل من قبل

وقد أطال الفخر في هذا المقام المقال وأورد ست عشرة حجة لإثبات أنها آية من الفاتحة كما هو نص كلامه ولا عبرة بالترجمة فها أنا بتوفيق اللهتعالى راده ولا فخر وناصر مذهبـي بتأييد اللهتعالى ومنه التأييد والنصر فأقول قال:

/الحجة الأولى: روى الشافعي عن ابن جريج عن [ابـن] أبي مليكة عن أم سلمة أنها قالت: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب فعد {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} آية: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} آية: {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} آية: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ} آية: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} آية: {ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} آية: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ} آية» وهذا نص صريح.

الحجة الثانية: روى سعيد المقبري عن أبيه عن أبـي هريرة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم" .

الحجة الثالثة: روى الثعلبـي بإسناده عن أبـي بردة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا أخبرك بآية لم تنزل على أحد بعد سليمان بن داود غيري؟ فقلت بلى قال: بأي شيء تستفتح القرآن إذا افتتحت الصلاة؟ فقلت بسم الله الرحمن الرحيم قال: هي هي" .

الحجة الرابعة: روى الثعلبـي بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه "عن جابر بن عبد الله: أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال له كيف تقول: إذا قمت إلى الصلاة؟ قال: أقول الحمد لله رب العالمين قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم" وروى أيضاً بإسناده عن أم سلمة: "أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين" وروى أيضاً بإسناده عن علي كرم اللهتعالى وجهه: «أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وكان يقول: من ترك قراءتها فقد نقص». وروى أيضاً بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قولهتعالى: { وَلَقَدْ ءاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْءانَ ٱلْعَظِيمَ } [الحجر: 87] قال: فاتحة الكتاب فقيل لابن عباس فأين السابعة فقال: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} وبإسناده عن أبـي هريرة عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قرأتم أم القرآن فلا تدعوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها إحدى آياتها" وبإسناده أيضاً عن أبـي هريرة عن النبـي صلى الله عليه وسلم: قال: "يقول الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال بسم الله الرحمن الرحيم قال اللهتعالى: مجدني عبدي وإذا قال: الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي وإذا قال: الرحمن الرحيم قال: أثنى عليَّ عبدي فإذا قال: مالك يوم الدين قال اللهتعالى: فوض إليَّ عبدي وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال اللهتعالى: هذا بيني وبين عبدي وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم قال اللهتعالى: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" . وبإسناده أيضاً "عن أبـي هريرة قال: كنت مع النبـي صلى الله عليه وسلم في المسجد والنبـي يحدث أصحابه إذ دخل رجل يصلي فافتتح الصلاة وتعوذ ثم قال: الحمد لله رب العالمين فسمع النبـي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال له يا رجل قطعت على نفسك الصلاة أما علمت أن بسم الله الرحمن الرحيم من الحمد فمن تركها فقد ترك آية منها ومن ترك آية منها فقد قطع عليه صلاته فإنه لا صلاة إلا بها فمن ترك آية منها فقد بطلت صلاته" وبإسناده عن طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك آية من كتاب الله" .

الحجة الخامسة: قراءة بسم الله الرحمن الرحيم واجبة في أول الفاتحة وإذا كان كذلك وجب أن تكون آية منها بيان الأول: { ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } [العلق: 1] ولا يجوز أن يقال الباء صلة لأن الأصل أن تكون لكل حرف من كلام اللهتعالى فائدة وإذا كان الحرف مفيداً كان التقدير اقرأ مفتتحاً باسم ربك وظاهر الأمر الوجوب ولم يثبت في غير القراءة للصلاة فوجب إثباته في القراءة فيها صوناً للنص عن التعطيل.

الحجة السادسة: التسمية مكتوبة بخط القرآن وكل ما ليس من القرآن فإنه غير مكتوب بخط القرآن ألا ترى أنهم منعوا كتابة أسامي السور في المصحف ومنعوا من العلامات على الأعشار والأخماس/ والغرض من ذلك كله أن يمنعوا أن يختلط بالقرآن ما ليس بقرآن فلو لم تكن التسمية من القرآن لما كتبوها بخط القرآن.

الحجة السابعة: أجمع المسلمون على أن ما بين الدفتين كلام اللهتعالى والبسملة موجودة بينهما فوجب جعلها منه.

الحجة الثامنة: أطبق الأكثرون على أن الفاتحة سبع آيات إلا أن الشافعي قال: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } آية وأبو حنيفة قال: إنها ليست آية لَكِنِ {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } آية، وسنبين أن قوله مرجوح ضعيف فحينئذٍ يبقى أن الآيات لا تكون سبعاً إلا بجعل البسملة آية تامة منها.

الحجة التاسعة: أن نقول قراءة التسمية قبل الفاتحة واجبة فوجب كونها آية منها، بيان الأول أن أبا حنيفة يسلم أن قراءتها أفضل وإذا كان كذلك فالظاهر أنه صلى الله عليه وسلم قرأها فوجب أن يجب علينا قراءتها لقولهتعالى: { وَٱتَّبِعُوهُ } [الأعراف: 158] وإذا ثبت الوجوب ثبت أنها من السورة لأنه لا قائل بالفرق وقوله عليه الصلاة والسلام: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بسم الله فهو أبتر" وأعظم الأعمال بعد الإيمان الصلاة فقراءة الفاتحة بدون قراءتها توجب كون الصلاة عملاً أبتر ولفظه يدل على غاية النقصان والخلل بدليل أنه ذكر ذماً للكافر الشانىء فوجب أن يقال للصلاة الخالية عنها في غاية النقصان والخلل وكل من أقر بذلك قال بالفساد وهو يدل على أنها من الفاتحة.

الحجة العاشرة: ما روي أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال لأبـيّ بن كعب: "ما أعظم آية في القرآن؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم" فصدقه النبـي في قوله وجه الاستدلال أن هذا يدل على أن هذا المقدار آية تامة ومعلوم أنها ليست بتامة في النمل فلا بد أن تكون في غيرها وليس إلا الفاتحة.

الحجة الحادية عشرة: عن أنس أن معاوية قدم المدينة فصلى بالناس صلاة جهرية فقرأ أم القرآن ولم يقرأ البسملة فلما قضى صلاته ناداه المهاجرون والأنصار من كل ناحية أنسيت أين بسم الله الرحمن الرحيم حين استفتحت القرآن؟! فأعاد معاوية الصلاة وجهر بها.

الحجة الثانية عشرة: أن سائر الأنبياء كانوا عند الشروع في أعمال الخير يبتدءون باسم الله فقد قال نوح: { بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا } [هود: 41] وسليمان: { بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَىَّ } [النمل: 30ـ31] فوجب أن يجب على رسولنا ذلك لقولهتعالى: { فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } [الأنعام: 90] وإذا ثبت ذلك في حقه صلى الله عليه وسلم ثبت أيضاً في حقنا لقولهتعالى: { وَٱتَّبَعُوهُ } [الأعراف: 158] وإذا ثبت في حقنا ثبت أنها آية من سورة الفاتحة.

الحجة الثالثة عشرة: أنهتعالى قديم والغير محدث فوجب بحكم المناسبة العقلية أن يكون ذكره سابقاً على ذكر غيره والسبق في الذكر لا يحصل إلا إذا كانت قراءة البسملة سابقة وإذا ثبت أن القول بوجوب هذا التقديم فما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن وإذا ثبت وجوب القراءة ثبت أنها آية من الفاتحة لأنه لا قائل بالفرق.

الحجة الرابعة عشرة: أنه لا شك أنها من القرآن في سورة النمل ثم إنا نراه مكرراً بخط القرآن فوجب أن يكون من القرآن كما أنا لما رأينا قولهتعالى: { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } [المرسلات: 15] { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } [الرحمن: 13] مكرراً كذلك قلنا: إن الكل منه.

الحجة الخامسة عشرة: روى أنه عليه السلام كان يكتب «باسمك اللهم» الحديث وهو يدل على أن أجزاء هذه الكلمة كلها من القرآن [و] مجموعها منه وهو مثبت فيه فوجب الجزم بأنه من القرآن إذ لو جاز إخراجه مع هذه الموجبات والشهرة لكان جواز إخراج سائر الآيات أولى وذلك يوجب الطعن في القرآن العظيم.

الحجة السادسة عشرة: قد بينا أنه ثبت بالتواتر أن اللهتعالى كان ينزل هذه الكلمة على محمد صلى الله عليه وسلم وكان عليه السلام يأمر بكتابتها بخط المصحف فيه وبينا أن حاصل الخلاف في أنه هل تجب قراءته وهل يجوز للمحدث مسه؟ فنقول ثبوت هذه الأحكام أحوط فوجب المصير إليه لقوله صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" انتهى كلامه وليس بشيء لأن البعض منه مجاب عنه والبعض لا يقوم حجة علينا لأن الصحيح من مذهبنا أن بسم الله الرحمن الرحيم آية مستقلة وهي من القرآن وإن لم تكن من الفاتحة نفسها وقد أوجب الكثير منا قراءتها في الصلاة وذكر الزيلعي في «شرح الكنز» أن الأصح أنها واجبة، وذكر الزاهدي عن «المجتبـى» أن الصحيح أنها/ واجبة في كل ركعة تجب فيها القراءة وهي الرواية الصحيحة عن أبـي حنيفة رضي اللهتعالى عنه، وقال ابن وهبان في «منظومته»:

ولو لم يبسمل ساهياً كل ركعة فيسجد إذ إيجابها قال الأكثر

وفي «غنية المتملي» وهو الأحوط وبه أقول خلافاً لقاضيخان وصاحب «الخلاصة» وغيرهم والحق أحق بالاتباع والقول عن بعض هذا أنه من طغيان القلم غاية الطغيان ونهاية في التعصب من غير إتقان ولنتكلم على ما ذكره هذا العلامة على التفصيل فنقول: أما ما ذكره في الحجة الأولى من حديث أم سلمة بالوجه الذي رواه مخالف لما في البيضاوي المخالف لما في الكتب الحديثية فيجاب عنه بأن أبا مليكة لم يثبت سماعه عن أم سلمة وبتقديره للمعاصرة يقال إن هذا اللفظ لم يوجد في المشهور ولعله نقل بالمعنى لبعض الروايات الآتية على حسب ما يلوح له فقد أخرج أبو عبيد وأحمد وأبو داود بلفظ: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته آية آية {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}، {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}، {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ}» وابن الأنباري والبيهقي: «كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية يقول: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} ثم يقف ثم يقول: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} ثم يقف ثم يقول: {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} ثم يقف ثم يقول: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ}» وابن خزيمة والحاكم بلفظ: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} فعدها آية {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} اثنين {ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} ثلاث آيات {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} أربع آيات وقال: هكذا {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وجمع خمس أصابعه» والدارقطني بلفظ: «كان يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} إلى آخرها قطعها آية آية وعدها عد الأعراب وعد {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} ولم يعد {عَلَيْهِمْ }» والرواية الأولى والثانية يمكن أن يقال: عنت بهما بيان كيفية قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم لسائر القرآن وذكرت بعضاً منه على سبيل التمثيل ولم تستوعب وليس فيهما سوى إثبات أنها آية وهو مسلم لكن من القرآن وأما أنها من الفاتحة فلا، وكذا في الرواية الثالثة إثبات أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها في الصلاة ويعدها آية لوقوفه عليها وهو مسلمنا أيضاً وهي الآية الأولى من القرآن والآية الثانية منه: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وهكذا إلى الخامسة وجمعت الأصابع وانقطع الكلام وأما الرواية الرابعة فليست نصاً أيضاً في أن البسملة آية من الفاتحة إذ يحتمل أن يكون المعنى كان صلى الله عليه وسلم يقرأ في بعض الأوقات في الصلاة أو غيرها ولا دوام لا وضعاً ولا استعمالاً من كتاب اللهتعالى: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } إلى آخرها أي الآيات قطعها آية آية ولم يوصل بعضها ببعض وعدها عد الإعراب واحدة واحدة وعد {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} ولم يسقطها لوجوبها في الصلاة وللاعتناء بها في غيرها لما فيها من عظائم الأسرار ودقائق الأفكار، ومن هذا أوجب الكثير من علمائنا سجود السهو على من تركها وقد أزال صلى الله عليه وسلم بذلك ظن أنها ليست من القرآن لاستعمالها في أوائل الرسائل ومبادىء الشؤون ولم يعد {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ولم يقف عليها بل وصل صلى الله عليه وسلم تلك المرة لبيان الجواز وعدم تخيل شيء ينافي كونها آية بل هناك ما يشعر به فإن تقارب الآي في الطول والقصر كتقارب الفقرات شيء مرغوب فيه وعدم التشابه في المقاطع لا يضر فأين أفواجاً من الفتح فلزوم الرعاية غير لازم وكون الموصوف في آية والصفة في آية أخرى مسبوق بالمثل وسابق على الأمثال ومن أنعم اللهتعالى عليه وعرف {ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } وجده تاماً وعد توقفه على الشرط المفهوم من {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ } كلاماً ناقصاً وعلى هذا لم يثبت في هذه/ الرواية سوى أن البسملة آية من القرآن وهو مسلم عند الطرفين وأما إنها من الفاتحة فدونه خرط القتاد.

وأما ما ذكره في الحجة الثانية: من حديث أبـي هريرة فقد أخرجه الطبراني وابن مردويه والبيهقي بلفظ: «{ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} سبع آيات {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} إحداهن وهي السبع المثاني والقرآن العظيم وهي أم القرآن وهي فاتحة الكتاب» وأخرجه الدارقطني بلفظ: "إذا قرأتم الحمد فاقرءوا بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ إحدى آياتها" ومعنى الرواية الأولى {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} إلى آخر الآيات سبع آيات، وبه قال الحنفيون، ولما لاحظ صلى الله عليه وسلم توهم السامعين من عدم التعرض للبسملة مع تلك الشبهة السالفة كونها ليست بآية من القرآن أزال هذا التوهم بوجه بليغ فقال: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} إحداهن أي مثل إحداهن في كونها آية من القرآن ومعنى الثانية إذا أردتم قراءة الحمد إلى آخر ما يليه فاقرؤا قبله {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} إنها ـ أي الحمد ـ إلى الآخر أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني. وهذا كالتعليل أو الترغيب بقراءة الحمد لله رب العالمين إلى آخرها وقوله: و {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} إحدى آياتها على حد ما ذكر في معنى الرواية الأولى وهو كالتعليل أو الترغيب أيضاً في قراءة البسملة وما ذكرناه وإن كان فيه ارتكاب مجاز لكن دعانا إليه إجراء صدر الكلام على حقيقته وإن أجري هذا على ظاهره فلا بد من ارتكاب المجاز في الصدر كما لا يخفى وهو ارتكاب خلاف الأصل قبل الحاجة إليه وأما ما ذكره في الحجة الثالثة: فليس سوى إثبات أن التسمية من القرآن كما أقرّ هو به ولسنا ممن نخالفه فيه وأما ما ذكره في الرابعة: فالحديث الأول والثاني والثالث والسادس مع ضعفه والثامن لا تدل على المقصود ونحن نقول بما تدل عليه، والرابع موقوف على ابن عباس ولا نسلم أن حكمه الرفع لجواز الاجتهاد وإن قلنا إن الصحيح أن الآية إنما تعلم بتوقيف من الشارع كمعرفة السورة مثلاً ولذلك عدوا { الۤمۤ } [البقرة: 1] آية حيث وقعت ولم يعدوا { الۤمۤر } [الرعد: 1] لأنا لم نقل إنها جزء آية واجتهد فجعلها آية بل قلنا إنها آية مستقلة من القرآن واجتهد وجعلها آية من الفاتحة أو نقول: إنه قال ذلك أيضاً عن توقيف لكن على ظنه واجتهاده أنه توقيف، والخامس لي شك في صحته بهذا اللفظ ولعله باللفظ الذي خرجه به الدارقطني وقد سلف بتقريره وليس لي اعتماد على الفخر في الأحاديث وليس من حفاظها وأراه إذا نقل بالمعنى غير وليس عندي "تفسير الثعلبـي" لأراه فإن النقل منه، والسابع لا تلوح عليه طلاوة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فصاحته وهو أفصح من نطق بالضاد بل من مارس الأحاديث جزم بوضع هذا ولعمري لو كان صحيحاً لاكتفى به الشافعية أو لقدموه على سائر أدلتهم ويا ليته ذكر إسناده لنراه وأما الحجة الخامسة: ففيها أنا لا نسلم أن وجوبها في أول الفاتحة مستلزم لكونها آية منها واستدلاله في هذا المقام بقوله: { ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } [العلق: 1] واه جداً من وجوه أظهر من الشمس فلا نتعب البنان ببيانها وأما الحجة السادسة: فهو أقوى ما يستدل به على كون البسملة من القرآن وأما على أنها من الفاتحة فلا، وتعرض نفاة كونها قرآناً للتكلم في هذا الدليل مما لا يرضاه الطبع السليم، والذهن المستقيم، والإنصاف نصف الدين، والانقياد للحق من أخلاق المؤمنين وأما الحجة السابعة: فلنا لا علينا كما لا يخفى وأما الحجة الثامنة: فدون إثبات مدارها ـ وهو توهين كلام مولانا أبـي حنيفةرحمه اللهتعالى ـ جبال راسيات ـ وأما الحجة التاسعة: فهي كالحجة الخامسة حذو القذة بالقذة واستدلاله بقوله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال" الخ ليس بشيء لأن الفاتحة جزء من الصلاة المفتتحة بالتكبير المقارن للنية الذي هو ركن منها فحيث لم تفتتح بالبسملة عدت بتراء فبطلت وكذا الركوع والسجود الذي أقرب ما يكون العبد فيه إلى ربه كل منهما أمر ذو بال فإذا لم يفتتح بالبسملة كان أبتر باطلاً فحسن الظن بديانة العلامة وعلمه أنه كان يبسمل أول/ صلاته وعند ركوعه وسجوده وسائر انتقالاته رحمة اللهتعالى عليه وأما الحجة العاشرة: فلا تقوم علينا لأنا أعلمناك بمذهبنا وأما الحجة الحادية عشرة: فقصارى ما تدل عليه ظاهراً بعد تسليمها أن معاوية لما لم يقرأ البسملة وترك الواجب ولم يسجد للسهو أعاد الصلاة لتقع سليمة من الخلل ولهذا أمهلوه إلى أن فرغ ليروا أيجبر الخلل بسجود السهو أم لا واعتراضهم عليه بترك واجب يجبر بالسجود ليس أغرب من اعتراضهم عليه في تلك الصلاة أيضاً بترك هيئة حيث روى الشافعي نفسه كما نقله الفخر نفسه أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود فلما سلم ناداه المهاجرون والأنصار يا معاوية سرقت من الصلاة أين {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} وأين التكبير عند الركوع والسجود ثم إنه أعاد الصلاة مع التسمية والتكبير وهذا لا يضرنا، نعم يبقى الجهر والبحث عنه مخفي الآن وأما الحجة الثانية عشرة: ففيها كما تقدم أن الوجوب لا يستلزم الجزئية على أن قوله: إن سائر الأنبياء يبتدئون عند الشروع بأعمال الخير بذكر الله فوجب أن يجب على رسولنا ذلك الخ واستدل على الوجوب عليه إذ وجب عليهم عليهم السلام بقولهتعالى: { أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } [الأنعام: 90] لا أدري ما أقول فيه سوى أنه جهل بالتفسير وعدم اطلاع على أخبار البشير النذير وأما الحجة الثالثة عشر: فلا تجديه نفعاً في مقابلتنا أيضاً وفيها ما في أخواتها وأما الحجج الباقية: فككثير من الماضية لا تنفع في البحث معنا إلا بتسويد القرطاس وتضييع نفائس الأنفاس على أن بعض ما ذكره معارض بما أخرج مسلم وغيره من حديث أبـي هريرة رضي اللهتعالى عنه قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال اللهتعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ قال اللهتعالى: حمدني عبدي وإذا قال: ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ قال: أثنى عليَّ عبدي وإذا قال: مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ قال اللهتعالى: مجدني عبدي وإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال اللهتعالى: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال: ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" وهذا يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة وأنها سبع بدونها حيث جعل الوسطى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ والثلاث قبلها للهتعالى والثلاث بعدها للعبد وليس فيه نفي أنها من القرآن، ولا شك أن هذه الرواية أصح من رواية الثعلبـي ولا أقدم ثعلبياً على مسلم، وكذا من رواية السجستاني ومتى خالف الراوي الثقة من هو أوثق منه بزيادة أو نقص فحديثه شاذ وليس هذا من باب النفي والإثبات كما ظنه من ليس له في هذا الفن رسوخ ولا ثبات وحمل النصف فيه على النصف في المعنى أو الصنف من عدم الإنصاف إذ ذاك مجاز ولا حاجة إليه ولا قرينة عليه وجعله حقيقة لكن باعتبار الدعاء والثناء يكذبه العد والقول بأن مدار الرواية العلاء وقد ضعفه ابن معين فهو على جلالة الرجل لا يسمن ولا يغني من جوع لأن الموثق كثير وتقديم الجرح على التعديل ليس بالمطلق بل إن لم يكثر المعدلون جداً وقد كثروا هنا وكون التقسيم لما يخص الفاتحة والبسملة مشتركة مع كونه خلاف الظاهر لا تقتضيه الحكمة إذ هي عند الخصم أشرف الأجزاء وكون المراد بعض قراءة الصلاة إذ الظاهر لا يمكن أن يراد لوجود الأعمال وضم السورة ويتحقق البعض بهذا البعض ليس بشيء إذ اللائق أن يكون البعض مستقلاً بمبدأ ومقطع والثاني موجود والأول على قولنا وأيضاً الفاتحة سورة كالكوثر والملك وقد نص صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة عنه بأن الأولى ثلاث آيات/ والثانية ثلاثون ووقفهم عليها ولم يعد البسملة ولو عدها مستقلة لزاد العدد أو جزءاً لورد، وعلى المثبت البيان وأنى هو، على أنه يرد على الثاني استلزامه للتحكم بدعوى الاستقلال في الفاتحة والبعضية في غيرها وقول الرازي هذا غير بعيد فـ {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} آية تارة وجزء آية أخرى كما في: { وآخر دَعْوٰهُمْ } [يونس: 10] الآية بعيد بل قياس باطل لوجود المقتضي للجزئية هناك وانتفائه هنا وأيضاً نزل الكثير من السور بلا بسملة ثم ضمت بعد، وحديث الصحيح في بدء الوحي يبدي صحة ما قلنا وهذا يبعد كونها آية من السورة أو جزء آية وكونها لم تنزل بعد يبعد الثاني إن لم يبعد الأول وحديث إنها أول ما نزلت ليس بالقوي بل الثابت ويشكل عليه ما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يكتب باسمك اللهم الخ على أن الأولية إن سلمت وسلمت لا تضرنا، وبالجملة يكاد أن يكون اعتقاد عدم كون البسملة جزءاً من سورة من الفطريات كما لا يخفى على من سلم له وجدانه فهي آية من القرآن مستقلة ولا ينبغي لمن وقف على الأحاديث أن يتوقف في قرآنيتها أو ينكر وجوب قراءتها ويقول بسنيتها فوالله لو ملئت لي الأرض ذهباً لا أذهب إلى هذا القول وإن أمكنني ـ والفضل للهتعالى ـ توجيهه كيف وكتب الأحاديث ملأى بما يدل على خلافه وهو الذي صح عندي عن الإمام والقول بأنه لم ينص بشيء ليس بشيء وكيف لا ينص إلى آخر عمره في مثل هذا الأمر الخطير الدائر عليه أمر الصلاة من صحتها أو استكمالها ويمكن أن يناط به بعض الأحكام الشرعية وأمور الديانات كالطلاق والحلف والتعليق وهو الإمام الأعظم والمجتهد الأقدم رضي اللهتعالى عنه والإخفاء بها في الجهرية لا يدل على السنية فإن القوم بوجوبها لا ينافي إخفاءها اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعن ابن عباس لم يجهر النبـي صلى الله عليه وسلم بالبسملة حتى مات، وروى مسلم "عن أنس: صليت خلف النبـي صلى الله عليه وسلم وأبـي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع منهم أحداً يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم" ولم يرد نفي القراءات بل سماعها للإخفاء بدليل ما صرح به عنه «فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم» رواه أحمد والنسائي بإسناد على شرط الشيخين، وروى الطبراني بإسناد عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً رضي اللهتعالى عنهم" وروي "عن عبد الله بن المغفل ولا نسلم ضعفه أنه قال: سمعني أبـي وأنا أقول بسم الله الرحمن الرحيم فقال: أي بني إياك والحدث في الإسلام فقد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبـي بكر وعمر وعثمان فابتدءوا القراءة بٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ" فإذا صليت فقل ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ أي اجهر بها واخف البسملة وهو مذهب الثوري وابن المبارك وابن مسعود وابن الزبير وعمار بن ياسر والحسن بن أبـي الحسين والشعبـي والنخعي وقتادة وعمر بن عبد العزيز والأعمش والزهري ومجاهد وأحمد وغيرهم خلق كثير وأحاديث الجهر لم يصح منها سوى حديث ابن عباس الذي أخرجه الشافعي عنه "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم" وهو معارض بما تقدم عنه أو محمول على أنه كان يجهر بها أحياناً لبيان أنه تقرأ فيها كما جهر عمر رضي اللهتعالى عنه بالثناء للتعليم وكما شرع الجهر بالتكبير للإعلام وحتى مات هناك قيد للمنفي لا للنفي فلا يتنافيان على أنه روي عن بعض الحفاظ ليس حديث صريح في الجهر إلا وفي إسناده مقال. وعن الدارقطني أنه صنف كتاباً في الجهر فأقسم عليه بعض المالكية ليعرفه الصحيح فقال: لم يصح في الجهر حديث والقول بأن الرواية عن أنس ست متعارضة فتارة يروى عنه الجهر وأخرى الإخفاء للخوف من بني أمية المخالفين لعلي كرم الله وجهه إذ مذهبه الجهر لا يضرنا إذ يقدم عند التعارض الأقوى إسناداً وهو هنا ما يوافقنا إذ هو على شرط الشيخين، وتهمة الراوي المخالف بالكذب على أنس أهون عندي من تهمة أنس صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقدمي أصحابه.

ومن عجائب الرازي: كيف يبدي احتمال التهمة ويروي اعتراض أهل المدينة على سيد ملوك بني أمية بذلك اللفظ الشنيع والمحل الرفيع فهلا خافوا وسكتوا وصافوا، والأعجب من هذا أنه ذكر ست حجج لإثبات الجهر هي أخفى من العدم الأولى: أن البسملة من السورة فحكمها حكمها سراً وجهراً وكون البعض سرياً والبعض جهرياً مفقود ويردّه ما علمته في الردود وبفرض تسليم أنها من السورة أيّ مانع من إسرار البعض والجهر بالبعض وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَٱتَّبَعُوهُ } [الأعراف: 158] ولعل السر فيه كالسر في الجهر والإخفاء في ركعات صلاة واحدة، أو يقال: إن حال المنزل عليه القرآن كان خلوة أولاً وجلوة ثانياً فناسب حاله حاله بل إذا تأملت قولهتعالى في الحديث القدسي الثابت عند أهل الله: "كنت كنزاً مخفياً" الخ ظهر لك سر أعظم فرضي اللهتعالى عن المجتهد الأقدم الثانية: أنها ثناء وتعظيم فوجب الإعلان بها لقولهتعالى: { فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } [البقرة: 200] ويرده أن غالب مشتملات الصلاة كذلك أفيجهر بها؟.

الثالثة: أن الجهر بذكر الله يدل على الافتخار به وعدم المبالاة بمنكره وهو مستحسن عقلاً فيكون كذلك شرعاً ولا يخفى إلا ما فيه عيب ثم قال وهذه الحجة قوية في نفسي راسخة في عقلي لا تزول البتة بسبب كلمات المخالفين ويرده ما رد سابقه وقد يخفى الشريف:

ليس الخمول بعار على امرىء ذي جلال
فليلة القدر تخفى وتـلك خيـر الليالـي

ويا ليت شعري أكان تسبيحه اللهتعالى في ركوعه وسجوده معيباً فيخفيه أو جيداً فيجهر به ويبديه ولا أظن بالرجل إلا خيراً فإن الحجة قوية في نفسه راسخة في عقله الرابعة: ما أخرجه الشافعي عن أنس: أن معاوية صلى بأهل المدينة ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فاعترض عليه المهاجرون والأنصار فأعاد الحديث بمعناه ويرده معارضوه أو يقال لم يقرأ على ظاهره وعلموا ذلك ببعض القرائن وما راء كمن سمعا» الخامسة: ما روى البيهقي عن أبـي هريرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم وهو المروي عن عمر وابنه وابن عباس وابن الزبير، وأما علي فقد تواتر عنه ومن اقتدى في دينه بعلي فقد اهتدى ويرده المعارض وبتقدير نفيه يقال: إن الجهر كان أحياناً لغرض وفي الأخبار التي ذكرناها ما يعارض أيضاً نسبته إلى عمر وعلي وابن عباس وما زعم من تواتر نسبته إلى علي ممنوع عند أهل السنة، نعم ادعته الشيعة فذهبوا إلى الجهر في السرية والجهرية ولو عمل أحد بجميع ما يزعمون/ تواتره عن الأمير كفر فليس إلا الإيمان ببعض والكفر ببعض وما ذكره من أن من اقتدى في دينه بعلي فقد اهتدى مسلم لكن إن سلم لنا خبر ما كان عليه عليّ رضي اللهتعالى عنه ودونه مهامه فيح على أن الشائع عند أهل السنة تقديم ما عليه الشيخان وإذا اختلفا فما عليه الصديق حيث إن النبـي صلى الله عليه وسلم ترقى في التخصيص إليه فقال أولاً: "أصحابـي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وثانياً: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي" وثالثاً: "اقتدوا باللذين من بعدي أبـي بكر وعمر" ورابعاً: "إن لم تجديني فأتي أبا بكر" السادسة: أنها متعلقة بفعل مضمر نحو بإعانة بسم الله أشرعوا ولا شك أن استماع هذه الكلمة ينبه العقل على أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله وينبهه على أنه لا يتم شيء من الخيرات إلا إذا وقع الابتداء فيه بذكر اللهتعالى وبإظهارها أمر بمعروف ويرده مع ركاكة هذا التقدير وعدم قائل به أن انفهام الأمر بالمعروف من هذه الجملة يحتاج إلى فكر لو صرف عشر معشاره في قولهتعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } لحصل ضعف أضعافه من دون غائلة كثيرة فيغني عنه ثم إنهرحمه اللهتعالى ذكر كلاماً لا ينفع إلا في تكثير السواد وإرهاب ضعفاء الطلبة بجيوش المداد.

البحث الثالث في معناها: فالباء إما للاستعانة أو المصاحبة أو الإلصاق أو الاستعلاء أو زائدة أو قسمية والأربعة الأخيرة ليست بشيء وإن استؤنس لبعض ببعض الآيات واختلف في الأرجح من الأولين فالذي يشعر به كلام البيضاوي أرجحية الأول وأيد بأن جعله للاستعانة يشعر بأن له زيادة مدخل في الفعل حتى كأنه لا يتأتى ولا يوجد بدون اسم اللهتعالى ولا يخلو عن لطف وما يدل عليه كلام الزمخشري أرجحية الثاني وأيد بأن باء المصاحبة أكثر في الاستعمال من باء الاستعانة لا سيما في المعاني وما يجري مجراها من الأفعال وبأن التبرك باسم اللهتعالى تأدب معه وتعظيم له بخلاف جعله للآلة فإنها مبتذلة غير مقصودة بذاتها وأن ابتداء المشركين بأسماء آلهتهم كان على وجه التبرك فينبغي أن يرد عليهم في ذلك، وأن الباء إذا حملت على المصاحبة كانت أدل على ملابسة جميع أجزاء الفعل لاسم اللهتعالى منها إذا جعلت داخلة على الآلة ويناسبه ما روي في الحديث "تسمية اللهتعالى في قلب كل مسلم يسمي أو لم يسم" وأن التبرك باسم اللهتعالى معنى ظاهر يفهمه كل أحد ممن يبتدىء به والتأويل المذكور في كونه آلة لا يهتدي إليه إلا بنظر دقيق وإن كون اسم اللهتعالى آلة للفعل ليس إلا باعتبار أنه يوصل إليه ببركته فقد رجع بالآخرة إلى معنى التبرك فلنقل به أولاً وإن جعل اسمهتعالى آلة لقراءة الفاتحة لا يتأتى على مذهب من يقول: إن البسملة من السورة وأن قوله صلى الله عليه وسلم: "بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء" مما يستأنس به له وإن في الأول جعل الموجود حساً كالمعدوم وإن بسم الله موجود في القراءة فإذا جعلت الباء للاستعانة كان سبيله سبيل القلم فلا يكون مقروءاً وهو مقروء وإن فيه الإيجاز والتوصل بتقليل اللفظ إلى تكثير المعنى لتقدير متبركاً وهو لكونه حالاً فيه بيان هيئة الفاعل وقد ثبت أن لا بد لكل فعل متقرب به إلى اللهتعالى من إعانته جل شأنه فدل الحال على زائد.

وعندي: أن الاستعانة أولى بل يكاد أن تكون متعينة إذ فيها من الأدب والاستكانة وإظهار العبودية ما ليس في دعوى المصاحبة ولأن فيها تلميحاً من أول وهلة إلى إسقاط الحول والقوة ونفي استقلال قدر العباد وتأثيرها وهو استفتاح لباب الرحمة وظفر بكنز لا حول ولا قوة إلا بالله ولأن هذا المعنى أمسّ بقولهتعالى {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ولأنه كالمتعين في قوله: { ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } [العلق: 1] ليكون جواباً لقوله صلى الله عليه وسلم "لست بقارىء" على أتم وجه وأكمله وما ذكروه في تأييد المصاحبة كله مردود أما الأول: فلأن دون إثبات الأكثرية خرط القتاد وأما الثاني: فلأنه توهم نشأ من تمثيلهم في الآلة بالمحسوسات وليست كل استعانة بآلة ممتهنة ولا شك في صحة استعنت بالله وقد ورد في الشرع قالتعالى: { ٱسْتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُواْ } [الأعراف: 128] فهو إذن على أن جهة الابتذال مما لا تمر ببال والقلب قد أحاط بجهاته جهة أخرى وأيضاً في تخصيص الاستعانة بالآلة نظر لأنها قد تكون بها وبالقدرة ولو سلم فأي مانع من الإشارة بها هنا إلى أنه كما هو المقصود بالذات فهو المقصود بالعرض إذ لا حول ولا قوة إلا به. وأما الثالث: فلأن المشركين إلى الاستعانة بآلهتهم أقرب إذ هم وسائطهم في التقرب إليهتعالى وهي أشبه بالآلة. وأما الرابع: فلأن الآلة لا بد من وجودها في كل جزء إلى آخر الفعل وإلا لم يتم ولا نسلم اللزوم بين مصاحبة شيء لشيء وملابسته لجميع أجزائه وما ذكره من الحديث فهو بالاستعانة أنسب لأنها مشعرة بتبري العبد من حوله وقوته وإثبات الحول والقوة للهتعالى وهذا من باب العقائد التي عقد عليها قلب كل مسلم يسمي أو لم يسم. وأما الخامس: فلأنه إن أراد أن معنى المصاحبة التبرك فظاهر البطلان وقد رجع بخفي حنين وإن أراد أنه يفهم منها بالقرينة فندعيه نحن بها إذا قصد الآلية لتوقف الاعتداد الشرعي عليها وأما كون التبرك معنى ظاهراً لكل أحد فلا نسلم أنه من خصوص المصاحبة. وأما السادس: فلأن الانحصار فيه ممنوع. وأما السابع: فلأن ما يفتتح به الشيء لا مانع من كونه جزءاً فالفاتحة مفتتح القرآن وجزؤه ولو سلم فجعلها مفتتحاً بالنسبة إلى ما عداها قاله الشهاب ولا يضر الحنفي ما فيه.

وأما الثامن: فلأن معنى الحديث أفعل كذا مستعيناً باسم الله الذي لا يضرني مع ذكر اسمه مستعيناً به شيء إذ من استعان بجنابه أعانه ومن لاذ ببابه حفظه وصانه، وإن استبعدت هذا ورددت ما قيل في الرد من أن المراد بالحديث الإخبار بأنه لا يضر مع ذكر اسمه شيء من مخلوق والمصاحبة تستدعي أمراً حاصلاً عندها نحو جاءكم الرسول بالحق والقراءة لم تحصل بعد فتعذرت حقيقة المصاحبة بأن المصاحبة هنا ليست محسوسة وكونها إخباراً بنفي صحبة الضرر يفهم منه صحبة النفع والبركة وهي دفع الوسوسة عن القارىء مع جزيل الثواب فلا ضير أيضاً لأنه مجرد استئناس ولا يوحشنا إذ ما نستأنس به كثير وأما التاسع: فلأن جعل الموجود كالمعدوم للجري لا على المقتضى من المحسنات والنكتة هٰهنا إن شبه اسم الله بناءً على يقين المؤمن بما ورد من السنة والقطع بمقتضاها بالأمر المحسوس وهو حصول الكتب بالقلم وعدم حصوله بعدمه ثم أخرج مخرج الاستعارة التبعية لوقوعها في الحرف. وأما العاشر: فلأنه لا يخفى حال التشبيه بالقلم وأما الحادي عشر: فلأنه لا نسلم أن التبرك معنى المصاحبة أو لازم معناه بل هو معلوم من أمر خارج هو أن مصاحبة اسمه سبحانه يوجد معها ذلك وهو جار في الاستعانة باسمه عز شأنه على أن في الاستعانة من اللطف ما لا يخفى ويمكن على بعد أن يكون عدم اختيار الزمخشري لها لنزغات الشيطان الاعتزالية من استقلال العبد بفعله فقد ذهب إليه هو وأصحابه وسيأتي إن شاء اللهتعالى رده.

وقد اختلف في متعلق الجار فذهب الإمام ابن جرير إلى تقديره أتلو لأن تاليه متلو وهكذا يضمر الخاص الفعلي كل فاعل فعلاً يجعل التسمية مبدأ له وهو من المعاني القرآنية كنظائره للزومها في متعارف اللسان وبه يندفع كلام الصادقي وليس المقصود هنا متكلماً مخصوصاً فهو على حد ولو ترى فينوي كل بالضمير نفسه فلا يضر تقدمها على قراءة هذا القارىء بل على وجوده ويتأتى القول بجزئيتها من الكل أو الجزء بلا خفاء ولما خفي ذلك على البعض جعل المقدر فعل أمر متوجه إلى العباد ليتحد قائل الملفوظ والمقدر واختاره الفراء عن اختيار وروي عن ابن عباس لأنهتعالى قدم/ التسمية حثاً للعباد على فعل ذلك وهو المناسب للتعليم وذهب النحويون إلى تقديره عاماً نحو أبتدىء وأيد بوجوه: منها: أن فعل الابتداء يصح تقديره في كل تسمية دون فعل القراءة وتقدير العام أولى ألا تراهم يقدرون متعلق الجار الواقع خبراً أو صفة أو حالاً أو صلة بالكون والاستقرار حيثما وقع ويؤثرونه لعموم صحة تقديره. ومنها: أنه مستقل بالغرض من التسمية وهو وقوعها مبتدأ فتقديره أوقع بالمحل، وأنت إذا قدرت اقرأ قدرت أبتدىء بالقراءة لأن الواقع في أثنائها قراءة أيضاً والبسملة غير مشروعة فيه ومنها: ظهور فعل الابتداء في قوله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع" ، وأما ظهور القراءة في قولهتعالى: { ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } [العلق: 1] فلأن الأهم ثم هو القراءة غير منظور فيه إلى ابتدائها ولذا قدم الفعل ولا كذلك في التسمية. وما ذهب إليه الإمام أمس وأخص بالمقصود وأتم شمولاً فإنه يقتضي أن القراءة واقعة بكمالها مقرونة بالتسمية مستعاناً باسم اللهتعالى عليها كلها بخلاف تقدير أبتدىء إذ لا تعرض له لذلك، وما ذكر أولاً من الاستشهاد بتقدير النحاة الكون والاستقرار فليس بجيد لأنهم فعلوه تمثيلاً حيث لا يقصدون عاملاً بعينه بل يريدون الكلام على العامل من حيث هو فهو كتمثيلهم بزيد وعمرو لا لخصوصيتهما بل ليقع الكلام على مثال فيكون أقرب إلى الفهم ولا يقال إذا أبهم الفاعل يقدر بهما على أن الابتداء هنا ليس أعم من القراءة لأن المراد به ابتداء القراءة وهو أخص من القراءة لصدقها على قراءة الأول والوسط والآخر، واختصاص ابتداء القراءة بالأول فليس هذا هو الكون والاستقرار الذي قدرهما النحاة فيما تقدم، ودعوى عموم أبتدىء باعتبار أنه منزل منزلة اللازم لكنه يعلم بقرينة المقام أن المبتدأ به هو القراءة أو باعتبار أصل العامل في الجميع لا يخفى فسادها فإنه إذا دل المقام على إرادته فما معنى تنزيله منزلة اللازم حينئذٍ وكونه باعتبار اللفظ والأصل لا يدفع السؤال في الحال فافهم.

وأما ما ذكر ثانياً: من أن فعل البداءة مستقل بالغرض فغير مسلم وقد قدمنا أن القراءة أمس وأشمل والوقوع في الابتداء بالبداية فعلاً لا بإضمار الابتداء فمتى ابتدأ بالبسملة حصل له المقصود غير مفتقر إلى شيء كمن صلى فبدأ بتكبيرة الإحرام لا يحتاج في كونه بادئاً إلى الإضمار لكنه مفتقر إلى بركتها وشمولها لجميع ما فعله، ومن هذا يظهر ما في باقي الكلام من الوهن وأما ما ذكر ثالثاً: ففيه أن كون التسمية مبتدأ بها حاصل بالفعل لا بإضمار الفعل ولم يرد الحديث بأن كل أمر ذي بال لم يقل أو لم يضمر فيه أبدأ ببسم الله فهو كذا على أن المحافظة على موافقة لفظ الحديث إنما يليق أن يجعل نكتة في كلام المصنفين ومن ينخرط في سلكهم لا في كلام الله جل شأنه كما لا يخفى على من له طبع سليم، وأيضاً البحث إنما هو في ترجيح تقدير الفعل العام كأبدأ أو أشرع وما شاكلهما لا في ترجيح خصوص اقرأ أعني فعلاً مصدره القراءة على خصوص أبدأ أعني فعلاً مصدره البداءة ففيما ذكر خروج عن قانون الأدب وموضع النزاع.

وذهب البعض إلى تقدير ابتدائي مثلاً وفيه زيادة إضمار لوجوب إضمار الخبر حينئذٍ فيكون المضمر ثلاث كلمات ودلالة الإسمية على الثبوت معارضة بدلالة المضارع على الاستمرار التجددي المناسب للمقام إلا أنه تبقى المخالفة بين جملتي البسملة والحمد ولعل الأمر فيه سهل وجعل الشيخ الأكبر قدس سره هذا الجار خبر مبتدأ مضمر هو ابتداء العالم وظهوره لأن سبب وجوده الأسماء الإلۤهية وهي المسلطة عليه كجعله متعلقاً بما بعده إذ لا يحمد اللهتعالى إلا بأسمائه من باب الإشارة فلا ينظر فيه إلى الظاهر ولا يتقيد بالقواعد ولا أرى الاعتراض عليه من الإنصاف، وقد ذهب الكثير إلى أن تقدير المتعلق هنا مؤخراً أحرى لأن اسم اللهتعالى مقدم على الفعل ذاتاً فليقدم على الفعل/ ذكراً، وفيه إشارة إلى البرهان اللمي وهو أشرف من البرهان الإنيّ، ولذا قال بعض العارفين ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله وتحنيك طفل الذهن بحلاوة هذا الاسم يعين على فطامه عن رضع ضرع السوي بدون وضع مرارة الحدوث، على أن بركة التبرك طافحة بالأهمية وإن قلنا بأن في التقديم قطع عرق الشركة رداً على من يدعيها ناسب مقام الرسالة وظهر سر تقديم الفعل في أول آية نزلت إذ المقام إذ ذاك مقام نبوة ولا رد ولا تبليغ فيها ولكل مقام مقال والبلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وقد اعتركت الأفهام هنا في توجيه القصر لظنه من ذكر الاختصاص حتى ادعاه بعضهم بأنواعه الثلاثة وأفرد البعض البعض، فمقتصر على قصر الإفراد، وقائل به وبالقلب، وفي القلب من كل شيء وعندي هنا يقدر مقدماً، وبه قال الأكثرون وإن تقديره مؤخراً مؤخر عن ساحة التحقيق لأنه إما أن يقدر بعد الباء أو بعد اسم أو بعد اسم الله، أو بعد البعد، أما تقديره بعد الباء فلا يقوله من عرف الباء. وأما بعد الاسم فلاستلزامه الفصل ولو تعقلاً حيث أوجبوا الحذف هنا بين المتضايفين وأما بعد اسم الله فلاستلزامه الفصل كذلك بين الصفة والموصوف وأما بين الصفتين فيتسع الخرق، وأما بعد التمام فيظهر نقص دقيق لأن في الجملة تعليق الحكم بما يشعر بالعلية فكان الرحمن الرحيم علة للقراءة المقيدة باسم الله فإذا تأخر العامل المقيد المعلول وتقدمت علته أشعر بالانحصار ولا يظهر وجهه، وإذا قدرنا العامل مقدماً كما هو الأصل أمنا من المحذور ويحصل اختصاص أيضاً إذ كأنه قيل مثلاً اقرأ مستعيناً أو متبركاً بسم الله الرحمن الرحيم لأنه الرحمن الرحيم، وانتفاء العلة يستلزم انتفاء المعلول في المقام الخطابـي إذا لم تظهر علة أخرى فيفيد الاختصاص لا سيما عند القائل بمفهوم الصفة فيشعر بأن من لم يتصف بذلك خارج عن الدائرة والاقتصار هنا ليس كالاقتصار هناك والتخلص بتقدير التركيب مستعيناً باسم الله لأنه الرحمن الرحيم اقرأ فيه ما لا يخفى على الطبع السليم، وفي تقديم الحادث تعقلاً وحذفه ذكراً وعدم وجود شيء في الظاهر مستقلاً سوى الاسم القديم رمز خفي إلى تقديم الأعيان الثابتة في العلم وإن لم يكن على وجود اللهتعالى إذ له جل شأنه التقدم المطلق وعدم ظهور شيء سواه وكل شيء هالك إلا وجهه، وللإشارة إلى أنه لا ضرر في ذلك ارتكب، والتبرك كالوجوب يقتضي التقدم بالذكر مكسوراً لا مضموماً وها هو كما ترى ومن الأكابر من قال ما رأيت شيئاً إلا ورأيت اللهتعالى فيه ولا حلول وقد عد أكمل من الأول والمراتب أربع وتحنيك الرحمة يغني عن كل در ويفطم طفل الذهن عن سدى جواري الفكر وكأن من قدر العامل مؤخراً رأى { بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا } [هود: 41]، و "باسمك ربـي وضعت جنبـي" وأمثالهما فجرى مجراها والفرق ظاهر للناظر وهذا من نسائم الأسحار فيتقظ له ونم عن غيره.

والظرف مستقر عند بعض ولغو عند آخرين وقد اختلف في تفسيرهما، فقيل اللغو ما يكون عامله مذكوراً، والمستقر ما يكون عامله محذوفاً مطلقاً وقيل المستقر ما يكون عامله عاماً كالحصول والاستقرار وهو مقدر واللغو بخلافه، وقيل اللغو ما يكون عامله خارجاً عن الظرف غير مفهوم منه سواء ذكر أو لا، والمستقر ما فهم منه معنى عامله المقدر الذي هو من الأفعال العامة وكل ذلك اصطلاح وحيث لا مشاحة فيه اختار الأول فيكون الظرف هنا مستقراً كيفما قدر العامل، وإنما كسرت الباء وحق الحروف المفردة أن تفتح لأنها مبنية والأصل في البناء لثقله وكونه مقابلاً للإعراب الوجودي السكون لخفته وكونه عدمياً إلا أنها من حيث كونها كلمات برأسها مظنة للابتداء وهو بالساكن متعذر أو متعسر كان حقها الفتح إذ هو أخو السكون في الخفة المطلوبة في كثير الدور على الألسنة لامتيازها من بين الحروف بلزوم الحرفية والجر وكل منهما يناسب الكسر، أما الحرفية فلأنها تقتضي عدم الحركة/ والكسر لقلته إذ لا يوجد في الفعل ولا في غير المنصرف ولا في الحروف إلا نادراً يناسب العدم. وأما الجر فلموافقة حركة الباء أثرها ولا نقض بواو العطف اللازمة للحرفية ولا بكاف التشبيه اللازمة للجر لأن المجموع سبب الامتياز ولم يوجد في كل لكن يبقى النقض واو القسم وتائه ويجاب بأن عملها بالنيابة عن الباء التي هي الأصل في حروفه فكأن الجر ليس أثراً لهما وهذه علل نحوية مستخرجة بعد الوقوع لإبداء مناسبة فلا تتحمل مناقشة لضعفها كما قيل:

عهد الذي أهوى وميثاقه أضعف من حجة نحوي

فلا نسهر جفن الفكر فيما لها وعليها.

وقال بعضهم من باب الاشارة: كسرت الباء في البسملة تعليماً للتوصل إلى اللهتعالى والتعلق بأسمائه بكسر الجناب والخضوع وذل العبودية فلا يتوصل إلى نوع من أنواع المعرفة إلا بنوع من أنواع الذل والكسر كما أشار إلى ذلك سيدي عمر بن الفارض قدس اللهتعالى سره الفائض بقوله:

ولو كنت لي من نقطة الباء خفضة رفعت إلى ما لم تنله بحيلة
بحيث نرى أن لا ترى ما عددته وأن الذي أعددته غير عدة

فإن الخفض يقابل الرفع فمن خفضه النظر إلى ذل العبودية، رفعه القدر إلى مشاهدة عز الربوبية، ولا ينال هذا الرفع بحيلة؛ بل هو بمحض الموهبة الإلهية الجليلة، ومن تنزل ليرتفع فتنزله معلول، وسعيه غير مقبول انتهى. وهو أمر مخصوص بباء البسملة لا يمكن أن يجرى في باء الجر مطلقاً كما لا يخف، وعندي في سر ذلك أن الباء هي المرتبة الثانية بالنسبة إلى الألف البسيطة المجردة المتقدمة على سائر المراتب فهي إشارة إلى الوجود الحق، والباء إما إشارة إلى صفاته التي أظهرتها نقطة الكون ولذلك لما قيل للعارف الشبلي أنت الشبلي؟ فقال أنا النقطة تحت الباء، وقال سيدي الشيخ الأكبر قدس سره:

الباء للعارف الشبلي معتبر وفي نقيطتها للقلـب مدكــر
سر العبودية العلياء مازجها لذاك ناب مناب الحق فاعتبروا
أليس يحذف من بسم حقيقته لأنه بــدل منه فـــذا وزر

والصفات إما جمالية أو جلالية، وللأولى السبق كما يشير إليه حديث "سبقت رحمتي غضبي" وباء الجر إشارة إليها لأنها الواسطة في الإضافة والإفاضة فناسبها الكسر وخفض الجناح ليتم الأمر ويظهر السر، وفي الابتداء بهاهنا تعجيل للبشارة ورمز إلى أن المدار هو الرحمة كما قال صلى الله عليه وسلم: "لن يدخل أحدكم الجنة عمله قيل حتى أنت يا رسول الله قال حتى أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقد تدرج سبحانه وتعالى بإظهارها فرمز بالباء وأشار بالله وصرح أتم تصريح بالرحمن الرحيم، وأما إشارة إلى الحقيقة المحمدية والتعين الأول المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم: "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر" وبواسطته حصلت الإفاضة كما يشير إليه «لولاك ما خلقت الأفلاك» ولكون الغالب عليه عليه الصلاة والسلام صفة الرحمة لا سيما على مؤمني الأمة كما يشير إليه قولهتعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } [الأنبياء: 107] وقولهتعالى: { بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ } [التوبة: 128] ناسب ظهور الكسر فيما يشير إلى مرتبته وفي الابتداء به هنا رمز إلى صفة من أنزل عليه الكتاب والداعي إلى الله. وفي ذلك مع بيان صفة المدعو إليه بأنه الرحمن الرحيم تشويق تام وترغيب عظيم وقد تدرج أيضاً جل شأنه في وصفه صلى الله عليه وسلم بذلك في القرآن إلى أن قال سبحانه: { وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } [القلم: 4] واكتفى بالرمز هٰهنا لعدم ظهور الآثار بعد، وأول الغيث قطر ثم ينهمل، وما من سورة إلا افتتحها/ الرب بالرمز إلى حاله صلى الله عليه وسلم تعظيماً له وبشارة لمن ألقى السمع وهو شهيد. ولما كان الجلال في سورة براءة ظاهراً ترك الإشارة بالبسملة وأتى بباء مفتوحة لتغير الحال وإرخاء الستر على عرائس الجمال ولم يترك سبحانه وتعالى الرمز بالكلية إلى الحقيقة المحمدية ولا يسعنا الإفصاح بأكثر من هذا في هذا الباب خوفاً من قال أرباب الحجاب وخلفه سر جليل واللهتعالى الهادي إلى سواء السبيل.

والاسم عند البصريين من الأسماء العشرة التي بنيت أوائلها على السكون وهي ابن وابنة وابنم واسم واست واثنان واثنتان وامرؤ وامرأة وأيمن الله وأيم الله منه وإلا فأحد عشر إن اعتد بابنم فإذا نطقوا بها زادوا همزة لبشاعة الابتداء بالساكن غير المدات عندهم وفيها يمتنع والأمر ذوقي وهو مما حذف عجزه كيد وما عدا الثلاثة الأخيرة مما تقدم.

وأصله سمو حذفت الواو تخفيفاً لكثرة الاستعمال ولتعاقب الحركات وسكن السين وحرك الميم واجتلبت ألف الوصل فوزنه أفع وتصريفه إلى أسماء وسمي وسميت دون أوسام ووسيم ووسمت يشهد له والجرح بالقلب لا يقبل، واشتقاقه من السمو كالعلو لأنه لدلالته على مسماه يعليه من حضيض الخفاء إلى ذروة الظهور والجلاء. وقال الكوفيون هو من السمة لأنه علامة على مسماه وأصله وسم فحذفت الواو وعوضت عنها همزة الوصل { وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ } [الأحزاب: 25]، فوزنه أعلى ويرد عليهم أن الهمزة لم تعهد داخلة على ما حذف صدره وزيادة الإعلال أقيس من عدم النظير وأيضاً كونها عوضاً يقتضي كونها مقصودة لذاتها ووصلاً كونها مقصودة تبعاً والعوض كجزء أصل دون الوصل فما هو إلا جمع بين الضب والنون فلذا قيل لا حذف ولا تعويض وإنما قلبت الواو همزة كإعاء وإشاح ثم كثر استعماله فجعلت همزته همزة وصل وقد تقطع للضرورة ورجح الأول لهاتيك الشهادة وفيه لغات أوصلها البعض إلى ثماني عشرة ونظمها فقال:

للاسم عشر لغــات مـع ثمانيــة بنقل جدي شيخ الناس أكملها
سم سمات سما واسم وزد سمة كذا سمــاء بتثليث لأولــها

هذا وقد طال التشاجر في أن الاسم هل هو عين المسمى أو غيره؟ فالأشاعرة على الأول، والمعتزلة على الثاني وقد تحير نحارير الفضلاء في تحرير محل البحث على وجه يكون حريا بهذا التشاجر حتى قال مولانا الفخر في «التفسير الكبير»: ان هذا البحث يجري مجرى العبث وذكر وجهاً ادعى لطفه ودقته وقد كفانا الشهاب مؤنة رده وقد أراد السيد النحرير في «شرح المواقف» فلم يتم له، وللسهيلي في ذلك كلام ادعى أنه الحق وصنف في رده ابن السيد "رسالة" مستقلة وادعى الشهاب أنه إلى الآن لم يتحرر وأنه لم ير مع سعة اطلاعه في هذه المسألة ما فيه ثلج الصدور ولا شفاء الغليل ولم يأترحمه اللهتعالى في "حواشيه على البيضاوي" من قبل نفسه بشيء يزيح الإشكال ويريح البال وها أنا من فضل اللهتعالى ذاكر شيئاً إذا قبل فهو غاية ما أتمناه وقد يوجد في الأسقاط ما لا يوجد في الأسفاط وإن رد فقد رد قبلي كلام ألوف كل منهم فرد يقابل بصفوف

وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس

فأقول: الاسم يطلق على نفس الذات والحقيقة والوجود والعين وهي عندهم أسماء مترادفة كما نقله الإمام أبو بكر بن فورك في كتابه الكبير في «الأسماء والصفات» والأستاذ أبو القاسم السهيلي في «شرح الارشاد» وهما ممن يعض عليه بالنواجذ، ومنه قولهتعالى: { سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ } [الأعلى: 1] إذ التسبيح في المعروف إنما يتوجه إلى الذات الأقدس وحمله على تنزيه اللفظ كحمله على المجاز والكناية مما لا يليق إذ بعد الثبوت لا يحتاج إليه ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ويؤيده قولهتعالى: { مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا }  [يوسف: 40] حيث أطلق الأسماء وأراد الذوات لأن الكفار إنما عبدوا حقيقة ذوات الأصنام دون ألفاظها وإن استقام على بعد، وقال سيبوية وهو إمام الصناعة وشيخ الجماعة: والفعل أمثلة أحداث من لفظ أحدث الأسماء ومن العلوم أن الألفاظ لا إحداث لها فليس المراد إلا الذوات وهو بهذا المعنى عين المسمى ولا ينافيه أخذ الاسم من السمو لأن سمو المعلوم في الحقيقة إنما هو بوجوده إن كان موجوداً حيث ارتفع عن نقص العدم وبمعقوليته عن الالتباس بمعلوم آخر إن لم يكن ولو كنا نرى الموجودات كلها ونعلم المعلومات بأسرها لم نحتج إلى مسمياتها لكن لما صحت غيبتها عنا لمانع في أبصارنا وبصائرنا احتجنا إلى ما يدلنا عليها في التخاطب والاخبار عنها فمنّ اللهتعالى بهذه الأوضاع لطفاً بنا وحكمة حكيم عليم فلما سمت المعلومات بمعقوليتها عن الالتباس وبوجود ما كان موجوداً منها عن العدم قيل لها أسماء، ولما دلت الألفاظ عليها قيل لها ذلك أيضاً تسمية للشيء باسم ما هو دليل عليه ويطلق الاسم أيضاً على الدال وهو قسمان، قديم وهو ما سمى اللهتعالى به نفسه في كلامه القديم والقول فيه كالقول في كلامه الذي هو صفة له من أنه لا عين ولا غير، وحادث وهو ما سمى بهتعالى شأنه في غير ذلك وهو غير، فالمعتزلة لا يثبتون إلا القسم الثاني من هذا الإطلاق لعدم ثبوت الأول عندهم ولنفيهم الكلام القديم، وأهل السنة لما رأوا أن نزاعهم لهم في القسم الأول من الإطلاق الثاني يعود إلى النزاع من منشئه تركوه واكتفوا بالنزاع في المنشأ عنه حتى برهنوا فيه على مدعاهم ونوروا بالبينات القطيعة دعواهم وقد تقدم ذلك لك في المقدمات ونازعوهم في الإطلاق الأول وأثبتوه بظواهر الآيات ونقل الثقات وقالوا ضد قولهم إن الاسم عين المسمى فكأنه ترقى صورة من نفي الغيرية وإثبات لا ولا إلى القول بالعينية التي أنكروها ولعدم فهم المراد من ذلك اعترض بأنه لو كان الاسم هو المسمى لتكثر المسمى عند تكثر الأسماء وأيضاً الأسماء تتبدل والمسمى لا يتبدل والاسم يطرأ بعد وجود المسمى والشيء لا يتقدم على نفسه ولا يتأخر فليس هو هو والكل غير وارد إلا على تقدير القول بالعينية بناء على القسم الثاني من الاطلاق الثاني وليس فليس، فاتضح من هذا أن قول المعتزلة بالغيرية ناشىء عن ضلالة في الاعتقاد، { وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [غافر: 33]، والاسم في البسملة عند بعض بالمعنى الأول لأن الاستعانة بالألفاظ مجردها مما لا معنى لها وليس في التسعة والتسعين ما لفظه اسم فلا يحسن إلا أن يراد به الذات وأمر الإضافة هين وفيه انه فرق بين الاستعانة المتعدية بنفسها والاستعانة المتعدية بالباء المتعلقة بغير/ ذوي العلم نحو { ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ } [البقرة: 45]. وقال غير واحد سلمنا أن الاستعانة لا تكون إلا بالذات إلا أن التبرك لا يكون بها وقد قالوا به ولهذا أو للفرق بين اليمين والتيمن أو لئلا يختص التبرك باسم دون اسم أو ليكون أشد وفاقاً لحديث الابتداء على ما قيل قال بسم الله ولم يقل بالله ولم تكتب همزة الوصل مع أن الأصل في كل كلمة أن ترسم باعتبار ما يتلفظ بها في الوقف وفي الابتداء بل حذفت تبعاً لحذفها في التلفظ للكثرة وقيل لأنها دخلت للابتداء بالسين الساكنة فلما نابت الباء عنها سقطت في الخط بخلاف { ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } [العلق: 1] إذ الباء لا تنوب منابها فيه إذ يمكن حذفها مع بقاء المعنى فيقال ـ اقرأ اسم ربك ـ وظاهره أن الذي منع من الإسقاط في الآية إمكان حذف الباء فقط وهو مخالف لما ذكره الدماميني من أنه لا بد للحذف من أمرين عدم ذكر المتعلق وإضافة لفظ اسم للجلالة وكلاهما منتف في الآية وهل يشترط تمام البسملة فيه؟ فيه تردد وظاهر كلام «التسهيل» اشتراطه. وقيل لا حذف فيه والباء داخلة على اسم أحد اللغات السابقة ثم سكنت السين هرباً من توالي كسرتين أو انتقاله من كسرة لضمة وهو مع غرابته بعيد، وعندي أن هذا رسم عثماني وهو مما لا يكاد يعرف السر فيه أرباب الرسوم والكثير من عللهم غير مطردة وبذلك اعتذر البعض عن عدم حذف ألف الله مع كثرة استعماله واستغنى به عن الجواب بشدة الامتزاج وبأنها عوض وبأنه يلزم الاجحاف لو حذفت أو الالتباس بقولنا لله مجروراً فالرأي إبداء سر ذوقي لذلك وقد حرره الشيخ الأكبر قدس سره في «الفتوحات» بما لا مزيد عليه ولست ممن يفهمه والقريب من الفهم أن الهمزة إنما حذفت في الخط ليكون اتصال السين بالباء المشير إلى ما تقدم أتم وتلقي الفيض أقوى { وَمَن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } [النساء: 80] { وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ } [فاطر: 45] وفيه إشارة من أول الأمر إلى عموم الرحمة وشمول البعثة لأن السين لما كان ساكناً وتوصل إلى النطق به بالألف أشبه حال المعدوم الذي ظهر بالله وحيث كان ذلك عاماً إذ ما من معدوم يطلب الظهور إلا يكون ظهوره بالله سبحانه وتعالى أعطى ذلك الحكم لما قام مقامه واتصل اتصاله وأدى في اللفظ مؤداه فإن كان عبارة عن صفات الجمال ظهر عموم الرحمة { وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } [الأعراف: 156] وإن كان عبارة عن الحقيقة المحمدية ظهر شمول البعثة { لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً } [الفرقان: 1] بل والرحمة أيضاً { وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } [الأنبياء: 107] وتناسبت أجزاء البسملة إشارة وعبارة وإنما طولت الباء للإشارة إلى أن الظهور تام أو إلى أنها وإن انخفضت لكنها إذا اتصلت هذا الاتصال ارتفعت واستعلت، وفيه رمز إلى أن "من تواضع لله رفعه الله"، "وأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلى". وقال الرسميون طولت لتدل على الألف المحذوفة ولتكون عوضاً عنها وليكون افتتاح كتاب اللهتعالى بحرف مفخم ولذا قال صلى الله عليه وسلم لمعاوية فيما روى "ألق الدواة وحرف القلم وانصب الباء وفرق السين ولا تعور الميم وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك" ولعل منه أخذ عمر بن عبد العزيز قوله لكاتبه طول الباء وأظهر السينات ودور الميم، ولبعضهم في التعليل ما ادعى أنه ليس من عمل الأفهام بل مبذولات الإلهام وهو في التحقيق من مبتذلات الأوهام وليس له في التحقيق أدنى إلمام على أن في تعليلهم السابق خفاء بالنظر إلى مشربهم أيضاً فافهم ذلك كله.

و(الله) أصله الإعلالي إله كما في «الصحاح» أو الاله كما في «الكشاف» ولكل وجهة ـ فحذفت الهمزة اعتباطاً على الأظهر وعوض عنها/ الألف واللام ولذلك قيل يا الله بالقطع في الأكثر لتمحض الحرف للعوضية فيه احترازاً عن اجتماع أداتي تعريف وأما في غيره فيجري الحرف على أصله، وذكر الرضى أن القطع لاجتماع شيئين لزوم الهمزة الكلمة إلا نادراً كما في لاهه الكبار وكونها بدل همزة إله، وقال السعد: قد يقال فيه أنه نوى الوقف على حرف النداء تفخيماً للاسم الشريف واختلفوا في الفرق بين الإله والله فقال السيد السند: هما علم لذاته إلا أنه قبل الحذف قد يطلق على غيرهتعالى وبعده لا يطلق على غيره سبحانه أصلاً، وقال العلامة السعد: إن الإله اسم لمفهوم كلي هو المعبود بحق والله علم لذاتهتعالى، وقال الرضى: هما قبل الإدغام وبعده مختصان بذاتهتعالى لا يطلقان على غيره أصلاً إلا أنه قبل الإدغام من الأعلام الغالبة وبعده من الأعلام الخاصة، وادعى ابن مالك أن الله من الأعلام التي قارن وضعها أل وليس أصله الاله ثم قال ولو لم يرد على من قال ذلك إلا أنه ادعى ما لا دليل عليه لكان ذلك كافياً لأن الله والاله مختلفان لفظاً ومعنى، أما لفظاً فلأن أحدهما معتل العين، والثاني مهموز الفاء صحيح العين واللام فهما من مادتين، فردهما إلى أصل واحد تحكم من سوء التصريف وأما معنى: فلأن الله خاص بهتعالى جاهلية وإسلاماً والاله ليس كذلك لأنه اسم لكل معبود ومن قال أصله الاله لا يخلو حاله من أمرين لأنه إما أن يقول إن الهمزة حذفت ابتداء ثم أدغمت اللام أو يقول إنها نقلت حركتها إلى اللام قبلها وحذفت على القياس وهو باطل، أما الأول فلأنه ادعى حذف الفاء بلا سبب ولا مشابهة ذي سبب من ثلاثي فلا يقاس بيد لأن الآخر وكذا ما يتصل به محل التغيير ولا بعدة مصدر يعد لحمله على الفعل فحذف للتشاكل ولا برقة بمعنى ورق لشبهه بعدة وزناً وإعلالا ولولا أنه بمعناه لتعين إلحاقه بالثنائي المحذوف اللام كلثة، وأما ناس وأناس فمن نوس وأنس على أن الحمل عليه على تقدير تسليم الأخذ زيادة في الشذوذ وكثرة مخالفة الأصل بلا سبب يلجىء لذلك وأما الثاني: فلأنه يستلزم مخالفة الأصل من وجوه، أحدها نقل حركة بين كلمتين على سبيل اللزوم، ولا نظير له، والثاني نقل حركة همزة إلى مثل ما بعدها وهو يوجب اجتماع مثلين متحركين وهو أثقل من تحقيق الهمزة بعد ساكن، الثالث من مخالفة الأصل تسكين المنقول إليه الحركة فيوجب كونه عملاً كلا عمل وهو بمنزلة من نقل في بئس ولا يخفى ما فيه من القبح مع كونه في كلمة فما هو في كلمتين أمكن في الاستقباح وأحق بالاطراح؛ الرابع إدغام المنقول إليه فيما بعد الهمزة وهو بمعزل عن القياس لأن الهمزة المنقولة الحركة في تقدير الثبوت فإدغام ما قبلها فيما بعدها كإدغام أحد المنفصلين، وقد اعتبر أبو عمرو في في الإدغام الكبير الفصل بواجب الحذف نحو { يَبْتَغِ غَيْرَ }  [آل عمران: 85] فلم يدغم فاعتبار غير واجب الحذف أولى. ومن زعم أن أصله إله يقول: إن الألف واللام عوض من الهمزة ولو كان كذلك لم يحذفا في لاه أبوك أي لله أبوك إذ لا يحذف عوض ومعوض في حالة واحدة وقالوا لهى أبوك أيضاً فحذفوا لام الجر والألف واللام وقدموا الهاء وسكنوها فصارت الألف ياء وعلم بذلك أن الألف كانت منقلبة لتحركها وانفتاح ما قبلها فلما وليت ساكناً عادت إلى أصلها وفتحتها فتحة بناء، وسبب البناء تضمن معنى التعريف عند أبـي علي ومعنى حرف التعجب إذ لم يقع في غيره وإن لم يوضع له حرف/ عندي وهو مع بنائه في موضع جر باللام المحذوفة واللام ومجرورها في موضع رفع خبر أبوك اهـ ملخصاً، قال ناظر الجيش: إنه لا مزيد عليه في الحسن، وأنا أقول لا بأس به لولا قوله إن الإله اسم لكل معبود فقد بالغ البلقيني في رده وادعى أنه لا يقع إلا على المعبود بالحق جل شأنه ومن أطلقه على غيره حكم الله بكفره وأرسل الرسل لدعائه وكان نظير إطلاق النصارى الله على عيسى على أن فيه ما يمكن الجواب عنه كما لا يخفى.

واشتقاقه من أله كعبد إلاهة كعبادة وألوهة كعبودة وألوهية كعبودية فإله صفة مشبهة بمعنى مألوه ككتاب بمعنى مكتوب وكونه مصدراً كما ذهب إليه المرزوقي وصاحب «المدارك» خلاف المشهور أو من أله كفرح إذا تحير لتحير العقول في كنه ذاته وصفاته وفيه أن الأصل في الاشتقاق أن يكون لمعنى قائم بالمشتق والحيرة قائمة بالخلق لا بالحق أو من ألهت إلى فلان إذا سكنت إليه { أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } [الرعد: 28] أو من أله إذا فزع والله مفزوع إليه { وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ } [المؤمنون: 88] أو من أله الفصيل إذا ولع بأمه والعباد مولعون بالتضرع إليه في الشدائد، وقيل هو من وله الواوي بمعنى تحير أيضاً وأصله ولاه فقلبت الواو همزة لاستثقال الكسرة عليها فهو كإعاء وإشاح في وعاء ووشاح ويرده الجمع على آلهة دون أولهة وقلب الواو ألفاً إذا لم تتحرك مخالف للقياس وتوهم أصالة الهمزة لعدم ولاه خلاف الظاهر ولعلك لا تعبأ بذلك هنا فالشأن عجيب، وزعم بعضهم أن أصله لاه مصدر لاه يليه أولاه يلوه ليهاً ولاها إذا ارتفع واحتجب وهو المحتجب بسرادقات الجلال والمرتفع عن إدراك الخيال وقد قرىء شاذاً (وهو الذي في السماء لاه) وقول ميمون بن قيس الأعشى:

كحلفه من أبـي رباح يشهدها لاهه الكبار

ووجه قطع الهمزة في حال النداء حينئذ بعض ما تقدم من الوجوه، وقيل أصله الكناية لأنها للغائب وهو سبحانه الغائب عن أن تدركه الأبصار أو تحيط به الأفكار، وأيضاً الهاء يخرج مع الأنفاس فهو المذكور وإن لم تشعر الحواس ومتى انقطع خروجه انقطعت الحياة وحل بالحي الممات فبه وباسمه قوام الأرواح والأبدان واستقامة كل متنفس من الحيوان فزيد عليها لام الملك ثم مدّ بها الصوت تعظيماً ثم ألزم اللام واستأنس لهذا أن الاسم الكريم إذا حذفت منه الهمزة بقي لله { وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } [الفتح: 4] وإذا تركت اللام بقي على صورة له { له ما في السمٰوات الأرض } [النحل: 52] وإن تركت اللام الباقية بقي الهاء المضمومة من هو { لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } [البقرة: 163] والواو زائدة بدليل سقوطها في هما وهم فالأصل هو إذ لا يبقى سواه وأنت إذا أمعنت النظر يظهر لك مناسبات أخر ولهذا مال كثير من الصوفية إلى هذا القول وهو إلى المشرب قريب.

وزعم البلخي أنه ليس بعربـي بل هو عبراني أو سرياني معرب لاها ومعناه ذو القدرة ولا دليل عليه فلا يصار إليه واستعمال اليهود والنصارى لا يقوم دليلاً إذ احتمال توافق اللغات قائم مع أن قولهم تأله وأله يأباه على أن التصرف فيه كما قيل بحذف/ المدة وإدخال أل عليه وجعله بهذه الصفة دليل على أنه لم يكن علماً في غير العربية إذ اشترطوا في منع الصرف للعجمة كون الأعجمي علماً في اللغة الأعجمية والتصرف مضعف لها. فهذا الزعم ساقط عن درجة الاعتبار لا يساعده عقل ولا نقل والذي عليه أكابر المعتبرين كالشافعي ومحمد بن الحسن والأشعري وغالب أصحابه والخطابـي وإمام الحرمين والغزالي والفخر الرازي وأكثر الأصوليين والفقهاء، ونقل عن اختيار الخليل وسيبويه والمازني وابن كيسان أنه عربـي وعلم من أصله لذاتهتعالى المخصوصة أما أنه عربـي فلا يكاد يحتاج إلى برهان وأما أنه علم كذلك فقد استدل عليه بوجوه. الأول أنه يوصف ولا يوصف به وقراءة { صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ * ٱللَّهِ } [إبراهيم: 1-2] بالجر محمولة على البيان وتجويز الزمخشري في سورة (فاطر) كون الاسم الكريم صفة اسم الإشارة من باب قياس العلم على الجوامد في وقوعها صفة لاسم الإشارة على خلاف القياس إذ المنظور فيها رفع الإبهام فقط وقد تفرد به، الثاني: أنه لا بد له من اسم يجري عليه صفاته فإن كل شيء تتوجه إليه الأذهان ويحتاج إلى التعبير عنه قد وضع له اسم توقيفي أو اصطلاحي فكيف يهمل خالق الأشياء ومبدعها ولم يوضع له اسم يجري عليه ما يعزى إليه ولا يصلح له مما يطلق عليه سواه وكونه اسم جنس معرف مما لا يليق لأنه غير خاص وضعاً وكونه علماً منقولاً من الوصفية يستدعي أن لا يكون في الأصل ما تجري عليه الصفات وهو كما ترى الثالث: أنه لو كان وصفاً لم تكن الكلمة توحيداً مثل لا إله إلا الرحمن إذ لا منع من الشركة وكذا لو كان اسم جنس والإجماع منعقد على إفادتها له دون الثاني والسر أنه لو كان صفة كان مدلوله المعنى لا الذات المعينة فلا يمنع من الشركة وإن اختص استعمالاً بذاتهتعالى بخلاف ما إذا كان علماً فإن مدلوله حينئذ الذات المعينة وان تعقل بوجه كلي إذ كليته لا تستلزم كلية المعلوم وقد اعترفوا بعموم الوضع وخصوص الموضوع له وقد انحل بهذا عصام قربة من قال إنه لو كفى في التوحيد الاختصاص في الواقع فلا إله إلا الرحمن أيضاً توحيد وإن لم يكف واقتضى ما يعين بحيث لا تجوز فيه الشركة لم يكن لا إله إلا الله كذلك إذ لا تنحصر ذاتهتعالى لنا على وجه التشخص ولا حاجة إلى ما ذكره من الجواب أخطأ فيه أم أصاب ولا يرد { قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } [الإخلاص: 1] معارضاً فإنه لو دل على التوحيد لم يكن للوصف فائدة لما سيأتي إن شاء اللهتعالى من تفسيره لعدم قبول التعدد بوجه وهو ليس من لوازم العلمية ولا يغير هذه الوجوه المسفرة ما قيل إنها لا تستلزم المدعى إذ الاختلاف إنما وقع بعد تسليم الاختصاص في كونه صفة فيكون كالرحمن أو اسماً فيكون علماً، وهذا القدر يكفي بعد ذلك في المقصود كما لا يخفى على من لم يركب مطية الجحود.

والإمام البيضاوي مع أن له اليد البيضاء في التحقيق لم يتبلج له صبح هذا القول وهو لا يحتاج إلى النظر الدقيق فاختار أنه وصف في أصله لكنه لما غلب عليه بحيث لا يستعمل في غيره وصار له كالعلم مثل الثريا والصعق أجرى مجراه في إجراء الوصف عليه وامتناع الوصف به وعدم تطرق احتمال الشركة إليه لأن ذاته من حيث هو بلا اعتبار أمر آخر حقيقي أو غيره غير معقول للبشر فلا يمكن أن يدل عليه بلفظ ولأنه لو دلّ على مجرد ذاته المخصوص لما أفاد ظاهر قولهتعالى: { وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } [الأنعام: 3] معنى صحيحاً ولأن معنى الاشتقاق كون أحد اللفظين مشاركاً للآخر في المعنى والتركيب وهو حاصل بينه وبين الأصول المذكورة هذا كلامه، وقد أبطل فيه الأدلة الثلاث وحيث لم يلزم من إبطال الدليل إبطال/ المدلول أبطله بوجهين ونظم في سلكهما ثالثاً يدل على الوصفية وفيه أن الوجه الأول: قد اعترضه هو نفسه حيث قال في تعليقاته وفيه نظر إذ يكفي في وضع العلم تعقله بوجه يمتاز به عن غيره من غير أن يعتبر ما به الامتياز في المسمى فيمكن وضع العلم لمجرد الذات المعقولة في ضمن بعض الصفات وقد تقرر في الكلام أنه يمكن أن يخلق اللهتعالى العلم بكنه ذاته في البشر ولأنه إنما يتمشى إذا لم يكن الواضع هو اللهتعالى والتحقيق أن تصوير الموضوع له بوجه ما كاف في وضع العلم وكذا في فهم السامع عند استعماله انتهى، والمرء مؤاخذ بإقراره وهذا اكتفاء بأقل اللازم وإلا فالمحققون قد أبطلوا هذا الدليل بما لا مزيد عليه، وأما الثاني: ففيه إن لم نقل الآية من المتشابه أن العلم قد يلاحظ معه معنى به يصلح لتعلق الظرف كقولك أنت عندي حاتم وقوله:

أسد عليّ وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر

فليلاحظ هنا المعبود بالحق لاشتهاره سبحانه بذلك في ضمن هذا الاسم المقدس على أنه يحتمل التعلق بيعلم في قولهتعالى: { يَعْلَمُ سِرَّكُمْ } [الأنعام: 3] الآية والجملة خبر ثان أو هي الخبر ولفظ الله بدل والظاهر أن قوله ظاهر لهذا.

وأما الثالث: ففيه أن المنكر لاشتقاقه لا يسلم التوافق في المعنى على أنه لا يستلزم الوصفية أيضاً وكون المدعى ظني فيكفي فيه الحدس من مثل ذلك لا يجدي نفعاً إذ لنا أن نقول مثله والمنشأ أتم والظن أقوى والوجوه التي ذكرت في الإبطال ترهقها ذلة لأنها كلها متوجهة تلقاء الغلبة وهي إن لم تكن تحقيقية ضعيفة بل تقديرية قوية لكنها على كل حال دون العلمية الأصلية قوة وشرفاً فالعدول عن الأشرف في هذا الاسم الأقدس مما لا أسوغ الإقدام عليه ودون إثبات الداعي نفي الرقاد وخرط القتاد. وقد رأيت بعض ذلك فالذي أرتضيه لا عن تقليد أن هذا الاسم الأعظم موضوع للذات الجامعة لسائر الصفات وإلى ذلك يشير كلام ساداتنا النقشبندية بلغنا اللهتعالى ببركاتهم كل أمنية في الوقوف القلبـي وهو أن يلاحظ الذاكر في قلبه كلما كرر سكر هذا الاسم الأقدس ذاتياً بلا مثل، وحققه الشيخ الأكبر قدس سره في مواضع عديدة من كتبه.

هذا وتفخيم اللام من هذا الاسم الكريم إذا انفتح ما قبله أو انضم طريقة معروفة عند القراء وقيل مطلقاً، وحذف ألفه لغة حكاها ابن الصلاح، وفي «التيسير» إنها لغة ثابتة في الوقف دون الوصل والأفصح الإثبات حتى قال بعضهم: إن الحذف لحن تفسد به الصلاة ولا ينعقد به صريح اليمين ولا يرتكب إلا في الضرورة كقوله:

ألا لا بارك الله في سهيل إذا ما بارك الله في الرجال

وقد أطال الشيخ قدس سره الكلام في «الفتوحات» عن أسرار حروفه وأتى بالعجب العجاب، وفي ظهور الألف تارة وخفائها أخرى وسكون اللام أولاً وتحركها ثانياً والختم باطناً بما به البدء ظاهراً واشتمال الكلمة على متحرك وساكن وصالح لأن يظهر بأحد الأمرين إشارات لا تخفى على العارفين فارجع إلى كتبهم فهم أعرف باللهتعالى منا، وسبحان من احتجب بنور العظمة حتى تحيرت الأفهام في اللفظ الدال عليه إذ انعكست له من تلك الأنوار أشعة بهرت أعين المستبصرين فلم يستطيعوا أن يمعنوا النظر فيه وإليه والقصور في القابل لا في الفاعل:

توهمت قدماً أن ليلى تبرقعت وأن حجابـــا دونهـــا يمنـــع اللثمـــا
فلاحت فلا والله ما ثم حاجب سوى أن طرفي كان عن حسنها أعمى

و{ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } المشهور أنهما صفتان مشبهتان بنيتا لإفادة المبالغة وأنهما من رحم مكسور العين نقل إلى رحم/ مضمومها بعد جعله لازماً وهذا مطرد في باب المدح والذم وأن الرحمة في اللغة رقة القلب ولكونها من الكيفيات التابعة للمزاج المستحيل عليه سبحانه تؤخذ باعتبار غايتها إما على طريقة المجاز المرسل بذكر لفظ السبب وإرادة المسبب وإما على طريقة التمثيل بأن شبه حالهتعالى بالقياس إلى المرحومين في إيصال الخير إليهم بحال الملك إذا رق لهم فأصابهم بمعروفه وإنعامه فاستعمل الكلام الموضوع للهيئة الثانية في الأولى من غير أن يتمحل في شيء من مفرداته وإما على طريقة الاستعارة المصرحة بأن يشبه الإحسان على ما اختاره القاضي أبو بكر أو إرادته على ما اختاره الأشعري بالرحمة بجامع ترتب الانتفاع على كل ويستعار له الرحمة ويشتق منها الرحمن الرحيم على حد ـ الحال ناطقة بكذا ـ وإما على طريقة الاستعارة المكنية التخييلية بأن يشبه معنى الضمير فيهما العائد إليهتعالى بملك رق قلبه على رعيته تشبيهاً مضمراً في النفس ويحذف المشبه به ويثبت له شيء من لوازمه وهو الرحمة، وقيل الرحمة في ذلك حقيقة شرعية وأن الرحمن أبلغ من الرحيم لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى فتؤخذ تارة باعتبار الكمية وأخرى باعتبار الكيفية فعلى الأول قيل يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكفار ورحيم الآخرة لأنه يخص المؤمن وعلى الثاني قيل يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا لأن النعم الأخروية كلها جسام وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة وأنه إنما قدم الرحمن والقياس يقتضي الترقي لتقدم رحمة الدنيا ولأنه صار كالعلم من حيث إنه لا يوصف به غيره لأن معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها وذلك لا يصدق على غيره، وقول بني حنيفة في مسيلمة رحمن اليمامة وقول شاعرهم فيه:

سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا

غلو في الكفر أو التقديم لأن الرحمن لما دل على جلائل النعم وأصولها ذكر الرحيم ليتناول ما خرج منها فيكون كالتتمة والرديف له أو للمحافظة على رؤوس الآي.

هذا وجميعه لا يخلو عن مقال ولا يسلم من رشق نبال أما أولا فلأن الصفة المشبهة لا تبنى إلا من لازم ولذا قال في «التسهيل»: إن ربا وملكاً ورحماناً ليست منها لتعدي أفعالها ولم يقل أحد بنقل ما تعدى منها لفعل المضموم العين والمسطور في المتون المعول عليها أن فعل المفتوح والمكسور إذا قصد به التعجب يحول إلى فعل المضموم كقضوا الرجل بمعنى ما أقضاه وحينئذ فيه اختلاف هل يعطى حكم نعم أو فعل التعجب كما فصلوه ثمة وإلحاقهم له بنعم كالصريح في عدم تصرفه وأنه لا يؤخذ منه صفة أصلاً وكون رفيع الدرجات بمعنى رفيع درجاته لا رافع الدرجات لا يجدي نفعاً وإنما فسروه بما ذكر لأن المراد درجات عزه وجبروته ليناسب المراد من قوله: { ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } [غافر: 15] وهي بسطة ملكه وسعة ملكوته وتلك الدرجات ليست مرفوعة بفعل. ونقل ذلك عن الزمخشري في «الفائق» بعد تسليم أنه مذكور فيه معارض بما صرح به هو في غيره «كالمفصل» على أن قولهم رحمن الدنيا ورحيم الآخرة بالإضافة إلى المفعول كما نص عليه دون الفاعل يقتضي عدم اللزوم وأنهما ليسا بصفة مشبهة فالأصح أنهما من أبنية المبالغة الملحقة باسم الفاعل وأخداً من فعل متعد وذلك في الرحيم ظاهر وقد نص عليه سيبويه في قولهم رحيم فلاناً وكذا الزجاج والصيغة تساعده وللاشتباه،/ في الرحمن وعدم ذكر النحاة له في أبنية المبالغة قال الأعلم وابن مالك: أنه علم في الأصل لا صفة ولا علم بالغلبة التقديرية التي ادعاها الجل من العلماء.

وأما ثانياً: فلأن نقل فعل المكسور إلى فعل المضموم لا يتوقف على جعله لازماً أولاً لأنه بمجرد النقل يصير كذلك وتحصيل المناسبة بين المنقول والمنقول إليه باللزوم لعدم الاكتفاء فيها بمطلق الفعلية مما لا يحفى ما فيه. وأما ثالثاً: فلأن كون الرحمة في اللغة رقة القلب إنما هو فينا وهذا لا يستلزم ارتكاب التجوز عند إثباتها للهتعالى لأنها حينئذ صفة لائقة بكمال ذاته كسائر صفاته ومعاذ اللهتعالى أن تقاس بصفات المخلوقين وأين التراب من رب الأرباب. ولو أوجب كون الرحمة فينا رقة القلب ارتكاب المجاز في الرحمة الثابتة لهتعالى لاستحالة اتصافه بما نتصف به فليوجب كون الحياة والعلم والإرادة والقدرة والكلام والسمع والبصر ما نعلمه منها فينا ارتكاب المجاز أيضاً فيها إذا أثبتت للهتعالى وما سمعنا أحداً قال بذلك وما ندري ما الفرق بين هذه وتلك وكلها بمعانيها القائمة فينا يستحيل وصف اللهتعالى بها فأما أن يقال بارتكاب المجاز فيها كلها إذا نسبت إليه عز شأنه أو بتركه كذلك وإثباتها له حقيقة بالمعنى اللائق بشأنهتعالى شأنه. والجهل بحقيقة تلك الحقيقة كالجهل بحقيقة ذاته مما لا يعود منه نقص إليه سبحانه بل ذلك من عزة كماله وكمال عزته والعجز عن درك الإدراك إدراك فالقول بالمجاز في بعض والحقيقة في آخر لا أراه في الحقيقة إلا تحكماً بحتاً بل قد نطق الإمام السكوني في كتابه «التمييز لما للزمخشري من الاعتزال في تفسير كتاب الله العزيز» بأن جعل الرحمة مجازاً نزغة اعتزالية قد حفظ اللهتعالى منها سلف المسلمين وأئمة الدين فإنهم أقروا ما ورد على ما ورد وأثبتوا للهتعالى ما أثبته له نبيه صلى الله عليه وسلم من غير تصرف فيه بكناية أو مجاز وقالوا لسنا أغير على الله من رسوله لكنهم نزهوا مولاهم عن مشابهة المحدثات، ثم فوضوا إليه سبحانه تعيين ما أراده هو أو نبيه من الصفات المتشابهات.

والأشعري إمام أهل السنة ذهب في النهاية إلى ما ذهبوا إليه. وعول في «الإبانة» على ما عولوا عليه فقد قال في أول كتاب «الإبانة» الذي هو آخر مصنفاته: ((أما بعد فإن كثيراً من الزائغين عن الحق من المعتزلة وأهل القدر مالت بهم أهواؤهم إلى التقليد لرؤسائهم ومن مضي من أسلافهم فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلاً لم ينزل الله به سلطاناً ولا أوضح به برهاناً ولا نقلوه عن رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم ولا عن السلف المتقدمين ـ وساق الكلام إلى أن قال ـ فإن قال لنا قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون قيل له قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون ولمن خالف قوله مجانبون لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان اللهتعالى به الحق (عند ظهور الضلال) وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم وكبير معظم مفخم)) وعلى جميع أئمة المسلمين ثم سرد الكلام في بيان عقيدته مصرحاً بإجراء ما ورد من الصفات على حالها بلا كيف غير متعرض لتأويل ولا ملتفت إلى قال وقيل. فما نقل عنه من تأويل صفة الرحمة إما غير ثابت أو مرجوع عنه والأعمال بالخواتيم. وكذا يقال في حق غيره من القائلين به من أهل السنة على أنه إذا سلم/ الرأس كفى ومن ادعى ورود ذلك عن سلف المسلمين فليأت ببرهان مبين فما كل من قال يسمع ولا كل من ترأس يتبع:

أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائهم

والعجب من علماء أعلام، ومحققين فخام كيف غفلوا عما قلناه، وناموا عما حققناه ولا أظنك في مرية منه وإن قلّ ناقلوه وكثر منكروه: و { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ } [البقرة: 249].

وأما رابعاً فلأن إجراء الاستعارة التمثيلية هنا مع أنه تكلف لا سيما على مذهب السيد السند قدس سره فيه ظاهراً نوع من سوء الأدب إذ لا يقال إن للهتعالى هيئة شبيهة بهيئة الملك ولم يرد إطلاق الحال عليه سبحانه وتعالى فهل هذا إلا تصرف في حق اللهتعالى بما لم يأذن به الله، ومثل هذا أيضاً مكني في المكنية وبلاغة القرآن غنية عن تكلف مثل ذلك؛ وأما خامساً فلأن وجه تشبيه الإحسان في احتمال الاستعارة المصرحة بالرحمة التي هي رقة القلب غير صريح لأنه لا ينتفع بها نفسها وإنما الانتفاع بآثارها وكم من رق قلبه على شخص حتى أرق له لم ينفعه بشيء ولا أعانه بحي ولا ليّ.

أهمّ بأمر الحزم لا أستطيعه وقد حيل بين العير والنزوان

ولا كذلك الانتفاع بالإحسان وأما الإرادة فهي إن قلنا بصحة إرادتها هنا لا تصح في وجه المجاز المرسل بالنظر إليهتعالى بل إنك إذا تأملت وأنصفت وجدت الرحمة إن تسببت الإحسان أو أرادته فإنما تسببه إذا كانت هي وهو صفتين لنا ومجرد السببية والمسببية في هذه الحالة لا يوجب كون الرحمة المنسوبة إليه عز شأنه مجازاً مرسلاً عن أحد الأمرين وبفرض وجود الرحمة بذلك المعنى فيهتعالى كيفما كان الفرض لانجزم بالسببية والمسببية أيضاً وقياس الغائب على الشاهد مما لا ينبغي والفرق مثل الصبح ظاهر والذهن مقيد عن دعوى الإطلاق لما لا يخفى عليك فتأمل في هذا المقام فقد غفل عنه أقوام بعد أقوام.

وأما سادساً فلأن كون الرحمن أبلغ من الرحيم غير مسلم وإن قال الراغب: إن فعيلاً لمن كثر منه الفعل وفعلان لمن كثر منه وتكرر حتى قيل الرحيم أبلغ لتأخره، وقول ابن المبارك الرحمن إذا سئل أعطى والرحيم إذا لم يسئل غضب وقيل هما سواء لظاهر الحديث الذي أخرجه الحاكم في «المستدرك» مرفوعاً "رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما" وإليه ذهب الجويني وقرره بأن فعلان لمن تكرر منه الفعل وكثر وفعيل لمن ثبت منه الفعل ودام وفرق بعضهم بينهما بأن الرحمن دال على الصفة القائمة بهتعالى والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم فكان الأول للوصف والثاني للصفة فالأول دال على أن الرحمة صفته والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته وإذا أردت فهم ذلك فتأمل قولهتعالى: { وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً } [الأحزاب: 43] { إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَّحِيمٌ } [التوبه: 117] ولم يجىء قط رحمن فإنه يستشعر منه إن رحمن هو الموصوف بالرحمة ورحيم هو الراحم برحمته وما ذكر من قولهم لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى قاعدة أغلبية أسسها ابن جني فلعلها لا تثبت مع بسم الله الرحمن الرحيم وقد نقضت بحذر فإنه أبلغ من حاذر مع زيادة حروفه، فإن أجيب بأنها أكثرية فيأمر حباً بالوفاق وإن أجيب بأن ما ذكر لا ينافي أن يقع في البناء إلا نقص زيادة معنى بسبب آخر كالإلحاق بالأمور الجبلية مثل شره ونهم فجاز أن حاذراً أبلغ من حذر لدلالته على زيادة الحذر وإن لم يدل على ثبوته ولزومه فهو على ما فيه لا يصفو عن كدر لأنهم صرحوا بأنه قد كثر استعمال فعيل في الغرائز كشريف وكريم وفعلان في غيرها كغضبان وسكران فيقتضي أنه أبلغ ولو من وجه أو لا فسواء وإن أجيب بأن القاعدة فيما إذا كان اللفظان المتلاقيان في الاشتقاق متحدي النوع في المعنى كغرث وغرثان وصد وصديان ورحيم ورحمن لا كحذر وحاذر للاختلاف فإن أحدهما اسم فاعل والآخر صفة مشبهة فيقال قد صرح ابن الحاجب بأنه من أبنية المبالغة المعدودة من اسم الفاعل فهما متحدان نوعاً أيضاً فيحصل الانتقاض ألبتة ثم إنهم استشكلوا الأبلغية/ بأن أصل المبالغة مما لا يمكن هنا لأنها عبارة عن أن تثبت للشيء أكثر مما له وذلك فيما يقبل الزيادة والنقص، وصفاتهتعالى منزهة عن ذلك لاستلزامه التغير المستلزم للحدوث، وأجيب بأن المراد الأكثرية في التعلقات والمتعلقات لا في الصفة نفسها وهذا إذا كانت صفة ذات وإن كانت صفة فعل فلا إشكال على ما ذهب إليه الأشاعرة من القول بحدوثها. وأما على ما ذهب إليه ساداتنا الماتريدية القائلون بقدوم صفة التكوين فيجاب بما أجيب به عن الأول.

وأما سابعاً فلأن قولهم فعلى الأول قيل يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر ورحيم الآخرة لأنه يخص المؤمن إن أرادوا به أن أبلغية الرحمن هٰهنا باعتبار كثرة أفراد الرحمة في الدنيا لوجودها في المؤمن والكافر فلا يستقيم عليه، ورحيم الآخرة إذ النعم الأخروية غير متناهية وإن خصت المؤمن، وإن أرادوا أنها باعتبار كثرة أفراد المرحومين فلا يخفى أن كثرة أفرادهم إنما تؤثر في الأبلغية باعتبار اقتضائها كثرة أفراد الرحمة في الدنيا أيضاً ومعلوم أن أفراد الرحمة في الآخرة أكثر منها بكثير بل لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً فهذا الوجه مخدوش على الحالين على أن في اختصاص رحمة الآخرة بالمؤمنين مقالاً إذ قد ورد في الصحيح شفاعته صلى الله عليه وسلم لعامة الناس من هول الموقف: { عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } [الإسراء: 79] وروي تخفيف العذاب عن بعض الأشقياء في الآخرة وكون الكفار في الأول تبعاً غير مقصودين كيف وهم بعد الموقف يلاقون ما هو أشد منه فليس ذلك رحمة في حقهم والتخفيف في الثاني على تقدير تحققه نزول من مرتبة من مراتب الغضب إلى مرتبة دونها فليس رحمة من كل الوجوه ليس بشيء أما أولاً فلأن القصد تبعاً وأصالة لا مدخل له وحبذا الولد من أين جاء، وأما ثانياً فلأن ملاقاتهم بعد لما هو أشد فلا يكون ذلك رحمة في حقهم يستدعي أن لا رحمة من اللهتعالى لكافر في الدنيا كما قد قيل به لقولهتعالى: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } [آل عمران: 178] وقولهتعالى: { وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا } [التوبة: 85] فيبطل حينئذ دعوى شمول الرحمة المؤمن والكافر في الدنيا إذ لا فرق بين ما يكون للكافر في الدنيا مما يتراءى أنه رحمة وما يكون له في الآخرة فوراء كل عذاب شديد، وأما ثالثاً فلأن كون التخفيف ليس برحمة من كل الوجوه لا يضر وكل أهل النار يتمنى التخفيف: { وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفّفْ عَنَّا يَوْماً مّنَ ٱلْعَذَابِ } [غافر: 49] وحنانيك بعض الشر أهون من بعض.

وأما ثامناً فلأن قولهم وعلى الثاني قيل يا رحمن الدنيا والآخرة الخ فيه بعض شيء وهو أنه يصح أن يكون بالاعتبار الأول لأن نعم الدنيا والآخرة تزيد على نعم الآخرة نعم يجاب عنه بأنه يلزم حينئذ أن يكون ذكر رحيم الدنيا لغواً ولا يلزم ذلك على اعتبار الكيفية إذ المراد يا مولياً لجسام النعم في الدارين ولما دونها في الدنيا. وأيضاً مقصود القائل التوسل بكلا الاسمين المشتقين من الرحمة في مقام طلبها مشيراً إلى عموم الأول وخصوص الثاني ويحصل في ضمنه الاهتمام برحمته الدنيوية الواصلة إليه الباعثة لمزيد شكره إلا أنه يرد عليه كسابقه أن الأثر لا يعرف والمعروف المرفوع: «رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما» وكفاية كونه من كلام السلف ليس بشيء كما لا يخفى.

وأما تاسعاً فلأن السؤال عن تقديم الرحمن معترض بمقبول ومردود، وذكر ابن هشام أنه غير متجه لأن هذا خارج عن كلام العرب إذ لم يستعمل صفة ولا مجرداً من أل فهو بدل لا نعت والرحيم نعت له لا نعت لاسم الله سبحانه إذ لا يتقدم البدل على النعت ومما يوضح لك أن الرحمن غير صفة مجيئه كثيراً غير تابع نحو: { ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } [طه: 5] { ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءانَ } [الرحمن: 1-2] { قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ } [الإسراء: 110] { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ } [الفرقان: 60] وقال ابن خروف هو صفة غالبة ولم يقع تابعاً إلا للهتعالى/ في البسملة والحمدلة ولذا حكم عليه بغلبة الاسمية وقل استعماله منكراً ومضافاً فوجب كونه بدلاً لا صفة لكون لفظة الله أعرف المعارف، وقال غير واحد: إنهما ما ذكرا لإفادة الشمول والعموم كما تقول الكبير والصغير يعرفه ولو عكست صح وكان المعنى بحاله ومثله لا يلزم فيه الترتيب كما فصل في «المثل السائر». وللعلماء في هذا الترتيب كلام كثير وداعى العلامة المدقق في «الكشف» أن التحقيق يقتضي أن يرد النظم على هذا الوجه ولا يجوز غيره لأن الله اسم للذات الإلهية باعتبار أن الكل منه وإليه وجوداً ورتبة وماهية والرحمن اسم له باعتبار إفاضة الرحمة العامة أعني الوجود على الممكنات والرحيم اسم له باعتبار تخصيص كل ممكن بحصة من الرحمة وهي الوجود الخاص وما يتبعه من وجود كمالاته فلو لم يورد كذلك لم يكن على النهج الواقع المحقق ذوقاً وشهوداً عقلاً ووجوداً، وأيضاً لما كان المقصود تعليم وجه التيمن بأسمائه الحسنى وتقديمها عند كل ملمّ كان المناسب أن يبدأ من الأعلى فالأعلى إرشاداً لمن يقتصر على واحد أن يقتصر على الأولى فالأولى وتقريراً في ذهن السامع لوجه التنزل أولاً فأولاً انتهى، ويؤيد بعضه بعض ما أسلفناه من الآثار والبعض الآخر في القلب منه شيء لأن تخصيص الرحمن بالوجود العام والرحيم بالكمالات تحكم غير مرضي وربما ينافي المأثور على أنه لا معنى لإفاضة الوجود على الكل إلا تخصيص كل ممكن بحصة منه وهل يوجد في الخارج من النوع إلا الحصص الإفرادية فتخصيص الإفاضة بالرحمن والتخصيص بالرحيم على ما يلوح بمعزل عن التحقيق والعجب ممن فاته ذلك.

وأما عاشراً فلأن ما ذكروه في الجواب عن قول بني حنيفة بأنه غلو في الكفر فيكون الإطلاق غير صحيح لغة وشرعاً فيه أنه إذا كان إطلاقه عليهتعالى شأنه مجازاً كما زعموا وبالغلبة فكيف يقال إن استعماله في حقيقته وأصل معناه خطأ لغة. وقد ذهب السبكي إلى أن المخصوص بهتعالى هو المعرف دون المنكر والمضاف لوروده لغيره ورد به على القول بأنه مجاز لا حقيقة له وأن صحة المجاز إنما تقتضي الوضع للحقيقة لا الاستعمال نعم هو في لسان الشرع يمنع إطلاقه على غيره مطلقاً وإن جاز لغة كالصلاة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبذلك صرح العز بن عبد السلام. وقيل إن رحماناً في البيت مصدر لا صفة مشبهة والمراد لا زلت ذا رحمة وفيه ما لا يخفى وأفهم كلامه أن الرحيم يوصف به غيرهتعالى وهو المعروف لكن أخرج ابن أبـي حاتم عن الحسن البصري أنه قال: الرحيم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه ولعل مراده المعرف دون المنكر والمضاف فافهم.

وأما الحادي عشر فلأن المحافظ على رؤوس الآي إنما تحسن ـ كما قال الزمخشري ـ بعد إيقاع المعاني على النهج الذي يقتضيه حسن النظم والتئامه فأما أن تهمل المعاني ويهتم للتحسين وحده فليس من قبيل البلاغة.

وقال الشيخ عبد القاهر: أصل الحسن في جميع المحسنات اللفظية أن تكون الألفاظ تابعة للمعاني فمجرد المحافظة على الرؤوس لا يصير نكتة للتقديم إلا بعد أن يثبت أن المعاني إذا أرسلت على سجيتها كانت تقتضي التقديم على أن المحافظة لا تجري في كل سورة بل فيها ما يقتضي خلاف هذا كسورة الرحمن، وأيضاً هو مبني على أن الفاتحة أول نازل فروعي فيها ذلك ثم اطرد في غيرها وعلى أن البسملة آية من السورة ودون ذلك سور من حديد، وعندي من باب الإشارة أن تأخير الرحيم لأنه صفة محمد صلى الله عليه وسلم قالتعالى: { بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ } [التوبة: 128] وبه عليه السلام كمال الوجود وبالرحيم تمت البسملة وبتمامها تم العالم خلقاً وإبداعاً وكان/ صلى الله عليه وسلم مبتدأ وجود العالم عقلاً ونفساً فبه بدء الوجود باطناً وبه ختم المقام ظاهراً في عالم التخطيط فقال "لا رسول بعدي" فالرحيم هو نبينا عليه الصلاة والسلام وبسم الله هو أبونا آدم عليه السلام وأعني في مقام ابتداء الأمر ونهايته وذلك أن آدم عليه السلام حامل الأسماء قالتعالى: { وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلاسْمَاء كُلَّهَا } [البقرة: 31] ومحمد صلى الله عليه وسلم حامل معاني تلك الأسماء التي حملها آدم عليه السلام:

لك ذات العلوم من عالم الغيـ ـب ومنها لآدم الأسماء

وهي الكلم قال صلى الله عليه وسلم: "أوتيت جوامع الكلم" ومن أُثني على نفسه أمكن وأتم ممن أُثنى عليه كيحيـى وعيسى عليهما السلام ومن حصل له الذات فالأسماء تحت حكمه وليس كل من حصل إسماً يكون المسمى محصلاً عنده ولهذا فضلت الصحابة علينا رضوان اللهتعالى عليهم فإنهم حصلوا الذات وحصلنا الأسماء، ولما راعينا الاسم مراعاتهم الذات ضوعف لنا الأجر فللعامل منا أجر خمسين ممن يعمل بعمل الصحابة لا من أعيانهم بل من أمثالهم والحسرة الغيبة التي لم تكن لهم فكان تضعيف على تضعيف فنحن الأخوان وهم الأصحاب وهو صلى الله عليه وسلم إلينا بالأشواق وما أفرحه بلقاء واحد منا وكيف لا يفرح وقد ورد عليه من كان بالأشواق إليه، وأيضاً وجدنا بين الله والرحمن من المناسبة ما ليس بينه وبين الرحيم فلهذا قدم الرحمن على الرحيم بيان ذلك أما أولاً فلاقتران الرحمن بالجلالة في قولهتعالى: { قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلاْسْمَاءُ ٱلْحُسْنَىٰ } [الإسراء: 110] وقد يشعر هذا الاقتران بجعلهما للذات ولذلك اختار من اختار البدل على النعت وجعلوه إشارة إلى مقام الجمع المرموز إليه بما صح عند القوم من طريق الكشف أن اللهتعالى خلق آدم على صورته والرحيم ليس كذلك، وأما ثانياً فلأن في الله وفي الرحمن ألفين ألف الذات وألف العلم والأولى في كل خفية والثانية ظاهرة وإنما خفيت الأولى في الأول لرفع الالتباس في الخط بين الله والإله وفي الثاني على ما عليه أهل الله في رسمه وهو أحد الرسمين عند أهل الرسوم لدلالة الصفات عليهما دلالة ضرورية من حيث قيام الصفة بالموصوف فخفيت الذات وتجلت للعالم الصفات فلم يعرفوا من الإله غيرها والجهل هنا كمال وذلك حقيقة العبودية:

زدني بفرط الحب فيك تحيرا وارحم حشا بلظى هواك تسعرا

فالرحمن مشير إلى الذات وسائر الصفات فالألف الظاهرة واللام والراء إشارة إلى العلم والإرادة والقدرة والحاء والميم والنون إشارة إلى الكلام والسمع والبصر، وشرط هذه الصفات الحياة ولا يتحقق المشروط بدون الشرط فظهرت الصفات السبع بأسرها وخفيت الذات كما ترى وادعى بعض العارفين أن الألف الخفية هنا ظهرت من حيث الجزئية من هذا اللفظ في الشيطان بناء على أخذه من شطن وزيادة الألف فيه للإشارة إلى عموم الرحمة: { ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } [طه: 5] فللشيطان أيضاً حصة منها ومنها وجوده وبقى سر لا يمكن كشفه ولا كذلك الرحيم إذ ليس فيه إلا ألف العلم ولما كان هذا الاسم مشيراً إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم باعتبار رتبته ظهرت فيه لكونه المرسل إلى الناس كافة فطلب التأييد فأعطيها فظهر بها، وأما ثالثاً فقد طال النزاع في تحقيق لفظ الرحمن كما طال في تحقيق لفظ الله حتى توهم أنه ليس بعربـي لنفور العرب منه فإنهم لما قيل لهم { ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } [النحل: 36] لم يقولوا وما الله ولما قيل لهم { ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قالوا وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ } [الفرقان: 60] ولعل سبب ذلك توهمهم التعدد وأنهم خافوا أن يكون المعبود الذي يدلهم عليهم من جنسهم فأنكروه لذلك لا لأنه ليس بعربـي، واختلف أيضاً في الصرف وعدمه قال ابن الحاجب: النون والألف إذا كانا في اسم/ فشرطه العلمية وفي صفة فانتفاء فعلانة وقيل وجود فعلي، ومن ثمة اختلف في رحمن دون سكران وندمان وبنو أسد يصرفون جميع فعلان لأنهم يقولون في كل مؤنث له فعلانة اهـ وقال في «التسهيل»: واختلف فيما لزم تذكيره كلحيان بمعنى كبير اللحية فمن منعه ألحقه بباب سكران لأنه أكثر ومن حذفه رأى أنه ضعف داعي منعه والأصل الصرف، واختار الزمخشري والشيخ الرضى وابن مالك واستظهره البيضاوي عدم الصرف إلحاقاً له بما هو أغلب في بابه لأن الغالب في فعلان صفة فعلى حتى ذكر الإمام السيوطي أن ما مؤنثه فعلانة لم يجىء إلا أربعة عشر لفظاً بل إن فعلان صفة من فعل بالكسر لم يجىء منه ما مؤنثه فعلانة أصلاً إلا ما رواه المرزوقي من خشيان وخشيانة وإنما اقتضى الإلحاق أظهرية ذلك مع أن كون الأصل في الاسم الصرف يقتضي خلافه لأن رعاية ما هو الغالب في النوع أولى من رعاية الأصل، والحشر مع الجماعة عيد. ولما رأى السعد أن هذه المسألة مما تعارض فيها الأصل والغالب ولم يترجح عنده أحدهما مال إلى جواز الصرف وعدمه عملاً بالأمرين والإعمال في الجملة أولى من الإهمال بالكلية وحيث لم يسمع هذا الاسم إلا مضافاً أو معرفاً بأل أو منادى وما ورد شاذاً كما في البيت لا يصلح شاهداً لأحد الأمرين لاحتمال أن يكون ممنوعاً وألفه للإطلاق عدلوا إلى الاستدلال واتسعت دائرة المقال والرحيم سليم من هذا فافهم ذاك والله يتولى هداك.

وإنما جعل الله البسملة مبدأ كلامه لوجهين، أما الأول فلأنها إجمال ما بعدها وهي آية عظيمة ونعمة للعارف جسيمة لا نهاية لفوائدها ولا غاية لقيمة فرائدها والباحث عنها مع قصرها إذا أراد ذرة من علمها ودرة من عيلمها احتاج إلى باع طويل في العلوم واطلاع عريض في المنطوق والمفهوم، مثلاً إذا أراد أن يبحث عن الباء من حيث إنها حرف جر بل عن سائر كلماتها من حيث الإعراب والبناء احتاج إلى علم النحو وإذا أراد أن يبحث عن أصول كلماتها كيف كانت وكيف آلت احتاج إلى علمي الصرف والاشتقاق وإن أراد أن يبحث عن نحو القصر بأقسامه وهل يوجد فيها شيء منه احتاج إلى علم المعاني وإن أراد أن يبحث عما فيها من الحقيقة والمجاز احتاج إلى علم البيان وإن أراد أن يبحث عما بين كلماتها من المحسنات اللفظية احتاج إلى علم البديع وإن أراد أن يبحث عنها من حيث إنها شعر أو نثر موزون أو غير موزون مثلاً احتاج إلى علمي العروض والقوافي وإن أراد أن يعرف مدلولات الألفاظ لغة احتاج إلى مراجعة اللغة وإن أراد أن يعرف من أي الأقسام وضع هاتيك الألفاظ احتاج إلى علم الوضع وإن أراد معرفة ما في رسمها احتاج إلى علم الخط وإن أراد البحث عن كونها قضية ومن أي قسم من أقسامها أو غير قضية احتاج إلى علم المنطق وإن أراد أن يعرف أن كنه ما فيها من الأسماء هل يعلم أو لا احتاج إلى علم الكلام وإن أراد معرفة حكم الابتداء بها وهل يختلف باختلاف المبدوء به احتاج إلى علم الفقه وإن أراد معرفة أن ما فيها ظاهر أو نص مثلاً احتاج إلى علم الأصول وإن أراد معرفة تواترها احتاج إلى علم المصطلح وإن أراد معرفة أنها من أي مقولة من الأعراض احتاج إلى علم الحكمة وإن أراد معرفة طبائع حروفها احتاج إلى علم الحرف وإن أراد معرفة أنواع الرحمة المشار إليها بها احتاج إلى علم الأفلاك وعلم تشريح الأعضاء وخواص الأشياء وعلم المساحة وغير ذلك وإن أراد معرفة ما يمكن التخلق به مما تدل عليه الأسماء احتاج إلى علم الأخلاق وإن أراد معرفة ما خفي على أرباب الرسوم من الإشارات فليضرع إلى ربه وإن أراد أن يقف على جميع ما فيها من الأسرار فليعد غير المتناهي وكيف يطمع في ذلك وهي عنوان كلام اللهتعالى المجيد وخال وجنة القرآن الذي لا يأتيه الباطل/ من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد:

وعلى تفنن واصفيه بوصفه يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف

وإن أردت أن تمتحن ذهنك في بعض أسرارها فتأمل سر افتتاحها واختتامها بحرفين شفويين ومع كل ألف صورية متصلة بأول الأول وآخر الآخر وتحت الأول دائرة غيبية ظهرت في صورة الثاني وسر ما وقع فيها من أنواع التثليث أما أولاً ففي مخارج الحروف فإنها ثلاثة الشفة واللسان والحلق في الباء واللام والهاء. وأما ثانياً ففي المحذوف من حروفها فإنها ثلاثة أيضاً ألف الاسم وألف الله وألف الرحمن. وأما ثالثاً ففي المنطوق منها والمرسوم فإنه ثلاثة أنواع أيضاً منطوق به مرسوم كالباء ومنطوق به غير مرسوم كألف الرحمن ومرسوم غير منطوق به كاللام منه مثلاً، وأما رابعاً ففي المتحرك والساكن، فمتحرك لا يسكن كالباء وساكن لا يتحرك كالألف، وقابل لهما كميم الرحيم وقفاً ووصلاً، وأما خامساً ففي أنواع كلماتها الملفوظة والمقدرة فهي على رأي اسم وفعل وحرف، وأما سادساً ففي أنواع الجر الذي فيها فهو جر بحرف وبإضافة وبتبعية على المشهور، وأما سابعاً ففي الأسماء الحسنى التي دبجتها فهي الله والرحمن والرحيم، وأما ثامناً ففي العاملية والمعمولية فكلمة عاملة غير معمولة ومعمولة غير عاملة وعاملة معمولة، وأما تاسعاً ففي الاتصال والانفصال فمتصل بما بعده فقط وبما قبله فقط وبما بعده وقبله، وفي كل واحد من هذه الثلاثيات أسرار تحير الأفكار وتبهر أولي الأبصار وانظر لم اشتملت حروفها على الطبائع الأربع وتقدم في الظهور الهواء ولم كانت تسعة عشر، ولم أعتنق اللام الألف واتصلت الميم باللام والهاء بالراء والنون بها نطقاً لا خطاً ولم فتح ما قبل الألف حتى لم يتغير في موضع أصلاً؟ وتفكر في سر تربيع الألفاظ وسكون السين وتحرك الميم ونقطتي الياء ونقطة النون والباء، والأمر وراء ما يظنه أرباب الرسوم ونهاية ما ذكروه البحث عن المدلولات وتوسيع دائرة المقال بإبداء الاحتمالات، وقد صرح السرميني بإبداء خمسة آلاف وثلثمائة ألف وأحد وتسعين ألفاً وثلثمائة وستين احتمالاً وزدت عليه من فضل اللهتعالى حين سئلت عن ذلك بما يقرب أن يكون بمقدار ضرب هذا العدد بنفسه والدائرة أوسع إلا أن الواقع البعض، ولقد خلوت ليلة بليلي هذه الكلمة وأوقدت مصباح ذلي في مشكاة حضرتها المكرمة وفرشت لها سري وضممتها سحراً إلى سحري ونحري:

فكان ما كان مما لست أذكره فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر

وأما الوجه الثاني: فلتعليم العباد إذا بدءوا بأمر كيف يبدءون به ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو هريرة وأخرجه الحافظ عبد القادر الرهاوي: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر" والبال الحال والشأن فمعنى ذي بال شريف يحتفل به ويهتم كأنه شغل القلب وملكه حتى صار صاحبه، وقيل شبه الأمر العظيم بذي قلب على سبيل الاستعارة المكنية والتخييلية، وفي هذا الوصف فائدتان إحداهما رعاية تعظيم اسم اللهتعالى لأن يبتدىء به في الأمور المعتد بها. والأخرى التيسير على الناس في محقرات الأمور كذا قالوه، وعندي أن الأظهر جعل الوصف للتعميم كما في قولهتعالى: { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [الأنعام: 38] أي كل أمر يخطر بالبال جليلاً كان أو حقيراً لا يبدأ به الخ. وفي هذا غاية الإظهار لعظمة اللهتعالى وحث على التبري عن الحول والقوة إلا بالله وإشارة إلى أن قدر العباد غير مستقلة في الأفعال فحمل تبنة كحمل جبل إن لم يعن الله الملك المتعال وقد أمر سبحانه وتعالى بالإكثار من ذكره فقالتعالى: { فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } [البقرة: 200] وحيث لم يجب ذلك كما هو معلوم يحصل للناس تيسير، وقد سن صلى الله عليه وسلم بعض الأشياء ونفى لحرج بنفي وجوبها وفي قوله عليه الصلاة والسلام: "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله" وما روي: «أن اللهتعالى أوحى إلى موسى عليه السلام يا موسى سلني حتى ملح قدرك وشراك نعلك» ما يدفع عنك توهم عدم رعاية التعظيم في ذكرهتعالى عند محقرات الأمور وأي فرق عند المنصف بين ذكره سبحانه عندها وطلبها منه. على أن العارف الجليل لا يقع بصره على شيء حقير: { مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ } [الملك: 3-4] نعم التسمية على الحرام والمكروه مما لا ينبغي بل هي حرام في الحرام لا كفر على الصحيح مكروهة في المكروه وقيل مكروهة فيهما إن لم يقصد استخفافاً وإن قصده ـ والعياذ باللهتعالى ـ كفر مطلقاً وهذا لا يضر فيما قلناه كما لا يخفى.

وقد اضطرب الحديث هنا فوقع في بعض الروايات «لا يبدأ فيه بالحمد لله» وفي بعضها «بحمد الله» وفي البعض «أجذم» وفي أخرى «أقطع» وفي خبر «كل كلام» وفي أثر «يبدأ» وفي آخر «يفتتح» وفي موضع وضع الذكر بدل الحمد إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع حتى قيل إنه مضطرب سنداً ومتناً ولولا أنه في فضائل الأعمال ما اغتفر فيه ذلك على أنه تقوى بالمتابعة معنى أيضاً والشهرة في دفع التعارض بين الروايات تغني عن التعرض للاستيفاء، واستحسن فيه أن روايتي البسملة والحمدلة تعارضتا فسقط قيداهما كما في مسألة التسبيع في الغسلات عند الشافعي ورجع للمعنى الأعم وهو إطلاق الذكر المراد منه إظهار صفة الكمال وقيل إن المراد في كل رواية الابتداء بأحدهما أو بما يقوم مقامه ولو ذكراً آخر بقرينة تعبيره تارة بالبسملة وأخرى بالحمدلة وطوراً بغيرهما ولا يرد على كل أنا نرى كثيراً من الأمور يبدأ فيه بما ورد في الحديث مع أنه لا يتم ونرى كثيراً منها بالعكس لأنا نقول المراد من الحديث ألا يكون معتبراً في الشرع فهو غير تام معنى وإن كان تاماً حساً فباسم اللهتعالى تتم معاني الأشياء ومن مشكاة بسم الله الرحمن الرحيم تشرق على صفحات الأكوان أنوار البهاء:

ولو جليت سراً على أكمه غداً بصيراً ومن راووقها تسمع الصم
ولو أن ركباً يمموا ترب أرضها وفي الركب ملسوع لما ضره السم
ولو رسم الراقي حروف اسمها على جبين مصـاب جن أبرأه الرســم
وفوق لواء الجيش لو رقم اسمها لأسكر من تحت اللوا ذلك الرقم

ولما افتتح سبحانه وتعالى كتابة البسملة وهي نوع من الحمد ناسب أن يردفها بالحمد الكلي الجامع لجميع أفراده البالغ أقصى درجات الكمال فقال جل شأنه: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وهو أول الفاتحة وآخر الدعوات الخاتمة كما قالتعالى: { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [يونس: 10]:

كأن الحب دائرة بقلبـي فأوله وآخره سواء

وقد قيل للجنيد قدس سره ما النهاية؟ فقال الرجوع إلى البداية وفيه أسرار شتى، والحمد على المشهور هو الثناء باللسان على الجميل سواء تعلق بالفضائل أم بالفواضل، قالوا ولا بد لتحققه من خمسة أمور محمود به ومحمود عليه وحامد ومحمود وما يدل على اتصاف المحمود بصفة فالأول صفة تظهر اتصاف الشيء بها على وجه مخصوص ويجب كونه صفة كمال ولو ادعاء إذ المناط التعظيم ولا فرق عند الإمام الرازي قدس سره بين كونه ثبوتياً أو سلبياً متعدياً أو غير متعد بل ولا بين كونه صادراً عن المحمود باختياره أو لا كما قرره العلامة الدواني وصدر الأفاضل في «حواشي التجريد»/ «والمطالع» وجزم به المحقق الملا خسرو وادعى أنه الأشهر إلا أن العلامة في «شرح التهذيب» نقل عن البعض وجوب كونه اختيارياً واختاره كما في المحمود عليه فكما لم يسمع الحمد على رشاقة القد وصباحة الخد لم يسمع الحمد بهما وعدم حمد اللؤلؤة كما يمكن كونه من جهة حال المحمود عليه يمكن كونه من جهة المحمود فجعله دليلاً على أحدهما فقط تحكم.

الثاني ما يقع الثناء بإزائه ويقابله بمعنى أن المثنى عليه لما اتصف به أظهر كماله ولولاه لم يتحقق ذلك فهو كالعلة الباعثة وقد يكون الشيء الواحد محموداً به وعليه معاً كأن رأي من ينعم أو يصلي فأظهر اتصافه بذلك فهناك يتحقق الأمران لحيثيتين ويجب أن يكون كمالاً على نحو ما سبق وظاهر كلام الجمهور أنه أعم من كونه فعلاً صادراً من المحمود أو كيفية قائمة به ويفهم كلام الإمام اختيار الأول واشترط أن يكون حصوله من المحمود باختياره، واستشكل الحمد على صفاتهتعالى الذاتية سواء جعلت عين ذاته أو زائدة عليها، وأجيب بأن الحمد عليها بتنزيلها منزلة الاختياري لكون ذاته كافية فيها أو بأن المراد بالفعل الاختياري المنسوب إلى الفاعل المختار سواء كان مختاراً فيه أو لا. وقيل: إنها صادرة بالإختيار بمعنى إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل لا بمعنى صحة الفعل والترك أو بمعناه والصفات صادرة بالاختيار وسبقه عليها ذاتي فلا يلزم حدوثها، وقيل إنه بالنظر إلى حمد البشر فالمراد ما جنسه اختياري كما قيل في قيد اللسان وأورد على الأول مع ما فيه أنه إنما يحسن إذا كان المعتاد من الأفعال الاختيارية كون فاعلها مستقلاً في إيجادها من غير احتياج إلى شيء آخر من آلة وغيرها ليظهر استقامة التنزيل وليس كذلك فإن العمل الاختياري يحتاج إلى العلم والقدرة والكثير إلى آلة وأسباب وعلى الثاني أنه خلاف المتبادر وعلى الثالث أن هذا المعنى ادعاه الحكماء حين قالوا بقدم العالم للإيجاب فلزمهم أن لا يكون لموجده إرادة وقالوا إن صدق الشرطية لا يقتضي وجود مقدمها ولا عدمه فمقدم الأولى بالنسبة إلى وجود العالم دائم الوقوع ومقدم الثانية دائم اللا وقوع ولهذا أطلق عليه الصانع وهو من له الإرادة وهو صرح ممرد من قوارير لأن ما بالإرادة يصح وجوده بالنظر إلى ذات الفاعل فإن أريد بالدوام الدوام مع صحة وقوع النقيض فهو مخالف لما صرحوا به من إيجاب العالم بحيث لا يصح عدم وقوعه منه وإن أريد مع امتناع الوقوع فليس هناك من الإرادة إلا لفظها ومتعلقها لا محيص عن حدوثه والعالم عندهم قديم واختيار الشق الأول ثم القول بأن الصادر عن الموجب بالذات ليس واجباً كذلك بل ممكن بذاته والقدم زماني لا ذاتي وصحة وقوع النقيض لا يقتضي الوقوع إذا أحجم القلم عنه إنما يظهر في العالم ويبقى ما نحن فيه من الصفات ولا أقدم على إطلاق القول بإمكانها لاحتياجها للذات واستنادها إليها وعلى الرابع أن اتصاف الصفات بالصدور لو انشرحت لتوجيهه الصدور يبقى الإشكال في صفة القدرة ولا قدرة لدعوى صدورها بالاختيار وإلا لزم تقدم الشيء على نفسه فلا حسم وعلى الخامس أن هاتيك الصفات مقدسة عن أن تشرك مع صفة البشر في جنس وأين الأزلي من الزائل؟! على أنه ما فيه خلاف المنساق إلى الذهن ولكثرة المقال والقيل لم يشترط بعضهم في المحمود عليه أن يكون اختيارياً لأنه الباعث على الحمد وأي مانع من أن لا يكون كذلك ومن ذلك: { عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } [الإسراء: 79] وعند الصباح يحمد القوم السري، وجاورته فما حمدت جواره:

والصبر يحمد في المواطن كلها إلا عليك فإنه مذموم

والحق الحقيق بالاتباع أن الحمد اللغوي لا يكون إلا على الأفعال الاختيارية والحمد على الصفات الذاتية إما لغوي راجع لما يترتب عليها من الآثار الاختيارية، أو عرفي ولا ضرر في تعلقه بها، وما ذكر من الأمثلة ونحوها فالحمد فيها مجاز عن الرضا، ويقال في الآية زيادة عليه أن محموداً حال من الضمير المنصوب أو نعت لمقاماً والمعنى محموداً فيه/ النبـي لشفاعته أو اللهتعالى لتفضله عليه بالإذن وسيأتي إن شاء اللهتعالى تحقيقه.

والثالث: وهو من يتحقق منه الحمد وشرطه أن يكون معظماً بثنائه للمحمود ظاهراً وباطناً كما حققه الصدر نعم لا يلزم اعتقاد اتصاف المحمود بالجميل عند المحققين بل الشرط عدم اقترانه ثبوت تحقير فيدخل الوصف بما قطع بانتفائه ولا يناقضه كما قال الدواني توجيه الشريف اشتراط التعظيمين بأنه إذا عري عن مطابقة الاعتقاد لم يكن حمداً بل سخرية لأنه أراد بالاعتقاد لازمه وهو إنشاء التعظيم لا معناه الحقيقي فإن الحمد قد يكون إنشائياً ولا معنى لمطابقة الاعتقاد فيه لأن ما لا يتعلق به الاعتقاد لا يوصف حقيقة بمطابقته إذ المتبادر منها الاتحاد في الإيجاب والسلب أو ما يستلزمه أو يؤول إليه وذا لا يوجد إلا في القضايا ولذا لا تسمع أحداً يقول إن التصور يطابقه بل لو قال قائل إن مفهوم اضرب يطابق الاعتقاد ضرب عنه صفحاً وربما نسب لما يكره وحمل المطابقة على هذا أقرب من التزام اتصاف التصورات بالمطابقة واللا مطابقة إذ ليس فيه سوى ذكر الملزوم وإرادة اللازم مع أن أهل العرف العام قد يطلقون الاعتقاد بهذا المعنى فيقولون فلان له اعتقاد في فلان ويريدون ما أردنا ولا بعد فيه لأن الناس يعدون الوصف بالجميل المعلوم الانتفاء إذا كان كذلك مدحاً وحمداً كما في كثير من القصائد. وأما الجواب: بأن الواصف يعتقد الاتصاف وبأن المراد معان مجازية واتصاف المنعوت بها معتقد فيرده أن الأول خلاف البديهة والثاني خلاف الواقع والجواب عن الأول بأنه لو كان خلاف البديهة لم يقصد العقلاء إفادته ولم يكن اللفظ مستعملاً في معناه الحقيقي وعن الثاني بأنه لو كان خلاف الواقع لما كان مستعملاً في معناه المجازي فيلزم أن لا يكون ذلك الكلام حقيقة ولا مجازاً كلام نشأ من ضيق الصدر إذ لا يلزم من عدم اعتقاد المدلول أن لا يكون الكلام مستعملاً فيه فالأخبار الغير المعتقدة كقول السني الخفي حاله: العبد خالق لأفعاله مستعمل في حقيقته غير معتقد بل جميع الأكاذيب التي يعتمدها أهلها كذلك ثم إن المجيب حمل أن الأول خلاف البديهة على أن مضمون تلك الأخبار خلافها وفرع عليه أنه يلزم أن لا يقصد العقلاء إفادته ويرد عليه المنع فإن الأكاذيب التي يعتمدها العاقل قد تخالف البديهة مع قصد إفادتها لغرض ما كالتغليظ أو التنكيت أو الامتحان أو للتخيل كما في كثير من القضايا حتى قال بعض المحققين: لا يلزم أن يكون ذلك الكلام حقيقة ولا مجازاً وفيه تأمل.

الرابع: المحمود وقد علمت ما يشترط فيه.

الخامس: وهو ذكر ما يدل على اتصاف المحمود بالمحمودية وقد اشتهر تقييده باللسان وأريد به جارحة النطق ولما كان الواقع كون آلة التكلم في الغالب هي تلك الجارحة خصوه بها فلو فقد إنسان لسانه فأثنى بحروفه الشفوية أو خلق النطق في بعض جوارحه فأثنى به ـ كما شوهد في مقطوع جميع اللسان ـ فهو حمد وقضية التقييد أن لا يكون الصادر عمن لا جارحة له حمداً وقد قالتعالى: { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } [الإسراء: 44] وأما حمد اللهتعالى نفسه بنفسه مثلاً فذهب الأكثر إلى أنه إخبار باستحقاق الحمد وأمر به أو مقول على ألسنة العباد أو مجاز عن إظهار الصفات الكمالية الذي هو الغاية القصوى من الحمد ومال السيد إلى الأخير. وقال الدواني: كون الحمد في حقه سبحانه مجازاً بعيد عن قاعدة أهل الحق من إثبات الكلام له حقيقة والقول مساوق للكلام فالأظهر أن الحصر في اللسان إضافي لمقابلة الجنان والأركان والمراد الأمر الذي مصدره اللسان غالباً أو هو قيد غالبـي يسوغ الاستعمال فيه واللفظ قد يكون موضوعاً في أصل اللغة لعام ويشتهر في بعض مخصوص بحيث يصير فيه حقيقة عرفية وسبب الاشتهار إما كثرة تداول ذلك الفرد كما في الدابة وإما عدم الاطلاع على فرد آخر فيستعمله أهل اللسان في ذلك الفرد حتى إذا استمر ولم يطلع على إطلاقه على فرد آخر ظن أنه موضوع لخصوصه كما في الميزان فإنه في الأصل موضوع لآلة الوزن، ثم من لم يطلع إلا على ما له لسان/ وعمود ربما يجزم بأنه موضوع له فقط ولا يدري أن وراء ذلك موازين ومثل هذا يجري في كثير من الألفاظ والأمر في المشتقات لا يكاد يخفى على من له أدنى فطنة لظهوره بالرجوع إلى قاعدة الاشتقاق وفي غيرها ربما يشتبه على الجماهير وبذلك يفوت كثير من حقائق الكتاب والسنة فإن أكثرهما وارد على أصل اللغة وعلى ذلك فقس الحمد فإن حقيقته عندهم إظهار صفات الكمال.

ولما كان الإظهار القولي أظهر أفراده وأشهرها عند العامة شاع استعمال لفظ الحمد فيه حتى صار كأنه مجاز في غيره مع أنه بحسب الأصل أعم بل الإظهار الفعلي أقوى وأتم فهو بهذا الاسم أليق وأولى كما هو شأن القول بالتشكيك وفرقوا بين الحمد والمدح بأمور. أحدها: أن الحمد يختص بالثناء على الفعل الاختياري لذوي العلم، والمدح يكون في الاختياري وغيره ولذوي العلم وغيرهم كما يقال مدحت اللؤلؤة على صفائها. وثانيها وثالثها: أن الحمد يشترط صدوره عن علم لا ظن وأن تكون الصفات المحمودة صفات كمال والمدح قد يكون عن ظن وبصفة مستحسنة وإن كان فيها نقص ما. رابعها: أن في الحمد من التعظيم والفخامة ما ليس في الحمد وهو أخص بالعقلاء والعظماء وأكثر إطلاقاً على اللهتعالى. وخامسها: أن الحمد إخبار عن محاسن الغير مع المحبة والإجلال، والمدح إخبار عن المحاسن ولذا كان الحمد إخباراً يتضمن إنشاء والمدح خبراً محضاً. وسادسها: أن الحمد مأمور به مطلقاً ففي الأثر: «من لم يحمد الناس لم يحمد الله» والمدح ليس كذلك: «أحثوا في وجوه المداحين التراب» ويشعر كلام الزمخشري في «الكشاف» «والفائق» بترادفهما ففي الأول أنهما أخوان وجعل فيه نقيض المدح أعني الذم نقيضاً للحمد وفي الثاني الحمد المدح والوصف بالجميل فالمدح عنده مخصوص بالاختياري وتأول المدح بالجمال وصباحة الوجه واحتمال أن يراد من الأخوين ما يكون بينهما اشتقاق كبير بأن يشتركا في الحروف الأصول من غير ترتيب كجبذ وجذب وأن الأدباء يجوزون التعريف بالأعم والنقيض هناك بالمعنى اللغوي ويجوز أن يكون شيء واحد نقيضاً لشيئين بينهما عموم وخصوص بهذا المعنى لا ينفي ما قلناه بل إذا أنصفت تكاد تجزم بأن الزمخشري قائل بالترادف ولا تستفزك هذه الاحتمالات لأنها كسراب بقعية نعم هذا القول بعيد منه وهو شيخ العربية وفتاها فالحق الذي لا ينبغي العدول عنه أن المدح يكون على غير الاختياري وكأنه لذلك لم يقل عز شأنه المدح لله كما قالوا إظهاراً لأن اللهتعالى فاعل مختار وفي ذلك من الترغيب والترهيب المناسبين لمقام البعثة والتبليغ ما لا يخفى.

وأما الشكر: فهو أيضاً مغاير للحمد إلا أن بعضهم خصه بالعمل والحمد بالقول، وبعض جعله على النعم الظاهرة، والآخر على النعم الباطنة وادعى آخرون اختصاصه بفعل اللسان كالحمد في المشهور إلا أنه على النعمة وإليه يشير كلام الراغب، والمعروف أنه ما كان في مقابلتها قولاً باللسان وعملاً وخدمة بالأركان واعتقاداً ومحبة بالجنان، وقول الطيبـي إن هذا عرف أهل الأصول فإنهم يقولون شكر المنعم واجب ويريدون منه وجوب العبادة وهي لا تتم إلا بهذه الثلاثة وإلا فالشكر اللغوي ليس إلا باللسان غير طيب فإن ظاهر الكتاب والسنة إطلاق الشكر على غير اللسان قالتعالى: { ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً } [سبأ: 13] وروى الطبراني عن النواس بن سمعان: «أن ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجدعاء سرقت فقال لئن ردها اللهتعالى عليّ لأشكرن ربـي فلما ردت قال الحمد لله فانتظروا هل يحدث صوماً أو صلاة فظنوا أنه نسي فقالوا له: فقال: ألم/ أقل الحمد لله؟!» فلو لم يفهموا رضي اللهتعالى عنهم إطلاق الشكر على العمل لم ينتظروه، وزاد بعضهم في أقسام الشكر رابعاً وهو شكر اللهتعالى بالله فلا يشكره حق شكره إلا هو ذكره صاحب «التجريد» وأنشد:

وشكري ذوي الإحسان بالقلب تارة وبالقول أخرى ثم بالعمل الأثني
وشكري لربـي لا بقلبـي وطاعتي ولا بلساني بل به شكرنا عنا

والذي أطبق عليه الناس التثليث وعلى كل حال بينه وبين الحمد عموم وخصوص من وجه والحمد أقوى شعبة لأن حقيقته إشاعة النعمة والكشف عنها كما أن كفرانها إخفاؤها وسترها وتلك بالقول أتم لأن الاعتقاد أمر خفي في نفسه وعمل الجوارح وإن كان ظاهراً إلا أنه يحتمل خلاف ما قصد به وكم فرق بين حمدت الله وشكرته ومجدته وعظمته وبين أفعال العبادة وهي كلها موافقة للعادة ولسان الحال أنطق من لسان المقال أمر ادعائي كما هو المعروف في أمثاله، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عمر رضي اللهتعالى عنهما: "الحمد رأس الشكر ما شكر اللهتعالى عبد لا يحمده" وهو وإن كان فيه انقطاع إلا أن له شاهداً يتقوى به وإن كان مثله فحيث كان النطق يجلي كل مشتبه وكان الحمد أظهر الأنواع وأشهرها حتى إذا فقد كان ما عداه بمنزلة العدم شبهه صلى الله عليه وسلم بالرأس الذي هو أظهر الأعضاء وأعلاها والأصل لها والعمدة في بقائها وكأنه لهذا أتى به الرب سبحانه ليكون الرأس للرئيس ويفتتح النفيس بالنفيس أو لأنه لو قال جل شأنه الشكر لله كان ثناءً عليهتعالى بسبب إنعام وصل إلى ذلك القائل والحمد لله ليس كذلك فهو أعلى كعباً وأظهر عبودية ويمكن أن يقال إن الشكر على الإعطاء وهو متناه والحمد يكون على المنع وهو غير متناه فالابتداء بشكر دفع البلاء الذي لا نهاية له على جانب من الحسن لا نهاية له ودفع الضر أهم من جلب النفع فتقديمه أحرى، وأيضاً مورد الحمد في المشهور خاص ومتعلقه عام والشكر بالعكس مورداً ومتعلقاً ففي إيراده دونه إشارة قدسية ونكتة على ذوي الكثرة خفية { وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } [آل عمران: 109] وكأنه لمراعاة هذه الإشارة لم يأت بالتسبيح مع أنه مقدم على التحميد إذ يقال سبحان الله والحمد لله على أن التسبيح داخل في التحميد دون العكس فإن الأول يدل على كونه سبحانه وتعالى مبرأ في ذاته وصفاته عن النقائص والثاني يشير إلى كونه محسناً إلى العباد ولا يكون محسناً إليهم إلا إذا كان عالماً قادراً غنياً ليعلم مواقع الحاجات فيقدر على تحصيل ما يحتاجون إليه ولا يشغله حاجة نفسه عن حاجة غيره، وإن أبيت ـ ولا أظن ـ قلنا كل تسبيح حمد وليس كل حمد تسبيحاً لأن التسبيح يكون بالصفات السلبية فحسب والحمد بها وبالثبوتية على ما سلف فهو أعم منه بذلك الاعتبار فافتتح به لأنه لجمعيته وشموله أوفق بحال القرآن وتقديم التسبيح هناك لغرض آخر ولكل مقام مقال.

والتعريف هنا للجنس ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أن الحمد ما هو مثله في قول لبيد يصف العير وأتنه:

وأرسلها العراك ولم يذدها ولم يشفق على نفض الدخال

/ وعليه جمع منهم الزمخشري حتى قال والاستغراق الذي يتوهمه كثير من الناس وهم وقد صار هذا معترك الأفهام ومزدحم أفكار العلماء الأعلام، فقيل: إنه مبني على مسألة خلق الأعمال فإن أفعال العباد لما كانت مخلوقة لهم عند المعتزلة كانت المحامد عليها راجعة إليهم فلا يصح تخصيص المحامد كلها بهتعالى ورد بأن اختصاص الجنس يستلزم اختصاص أفراده أيضاً إذ لو وجد فرد منه لغيره ثبت الجنس له في ضمنه وصح هذا عندهم لأن الأفعال الحسنة التي يستحق بها الحمد إنما هي بإقدار اللهتعالى وتمكينه فبهذا الاعتبار يرجع الأمر إليه كله وأما حمد غيره فاعتداد بأن النعمة جرت على يده، وقيل إنه جعل الجنس في المقام الخطابـي منصرفاً إلى الكامل كأنه كل الحقيقة ورد بأنه يجوز في الاستغراق أيضاً بأن يجعل ما عدا محامده كالعدم فلا فرق بين اختصاص الجنس والاستغراق في منافاتهما ظاهراً لمذهبه ودفعهما بالعناية، وقيل مبناه على أن المصادر نائبة مناب الأفعال وهي لا تعدو دلالتها عن الحقيقة إلى الاستغراق ورد بأن ذلك لا ينافي قصد الاستغراق بمعونة القرائن، وقيل إنما اختاره بناءً على أنه المتبادر الشائع لا سيما في المصادر وعند خفاء القرائن ورد بأن المحلى بلام الجنس في المقامات الخطابية يتبادر منه الاستغراق وهو الشائع هناك مطلقاً وأي مقام أولى بملاحظة الشمول والاستغراق من مقام تخصيص الحمد به سبحانه تعظيماً، فقرينة الاستغراق كنار على علم فالحق أن سبب الاختيار هو أن اختصاص الجنس مستفاد من جوهر الكلام ومستلزم لاختصاص جميع الأفراد فلا حاجة في تأدية المقصود من إثبات الحمد لهتعالى وانتفائه عن غيره إلى أن يلاحظ بمعونة الأمور الخارجية بل نقول على ما اختاره يكون اختصاص الأفراد بطريق برهاني فيكون أقوى من إثباته ابتداء وفيه أن فهم اختصاص الجنس من جوهر الكلام يدل على سرعته وهو معنى التبادر وقد رده، وأيضاً إذا كان الاختصاص بطريق برهاني فلا شبهة في خفائه فأين النار وأين العلم؟! وقيل غير ذلك ولا يبعد أن يقال إن اختيار الزمخشري كون التعريف للجنس وكون القول بالاستغراق وهم لا يبعد أن يكون رعاية لنزغة اعتزالية وأن يكون لنكتة عربية لأنه جعل أصل المعنى نحمد الله حمداً وزعم أن {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } بيان لحمدهم كأنه قيل كيف تحمدوني فقيل إياك نعبد ثم سئل وأجاب فقيل في توجيه ذلك أنه لما كان معناه نحمد الله حمداً كان إخباراً عن ثبوت حمد غير معين من المتكلم لهتعالى على أن المصدر للعدد فاتجه أن يقال كيف تحمدونه أي بينوا كيفية حمدكم فإنها غير معلومة فبين بقولهتعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } الخ أي نقول هذه الكلمات ونحمده بهذا الحمد فورد السؤال عن التعريف لأن المناسب للإبهام ثم البيان التنكير وأجاب أنه لتعريف الجنس من حيث وجوده في فرد غير معين ولذا بين؛ وقيل لما كان المعنى نحمد حمداً كان المصدر للتأكيد فيكون دالاً على الحقيقة من غير دلالة على الفردية والسؤال المقدر عن كيفية صدور تلك الحقيقة والجواب أنا نحمد حمداً مقارناً لفعل الجوارح وفعل القلب ولا نقتصر على مجرد القول ثم أورد بأنه يكفي لإفادة هذا المصدر المنكر فما فائدة التعريف؟ فأجاب بأنه تعريف للجنس للإشارة إلى الماهية المعلومة للمخاطب من حيث هي، وعلى هذين التوجيهين يكون اختياره الجنس ومنعه الاستغراق لرعاية مذهبه والاختصاص على الأول اختصاص الفرد وعلى الثاني اختصاص الجنس باعتبار الكمال ولا يخفى سقوط اعتراض السعد حينئذ بأن الاختصاصين متلازمان وكل منهما مخالف لمذهبه ظاهراً موافق له تأويلاً فلا يكون رعاية المذهب موجباً لاختيار الجنس دون الاستغراق ولا يرد ما أورد السيد على الثاني من أنه كما يجوز الحمل على الجنس باعتبار الكمال على مذهبه يجوز الحمل على الاستغراق باعتبار تنزيل محامد غيره منزلة العدم لأن فيه تطويل المسافة والالتجاء إلى معونة المقام من غير حاجة، وقيل حاصل الجواب عن كيفية صدور تلك/ الحقيقة بتخصيص العبادة المشتملة على الحمد وغيره لأن انضمام غيره معه نوع بيان لكيفيته أي حال حمدنا أنا نجمعه بسائر عبادات الجوارح والاستعانة في المهمات ونخص مجموعها بك وتقدير السؤال والجواب بحاله وحينئذٍ لا يصح أن يكون الاختيار للرعاية لأن الاختصاصين متلازمان بل لأن الحمد مصدر ساد مسد الفعل وهو لا يدل إلا على الحقيقة فكذا ما ينوب منابه وإن كان معرفة ليصح بيانه بإياك نعبد والحمل على الاستغراق يبطل النيابة إذ يصير الكلام مسوقاً لبيان العموم ولا يصح البيان، وهذا الاختيار مستفاد من جعل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } بياناً لحمدهم ولعل الذي دعاه إليه ترك العاطف فظن أنه لذلك لا يكون إلا بياناً وهو من التعكيس لأن جعل الصدر متبوعاً للعجز أولى من العكس فالمحققون المحقون على تعميم الحمد وأن الفصل لأن الكلام الأول جار على المدح للغائب بسبب استحقاقه كل الحمد والثاني جار على الحكاية عن نفس الحامد وبيان أحواله بين يدي الباطن الظاهر والأول الآخر فترك العطف للتفرقة بين الحالتين لا للبيان، ويدل على ذلك أن أحسن الالتفات أن يكون النقل من إحدى الصيغتين إلى الأخرى في سياق واحد لمعلوم واحد ولا بيان له على البيان على أن جعل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } بياناً ربما يناقض ما ادعاه من أن الشكر بالقلب والجوارح واللسان والحمد بالأخير لأن العبادة تكون بها كلها فيلزم أن يكون الحمد كذلك وأيضاً الذهاب إلى فسحة الالتفات والقول بأن قوله {ٱلْحَمْدُ } الخ وارد على الشكر اللساني و {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } مشعر بالشكر بالجوارح و {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } مؤذن بالشكر القلبـي أولى من الفرار إلى مضيق القول بالبيان، وأيضاً في تعقيب هذه الصفات للحمد إشعار بأن استحقاقه له لاتصافه بها وقد تقرر أن في اقتران الوصف المناسب بالحكم إشعاراً بالعلية وهٰهنا الصفات بأسرها تضمنت العموم فينبغي أن يكون العموم في الحمد أيضاً لأن الشكر يقتضي المنعم والمنعم عليه والنعمة فالمنعم هو اللهتعالى والاسم الأعظم جامع لمعاني الأسماء الحسنى ما علم منها وما لم يعلم والمنعم عليه العالمون وقد اشتمل على كل جنس مما سمي به وموجب النعم الرحمن الرحيم وقد استوعب ما استوعب فإذن لا يستدعي تخصيص الحكم بالبعض سوى التحكم أو التوهم.

هذا وأنا لو خليت وطبعي لا أمنع أن تكون أل للحقيقة من حيث هي كما في قولهم الرجل خير من المرأة أو لها من حيث وجودها في فرد غير معين كما في ادخل السوق أو لها في جميع الأفراد وهو الاستغراق كما في: { إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ } [العصر: 2] والقول بأن هذا المقام آب عن الاستغراق لأن اختصاص حقيقة الحمد بهتعالى أبلغ من اختصاص أفرادها جمعاً وفرادى لاستلزام الأول الثاني وسلوك طريقة البرهان أقضى لحق البلاغة، وأيضاً أصل الكلام نحمد اللهتعالى حمداً وحمدنا بعض لا كل وفي اختصاص الجنس إشعار بأن حمد كل حامد لكل محمود حمد للهتعالى على الحقيقة لأنه إنما حمده على الصفات الكمالية المفاضة عليه من الفياض الحق جل وعلا فهو فعله على الحقيقة والحمد على الفعل الجميل والمعتزلي وإن قال بالاستقلال لا يمنع أن الإقدار والتمكين منهتعالى فيمكنه من هذا الوجه أن يعمم عند المقتضى له وقد صرح بهذا الزمخشري أول التغابن [1] فقال في قولهتعالى: { لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ } (( قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد باللهتعالى ثم قال وأما حمد غيره فاعتداد بأن نعمة اللهتعالى جرت على يده)) وقد يقال أيضاً على أصله إن الحمد المستغرق لا يجوز أن يختص بل الحمد الحقيقي الكامل الذي يقتضيه إجراء هذه الصفات فاللام للحقيقة ويراد أكمل أنواعها فهو من باب { ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ } [البقرة: 2] وحاتم الجود لأنه الذي يحق أن يطلق عليه الحقيقة حتى كأنه كلها لا لأنها للاستغراق في المقام الخطابـي وتنزيل غير ذلك منزلة العدم فإنه تطويل للمسافة مع قصرها كلام لا أقبله وإن جل قائله ويعرف الرجال بالحق لا الحق/ بالرجال كيف ومن سنة اللهتعالى التي لا تبديل لها إجراء الكلام على سبيل الخطابة وإن كان برهانياً فهي أكثر تأثيراً في النفوس وأنفع لعوام الناس كما سيأتي تحقيقه إن شاء اللهتعالى عند قولهتعالى: { ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ } [النحل: 125] فالتحرز عن الاستغراق احترازاً عن المقام الخطابـي ذهول عن مقرىء كلام اللهتعالى.

ثم لما كان المقام مقتضياً لدقائق النعم وروادفها لم يكن تنزيل الحمد الغير الكامل منزلة العدم من مقتضيات المقام وتصريح الزمخشري في التغابن بالتعميم ممنوع للتفرقة بين استغراق أفراد الحمد الخارجية والذهنية الحقيقية والمجازية الكاملة وغير الكاملة وبين اختصاص حقيقة الحمد كما يشعر به قوله وذلك لأن الملك على الحقيقة له وكذلك الحمد فكما أنه لا ينفي الملك عن غيره مطلقاً فكذلك لا ينفي الحمد عنه كذلك فإن من أصل المعتزلة أن نعمة اللهتعالى جارية على يد العبد لكنه موجد لانعمامه فله حمد يليق بإيجاده وللهتعالى حمد يليق بتمكينه وإفاضته وهو الحمد الكامل المختص به عز شأنه لا ذاك وفي «الكشاف» ما يؤيد ما قلناه لمن أمعن النظر، وأما حديث إن اختصاص حقيقة الحمد أبلغ من اختصاص الأفراد لاستلزام الأول الثاني فيجاب عنه بأن اختصاص الأفراد الخارجية والذهنية كما قررنا مستلزم لاختصاص الحقيقة أيضاً إذ لم يبق لها فرد غير مختص فأين توجد فالاستلزام متعاكس على أن حقيقة الحمد يصدق عليها الحمد فهي فرد من أفراده كما قال الدامغاني فإذا خصص جميع أفراد الحمد به اختص حقيقته أيضاً وكون الأصل نحمد اللهتعالى حمداً ليس بقاطع احتمال الاستغراق الآن فقد تغير الحال، وأنت إذا تأملت بعد يرتفع عنك سجاف الإشكال ولست أقول إن الحمد أينما وقع يفيد ذلك بل إذا دعا المقام إليه أجبناه ولهذا فرقوا بين هذا الحمد وحمد الأنعام إذ عموم الربوبية وشمول الرحمة واستمرار الملك هنا تقتضي استغراق الأفراد توفية لحق هذه السورة وحرصاً على التئام نظمها بخلاف ما في تلك السورة فإن العمومات مفقودة فيها.

ومن الغريب: أن بعضهم جعلها للعهد، قال الفاكهي: سمعت شيخنا أبا العباس المرسي يقول: قلت لابن النحاس ما تقول في الألف واللام في الحمد أجنسية هي أم عهدية؟ فقال: يا سيدي قالوا إنها جنسية فقلت له الذي أقول: إنها عهدية وذلك أن اللهتعالى لما علم عجز خلقه عن كنه حمده حمد نفسه بنفسه في أزله نيابة عن خلقه قبل أن نحمده فقال أشهدك أنها للعهد واستأنس له بما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: "اللهم لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك" وأغرب من هذا ما ذهب إليه بعض ساداتنا الصوفية قدس اللهتعالى أسرارهم وليس بالغريب عندهم أن الحمد لله على حد الكبرياء لله و { أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلاْمْرُ } [الأعراف: 54] فهو الحامد والمحمود والجميع شؤونه ولهم كلام غير هذا والكل يسقى بماء واحد، وعن إمامنا الماتريدي روّح اللهتعالى روحه أنه جعل هذا حمداً من اللهتعالى لنفسه قال وإنما حمد نفسه ليعلم الخلق ولا ضير في ذلك لأنه سبحانه هو المستحق لذاته والحقيق بما هنالك إذ لا عيب يمسه ولا آفة تحل به.

ثم إن الحمد: فيما تواتر مرفوع وهو مبتدأ خبره {لِلَّهِ } وقرأ الحسن البصري وزيد بن علي (الحمد لله) باتباع الدال اللام وإبراهيم بن عبلة وأهل البادية بالعكس وجاز ذلك استعمالاً مع أن الاتباع إنما يكون في كلمة واحدة لتنزيلهما لكثرة استعمالهما مقترنين منزلة الكلمة الواحدة، واختلف في الترجيح مع الإجماع على الشذوذ فقيل قراءة إبراهيم أسهل لأمرين أحدهما: أن اتباع الثاني للأول أيسر من العكس وإن ورد كما في مد وشد وأقبل وأدخل لأنه جار مجرى السبب والمسبب وينبغي أن يكون السبب أسبق رتبة من المسبب، وثانيهما: أن ضمة الدال إعراب وكسرة اللام بناء وحرمة الإعراب أقوى من حرمة البناء/ والمطرد غلبة الأقوى الأضعف وقيل إن قراءة الحسن أحسن لأن الأكثر جعل الثاني متبوعاً لأن ما مضى فات ولأن جعل غير اللازم تابعاً للازم أولى والاستقامة عين الكرامة وكأنه لتعارض الترجيح قال الزمخشري: وأشف القراءتين قراءة إبراهيم فعبر بأشف وهو من الأضداد، وقرأ هارون بن موسى (الحمد لله) بالنصب وعامة بني تميم وكثير من العرب ينصبون المصادر بالألف واللام وهو بفعل محذوف قدروه نحمد بنون الجماعة لأنه مقول على ألسنة العباد ومناسب لنعبد ونستعين لا بنون العظمة لعدم مناسبته لمقام العبادة المقتضي لغاية التذلل والخضوع ويجوز أن يكون من باب:

وإن حدثوا عنها فكلي مسامع وكلي إذا حدثتهم ألسن تتلو

وحمل الغزالي قدس سره حديث "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" على ذلك وأرفع القراءات قراءة الرفع لدلالة الجملة الإسمية على الثبوت والدوام بقرينة المقام بخلاف الفعلية فإنها تدل على التجدد والحدوث وإن كان هناك ظرف فإن قدر متعلقه اسماً فهو ظاهر وإلا فقد قيل الخبر الفعلي إنما يفيد الحدوث إذا كان مصرحاً به على أنه قيل لا تقدير، وما ذكره النحاة لأمر صناعي اقتضاه كقولهم الظرفية اختصار الفعلية، وقيل إن الجملة الإسمية بمجردها لا تدل على ذلك بل مع انضمام العدول وإن أعجبك فالتزمه فقد قيل بالعدول هنا ولكن ليس هذا في كلام الشيخ عبد القاهر بل من تدبر كلامه في بحث الحال من «الدلائل» دفع بأقوى دليل الحال الذي عرض للناظرين، وقولهم المضارع يفيد الاستمرار أرادوا به الاستمرار التجددي في المستقبل لا في جميع الأزمنة فلا ينافي ما قلنا، واختار الجملة الإسمية هٰهنا إجابة لداعي المقام، وقد قال غير واحد إن أصل هذا المصدر النصب لأن المصادر أحداث متعلقة بمحالها فيقتضي أن تدل على نسبتها إليها والأصل في بيان النسبة في المتعلقات الأفعال فينبغي أن تلاحظ معها ويؤيد ذلك كثرة النصب في بعضها والتزامه في بعض آخر وقد تنزل منزلة أفعالها فتسد مسدها وتستوفي حقها لفظاً ومعنى فيكون ذكرها معها كالشريعة المنسوخة يستنكرها المتدين بعقائد اللغة.

وبقي هٰهنا أمور: الأول اختلف في جملة الحمد هل هي إخبارية أم إنشائية؟ فالذي عليه معظم العلماء أنها إخبارية كما يقتضيه الظاهر لما يلزم على الإنشاء من انتفاء الاتصاف بالجميل قبل حمد الحامد ضرورة أن الإنشاء يقارن معناه لفظه في الوجود واللازم باطل فالملزوم مثله ولا يرد أن القصد إحداث الحمد لا الإخبار بثبوته لأن الإخبار بثبوت جميع المحامد للهتعالى هو عين الحمد كما أن قولك الله واحد عين التوحيد، وألف العلامة البخاري في الانتصار لذلك ورد من زعم أنها إنشائية وأطال فيه واهتم برده ابن الهمام وذكر أن ما ذكر باطل لأن اللازم من المقارنة انتفاء انتفاء وصف الواصف لا الاتصاف إذ الحمد إظهار الصفات لا ثبوتها، وأيضاً المخبر بالحمد/ لا يقال له حامد إذ لا يصاغ لغة للمخبر عن غيره من متعلق إخباره اسم قطعاً فلا يقال لقائل زيد له القيام قائم فلو كان الحمد إخباراً محضاً لم يقل لقائل الحمد لله حامد وهو باطل نعم يتراءى لزوم أن يكون كل مخبر منشئاً حيث كان واصفاً للواقع ومظهراً له وهو توهم فإن الحمد مأخوذ فيه مع ذكر الواقع كونه على وجه التعظيم وهذا ليس جزء ماهية الخبر فاختلفت الحقيقتان فالجملة إنشائية لا محالة، وقال الملاخسرو هي وأمثالها إخبارية لغة ونقلها الشارع للإنشاء لمصلحة الأحكام واعترض على إنشائيتها بأن الاستغراق ينافيه ويستلزم كون الحامد منشئاً لكل حمد ومن المحال إنشاء الحمد القائم بغيره، وأجيب بأنه لا منافاة ولا استلزام ويكفي كونه منشئاً للإخبار بأن كل حمد ثابت له ومحمود به والذي ارتضيه أنها إخبارية كما عليه المعظم ويد اللهتعالى مع الجماعة والمراد الإخبار بأن اللهتعالى مستحق الحمد كما قال سبحانه: { لَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلاْولَىٰ وَٱلاْخِرَةِ } [القصص: 70] والمتكلم بها عن اعتقاد واصف ربه سبحانه بالجميل ومعظم له جل شأنه فيقال له حامد لذلك لا لمحض الإخبار بما فيه لفظ الحمد بل إذا غير الصيغة إلى ما ليس فيها ذلك اللفظ مما هو مشتمل على الوصف بالجميل بقصد التعظيم قيل له أيضاً حامد فللحمد صيغ شتى وعبارات كثيرة حتى جعل منها الإقرار بالعجز عن الحمد، وقد نقل أن داود عليه السلام قال: يا رب كيف أشكرك والشكر من آلائك؟ فقال: يا داود لما علمت عجزك عن شكري فقد شكرتني، فما ذكره ابن الهمام أولاً من أن المخبر بالحمد لا يقال له حامد إن أراد أن المخبر من حيث إنه مخبر لا يقال له ذلك فمسلم والدليل تام لكنا بمعزل عن هذه الدعوى وإن أراد أن المخبر مطلقاً ولو قصد التعظيم لا يقال له ذلك فممنوع ولا تقريب في الدليل كما لا يخفى، وما ذكره ثانياً من قوله: نعم الخ يعلم دفعه من خبايا زوايا كلامنا وما ذكره الملاخسرو يرد عليه أن النقل في أمثال ما نحن فيه بلا ضرورة ممنوع ولا تظن من كلامي هذا أني أمنع أن يكون الحمد بجملة إنشائية رأساً معاذ الله ولكني أقول: إن الجملة هنا إخبارية وإن الحمد يصح بها بناءً على ما ذكرناه والبحث بعد محتاج إلى تحرير ولعل اللهتعالى يوفقه لنا في مظانه والظن باللهتعالى حسن.

الثاني: أنه شاع السؤال عن معنى كون حمد العباد للهتعالى مع أن حمدهم حادث وهو سبحانه القديم ولا يجوز قيام الحادث به وأجيب بأن المراد تعلق الحمد بهتعالى ولا يلزم من التعلق القيام كتعلق العلم بالمعلومات فلا يتوجه الإشكال أصلاً، وقيل إن الحمد مصدر بناء المجهول فيكون الثابت له عز شأنه هو المحمودية وصيغة المصدر تحتمل ذلك وغيره ولهذا جعل بعضهم في الحمد لله أوائل الكتب اثنين وأربعين احتمالاً وقيل وهو من الغرابة بمكان أن اللام للتعليل أي الحمد ثابت لأجل اللهتعالى.

الثالث: أنه أتى باسم الذات في الحمدلة لئلا يتوهم لو اقتصر على الصفة اختصاص استحقاقه الحمد بوصف دون وصف وذلك لأن اللام على ما قيل للاستحقاق فإذا قيل الحمد لله يفيد استحقاق الذات له وإذا علق بصفة أفاد استحقاق الذات الموصوفة بتلك الصفة له والاختصاص إفادة التعريف ولكون الاختصاص كذلك حكماً باطلاً في نفسه جعل متوهماً لا لأن تعليق الحكم بالوصف يدل على العلية لا على الاختصاص لأنه/ مستفاد من تعريف المسند إليه ومعنى الاستحقاق الذاتي ما لا يلاحظ معه خصوصية صفة حتى الجميع لا ما يكون الذات البحت مستحقاً له فإن استحقاق الحمد ليس إلا على الجميل وسمي ذاتياً لملاحظة الذات فيه من غير اعتبار خصوصية صفة أو لدلالة اسم الذات عليه أو لأنه لما لم يكن مستنداً إلى صفة من الصفات المخصوصة كان مسنداً إلى الذات وقد قسم بعض ساداتنا قدس اللهتعالى أسرارهم الحمد باعتبار صدوره إلى قسمين فمصدره باعتبار الفرق من محلين ومنبعه من عينين فإن وجد من الحق وصدر من الوجود المطلق فتارة يكون على الذات بانفرادها ووحدتها وغيبتها في عماء هويتها وتارة بكمال إطلاقها في وجودها وتارة بتنزلاتها إلى حظيرات شهودها وتارة بكمال أوصافها ونعوتها وتارة بكمال آثارها وأفعالها وتارة يثني على أوصافها من حيث الجملة وتارة من حيث التفصيل فيثني على العلم من حيث إحاطته بكل معلوم من حق وخلق وغيب وشهادة وملك وملكوت وبرزخ وجبروت واستقلاله بالوجود من غير مدة ولا مادة ولا معلم ولا مفيد وتقدسه عن النقص وتنزهه عما يخطر في الوهم وكذلك على سائر الصفات بما يليق بها ويجب لها، وإن وجد من الخلق والوجود المقيد فتارة يكون على ذات الحق وتارة على صفاته وتارة على أسمائه ومرة على أفعاله وطوراً على أسراره وكرة على لطيف صنعه وخفي حكمته في أفعاله وآثاره وذلك بحسب مبلغ الناس في العلم ومنتهاهم في العقل والفهم { وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } [الأنعام: 91] و { ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } [طه: 110] و { سُبْحَـٰنَ رَبّكَ رَبّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ } [الصافات: 180] وإذا اعتبر الجمع كان الكل منه وإليه { وَأَنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } [النجم: 42] فلا حامد ولا محمود سواه.

أوري بسعدي والرباب وزينب وأنت الذي يعني وأنت المؤمل

وهناك يرتفع كل إشكال وينقطع كل مقال وإنما قدم الحمد على الاسم الكريم لاقتضاء المقام مزيد اهتمام به لكونه بصدد صدور مدلوله فهو نصب العين وإن كان ذكر اللهتعالى أهم في نفسه والأهمية تقتضي التقديم إلا أن المقتضي العارض بحسب المقام أقوى عند المتكلم وتأخير ما قدم هنا في نحو قولهتعالى: { وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } [الروم: 18] لغرض آخر سيأتيك مع أمور أخر في محله إن شاء اللهتعالى.

والرب في الأصل مصدر بمعنى التربية وهي تبليغ الشيء إلى كماله بحسب استعداده الأزلي شيئاً فشيئاً وكأنها من ربا الصغير كعلا إذا نشأ فعدي بالتضعيف ووصف به للمبالغة الحقيقية والصورية فالتجوز فيه إما عقلي من قبيل

فإنما هي إقبال وإدبار

أو لغوي كـ {اسأل القرية} [يوسف: 82] وقيل هو صفة مشبهة. وفي «شرح التسهيل» أنه ممنوع والظاهر أنه من مبالغة اسم الفاعل أو هو اسم فاعل وأصله راب فحذفت ألفه كما قالوا رجل بار وبر قاله أبو حيان، ويؤيده إضافته إلى المفعول وقد ذكروا أن الصفة المشبهة تضاف إلى الفاعل ويطلق أيضاً على الخالق والسيد والملك والمنعم والمصلح والمعبود والصاحب إلا أن المشهور كونه بمعنى التربية فلهذا قال بعض المحققين: إنه حقيقة فيه لأن التبادر أمارتها وفي البواقي إما مجاز أو مشترك والأول أرجح لأن في جميعها يوجد معنى التربية ووجود العلاقة أمارة المجاز ولأن اللفظ إذا دار بين المجاز والاشتراك يحمل على المجاز كما تقرر في مبادىء اللغة وحمله الزمخشري هنا على معنى المالك ولعل ما اخترناه خير منه لأنه بعد تسليم أنه حقيقة في ذلك يؤدي إلى أن يكون {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ } تكراراً لدخوله في {رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وإن قلنا بالتخصيص بعد التعميم يحتاج إلى بيان نكتة إدراج {الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} بينهما ولا تظهر لهذا العبد على أن مختارنا أنسب بالمقام لأن التربية أجل النعم بالنسبة إلى المنعم عليه وأدل على كمال فعلهتعالى وقدرته وحكمته، تدلك على ذلك الآثار وما فيها من الأسرار، واستطيب بعضهم ما اختاره الطيبـي من وجوب حمل الرب على كلا مفهوميه والقدر المشترك المتصرف ألزم وسبيل أعمال المشترك في كلا مفهوميه إذا/ اتفقا في أمر سبيل الكناية من أنها لا تنافي إرادة التصريح مع إرادة ما عبر عنه وإذا اختلف سبيل الحقيقة والمجاز وعلى كل حال لا يطلق لغة على غيرهتعالى إطلاقاً مستفيضاً إلا مقيداً بإضافة ونحوها مما يدل على ربوبية مخصوصة، وقول ابن حلزة في المنذر بن ماء السماء:

وهو الرب والشهيد على يو م الخيارين والبلاء بلاء

نادر، واستظهر الإمام السيوطي أن المراد نفي إطلاقه على غيرهتعالى شرعاً والشعر جاهلي وفي كلام الجوهري ما يؤيده، وقال الشهاب: لو كان بمعنى غير المالك جاز مع القرينة إطلاقه على غيرهتعالى، وجوز بعضهم إطلاقه منكراً كما في قوله النابغة:

نحث إلى النعمان حتى نناله فدى لك من رب طريفي وتالدي

وكره بعضهم إطلاقه مقيداً بالإضافة إلى عاقل كرب العبد لإيهام الاشتراك، وروى الشيخان عن أبـي هريرة رضي اللهتعالى عنه: «لا يقل أحدكم أطعم ربك وضىء ربك ولا يقل أحد ربـي وليقل سيدي ومولاي» وأجابوا عن قول يوسف عليه السلام: { ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبّكَ } [يوسف: 50] و { إِنَّهُ رَبّى } [يوسف: 23] ونحوه بأنه مثل: { وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا } [يوسف: 100] مخصوص جوازه بزمانه.

و {ٱلْعَـٰلَمِينَ} في المشهور جمع عالم واعترض بأنه يعم العقلاء وغيرهم وعالمون خاص بالعقلاء وأجيب بكونه جمعاً له بعد تخصيصه بهم وهو في حكم الصفات كما سيعلم بتوفيقهتعالى من تعريفه أو نقول بالتغليب وقيل نزل من ليس له العلم لكونه دالاً على معنى العلم منزلة من له العلم فجمع بالواو والنون كما في: { أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [فصلت: 11] { وَرَأَيْتَهُمْ لِى سَاجِدِينَ } [يوسف: 4] وقيل هو اسم جمع على وزن السلامة ولا نظير له وفيه نظر لأن الاسم الدال على أكثر من اثنين إن كان موضوعاً للآحاد المجتمعة دالاً عليها دلالة تكرار الواحد بالعطف فهو الجمع وإن كان موضوعاً للحقيقة ملغى فيه اعتبار الفردية فهو اسم الجنس الجمعي كتمر وتمرة وإن كان موضوعاً لمجموع الآحاد فهو اسم جمع سواء كان له واحد كركب أو لا كرهط فانظر أي التعريفات صادقة عليه وفي "الكشف" لو قيل عالم وعالمون كعرفة وعرفات لم يبعد وفيه أنه أبعد بعيد لأنه قياس فيما يعرف بالسماع على أن للعالمين آحاداً يسمى كل منها عالماً فلا مرية في كونه جمعاً له بخلاف عرفات فإنه ليس لها آحاد كل منها عرفة والعالم كالخاتم اسم لما يعلم به وغلب فيما يعلم به الخالقتعالى شأنه وهو كل ما سواه من الجواهر والأعراض ويطلق على مجموع الأجناس وهو الشائع كما يطلق على واحد منها فصاعداً فكأنه اسم للقدر المشترك وإلا يلزم الاشتراك أو الحقيقة والمجاز والأصل نفيهما، ولا يطلق على فرد منها فلا يقال عالم زيد كما يقال عالم الإنسان ولعله ليس إلا باعتبار الغلبة والاصطلاح وأما باعتبار الأصل فلا ريب في صحة الإطلاق قطعاً لتحقق المصداق حتماً فإنه كما يستدل على الله سبحانه وتعالى بمجموع ما سواه وبكل جنس من أجناسه يستدل عليهتعالى بكل جزء من أجزاء ذلك المجموع وبكل فرد من أفراد تلك الأجناس لتحقق الحاجة إلى المؤثر الواجب لذاته في الكل فإن كل ما ظهر في المظاهر مما عز وهان وحضر في هذه المحاضر كائناً ما كان لإمكانه وافتقاره دليل لائح على الصانع المجيد وسبيل واضح إلى عالم التوحيد:

فيا عجباً كيف يعصي الالـ ـه أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية تدل على أنــه واحــد

وإنما أتى الرب سبحانه بالجمع المعرف لأنه لو أفرد وعرف بلام الاستغراق لم يكن نصاً فيه لاحتمال العهد بأن يكون إشارة إلى هذا العالم المحسوس لأن العالم وإن كان موضوعاً للقدر المشترك إلا أنه شاع استعماله بمعنى/ المجموع كالوجود في الوجود الخارجي وقد غلب استعماله في العرف بهذا المعنى في العالم المحسوس لإلف النفس بالمحسوسات فجمع ليفيد الشمول قطعاً لأنه حينئذٍ لا يكون مستعملاً في المجموع حتى يتبادر منه هذا العالم المحسوس فيكون مستعملاً في كل جنس إذ لا ثالث فيكون المعنى رب كل جنس سمي بالعالم والتربية للأجناس إنما تتعلق باعتبار أفرادها فيفيد شمول آحاد الأجناس المخلوقة كلها نظراً إلى الحكم، وحديث أن استغراق المفرد أشمل على ما فيه أمر فرغ عنه ولا ضرر لنا منه كما لا يخفى على المتأمل، وبعضهم خص {ٱلْعَـٰلَمِينَ } بذوي العلم من الملائكة والثقلين ورب أشرف الموجودات رب غيرهم قال الإمام الأسيوطي: وعليه هو مشتق من العلم وعلى القول بالعموم من العلامة، وفيه أن الكل في كل محتمل والتخصيص دعوى من غير دليل وقيل هم الجن والإنس لقولهتعالى: { لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً } [الفرقان: 1] وقيل هم الإنس لقولهتعالى: { أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ } [الشعراء: 165] وهو المنقول عن جعفر الصادق والمأخوذ من بحر أهل البيت ورب البيت أدرى. ولعل الوجه فيه الإشارة إلى أن الإنسان هو المقصود بالذات من التكليف بالحلال والحرام وإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام ولأنه فذلكة جميع الموجودات ونسخة جميع الكائنات المنقولة من اللوح الرباني بالقلم الرحماني، ومن هذا الباب ما نسب لباب مدينة العلم كرم الله وجهه:

دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر
وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر

ومن تأمل في ذاته وتفكر في صفاته ظهرت له عظمة باريه وآيات مبديه { وَفِى ٱلاْرْضِ ءايَـٰتٌ لّلْمُوقِنِينَ * وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } [الذاريات: 20-21] بل من عرف نفسه فقد عرف ربه والمناسب للمقام هنا العموم والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام { وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلاْرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } [لقمان: 27] وروي في بعض الأخبار «أن اللهتعالى خلق مائة ألف قنديل وعلقها بالعرش والسمٰوات والأرض وما فيهن حتى الجنة والنار في قنديل واحد ولا يعلم ما في باقي القناديل إلا اللهتعالى». وقال كعب الأحبار: لا يحصي عدد العالمين إلا اللهتعالى: { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [النحل: 8] { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ } [المدثر: 31] وما من ذرة من ذرات العوالم إلا وهي في حيطة تربيته سبحانه بل ما من شيء مما أحاط به نطاق الإمكان والوجود من العلويات والسفليات والمجردات والماديات والروحانيات والجسمانيات إلا وهو في حد ذاته بحيث لو فرض انقطاع آثار التربية عنه آناً واحداً لما استقر له القرار ولا اطمأنت به الدار إلا في مطمورة العدم ومهاوي البوار لكن يفيض عليه من الجناب الأقدستعالى شأنه وتقدس في كل زمان يمضي وكل آن يمر وينقضي من فنون الفيوض المتعلقة بذاته ووجوده وصفاته وكمالاته ما لا يحيط بذلك فلك التعبير ولا يعلمه إلا اللطيف الخبير ضرورة أنه كما لا يستحق شيء من الممكنات بذاته الوجود ابتداءً لا يستحقه بقاء وإنما ذلك من جناب المبدأ الأول عز وعلا فكما لا يتصور وجوده ابتداءً ما لم ينسد عليه جميع أنحاء عدمه الأصلي لا يتصور بقاؤه على الوجود بعد تحققه بعلته ما لم ينسد عليه جميع أنحاء عدمه الطارىء لما أن الدوام من خصائص الوجود الواجبـي، وظاهر أن ما يتوقف عليه وجوده من/ الأمور الوجودية التي هي علله وشرائطه وإن كانت متناهية لوجوب تناهي ما دخل تحت الوجود لكن الأمور العدمية التي لها دخل في وجوده وهي المعبر عنها بارتفاع الموانع ليست كذلك إذ لا استحالة في أن يكون لشيء واحد موانع غير متناهية يتوقف وجوده أو بقاؤه على ارتفاعها أي بقائها على العدم مع إمكان وجودها في أنفسها، فإبقاء تلك الموانع التي لا تتناهى على العدم تربية لذلك الشيء من وجوه غير متناهية، وبالجملة آثار تربيتهتعالى واضحة المنار ساطعة الأنوار فسبحانه من رب لا يضاهى ومنان لا يحصى كرمه ولا يتناهى ونحن في تيار بحر جوده سابحون وعن إقامة مراسم شكره قاصرون، وما أحسن قول بعض العارفين أنهتعالى يملك عباداً غيرك وأنت ليس لك رب سواه ثم إنك تتساهل في خدمته والقيام في وظائف طاعته كأن لك رباً بل أرباباً غيره وهو سبحانه يعتني بتربيتك حتى كأنه لا عبد له سواك فسبحانه ما أتم تربيته وأعظم رحمته.

وإنما كان الجمع بالواو والنون مع أنه في المشهور جمع قلة والظاهر مستدع لجمع الكثرة تنبيهاً على أن العوالم وإن كثرت قليلة بل أقل من القليل في جنب عظمة اللهتعالى وكبريائه: { وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلاْرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ } [الزمر: 67] على أن جمع القلة كثيراً ما يوصله المقام إلى جمع الكثرة على أن بعض المحققين المحقين من أرباب العربية ذهب إلى أن الجمع المذكر السالم صالح للقلة والكثرة فاختر لنفسك ما يحلو. وقد أشار سبحانه وتعالى بقوله: {رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} إلى حضرة الربوبية التي هي مقام العارفين وهي اسم للمرتبة المقتضية للأسماء التي تطلب الموجودات فدخل تحتها العليم والسميع والبصير والقيوم والمريد والملك وما أشبه ذلك لأن كل واحد من هذه الأسماء والصفات يطلب ما يقع عليه فالعليم يقتضي معلوماً والقادر مقدوراً والمريد مراداً إلى غير ذلك والأسماء التي تحت اسم الرب هي الأسماء المشتركة بين الحق والخلق والأسماء المختصة بالخلق اختصاصاً تأثيرياً فمن القسم الأول: العليم مثلاً فإن له وجهين وجه يختص بالجناب الإلهي ومنه يقال: يعلم نفسه ووجه ينظر إلى المخلوقات ومنه يقال: يعلم غيره ومن القسم الثاني: الخالق ونحوه من الأسماء الفعلية فله وجه واحد ومنه يقال: خالق للموجودات ولا يقال: خالق لنفسه،تعالى عن ذلك وهذا القسم من الأسماء تحت اسمه الملك ومنه يظهر الفرق بينه وبين الرب، وأما الفرق بين الرب والرحمن فهو أن الرحمن عندهم اسم لمرتبة اختصت بجميع الأوصاف العلية الإلهية سواء انفردت الذات به كالعظيم والفرد أو حصل الاشتراك أو الاختصاص بالخلق كالقسمين المتقدمين فهو أكثر شمولاً من الرب ومن مرتبة الربوبية ينظر الرحمن إلى الموجودات وأما اسمهتعالى الله: فهو اسم لمرتبة ذاتية جامعة وفلك محيط بالحقائق وهو مشير إلى الألوهية التي هي أعلى المراتب وهي التي تعطي كل ذي حق حقه وتحتها الأحدية وتحتها الواحدية وتحتها الرحمانية وتحتها الربوبية وتحتها الملكية ولهذا كان اسمه الله أعلى الأسماء وأعلى من اسمه الأحد فالأحدية أخص مظاهر الذات لنفسها والألوهية أفضل مظاهر الذات لنفسها أو لغيرها ومن ثم منع أهل اللهتعالى تجلي الأحدية ولم يمنعوا تجلي الألوهية لأن الأحدية ذات محض لا ظهور لصفة فيها فضلاً عن أن يظهر فيها مخلوق فما هي إلا للقديم القائم بذاته.

ومما قررنا يعلم سر كثرة افتتاح العبد دعاءه بيا رب يا رب مع أنهتعالى ما عين هذا الاسم الكريم في الدعاء ونفى ما سواه بل قال سبحانه: { قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ }  [الإسراء: 110] وقال: { وَللَّهِ ٱلاسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا } [الأعراف: 180] وقال أرباب الظاهر: الداعي لا يطلب إلا ما يظنه صلاحاً لحاله وتربية لنفسه فناسب أن يدعوه بهذا الاسم ونداء المربـي في الشاهد بوصف التربية أقرب لدر ثدي الإجابة وأقوى لتحريك عرق الرحمة، وعند ساداتنا الصوفية قدس اللهتعالى أسرارهم يختلف الكلام باختلاف المقام فرقاً وجمعاً وعندي وهو قبس من أنوارهم أن الأرواح أول ما شنفت آذانها وعطرت/ أردانها بسماع وصف الربوبية كما يشعر بذلك قولهتعالى: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} [الأعراف: 172] فهم ينادونه سبحانه بأول اسم قررهم به فأقروا وأخذ به عليهم العهد فاستقاموا واستقروا فهو حبيبهم الأول ومفزعهم إذا أشكل الأمر وأعضل:

تركت هوى سعدى وليلى بمعزل وعدت إلى مصحوب أول منزل
ونادتني الأهواء مهلاً فهذه منازل من تهوى رويدك فانزل

وقريب من هذا ما ذكره الشيخ الأكبر قدس سره الأنور مما حاصله أن اللهتعالى لما أوجد الكلمة المعبر عنها بالروح الكلي إيجاد إبداع وأعماه عن رؤية نفسه فبقي لا يعرف من أين صدر ولا كيف صدر فحرك همته لطلب ما عنده ولا يدري أنه عنده:

قد يرحل المرء لمطلوبه والسبب المطلوب في الراحل

{ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ } [ق: 16] فأخذ في الرحلة بهمته فأشهده الحق ذاته فعلم ما أودع اللهتعالى فيه من الأسرار والحكم وتحقق عنده حدوثه وعرف ذاته معرفة إحاطية فكانت تلك المعرفة غذاء معيناً يتقوت به وتدوم حياته فقال له عند ذلك التجلي الأقدس ما أسمي عندك فقال أنت ربـي فلم يعرفه إلا في حضرة الربوبية وتفرد القديم بالألوهية فإنه لا يعرفه إلا هو فقال له سبحانه أنت مربوبـي وأنا ربك أعطيتك أسمائي وصفاتي ولا يحصل لك العلم إلا من حيث الوجود ولو أحطت علماً بـي لكنت أنت أنا ولكنت محاطاً لك وأمدك بالأسرار الإلهية وأربيك بها فتجدها مجعولة فيك فتعرفها وقد حجبتك عن معرفة كيفية إمدادي لك بها إذ لا طاقة لك أن تحمل مشاهدتها إذ لو عرفتها لا تحدت الإنية وأين المركب من البسيط ولا سبيل إلى قلب الحقائق إلى آخر ما قال، ويعلم منه إشارة سر افتتاح الأوصاف في الفاتحة برب العالمين، وفيه أيضاً مناسبة لحال البعثة وإرساله صلى الله عليه وسلم إلى من أرسل إليه لأن ذلك أعظم تربية للعباد ورمز خفي إلى طلب الشفقة والرأفة بالخلق كيف كانوا لأن اللهتعالى ربهم أجمعين:

داريت أهلك في هواك وهم عدا ولأجل عين ألف عين تكرم

وقد قرىء (رب العالمين) بالنصب ونسب ذلك إلى زيد بن علي رضي اللهتعالى عنهما، وقد اختلف في توجيهه فقيل نصب على القطع ويقدر العامل هنا أمدح للمقام أو أذكر لا أعني لأن ذلك إذا لم يكن المنعوت متعيناً كما في «شرح العمدة» وضعف بالاتباع بعد القطع في النعت وأجيب بأن الرحمن بدل لا نعت وروى أنه قرىء بنصب (الرحمن الرحيم) فلا ضعف حينئذ وقيل بفعل مقدر دل عليه الحمد وليس على التوهم كما توهم أبو حيان فضعفه بزعمه أنه من خصائص العطف وقيل بالحمد المذكور واعترض بأن فيه إعمال المصدر المحلى باللام وبأنه يلزم الفصل بين العامل والمعمول بالخبر الأجنبـي وأجيب عن الأول بأن سيبويه وهو هو جوز إعمال المحلى مطلقاً والظرف تكفيه رائحة الفعل نعم منعه الكوفيون مطلقاً وجوزه على قبح الفارسي وبعض البصريين وفصل البعض بين ما تعاقب أل فيه الضمير فيجوز ومالا فلا، وعن الثاني بأن هذا الخبر كان معمولاً لهذا المبتدأ في موضع المفعول كما تقول حمداً له فليس بأجنبـي صرف على أن المبتدأ والخبر لاتحادهما معنى كشيء واحد فلا أجنبـي. وحكي عن بعض النحاة جواز الإعمال مطلقاً وقيل بالنداء ولا يخفى ما فيه من اللبس والفصل والالتفات الذي لا يكاد لخلوه عما يأتي إن شاء اللهتعالى يلتفت إليه وقيل رب فعل ماض وفيه أن أمره مضارع في البعد لما تقدم وأن الجملة لا تكون صفة والحالية غير حسنة الحال مع أنه قرىء بنصب ما بعد والمناسب المناسبة وأهون الأمور عندي أولها/ بل يكاد يقطع الظاهر بالقطع.

ثم إنه سبحانه وتعالى بعدما ذكر عموم تربيته صرح بعظيم رحمته فقال عز شأنه: {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} وقد تقدم الكلام عليهما والجمهور على خفضهما، ونصبهما زيد وأبو العالية وابن السميقع وعيسى بن عمرو، ورفعهما أبو رزين العقيلي والربيع بن خيثم وأبو عمران الجوني واستدل بعض ساداتنا بتكرارهما على أن البسملة ليست آية من الفاتحة وليس بالقوي لأن التكرار لفائدة، فذكرهما في البسملة تعليل للابتداء باسمه عز شأنه، وذكرهما هنا تعليل لاستحقاقهتعالى الحمد، وقال الإمام الرازي قدس سره في بيان حكمة التكرار التقدير كأنه قيل له اذكر أني إله ورب مرة واحد واذكر أني رحمن رحيم مرتين لتعلم أن العناية بالرحمة أكثر منها بسائر الأمور ثم لما بين الرحمة المضاعفة فكأنه قال لا تغتروا بذلك فإني مالك يوم الدين ونظيره قولهتعالى: { غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ } [غافر: 3] انتهى، وفي القلب منه شيء فإن الألوهية مكررة أيضاً كما ترى وعندي بمسلك صوفي أن ذكر {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} تفصيل من وجه لما في رب العالمين من الإجمال وذلك أن التربية تنقسم ببعض الاعتبارات إلى قسمين، أحدهما التربية بغير واسطة كالكلمة لأنه لا يتصور في حقه واسطة البتة، وثانيهما التربية بواسطة كما فيمن دون الكلمة وهذا الثاني له قسمان أيضاً، قسم ممزوج بألم كما في تربية العبد بأمور مؤلمة له شاقة عليه، وقسم لا مزج فيه كما في تربية كثير ممن شمله اللطف السبحاني:

غافل والسعادة احتضنته وهو عنها مستوحش نفار

فالرحمن يشير إلى التربية بالوسائط وغيرها في عالمه والرحيم يشير إلى التربية بلا واسطة في كلماته ورحمة الرحمن أيضاً قد تمزج بالألم كشرب الدواء الكره الطعم والرائحة فإنه وإن كان رحمة بالمريض لكن فيه ما لا يلائم طبعه ورحمة الرحيم لا يمازجها شوب فهي محض النعم ولا توجد إلا عند أهل السعادات الكاملة. اللهم اجعلنا سعداء الدارين بحرمة سيد الثقلين صلى الله عليه وسلم.

{مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ } قرأ مالك كفاعل مخفوضاً عاصم والكسائي وخلف في اختياره ويعقوب وهي قراءة العشرة إلا طلحة والزبير وقراءة كثير من الصحابة، منهم أبـيّ وابن مسعود ومعاذ وابن عباس، والتابعين منهم قتادة والأعمش، وقرأ (ملك) كفعل بالخفض أيضاً باقي السبعة وزيد وأبو الدرداء وابن عمر والمسور وكثير من الصحابة والتابعين، وقرأ (ملك) على وزن سهل أبو هريرة وعاصم الجحدري ورواها الجعفي وعبد الوارث عن أبـي عمرو وهي لغة بكر بن وائل، وقرأ (ملكي) باشباع كثرة الكاف أحمد بن صالح عن ورش عن نافع، وقرأ (ملك) على وزن عجل أبو عثمان والشعبـي وعطية، وقرأ أنس بن مالك وأبو نوفل عمرو بن مسلم البصري (ملك يوم الدين) بنصب الكاف من غير ألف، وقرأ كذلك إلا أنه رفع الكاف سعد بن أبـي وقاص وعائشة، وقرأ (ملك) فعلاً ماضياً أبو حنيفة على ما قيل وأبو حيوة وجبير بن مطعم وأبو عاصم عبيد بن عمير الليثي وينصبون اليوم وذكر ابن عطية أن هذه قراءة علي بن أبـي طالب كرم اللهتعالى وجهه والحسن ويحيـى بن يعمر، وقرأ (مالك) بالنصب الأعمش أيضاً وابن السميقع وعثمان بن أبـي سليمان وعبد الملك قاضي الهند، وذكر ابن عطية أنها قراءة عمر بن عبد العزيز وأبـي صالح السمان وروى ابن عاصم عن اليماني (مالكاً) بالنصب والتنوين، وقرأ (مالك) برفع الكاف والتنوين. ورويت عن خلف بن هشام وأبـي عبيد وأبـي حاتم فينصب اليوم، وقرأ (مالك يوم) بالرفع والإضافة أبو هريرة وأبو حيوة وعمر بن عبد العزيز بخلاف عنهم ونسبها صاحب «اللوامح» إلى ابن شداد العقيلي البصري وقرأ (مليك) كفعيل أبو هريرة/ في رواية وأبو رجاء العطاردي، وقرأ (مالك) بالإمالة البليغة يحيـى بن يعمر وأيوب السختياني وبين بين قتيبة بن مهران عن الكسائي ولم يطلع على ذلك أبو علي الفارسي فقال لم يمل أحد وذكر أنه قرأ (ملاك) بالألف وتشديد اللام وكسر الكاف فهذه عدة قراءات ذكرتها لغرابة وقوع مثلها في كلمة واحدة بعضها راجعة إلى الملك وبعضها إلى المالك، قال بعض اللغويين: وهما راجعان إلى الملك وهو الشد والربط ومنه ملك العجين وأنشدوا قول قيس بن الخطيم:

ملكت بها كفى فأنهزت فتقها يرى قائماً من دونها ما وراءها

والمتواتر منها قراءة (مالك) و (ملك) فهما نيرا سواريها وقطبا فلك دراريها، واختلف في الأبلغ منهما قال الزمخشري: و(ملك) هو الاختيار لأنه قراءة أهل الحرمين ولقولهتعالى: { لّمَنِ ٱلْمُلْكُ } [غافر: 16] ولقولهتعالى: { مَلِكِ ٱلنَّاسِ } [الناس: 2] ولأن الملك يعم والملك يخص ورجحه صاحب «الكشف» أيضاً بأنه يلزم على قراءة (مالك) نوع تكرار لأن الرب بمعناه أيضاً وبأنهتعالى وصف ذاته المتعالية بالملكية عند المبالغة في قوله { مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ } [آل عمران: 26] بالضم دون المالكية.

واعترض ذلك كله، أما أولاً: فلأن قراءة أهل الحرمين لا تدل على الرجحان لأنه لو سلم كون أوائلهم أعلم بالقرآن لا نسلم ذلك في عهد القراء المشهورين ألا ترى أن «صحيح البخاري» مقدم على «موطأ مالك» وهو عالم المدينة على أن القراءات المشهورة كلها متواترة وبعد التواتر المفيد للقطع لا يلتفت إلى أصول الرواة، وقول الشهاب: لا يخفى أن أهل الحرمين قديماً وحديثاً أعلم بالقرآن والأحكام فمن وراء المنع أيضاً ودون إثباته التعب الكثير كما لا يخفى على من لم ترعه القعاقع.

وأما ثانياً: فلأن الاستدلال بقولهتعالى: { لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } [غافر: 16] يخدشه قوله: { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً } [الإنفطار: 19] فإنه سبحانه أراد باليوم يوم القيامة وهو يوم الدين ونفي المالكية عن غيره يقتضي إثباتها له إذ السياق لبيان عظمتهتعالى والأمر آخر الآية واحد الأمور لا الأوامر وإن كثر استعماله فيه.

وأما ثالثاً: فلأن ما في الناس مغاير لما هنا لأن (مالك الناس) لو كان هناك كما قرىء به شذوذاً يتكرر مع رب الناس وأما هنا فلا تكرار لاختلاف المقام.

وأما رابعاً: فلأن ما ادعاه من أن الملك بضم الميم يعم والملك بالكسر يخص خلاف الظاهر والظاهر أن بين المالك والملك عموماً وخصوصاً من وجه لغة عرفاً فيوسف الصديق عليه السلام بناء على أنه مالك رقاب المصريين في القحط بمقتضى شرعهم ملك ومالك التاجر مالك غير ملك والسلطان على بلد لا ملك له فيها ملك غير مالك.

وأما خامساً: فبأن التكرار الذي زعمه صاحب «الكشف» قد كشف أمره على أنه مشترك الإلزام إذ الجوهري ذكر أن الرب كان يطلق على الملك.

أما سادسها: فلأن الدليل الأخير الذي ساقه لك أن تقلبه بأنهتعالى وصف ذاته بالمالكية دون الملكية وأيضاً إضافة المالك إلى الملك تدل على أن المالك أبلغ من الملك لأن الملك بالضم قد جعل تحت حيطة المالكية فكأنه أحد مملوكاته كذا قالوه ولهم ما كسبوا وعليهم ما اكتسبوا، وعندي لا ثمرة للخلاف والقراءتان فرسا رهان ولا فرق بين المالك والملك صفتين للهتعالى كما قاله السمين ولا التفات إلى من قال إنهما كحاذر وحذر ومتى أردت ترجيح أحد الوصفين تعارضت لديّ الأدلة وسدت على الباب الآثار وانقلب إليّ بصر البصيرة خاسئاً وهو حسير إلا أني اقرأ كالكسائي (مالك) لأحظى بزيادة عشر حسنات ولأن فيه إشارة واضحة إلى الفضل الكبير والرحمة الواسعة والطمع بالمالك من حيث إنه مالك فوق الطمع بالملك من حيث إنه ملك فأقصى ما يرجى من الملك أن ينجو الإنسان منه رأساً برأس ومن المالك يرجى ما هو فوق ذلك فالقراءة به/ أرفق بالمذنبين مثلي وأنسب بما قبله وإضافته إلى يوم الدين بهذا المعنى ليكسر حرارته فإن سماع {يَوْمِ ٱلدّينِ } يقلقل أفئدة السامعين ويشبه ذلك من وجه قولهتعالى: { عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } [التوبة: 43] والمدار على الرحمة لا سيما والأمر جدير والترغيب فيه أرغب على أنه لا يخلو الحال عن ترهيب وكأني بك تعارض هذه النكت وما عليّ فهذا الذي دعاني إليه حسن الظن.

واليوم: في العرف عبارة عما بين طلوع الشمس وغروبها من الزمان وفي الشرع عند أهل السنة ما عدا الأعمش عبارة عما بين طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس ويطلق على مطلق الوقت. ويوم القيامة حقيقة شرعية في معناه المعروف وتركيبه غريب إذ فاء الكلمة فيه ياء وعينها واو ولم يأت من ذلك كما في "البحر المحيط" إلا يوم وتصاريفه.

والدين: الجزاء ومنه الحديث المرسل عن أبـي قلابة رضي اللهتعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "البر لا يبلى والإثم لا ينسى والديان لا يموت فكن كما شئت كما تدين تدان" وقيل فرق بينهما فإن الدين ما كان بقدر فعل المجازى والجزاء أعم. وقيل الدين اسم للجزاء المحبوب المقدر بقدر ما يقتضيه الحساب إذا كان ممن معه وقع الأمر المجزي به فلا يقال لمن جازى عن غيره أو أعطى كثيراً في مقابلة قليل دين ويقال جزاء والأرجح عندي أن الدين والجزاء بمعنى فيوم الدين هو يوم الجزاء ويؤيده قولهتعالى: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ } [غافر: 17] و { ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [الجاثية: 28] وإضافة مالك إلى يوم على التوسع وقد قال النحاة الظرف إما متصرف وهو الذي لا يلزم الظرفية أو غير متصرف وهو مقابله والأول كيوم وليلة فلك أن تتوسع فيهما بأن ترفع أو تجر أو تنصب من غير أن تقدر فيه معنى (في) فيجرى مجرى المفعول للتساوي في عدم التقدير فإذا قلت سرت اليوم كان منصوباً انتصاب زيد في ضربت زيداً ويجري سرت مجرى ضربت في التعدي مجازاً لأن السير لا يؤثر في اليوم تأثير الضرب في زيد ولا يخرج بذلك عن معنى الظرفية ولذا يتعدى إليه الفعل اللازم ولا يظهر في الاسم وإنما يظهر في الضمير كقوله:

ويوماً شهدناه سليماً وعامرا قليل سوى طعن النهار نوافله

وإذا توسع في الظرف فإن كان فعله غير متعد تعدى وإن كان متعدياً إلى واحد تعدى إلى اثنين وإن كان متعدياً إلى اثنين تعدى إلى ثلاثة وهو قليل ومنعه البعض وإن كان متعدياً إلى ثلاثة لم يتعد إلى رابع في المشهور إذ لا نظير له. وحكى ابن السراج جوازه والتوسع هذا تجوّز حكمي في النسبة الظرفية الواقعة بعد نسبة المفعول به الحقيقي فالمتعدي قبله باق على حاله حتى إذا لم يذكر مفعوله قدر أو نزل منزلة اللازم والجمع بين الحقيقة والمجاز في المجاز الحكمي ليس محل الخلاف ولذا قال الرضى: اتفقوا على أن معنى الظرف متوسعاً فيه وغير متوسع فيه سواء والمعنى مالك الأمر كله في يوم الدين وهذا ثابت له سبحانه أزلاً وأبداً لأنه إما من الصفات الذاتية المتفق على ثبوتها له سبحانه كذلك أو من الصفات الفعلية وهي عند الماتريدية مثلها بل قال الزركشي من الأشاعرة في إطلاق الخالق والرازق ونحوهما في حقهتعالى قبل وجود الخلق والرزق حقيقة وإن قلنا بحدوث صفات الأفعال أو المعنى ملك الأمور يوم الدين على حد { وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ } [الأعراف: 44] ففي الآية استعارة تبعية كما يفهمه كلامه العلامة البيضاوي في «تفسيره» وعلى التقديرين يصح وقوعه صفة للمعرفة لأن الإضافة حينئذ حقيقية ولا ينافي ذلك التوسع في الظرف لأنه مفعول من حيث المعنى لا من حيث الإعراب أي يتعلق المالك به تعلق المملوكية حتى لو كانت شرائط العمل حاصلة عمل فيه كما قاله الشريف وفيه تأمل والأولى باستمرار الاعتبار اعتبار الاستمرار والمستمر يصح أن تكون إضافته معنوية كما يصح أن لا تكون/ كذلك والتعيين مفوض للمقام وذلك لاشتماله على الأزمنة الثلاث ولا يرد أن (يوم الدين) وما فيه ليس مستمراً في جميع الأزمنة فكيف يتصور كونهتعالى مالكاً على الاستمرار لأنا نقول ليس عند ربك صباح ولا مساء وهو سبحانه ليس بزماني والأزل والأبد عنده نقطة واحدة والفرق بينهما بالاعتبار والتعبيرات المختلفة في كلامه عز شأنه بالنظر إلى حال المخاطب فالاستمرار بالنظر إليهتعالى متحقق بلا شبهة ومن هنا يستنبط جواب للسؤال المشهور بأن المالك لا يكون مالكاً للشيء إلا إذا كان موجوداً ويوم الدين غير موجود الآن، وأجاب غير واحد بأن يوم الدين لما كان محققاً جعل كالقائم في الحال وأيضاً من مات فقد قامت قيامته فكأن القيامة حاصلة في الحال فزال السؤال، ولا يخفى أن السؤال باق على مذهب بعض المتكلمين القائلين بأن الزمان معدوم إذ يقال بعد إن تملك المعدوم محال إلا أن يقال يجعل الكلام كناية عن كونه مالكاً للأمر كله لأن تلك الزمان كتلك المكان يستلزم تملك جميع ما فيه ولا يلزم في الكناية إمكان المعنى الحقيقي والاستلزام بمعنى الانتقال في الجملة لا بمعنى عدم الانفكاك فلا يرد المنع وأنت إذا قرأت (ملك) تسلم من هذا القيل والقال إن جعلته صفة مشبهة أو ألحقته بأسماء الأجناس الجامدة كسلطان وأما إذا جعلته صيغة مبالغة كحذر ـ وهو ملحق باسم الفاعل ـ فيرد عليك ما ورد علينا وأنا من فضل اللهتعالى لا تحركني العواصف بل ذلك يزيدني في المالك حباً، وإنما قال {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ } ولم يقل يوم القيامة مراعاة للفاصلة وترجيحاً للعموم فإن الدين بمعنى الجزاء يشمل جميع أحوال القيامة من ابتداء النشور إلى السرمد الدائم بل يكاد يتناول النشأة الأولى بأسرها على أن يوم القيامة لا يفهم منه الجزاء مثل يوم الدين ولا يخلو اعتباره عن لطف، وأيضاً للدين معان شاع استعماله فيها كالطاعة والشريعة فتذهب نفس السامع إلى كل مذهب سائغ وقد قال بكل من هذين المعنيين بعض والمعنى حينئذ على تقدير مضاف فعلى الأول يوم الجزاء الكائن للدين وعلى الثاني يوم الجزاء الثابت في الدين وإذا أريد بالطاعة في الأول الانقياد المطلق لظهوره ذلك اليوم ظاهراً وباطناً وجعل إضافة يوم للدين في الثاني لما بينهما من الملابسة باعتبار الجزاء لم يحتج إلى تقدير، وتخصيص اليوم بالإضافة مع أنهتعالى مالك وملك جميع الأشياء في كل الأوقات والأيام إما للتعظيم وإما لأن الملك والملك الحاصلين في الدنيا لبعض الناس بحسب الظاهر يزولان وينسلخ الخلق عنهما انسلاخاً ظاهراً في الآخرة: { وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْداً } [مريم: 95] وينفرد سبحانه في ذلك اليوم بهما انفراداً لا خفاء فيه ولذلك قال سبحانه: { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلاْمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } [الإنفطار: 19] و { لَمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ } [غافر: 16] وأيضاً هنالك يجتمع الأولون والآخرون ويقوم الروح والملائكة صفاً وتجتمع العبيد في صعيد واحد وتظهر صفة الجمال والجلال أتم ظهور فتعلم صفة المالكية والملكية للمجموع في آن واحد فوق ما علمت لكل فرد فرد أو جمع جمع على توالي الأزمان وإنما ختم سبحانه هذه الأوصاف بهذا الوصف إشارة إلى الإعادة كما افتتح بما يشير إلى الإبداء وفي إجرائها عليهتعالى تعليل لإثبات ما سبق وتمهيد لما لحق وفيه إيماء إلى أن الحمد ليس مجرد الحمد لله بل مع العلم بصفات الكمال ونعوت الجلال وهذه أمهاتها ولم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها وقد يقال في إجراء هذه الأوصاف بعد ذكر اسم الذات الجامع لصفات الكمال إشارة إلى أن الذي يحمده الناس ويعظمونه إنما يكون حمده وتعظيمه لأحد أمور أربعة، إما لكونه كاملاً في ذاته وصفاته وإن لم يكن منه إحسان إليهم، وإما لكونه محسناً إليهم ومتفضلاً عليهم، وإما لأنهم يرجون لطفه وإحسانه في الاستقبال، وإما لأنهم يخافون من كمال قدرته فهذه هي الجهات الموجبة للحمد والتعظيم فكأنه سبحانه يقول يا عبادي إن كنتم تحمدون وتعظمون للكمال الذاتي والصفاتي فاحمدوني فإني/ أنا الله وإن كان للإحسان والتربية والإنعام فإني أنا رب العالمين وإن كان للرجاء والطمع في المستقبل فإني أنا الرحمن الرحيم وإن كان للخوف فإني أنا مالك يوم الدين.

ومن الناس من استدل كما قال الإمام على وجوب الشكر عقلاً قبل مجيء الشرع بأنهتعالى أثبت الحمد هنا لذاته ووصفه بكونه رباً للعالمين رحماناً رحيماً بهم مالكاً لعاقبة أمورهم في القيامة، وترتب الحكم على الوصف المناسب يدل على كون الحكم معللاً به فدل ذلك على ثبوت الحمد لة قبل الشرع وبعده وهو على ما فيه دليل عليه لا له لأنه بيان من اللهتعالى لإيجابه فهو سمعي لا عقلي فالمستدل به كناطح صخرة.

هذا وفي ذكر هذه الأسماء الخمسة أيضاً لطائف فالإنسان بدن ونفس شيطانية ونفس سبعية ونفس بهيمية وجوهر ملكي عقلي فالتجلي باسمهتعالى الله للجوهر الملكي: { أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } [الرعد: 28] وباسم الرب للنفس الشيطانية { رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّيـٰطِينِ } [المؤمنون: 97] وباسم الرحمن للنفس السبعية بناء على أنه مركب من لطف وقهر { ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ } [الفرقان: 26] وباسم الرحيم للنفس البهيمية { أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ } [المائدة: 5] وبمالك يوم الدين للبدن الكثيف { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ } [الرحمن: 31].

وآثار هذا التجلي طاعة الأبدان بالعبادة وطاعة النفس الشيطانية بطلب الاستعانة والسبعية بطلب الهداية والبهيمية بطلب الاستقامة، وتواضعت الروح القدسية فعرضت لطلب إيصالها إلى الأرواح العالية المطهرة وأيضاً دعائم الإسلام خمس فالشهادة من أنوار تجلي الله والصلاة من أنوار تجلي الرب وإيتاء الزكاة من أنوار تجلي الرحمن وصيام رمضان من أنوار تجلي الرحيم والحج من أنوار تجلي مالك يوم الدين وكأنه لهذا طلبت الفاتحة في الصلاة التي هي العماد.

ولما بلغ الثناء الغاية القصوى قال سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } إيا في المشهور ضمير نصب منفصل واللواحق حروف زيدت لبيان الحال، وقيل أسماء أضيف هو إليها، وقيل الضمير هي تلك اللواحق وإيا دعامة، وقيل الضمير هو المجموع وقيل إيا مظهر مبهم مضاف إلى اللواحق وزعم أبو عبيدة اشتقاقه وهو جهل عجيب والبحث مستوفى في علم النحو، وقد جاء وياك بقلب الهمزة واواً ولا أدري أهو عن القراء أم عن العرب وقرأ عمرو بن فائد عن أبـيّ (إياك) بكسر الهمزة وتخفيف الياء وعلي وأبو الفضل الرقاشي (أياك) بفتح الهمزة والتشديد وأبو السوار الغنوي (هياك) بإبدال الهمزة مكسورة ومفتوحة هاء والجمهور (إياك) بالكسر والتشديد.

والعبادة أعلى مراتب الخضوع ولا يجوز شرعاً ولا عقلاً فعلها إلا للهتعالى لأنه المستحق لذلك لكونه مولياً لأعظم النعم من الحياة والوجود وتوابعهما ولذلك يحرم السجود لغيره سبحانه لأن وضع أشرف الأعضاء على أهون الأشياء وهو التراب وموطىء الأقدام والنعال غاية الخضوع وقيل لا تستعمل إلا في الخضوع له سبحانه وما ورد من نحو قولهتعالى: { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } [الأنبياء: 98] وارد على زعمهم تعريضاً لهم ونداء على غباوتهم وتستعمل بمعنى الطاعة ومنه: { أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَـٰنَ } [يس: 60] وبمعنى الدعاء ومنه: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى } [غافر: 60] وبمعنى التوحيد ومنه: { وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات: 56] وكلها متقاربة المعنى وذكر بعض المحققين أن لها ثلاث درجات لأنه إما أن يعبد اللهتعالى رغبة في ثوابه أو رهبة من عقابه ويختص باسم الزاهد حيث يعرض عن متابعة الدنيا وطيباتها طمعاً فيما هو أدوم وأشرف وهذه مرتبة نازلة عند أهل اللهتعالى وتسمى عبادة وإما أن يعبد اللهتعالى تشرفاً بعبادته أو لقبوله لتكاليفه أو بالانتساب إليه وهذه مرتبة متوسطة وتسمى بالعبودية وإما أن يعبد اللهتعالى لاستحقاقه الذاتي من غير نظر إلى نفسه بوجه من الوجوه ولا يتقضيه إلا الخضوع والذلة وهذه أعلى الدرجات وتسمى بالعبودة وإليه الإشارة بقول المصلي أصلي للهتعالى فإنه/ لو قال أصلي لثوابهتعالى مثلاً أو للتشرف بعبادته فسدت صلاته.

والاستعانة طلب المعونة وياء فعله منقلبة عن واو وتمسكت الجبرية والقدرية بهذه الآية أما الجبرية فقالوا لو كان العبد مستقلاً لما كان للاستعانة على الفعل فائدة وأما القدرية فقالوا السؤال إنما يحسن لو كان العبد متمكناً في أصل الفعل فيطلب الإعانة من الغير أما إذا لم يقدر عليه لم يكن للاستعانة فائدة وقد أشار ناصر الملة والدين البيضاوي بيض اللهتعالى وجه حجته ببيان المعونة إلى أنه لا تمسك لواحد من الفريقين في ذلك حيث قال وهي إما ضرورية أو غيرها والضرورية ما لا يتأتى الفعل دونه كاقتدار الفاعل وتصوره وحصول آلة ومادة يفعل بها فيها وعند استجماعها يصح أن يوصف الرجل بالاستطاعة ويصح أن يكلف بالفعل وغير الضرورية تحصيل ما يتيسر به الفعل ويسهل كالراحلة في السفر للقادر على المشي أو يقرب الفاعل إلى الفعل ويحثه عليه وهذا القسم لا يتوقف عليه صحة التكليف انتهى.

وحاصله أن الاستعانة طلب ما يتمكن به العبد من الفعل أو يوجب اليسر عليه وشيء منهما لا يوجب الجبر ولا القدر وعندي أن الآية إن استدل بها على شيء من بحث خلق الأفعال فليستدل بها على أن للعباد قدراً مؤثرة بإذن اللهتعالى لا بالاستقلال كما عقدت عليه خنصر عقيدتي لا أنهم ليس لهم قدرة أصلاً بل جميع أفعالهم كحركة المرتعش كما يقوله الجبرية إذ الضرورية تكذبه ولا أن لهم قدرة غير مؤثرة أبداً كاليد المشلولة كما هو الشائع من مذهب الأشاعرة إذ هو في المآل كقول الجبرية وأي فرق بين قدرة لا أثر لها وبين عدم القدرة بالكلية إلا بما هو { كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً } [النور: 39] ولا أن لهم قدرة مستقلة بالأفعال يفعلون بها ما شاؤا فاللهتعالى يريد ما لا يفعله العبد ويفعل العبد ما لا يريده اللهتعالى كما يقوله المعتزلة إذ يرد ذلك النصوص القواطع كما ستسمعه إن شاء اللهتعالى، ووجه الاستدلال أن {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } مشير إلى صدور الفعل من العباد وذلك يستدعي قدرة يكون بها الإيجاد ومن لا قدرة له أو له قدرة لا مدخل لها في الإيجاد لا يقال له أوجد وصحة ذلك باعتبار الكسب كيفما فسر لا يرتضيه المنصف العاقل.

وقوله {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } يدل على نفي الاستقلال فيه وأنه بإذن اللهتعالى وإعانته كما يشير إليه لا حول ولا قوة إلا بالله وهذا هو اللبن السائغ الذي يخرج من بين فرث ودم فلا جبر ولا تفويض فاحفظه وانتظر تتمته:

ولو كان هذا موضع القول لاشتفى فؤادي ولكن للمقال مواضع

وهٰهنا أبحاث: الأول في سر تقديم الضمير على الفعلين وذكروا له وجوهاً الدلالة على الحصر والاختصاص كما يشعر به عدول البليغ عما هو الأصل من غير ضرورة ولذلك قال ابن عباس رضي اللهتعالى عنهما معناه لا نعبد غيرك وهو حقيقي لا يستدعي رد خطأ المخاطب والمقصود منه التبرئة عن الشرك وتعريض بالمشركين وتقديم ما هو مقدم في الوجود فإنهتعالى مقدم على العابد والعبادة ذاتاً فقدم وضعاً ليوافق الوضع الطبع. وتنبيه العابد من أول الأمر على أن المعبود هو اللهتعالى الحق فلا يتكاسل في التعظيم ولا يلتفت يميناً وشمالاً والاهتمام فإن ذكرهتعالى أهم للمؤمنين في كل حال لا سيما حال العبادة لأنها محل وساوس الشيطان من الغفلة والكسل والبطالة والتصريح من أول وهلة بأن العبادة له سبحانه فهو أبلغ في التوحيد وأبعد عن احتمال الشرك فإنه لو أخر فقبل أن يذكر المفعول يحتمل أن تكون العبادة لغيرهتعالى. والإشارة إلى حال العارف وأنه ينبغي أن يكون نظره إلى المعبود أولاً وبالذات وإلى العبادة من حيث إنها وصلة إليه وراحلة تغد به عليه فيبقى مستغرقاً في مشاهدة أنوار جلاله مستقراً في فردوس أنوار جماله وكم من فرق بين قولهتعالى للمحمديين: { فَٱذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ } [البقرة: 152] وبين قوله للإسرائليين: { ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِى ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } [البقره: 40] وبين ما حكى عن الحبيب من قوله: { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا } [التوبه: 40] وبين ما حكاه عن الكليم من قوله: { إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ } [الشعراء: 62].

الثاني في سر قوله {نَعْبُدُ } دون أعبد فقد قيل هو الإشارة إلى حال العبد كأنه يقول إلهي ما بلغت عبادتي إلى حيث أذكرها وحدها لأنها ممزوجة بالتقصير ولكن أخلطها بعبادة جميع العابدين وأذكر الكل بعبارة واحدة حتى لا يلزم تفريق الصفقة وقيل النكتة في العدول إلى الإفراد التحرز عن الوقوع في الكذب فإنا لم نزل خاضعين لأهل الدنيا متذللين لهم مستعينين في حوائجنا بمن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا حياتاً ولا موتاً ولا نشوراً ويا ليت الفحل يهضم نفسه فكيف يقول أحدنا إياك أعبد وإياك أستعين بالإفراد ويمكن في الجمع أن يقصد تغليب الأصفياء المتقين من الأولياء والمقربين وقيل لو قال إياك أعبد لكان ذلك بمعنى أنا العابد ولما قال {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } كان المعنى أني واحد من عبيدك وفرق بين الأمرين كما يرشدك إليه قولهتعالى حكاية عن الذبيح عليه السلام: { سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } [الصافات: 102] وقولهتعالى: حكاية عن موسى { سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ صَابِرًا } [الكهف: 69] فصبر الذبيح لتواضعه بعدِّ نفسه واحداً من جمع ولم يصبر الكليم لإفراده نفسه مع أن كلاً منهما عليهما السلام قال {إِن شَاء ٱللَّهُ } وقيل الضمير في الفعلين للقاري ومن معه من الحفظة وحاضري الجماعة وقيل هو من باب: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ» على ما ذكره الغزالي قدس سره وقد تقدم.

الثالث في سر تقديم فعل العبادة على فعل الاستعانة وله وجوه الأول أن العبادة أمانة كما قالتعالى: { إِنَّا عَرَضْنَا ٱلاْمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ } [الأحزاب: 72] فاهتم للأداء فقدم، الثاني أنه لما نسب المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك تبجحاً واعتداداً منه بما صدر عنه فعقبه بقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ليدل على أن العبادة مما لا تتم إلا بمعونة وتوفيق وإذن منه سبحانه، الثالث أن العبادة مما يتقرب بها العبد إلى اللهتعالى والاستعانة ليست كذلك فالأول أهم، الرابع أنها وسيلة فتقدم على طلب الحاجة لأنه أدعى للإجابة. الخامس: أنها مطلوبة للهتعالى من العبادة، والاستعانة مطلوبهم منه سبحانه فتقديم العبد ما يريده مولاه منه أدل على صدق العبودية من تقديم ما يريده من مولاه، السادس: أن العبادة واجبة حتماً لا مناص للعبادة عن الإتيان بها حتى جعلت كالعلة لخلق الإنس والجن فكانت أحق بالتقديم. السابع: أنها أشد مناسبة بذكر الجزاء والاستعانة أقوى التئاماً بطلب الهداية، الثامن: أن مبدأ الإسلام التخصيص بالعبادة والخلوص من الشرك والتخصيص بالاستعانة بعد الرسوخ، التاسع: أن في تأخير فعل الاستعانة توافق رءوس الآي، العاشر: أن أحدهما إذا كان مرتبطاً بالآخر لم يختلف التقديم والتأخير كما يقال قضيت حقي فأحسنت إلي وأحسنت إلي فقضيت حقي. الحادي عشر: أن مقام السالكين ينتهي عند قوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } وبعده يطلب التمكين وذلك أن الحمد مبادي حركة المريد فإن نفس السالك إذا تزكت ومرآة قلبه إذا انجلت فلاحت فيها أنوار العناية الموجبة للولاية تجردت النفس الزكية للطلب فرأت آثار نعم اللهتعالى عليها سابغة وألطافه غير متناهية فحمدت على ذلك وأخذت في الذكر فكشف لها الحجاب من وراء أستار العزة عن معنى {رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فشاهدت ما سوى الله سبحانه على شرف الفناء مفتقراً إلى المبقى محتاجاً إلى التربية فترقت لطلب الخلاص من وحشة الأدبار وظلمة السكون إلى الأغيار فهبت لها من نفحات جناب القدس نسائم ألطاف الرحمن الرحيم فعرجت للمعات بوارق الجلال من وراء سجاف الجمال إلى الملك الحقيقي فنادت بلسان الاضطرار في مقام { لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ } [غافر: 16] أسلمت نفسي إليك وأقبلت بكليتي عليك وهناك خاضت لجة الوصول وانتهت إلى مقام العين فحققت نسبة العبودية فقال {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } وهنا انتهاء مقام السالك/ ألا يرى إلى سيد الخلق وحبيب الحق كيف عبر عن مقامه هذا بقوله: { سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً } [الإسراء: 1] فطلب التمكين بقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } واستعاذ عن التلوين بقوله: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ } فصعد مستكملاً ورجع مكملاً وكأنه لهذا سميت الصلاة معراج المؤمنين.

البحث الرابع: في سر الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وقد ازدحمت فيه أذهان العلماء بعد بيان نكتته العامة وهي التفنن في الكلام والعدول من أسلوب إلى آخر تطرية له وتنشيطاً للسامع فقيل لما ذكر الحقيق بالحمد ووصف بصفات عظام تميز بها عن سائر الذوات وتعلق العلم بمعلوم معين خوطب بذلك ليكون أدل على الاختصاص والترقي من البرهان إلى العيان والانتقال من الغيبة إلى الشهود وكأن المعلوم صار عياناً والمعقول مشاهداً والغيب حضوراً، وقيل لما شرح اللهتعالى صدر عبده وأفاض على قلبه وقالبه نور الإيمان والإسلام من عنده ترقى بذريعة الحمد المستجلب لمزيد النعم إلى رتبة الإحسان وهو: «أن تعبد اللهتعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» وأيضاً حقيقة العبادة انقياد النفس الأمارة لأحكام اللهتعالى وصورته وقالبه الإسلام ومعناه وروحه الإيمان ونوره ونوره الإحسان وفي {نَعْبُدُ } والالتفات تتم الأمور الثلاثة وأيضاً لما تبين أنه ملك في الأزل ما في أحايين الأبد علم أن الشاهد والغائب والماضي والمستقبل بالنسبة إليه على حد سواء فلذلك عدل عن الغيبة إلى الخطاب ويحتمل أن يكون السر أن الكلام من أول السورة إلى هنا ثناء والثناء في الغيبة أولى ومن هنا إلى الآخر دعاء وهو في الحضور أولى واللهتعالى حي كريم. وقيل إنه لما كان الحمد لا يتفاوت غيبة وحضوراً بل هو مع ملاحظة الغيبة أدخل وأتم وكانت العبادة إنما يستحقها الحاضر الذي لا يغيب كما حكى سبحانه عن إبراهيم عليه السلام: { فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ } [الأنعام: 76] لا جرم عبر سبحانه وتعالى عن الحمد بطريق الغيبة وعنها بطريق الخطاب إعطاء لكل منهما ما يليق من النسق المستطاب وأيضاً من تشبه بقوم فهو منهم، فالعابد لما رام ذلك سلك مسلك القوم في الذكر ومزج عبادته بعبادتهم وتكلم بلسانهم وساق كلامه على طبق مساقهم عسى أن يصير محسوباً في عدادهم مندرجاً في سياقهم:

إن لم تكونوا منهم فتشبهوا إن التشبه بالكرام فلاح

وأيضاً فيه إشارة إلى أن من لزم جادة الأدب والانكسار ورأى نفسه بعيداً عن ساحة القرب لكمال الاحتقار فهو حقيق أن تدركه رحمة إلهية وتلحقه عناية أزلية إلى حظائر القدس وتطلعه على سرائر الأنس فيصير واطئاً على بساط الاقتراب فائزاً بعز الحضور وسعادة الخطاب. وأيضاً إنه لما لم يكن في الحمد مزيد كلفة بخلاف العبادة فإن خطبها عظيم ومن دأب المحب تحمل المشاق العظيمة في حضور المحبوب قرن سبحانه العبادة بما يشعر بحضوره ليأتي بها العابد خالية عن الكلال عارية عن الفتور والملال مقرونة بكمال النشاط موجبة لتمام الانبساط:

حمامة جرعى حومة الجندل اسجعي فأنت بمرأى من سعاد ومسمع

وأيضاً إن الحمد ليس إلا إظهار صفات الكمال على الغير فما دام للأغيار وجود في نظر السالك فهو يواجههم بإظهار مزايا المحبوب عليهم ويخاطبهم بذكر مآثره الجميلة لديهم وأما إذا آل أمره بملازمة الأذكار إلى ارتفاع الحجب والأستار واضمحلال جميع الأغيار لم يبق في نظره سوى المعبود الحق والجمال المطلق وانتهى إلى مقام الجمع وصار في مقعد { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } [البقرة: 115] فبالضرورة لا يصير توجيه الخطاب إلا إليه ولا يمكن إظهار السر إلا لديه فينعطف عنان لسانه إلى جنابه ويصير كلامه منحصراً في خطابه، وثم وراء الذوق معنى يدق عن مدارك أرباب العقول السليمة/ وعندي وهو من نسائم الأسحار أن الله سبحانه بعد أن ذكر {يَوْمِ ٱلدِّينِ} وهو يوم القيامة التفت إلى الخطاب للإشارة إلى أنه إذا قامت القيامة على ساق وكان { إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ } [القيامة: 30] هنالك يفوز المؤمن بلذة الحضور ويتبلج جبينه بأنوار الفرح والسرور ويخلو به الديان وليس بينه وبينه ترجمان ويكشف الحجاب وتدور بين الأحباب كؤس الخطاب، فتأمل في عظيم الرحمة كيف قرن سبحانه هذا الترهيب برحمتين فصرح قبل يوم الدين بما صرح ورمز بعد ذكره بما رمز ولن يغلب عسر يسرين. ومن باب الإشارة أن يوم الدين تلويح إلى مقام الفناء لأنه موت النفس عن شهواتها وخروجها عن جسد تعلقها بالأغيار والتفاتها و "من مات فقد قامت قيامته" فعند ذلك يحصل البقاء في جنة الشهود ويتحقق الجمع في مقام صدق عند المليك المعبود وفوق هذا مقام آخر لا يفي بتقريره الكلام ولا تقدر على تحريره الأقلام بل لا يزيده البيان إلا خفاء ولا يكسبه التقريب إلا بعداً واعتلاء:

ولو أن ثوباً حيك من نسج تسعة وعشرين حرفاً في علاه قصير

اللهم أغرقنا في بحار مشاهدتك ومن علينا بخندريس وحدتك حتى لا نحدث إلا عنك ولا نسمع إلا منك ولا نرى إلا إياك.

هذا وقد ذكر الإمام السيوطي نقلاً عن الشيخ بهاء الدين أنه قال اتفقوا على أن فيما نحن فيه التفاتاً واحداً وفيه نظر لأن الزمخشري ومن تابعه على أن الالتفات خلاف الظاهر مطلقاً فإن كان التقدير قولوا الحمد لله ففي الكلام المأمور به التفاتان، أحدهما في لفظ الجلالة وأصله الحمد لك لأنهتعالى حاضر، والثاني في {إِيَّاكَ } لمجيئه على خلاف أسلوب ما قبله وإن لم يقدر كان في {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} التفات من التكلم للغيبة لأنهتعالى حمد نفسه ولا يكون في {إِيَّاكَ} التفات لتقدير قولوا معها قطعاً فأحد الأمرين لازم للزمخشري والسكاكي إما أن يكون في الآية التفاتان أو لا يكون التفات أصلاً هذا إن قلنا برأي السكاكي كما يشعر به كلام الزمخشري في «الكشاف» لأنه جعل في الشعر الذي ذكره ثلاث التفاتات وإن قلنا برأي الجمهور ولم نقدر قولوا إياك نعبد فإن قدر قولوا قبل {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} كان فيه التفات واحد وبطل قول الزمخشري إن في البيت ثلاث التفاتات انتهى. وهو كلام يغني النظر فيه عن شرح حاله فليفهم.

البحث الخامس: في سر تكرار {إِيَّاكَ} فقيل للتنصيص على طلب العون منهتعالى فإنه لو قال سبحانه: إياك نعبد ونستعين لاحتمل أن يكون إخباراً بطلب المعونة من غير أن يعين ممن يطلب وقيل إنه لو اقتصر على واحد ربما توهم أنه لا يتقرب إلى اللهتعالى إلا بالجمع بينهما والواقع خلافه. وقيل إنه جمع بينهما للتأكيد كما يقال الدار بين زيد وبين عمرو وفيه أن التكرير إنما يكون تأكيداً إذا لم يكن معمولاً لفعل ثان وإياك الثاني في الآية معمول لنستعين مفعول له فكيف يكون تأكيداً، وقيل إنه تعليم لنا في تجديد ذكرهتعالى عند كل حاجة، وعندي أن التكرار للإشعار أن حيثية تعلق العبادة بهتعالى غير حيثية تعلق طلب الاستعانة منه سبحانه ولو قال: إياك نعبد ونستعين لتوهم أن الحيثية واحدة والشأن ليس كذلك إذ لا بد في طلب الإعانة من توسط صفة ولا كذلك في العبادة فلاختلاف التعلق أعاد المفعول ليشير بها إليه.

البحث السادس: في سر إطلاق الاستعانة فقيل ليتناول كل مستعان فيه فالحذف هنا مثله في قولهم فلان يعطي في الدلالة على العموم ورجح بلزوم الترجيح بلا مرجح في الحمل على البعض وأيضاً قرينة التقييد خفية وبأنه المروي عن ترجمان القرآن ابن عباس رضي اللهتعالى عنهما وبأن عموم المفعول متضمن لنفي الحول والقوة عن نفسه والانقطاع بالكلية إليهتعالى عمن سواه فهو أولى بمقام العبادة وإلى ترجيحه يشير صنيع العلامة البيضاوي، وقال صاحب «الكشاف»: الأحسن أن يراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة ويكون قولهتعالى: {ٱهْدِنَا} بياناً للمطلوب من المعونة/ كأنه قيل كيف أعينكم فقالوا اهدنا الصراط المستقيم وإنما كان أحسن لتلاؤم الكلام وأخذ بعضه بحجزة بعض انتهى، ووجه التخصيص حينئذٍ كمال احتياج العبادة إلى طلب الإعانة لكونها على خلاف مقتضى النفس. { إِنَّ ٱلنَّفْسَ لامَّارَةٌ بِٱلسُّوء إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } [يوسف: 53] والقرينة مقارنة العبادة ولا خفاء في وضوحها وكون عموم المفعول متضمناً لما ذكر معارض بنكتة التخصيص والرواية عن ابن عباس رضي اللهتعالى عنهما لعلها لم تثبت كذا قيل، والإنصاف عندي أن الحمل على العموم أولى ليتوافق ألفاظ هذه السورة الكريمة في المعنى المطلوب منها ولأن التوسل بالعبادة إلى تحصيل مرام يستوعب جميع ما يصح أن يستعان فيه ليدخل فيه التوفيق دخولاً أولياً أولى من مجرد التوفيق ويلائمه الصراط المستقيم فإنه أعم من العبادات والاعتقادات والأخلاق والسياسات والمعاملات والمناكحات وغير ذلك من الأمور الدينية والنجاة من شدائد القبر والبرزخ والحشر والصراط والميزان ومن عذاب النار والوصول إلى دار القرار والفوز بالدرجات العلى وكلها مفتقر إلى إعانة اللهتعالى وفضله. وأيضاً طرق الضلالات التي يستعاذ منها بغير المغضوب عليهم ولا الضالين لا نهاية لها وباستعانته يتخلص من مهالكها. وأيضاً لا يخفى أن المراد بالعبادة في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} هي وما يتعلق بها وما تتوقف عليه فإذاً توافق الاستعانة في العموم. وأيضاً قوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} مطلق شامل كل إنعام، وأيضاً لو كان المراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة يبقى حكم الاستعانة في غيرها غير معلوم في أم الكتاب ولا أظن أحداً يقول إنه يعلم من هذا التخصيص فلا أختار أنا إلا العموم وقد ثبت في "الصحيح" عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عباس: "إذا استعنت فاستعن بالله" الحديث وهو ظاهر فيه ولعل ابن عباس من هنا قال به في الآية إذا قلنا بثبوت ذلك عنه وهو الظن الغالب فمن استعان بغيره في المهمات بل وفي غيرها فقد استسمن ذا ورم ونفخ في غير ضرم أفلا يستعان به وهو الغني الكبير أم كيف يطلب من غيره والكل إليه فقير؟ وإني لأرى أن طلب المحتاج من المحتاج سفه من رأيه وضلة من عقله فكم قد رأينا من أناس طلبوا العزة من غيره فذلوا وراموا الثروة من سواه فافتقروا وحاولوا الارتفاع فاتضعوا فلا مستعان إلا به ولا عون إلا منه:

إليك وإلا لا تشد الركائب ومنك وإلا فالمؤمل خائب
وفيك وإلا فالغرام مضيع وعنك وإلا فالمحدث كاذب

وقد قرأ عبيد بن عمير الليثي وزيد بن حبيش ويحيـى بن وثاب والنخعي نعبد ـ بكسر النون ـ وهي لغة قيس وتميم وأسد وربيعة وهذيل وكذلك حكم حروف المضارعة في هذا الفعل وما أشبهه كنستعين مما لم ينضم ما بعدها فيه سوى الباء لاستثقال الكسرة عليها على أن بعضهم قال يجل بكسر ياء المضارعة من وجل وقرأ بعضهم يعلمون وقرأ الحسن وابن المتوكل وأبو محلف يعبد بالياء مبنياً للمفعول وهو غريب وعن بعض أهل مكة أنه قرأ نعبد بإسكان الدال وقرأ الجمهور نعبد ـ بفتح النون وضم الدال ـ وهي لغة أهل الحجاز وهي الفصحى.

{ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} الهداية دلالة بلطف لدلالة اشتقاقه ومادته عليه ولذا أطلق على المشيء برفق تهاد وسميت الهداية لطفاً وقولهتعالى: { فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْجَحِيمِ } [الصافات: 23] وارد على الصحيح مورد التهكم على حد { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [الإنشقاق: 24] ويقال هداه لكذا وإلى كذا فتعديه باللام وإلى إذا لم يكن فيه وهداه كذا بدونهما محتمل للحالين حتى لا يجوز في { وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [العنكبوت: 69] لسبلنا أو إلى سبلنا إلا بإرادة الإرادة في جاهدوا أو إرادة تحصيل المراتب العلية في سبلنا ومن ثم جمعها وقد ورد "من عمل بما علم ورثة اللهتعالى علم ما لم يعلم" وقد يقال المراد بيان الاستعمال الحقيقي وأما باب التجوز فواسع وهل يعتبر في الدلالة الإيصال أم لا/ فيه اختلاف المتأخرين من أهل اللسان ففريق خصها بالدلالة الموصلة وآخرون بالدلالة على ما يوصل، وقليل قال إن تعدت إلى المفعول الثاني بنفسها كانت بمعنى الإيصال ولا تسند إلا إليهتعالى كما في الآية وإن تعدت باللام أو إلى كانت بمعنى إراءة الطريق فكما تسند إليه سبحانه تسند إلى القرآن كقولهتعالى: { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ } [الإسراء: 9] وإلى النبـي صلى الله عليه وسلم كقولهتعالى: { وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [الشورى: 52] والكل من هذه الآراء غير خال عن خلل، أما الأول فيرد عليه قولهتعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } والجواب بجواز وقوعهم في الضلال بالارتداد بعد الوصول إلى الحق لا يساعده ما في التفاسير والتواريخ فإنها ناطقة بأن الجم الغفير من قوم ثمود لم يتصفوا بالإيمان قطعاً ومن آمن من قومه إلا قليل وقد بقوا على إيمانهم ولم يرتدوا على أن صاحب الذوق يدرك من نفس الآية خلاف الفرض كما لا يخفى. وأما الثاني فيرد عليه قولهتعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: { إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ } [القصص: 56] وما يقال إنه على حد قولهتعالى: { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } [الأنفال: 17] أو أن المعنى أنك لا تتمكن من إراءة الطريق لكل من أحببت بل إنما يمكنك إراءته لمن أردنا لا يخلو عن تكلف، وأما الثالث فإن كلام أهل اللغة لا يساعده بل ينادي بما ينافيه ومع ذلك فالقول بأن المتعدية لا تسند إلا إلى اللهتعالى منتقض بقولهتعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: { يٰأَبَتِ إِنّى قَدْ جَاءنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِى أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً } [مريم: 43] وعن مؤمن آل فرعون { يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ } [غافر: 38] ولهذا الخلل قال طائفة بالاشتراك والبحث لغوي لا دخل للاعتزال فيه وسيأتي إن شاء اللهتعالى تتمته.

{وٱلصّرَاطَ} الطريق وأصله بالسين من السرط وهو اللقم ولذلك يسمى لقماً كأن سالكه يبتلعه أو يبتلع سالكه ففي الأزهري أكلته المفازة إذا نهكته لسيره فيها وأكل المفازة إذا قطعها بسهولة قال أبو تمام:

رعته الفيافي بعد ما كان حقبة رعاها وماء المزن ينهل ساكبه

وبالسين على الأصل قرأ ابن كثير برواية قنبل ورويس اللؤلؤي عن يعقوب وقرأ الجمهور بالصاد وهي لغة قريش وقرأ حمزة باشمام الصاد زاياً والزاي الخالصة لغة لعذرة وكعب والصاد عندي أفصح وأوسع وأهل الحجاز يؤنثون الصراط كالطريق والسبيل والزقاق والسوق وبنو تميم يذكرون هذا كله وتذكيره هو الأكثر ويجمع في الكثرة على صرط ككتاب وكتب وفي القلة قياسه أصرطة هذا إذا كان الصراط مذكراً وأما إذا أنث فقياسه أفعل نحو ذراع وأذرع.

و {ٱلْمُسْتَقِيمَ} المستوى الذي لا اعوجاج فيه واختلف في المراد منه فقيل الطريق الحق. وقيل ملة الإسلام. وقيل القرآن وردهما الرازي قدس سره بأن قولهتعالى: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلِيم } يدل على الصراط المستقيم وهم المتقدمون من الأمم وما كان لهم القرآن والإسلام وفيه ما لا يخفى والعجب كل العجب من هذا المولى أنه ذكر في أحد الوجوه المرضية عنده أن الصراط المستقيم هو الوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في كل الأخلاق وفي كل الأعمال وأكد ذلك بقولهتعالى: { وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } [البقرة: 143] فياليت شعري ماذا يقول لو قيل له لم يكن هذا للمتقديمن من الأمم وتلونا عليه الآية التي ذكرها وسبحان من لا يرد عليه وقيل المراد به معرفة ما في كل شيء من كيفية دلالته على الذات والصفات وقيل المراد منه صراط الأولين في تحمل المشاق العظيمة لأجل مرضاة اللهتعالى وقيل العبادة لقولهتعالى: { وَأَنِ ٱعْبُدُونِى هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } [يس: 61] والقرآن يفسر بعضه بعضاً وفيه نظر، وقيل هو الإعراض عن السوي والإقبال بالكلية على المولى وقال الشيخ الأكبر قدس سره: هو ثبوت التوحيد في الجمع والتفرقة ولهم أقوال غير ذلك قريبة وبعيدة، وعندي بعد الاطلاع على ما للعلماء و { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } [الروم: 32] أن الصراط المستقيم بتنوع إلى عام للناس وخاص بخواصهم والكل منهما صراط المنعم عليهم على اختلاف درجاتهم فالأول جسر بين العبد وبين الله/ سبحانه ممدود على متن جهنم الكفر والفسق والجهل والبدع والأهواء وهو الاستقامة على ما ورد به الشرع الشريف القويم علماً وعملاً وخلقاً وحالاً وهو الذي يظهر في الآخرة على متن جهنم الجزاء ممثلاً مصوراً بالتمثيل الرباني والتصوير الإلهي على حسب ما عليه العبد اليوم "فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد دون ذلك فلا يلومن إلا نفسه" وللتذكير بذلك الصراط لم يقل السبيل ولا الطريق وإن كان الكل واحداً، الثاني طريق الوصول إلى اللهتعالى ومن شهد الخلق لا فعل لهم فقد فاز ومن شهدهم لا حياة لهم فقد جاز ومن شهدهم عين العدم فقد وصل وتم سفره إلى اللهتعالى ثم يتجدد له السفر فيه سبحانه وهو غير متناه لأن نعوت جماله وجلاله غير متناهية ولا يزال العبد يرقى من بعضها إلى بعض كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم: "إنه ليغان على قلبـي فأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة" وهناك يكون عز شأنه يده وسمعه وبصره فبه يبطش وبه يسمع وبه يبصر ووراء ذلك ما يحرم كشفه فمتى قال العامي اهدنا الصراط المستقيم أراد أرشدنا إلى الاستقامة على امتثال أوامرك واجتناب نواهيك ومتى قال ذلك أحد الخواص أراد ثبتنا على ما منحتنا به وهو المروي عن يعسوب المؤمنين كرم اللهتعالى وجهه وأبـيّ رضي اللهتعالى عنه وذلك لأن طالب هداية الطريق المستقيم ليسلكه له في سلوكه مقامات وأحوال ولكل منها بداية ونهاية ولا يصل إلى النهاية ما لم يصحح البداية ولا ينتقل إلى مقام أو حال إلا بعد الرسوخ فيما تحته والثبات عليه فما دام هو في أثناء المقام أو الحال ولم يصل إلى نهاية يطلب الثبات على ما منح به ليرسخ له ذلك المقام ويصير ملكه فيرقى منه إلى ما فوقه وذلك هو الفضل الكبير والفوز العظيم.

وللمحققين في معنى اهدنا وجوه دفعوا بها ما يوشك أن يسأل عنه من أن المؤمن مهتد فالدعاء طلب لتحصيل الحاصل. أحدها أن معناه ثبتنا على الدين كيلا تزلزلنا الشبه وفي القرآن { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } [آل عمران: 8] وفي الحديث: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك" وثانيها: أعطنا زيادة الهدى كما قالتعالى: { وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى } [محمد: 17] وثالثها: أن الهداية الثواب كقولهتعالى: { يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } [يونس: 9] فالمعنى اهدنا طريق الجنة ثواباً لنا وأيد بقولهتعالى: { ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا } [الأعراف: 43] ورابعها: أن المراد دلنا على الحق في مستقبل عمرنا كما دللتنا عليه في ماضيه ولهم بعد أيضاً كلمات متقاربة غير هذا ولعله يغنيك عن الكامل ما ذكره الفقير فتدبره ولا تغفل.

بقي الكلام في ربط هذه الجملة بما قبلها وقد قيل إن عندنا احتمالات أربعة لأن طلب المعونة إما في المهمات كلها أو في أداء العبادة والصراط المستقيم إما أن يؤخذ بمعنى خاص كملة الإسلام أو بمعنى عام كطريق الحق خلاف الباطل فعلى تقديري عموم الاستعانة والصراط وخصوصهما يكون اهدنا بياناً للمعونة المطلوبة كأنه قال كيف أعينكم في المهمات أو في العبادة فقالوا اهدنا طريق الحق في كل شيء أو ملة الإسلام فيكون الفصل لشبه كمال الاتصال وعلى تقدير عموم الاستعانة وخصوص الصراط يكون اهدنا إفراداً للمقصود الأعظم من جميع المهمات فيكون الفصل حينئذٍ لكمال الاتصال، وأما على تقدير خصوص الاستعانة وعموم الصراط فلا ارتباط، وما عندي غير خفي عليك إن أحطت خبراً بما قدمناه لديك. وقد قرأ الحسن والضحاك وزيد بن علي (صراطاً مستقيماً) دون تعريف وقرأ جعفر الصادق (صراط المستقيم) بالإضافة والمتواتر ما تلوناه.

{صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بدل من {ٱلصِّرَاطَ} الأول بدل الكل من الكل وهو الذي يسميه ابن مالك البدل الموافق أو المطابق تحاشياً من إطلاق الكل على اللهتعالى في مثل { صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ * ٱللَّهِ } [إبراهيم: 1-2]. وفائدة الإبدال تأكيد النسبة بناءً على أن البدل في حكم تكرير العامل والإشعار بأن الصراط المستقيم بيانه وتفسيره صراط المسلمين فيكون ذلك شهادة لاستقامة صراطهم على أبلغ وجه وآكده، وقيل صفة له. ومن غريب المنقول أن الصراط الثاني غير الأول وكأنه نوى فيه حرف/ العطف وفي تعيين ذلك اختلاف، فعن جعفر بن محمد هو العلم بالله والفهم عنه وقيل موافقة الباطن للظاهر في إسباغ النعمة وقيل التزام الفرائض والسنن ولا يخفى أن هذا القول خروج عن الصراط المستقيم فلا نتعب جواد القلم فيه. وقرأ ابن مسعود وزيد بن علي {صراط من أنعمت عليهم} وهو المروي عن عمر وأهل البيت رضي اللهتعالى عنهم. قال الشهاب: وفيه دليل على جواز إطلاق الأسماء المبهمة {كَمَنْ} على اللهتعالى انتهى. وهو خبط ظاهر إذ الإضافة إلى المفعول لا الفاعل.

والإنعام إيصال الإحسان إلى الغير من العقلاء كما قاله الراغب فلا يقال أنعم على فرسه ولذا قيل إن النعمة نفع الإنسان من دونه لغير عوض، واختلف في هؤلاء المنعم عليهم فقيل المؤمنون مطلقاً وقيل الأنبياء وقيل أصحاب موسى وعيسى عليهما السلام قبل التحريف والنسخ. وقيل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل محمد صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي اللهتعالى عنهما. وقيل الأولى ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي اللهتعالى عنهما أن المراد بالذين أنعمت عليهم الأنبياء والملائكة والشهداء والصديقون ومن أطاع اللهتعالى وعبده وإليه يشير قولهتعالى: { فأُولَـئِكَ مع ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّيْنَ وَٱلصّدّيقِينَ وَٱلشُّهَدَاء وَٱلصَّـٰلِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً } [النساء: 69] فما في هاتيك الأقوال اقتصار على بعض الأفراد. ولم يقيد الأنعام ليعم { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } [إبراهيم: 34] وقيل أنعم عليهم بخلقهم للسعادة. وقيل بأن نجاهم من الهلكة. وقيل بالهداية وفي بناء أنعمت للفاعل استعطاف فكأن الداعي يقول أطلب منك الهداية إذ سبق إنعامك فاجعل من إنعامك إجابة دعائنا وإعطاء سؤالنا وسبحانه ما أكرمه كيف يعلمنا الطلب ليجود على كل بما طلب:

لو لم ترد نيل ما نرجو ونطلبه من فيض جودك ما علمتنا الطلبا

وحكى اللغويون في {عَلَيْهِمْ } عشر لغات ضم الهاء وإسكان الميم وهي قراءة حمزة، وكسرها وإسكان الميم وهي قراءة الجمهور، وكسر الهاء والميم وياء بعدها وهي قراءة الحسن، قيل وعمر بن خالد وكذلك بغير ياء وهي قراءة عمر بن فائد، وكسر الهاء وضم الميم بواو بعدها - وهي قراءة ابن كثير وقالون - بخلاف عنه وضم الهاء والميم وواو بعدها - وهي قراءة الأعرج ومسلم بن جندب وجماعة - وضمهما بغير واو ونسبت لابن هرمز وكسر الهاء وضم الميم بغير واو ونسبت للأعرج والخفاف عن أبـي عمرو وضم الهاء وكسر الميم بياء بعدها وكذلك بغير ياء وقرىء بهما أيضاً. وحاصلها ضم الهاء مع سكون الميم أو ضمها بإشباع أو دونه أو كسرها بإشباع أو دونه وكسر الهاء مع سكون الميم أو كسرها بإشباع أو دونه أو ضمها بإشباع أو دونه. وحجج كل في "كتب العربية".

{غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ} بدل من {ٱلَّذِينَ} بدل كل من كل. وقيل من ضمير {عَلَيْهِمْ} ولا يخلو من الركاكة بحسب المعنى وأما أنه يلزم عليه خلو الصلة عن الضمير فلا لأن المبدل منه ليس في نية الطرح حقيقة والقول بأن {غَيْرِ} في الأصل صفة بمعنى مغاير والبدل بالوصف ضعيف ضعيف لأنها غلبت عليها الإسمية ولذا لم تجر على موصوف في الأكثر. وعن سيبويه أنها صفة {ٱلَّذِينَ } مبينة أو مقيدة ولا يرد أن {غَيْرِ} من الأسماء المتوغلة في الإبهام فلا تتعرف بالإضافة فلا توصف بها المعرفة بل ولا تبدل منها على المشهور لأنا نقول الموصوف هنا معنى كالنكرة فيصح أن يوصف بها وذلك لأن الموصول بعد اعتبار تعريفه بالصلة يكون كالمعرف باللام في استعمالاته فإذا استعمل في بعض ما اتصف بالصلة كان كالمعرف باللام للعهد الذهني فكما أن المعرف المذكور لكون التعريف فيه للجنس يكون معرفة بالنظر إلى مدلوله وفي حكم النكرة بالنظر إلى قرينة البعضية المبهمة ولذا يعامل به معاملتهما/ كذلك الموصول المذكور بالنظر إلى التعيين الجنسي المستفاد من مفهوم الصلة معرفة وبالنظر إلى البعضية المستفادة من خارج كالنكرة فيعامل به معاملتهما أيضاً فالذين أنعمت عليهم إذا لم يقصد به معهود كذلك إذ لا صحة لإرادة جنس المنعم عليهم من حيث هو إذ لا صراط له ولا غرض يتعلق بطلب صراط من أنعم عليهم على سبيل الاستغراق سواء أريد استغراق الأفراد والجماعات أو المجموع من حيث المجموع فالمطلوب صراط جماعة ممن أنعم عليهم بالنعم الأخروية أعني طائفة من المؤمنين لا بأعيانها فإن نظر إلى البعضية المبهمة المستفادة من إضافة الصراط إليهم كان كالنكرة وإن نظر إلى مفهومه الجنسي أعني المنعم عليهم كان معرفة قاله العلامة السيالكوتي وغيره ولا يخلو عن دغدغة أو يقال وهو المعول عليه عند من يعول عليه أن {غَيْرِ} هنا معرفة لأن المحققين من علماء العربية قالوا إنها قد تتعرف بالإضافة وذلك إذا وقعت بين متضادين معرفتين نحو عليك بالحركة غير السكون، وقال ابن السري وغيره: إذا أضيفت {غَيْرِ} إلى معرف له ضد واحد فقط تعرفت لانحصار الغيرية وهنا المنعم عليهم ضد لما بعده ولا يرد على هذا قولهتعالى: { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً غَيْرَ ٱلَّذِى كُـنَّا نَعْمَلُ } [فاطر: 37] لجواز أن يكون {صَـٰلِحاً} حالاً قدمت على صاحبها وهو {غير الذي} أو {غير الذي} بدلاً من {صالحاً} ولو قيل ضد الصالح الطالح والذي كانوا يعملون فرد من أفراده فليس بضد لم يبعد، وقرأ عمر بن الخطاب رضي اللهتعالى عنه {غَيْرِ} بالنصب وروي ذلك شاذاً عن ابن كثير وهو حال من ضمير {عَلَيْهِمْ} والعامل فيه {أَنْعَمْتَ } ويضعف أن يكون حالاً من {ٱلَّذِينَ } لأنه مضاف إليه والصراط لا يصح بنفسه أن يعمل في الحال وقيل يجوز والعامل فيه معنى الإضافة، وجوز الأخفش أن يكون النصب على الاستثناء المنقطع أو المتصل إن فسر الإنعام بما يعم ومنعه الفراء لأنه حينئذٍ بمعنى سوى فلا يجوز أن يعطف عليه (بلا) لأنها نفي وجحد ولا يعطف الجحد إلا على مثله، وأجيب بزيادة لا مثلها في قولهتعالى: { مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } [الأعراف: 12] وفي قول الأخوص:

ويلحينني في اللهو أن لا أحبه وللهو داع دائب غير غافل

واعترض بأنه لم تسمع زيادتها بعد واو العطف والكلام فيه، وحكى بعضهم عن الأخفش أن الاستثناء في معنى النفي فيجوز العطف عليه (بلا) حملاً على المعنى فحينئذٍ لا يرد ما ورد، وعند الخليل النصب بفعل محذوف أعني أعني وبه أقول لأن الاستثناء كما ترى والحالية تقتضي التنكير ولا يتحقق إلا بعدم تحقق التضاد أو يجعل {غَيْرِ} بمعنى مغاير لتكون إضافته لفظية وكلاهما غير مرضي لما علمت وقال بعضهم في الآية حذف والتقدير غير صراط المغضوب عليهم وهو ممكن على هذه القراءة فيكون {غَيْرِ } حينئذٍ إما صفة لقوله الصراط وهو ضعيف لتقدم البدل على الوصف إذا قلنا به والأصل العكس أو بدل أو صفة للبدل أو بدل منه أو حال من أحد الصراطين والصراط السوي عدم التقدير.

والغضب أصله الشدة ومنه الغضبة الصخرة الصلبة الشديدة المركبة في الجبل والغضوب الحية الخبيثة والناقة العبوس وفسر تارة بحركة للنفس مبدؤها إرادة الانتقام كما في «شرح المفتاح» للسعد وتارة بإرادة الانتقام كما في «شرح الكشاف» له وأخرى بكيفية تعرض للنفس فيتبعها حركة الروح إلى خارج طلباً للانتقام كما في «شرح المقاصد». ويقرب منه ما قيل تغير يحدث عند غليان دم القلب، وفي الحديث: "اتقوا الغضب فإنه جمرة تتوقد في قلب ابن آدم ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه" وفي «الكشاف» معنى غضب اللهتعالى إرادة الانتقام من العصاة وإنزال العقوبة بهم وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده وأنا أقول كما قال سلف الأمة هو صفة للهتعالى لائقة بجلال ذاته لا أعلم حقيقتها ولا كيف هي والعجز عن درك الإدراك إدراك والكلام فيه كالكلام في الرحمة حذو القذة بالقذة فهما صفتان قديمتان له سبحانه وتعالى.

/ وحديث "سبقت رحمتي غضبـي" محمول على الزيادة في الآثار أو تقدم ظهورها.

وأصل الضلال الهلاك ومنه قولهتعالى: { أَءذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ } [السجده: 10] أي هلكنا وقولهتعالى: { وَأَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ } [محمد: 8] أي أهلكها والضلال في الدين الذهاب عن الحق، وقرأ أبو أيوب السختياني {وَلاَ ٱلضَّالّينَ } بإبدال الألف همزة فراراً من التقاء الساكنين مع أنه في مثله جائز. وحكى أبو زيد دأبة وشأبة وعلى هذه اللغة قراءة عمرو بن عبيد: { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } [الرحمن: 39] قوله:

والأرض أما سودها فتجللت بياضاً وأما بيضها فادهأمت

وهل يقاس عليه أم لا؟ قولان وروي عن عمر بن الخطاب رضي اللهتعالى عنه وعبد الله بن الزبير أنهما كانا يقرآن (وغير الضالين) والمتواتر لا كما في الإمام وهو سيف خطيب أتى بها لتأكيد ما في {غَيْرِ } من معنى النفي والكوفيون يجعلونها هنا بمعناها والمراد بالمغضوب عليهم اليهود وبالضالين النصارى وقد روى ذلك أحمد في «مسنده» وحسنه ابن حبان في «صحيحه» مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس وابن مسعود رضي اللهتعالى عنهم، وقال ابن أبـي حاتم: لا أعلم فيه خلافاً للمفسرين فمن زعم أن الحمل على ذلك ضعيف لأن منكري الصانع والمشركين أخبث ديناً من اليهود والنصارى فكان الاحتراز منهم أولى بل الأولى أن يحمل المغضوب عليهم على كل من أخطأ في الأعمال الظاهرة وهم الفساق ويحمل الضالون على كل من أخطأ في الاعتقاد لأن اللفظ عام والتقييد خلاف الأصل فقد ضل ضلالاً بعيداً إن كان قد بلغه ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا فقد تجاسر على تفسير كتاب اللهتعالى مع الجهل بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وما قاله في منكري الصانع لا يعتد به لأن من لا دين له لا يعتد بذكره، والعجب من الإمام الرازي أنه نقل هذا ولم يتعقبه بشيء سوى أنه زاد في الشطرنج بغلاً فقال ويحتمل أن يقال المغضوب عليهم هم الكفار والضالون هم المنافقون وعلله بما في أول البقرة من ذكر المؤمنين ثم الكفار ثم المنافقين فقاس ما هنا على ما هناك وهل بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين قول لقائل أو قياس لقائس هيهات هيات دون ذلك أهوال.

واستدل بعضهم على أن المغضوب عليهم هم اليهود بقولهتعالى: { مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ } [المائدة: 60] وعلى أن الضالين النصارى بقولهتعالى: { وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ }  [المائدة: 77] والأولى الاستدلال بالحديث لأن الغضب والضلال وردا جميعاً في القرآن لجميع الكفار على العموم فقد قالتعالى: { وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ ٱللَّهِ } [النحل: 106] وقالتعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَـٰلاَ بَعِيداً } [النساء: 167] ووردا لليهود والنصارى جميعاً على الخصوص كما ذكره المستدل وإنما قدم سبحانه المغضوب عليهم على الضالين ـ مع أن الضلال في بادىء النظر سبب للغضب إذ يقال ضل فغضب عليه ـ لتقدم زمان المغضوب عليهم وهم اليهود على زمان الضالين وهم النصارى أو لأن الإنعام يقابل بالانتقام ولا يقابل بالضلال فبينهما تقابل معنوي بناءً على أن الأول إيصال الخير إلى المنعم عليه والثاني إيصال الشر إلى المغضوب عليه أو لأن اليهود أشد في الكفر والعناد وأعظم في الخبث والفساد و أشد عداوة للذين آمنوا ولذا ضربت عليهم الذلة والمسكنة. وورد في الحديث: "من لم يكن عنده صدقة فليلعن اليهود" رواه السلفي والديلمي وابن عدي، والنصارى دون ذلك وأقرب للإسلام منهم ولذا وصفوا بالضلال لأن الضال قد يهتدي، ومما يدل على أن اليهود أسوأ حالاً من النصارى أنهم كفروا بنبيين محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى عليه السلام والنصارى كفروا بنبـي واحد وهو نبينا صلى الله عليه وسلم وفضائحهم وفظائعهم أكثر مما عند النصارى كما ستقرؤه وتراه إن شاء اللهتعالى، وقول النصارى/ بالتثليث ليس أفظع من قول اليهود { إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } [آل عمران: 181] وقولهم: { يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ } [المائدة: 64] وقولهم: { عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ } [التوبة: 30] فمن زعم أن النصارى أسوأ حالاً متوكئاً على ما في "دلائل الأسرار" لم يعرف أسرار الدلائل وهي بعد العيوق عنه وليست المسألة من الفروع ليكتفي مثلنا فيها بالتقليد المحض لا سيما وفضل اللهتعالى ليس بمقصور على البعض. وقال بعضهم: تأخير الضالين لموافقة رؤوس الآي ولا بأس بضمه إلى تلك الوجوه وإلا فالاقتصار عليه من ضيق العطن وإنما أسند النعمة إليهتعالى تقرباً والمقصود طلب الهداية إلى صراط من ثبت إنعام اللهتعالى عليه وتحقق، ولذلك أتى بالفعل ماضياً وانحرف عن ذلك عند ذكر الغضب إلى الغيبة تأدباً ولأن من طلب منه الهداية ونسب الإنعام إليه لا يناسب نسبة الغضب إليه لأنه مقام تلطف وترفق وتذلل لطلب الإحسان فلا يناسب مواجهته بوصف الانتقام.

وقد عد ابن الأثير في «كنز البلاغة» والتنوخي في «الأقصى القريب» بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله نوعاً غريباً من الالتفات فإن كان الالتفات كما في استعمال الأدباء والمتقدمين بمعنى الافتنان فلا غبار عليه وإن كان بالمعنى المتعارف فلك أن تقول على رأي السكاكي الذي لا يشترط تعدد التعبير بل مخالفة مقتضى الظاهر أن المخاطب إذا ترك خطابه وبنى ما أسند إليه للمفعول والمحذوف كالغائب فلا مانع من أن يسمى التفاتاً فكما يجري في الانتقال من مقدر إلى محقق يجري في عكسه وهو معنى بديع كما قاله الشهاب.

ويسن بعد الختام أن يقول القارىء: آمين فقد روى ابن أبـي شيبة في «مصنفه» والبيهقي في «الدلائل» عن أبـي ميسرة: «أن جبريل أقرأ النبـي صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب فلما قال {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} قال له قل آمين فقال آمين» ويقولها المأموم لقراءة إمامه فقد أخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن أبـي شيبة عن أبـي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا قرأ ـ يعني الإمام ـ {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} فقولوا آمين يحبكم الله" وإخفاؤها مذهب ساداتنا الحنفية وهو مذهب أمير المؤمنين علي كرم اللهتعالى وجهه وعبد الله بن مسعود، وعند الشافعية يجهر بها. وعن الحسن لا يقولها الإمام لأنه الداعي. وعن أبـي حنيفة في رواية غير مشهورة مثله والمشهور أنه يخفيها، وروى الإخفاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مغفل وأنس رضي اللهتعالى عنهما كما في «الكشاف» ورواية الجمهور محمولة على التعليم والبحث فقهي، وهذا القدر يكفي فيه.

وليست من القرآن إجماعاً ولذا سن الفصل بينها وبين السورة بسكتة لطيفة وما قيل إنها من السورة عند مجاهد فمما لا ينبغي أن يلتفت إليه إذ هو في غاية البطلان إذ لم يكتب في الإمام ولا في غيره من المصاحف أصلاً حتى ذكر غير واحد أن من قال: إن آمين من القرآن كفر، وهي اسم فعل مبني على الفتح كأين لالتقاء الساكنين والبحث عن أسماء الأفعال مفروغ عنه في «كتب النحو» والصحيح أنها كلمة عربية ومعناها استجب وقيل موضوعة لما هو أعم منه ومن مرادفه ومن الغريب ما قيل إنه عجمي معرب همين لما أن فاعيل كقابيل ليس من أوزان العرب وردّ بأنه يكون وزناً لا نظير له وله نظائر ولذا قيل إنه في الأصل مقصور ووزنه فعيل فأشبع، ومن العجيب ما قيل إنه اسم اللهتعالى والقول في توجيهه أنه لما كان مشتملاً على الضمير المستتر الراجع إليهتعالى قيل إنه من أسمائه أعجب منه وقد تمد ألفه وتقصر وإلى أصالة كل ذهب طائفة، وأما تشديد ميمه فذكر الواحدي أنه لغة فيه، وقيل إنه جمع آم بمعنى قاصد منصوب باجعلنا ونحوه مقدراً، وقيل إنه خطأ ولحن وحيث إنه ليس من القرآن بل دعاء ومعناه صحيح قال بعضهم: لا تفسد به الصلاة وإن كان لحناً.

وفضل هذه السورة مما لا يخفى ويكفي في فضلها ما روي بأسانيد صحيحة عن أبـي هريرة رضي اللهتعالى عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أبـي بن كعب فقال: يا أبـيّ وهو يصلي فالتفت أبـيّ فلم يجبه فصلى أبـيّ فخفف ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟ فقال: يا رسول الله إني كنت في الصلاة قال: أفلم تجد فيما أوحى الله إليّ {ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}؟ قال: بلى ولا أعود إن شاء اللهتعالى قال تحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ قال: نعم يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تقرأ في الصلاة فقرأ بأم القرآن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ما نزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها وإنها للسبع من المثاني ـ أو قال السبع المثاني ـ والقرآن العظيم الذي أعطيته" والأحاديث في ذلك كثيرة ولا بدع فهي أم الكتاب والحاوية من دقائق الأسرار العجب العجاب حتى إن بعض الربانيين استخرج منها الحوادث الكونية وأسماء الملوك الإسلامية وشرح أحوالهم وبيان مآلهم، وبالجملة هي كنز العرفان بل اللوح المحفوظ لما يلوح في عالم الإمكان. نسأل اللهتعالى أن يمن علينا بإشراق أنوارها والاطلاع على مخزونات أسرارها إنه ولي التوفيق والهادي إلى معالم التحقيق.

 

 

 

 

 

 

 

 

خطبة المفسِّر

حمدًا لمن جعل روح معاني الأكوان تفسيرًا لآيات قدرته وصير نقوش أشباح الأعيان بيانًا لبينات وحدته وأظهر من غيب هويته قرآنًا غدا فرقانه كشافًا عن فرق الكتب الإلهية الغياهب وأبرز من سجف ألوهيته نورًا أشرق على مرايا الكائنات بحسب مزايا الاستعدادات فاتضحت من معالم العوالم المراتب. وصلاة وسلامًا على أول ذرة أضاءت من الكنز المخفي في ظلمة عماء القدم فأبصرتها عين الوجود وعلة إيجاد كل ذرة برأتها يد الحكيم إذ تردت في هوة العدم فعادت ترفل بأرْدِيةِ كرم وجود مهبط الوحي الشفاهي الذي ارتفع رأس الروح الأمين بالهبوط إلى موطيء أقدامه ومعدن السر الإلهي الذي انقطع فكر الملأ الأعلى دون ذكر الوصول إلى أدنى مقامه فهو النبي الذي أبرزه مولاه من ظهور الكُمون إلى حواشي متون الظهور ليكون شرحًا لكتاب صفاته وتقريرًا ورفعه بتخصيصه من بين العموم بمظهرية سره المستور وأنزل عليه (قرآنا عربيًّا غير ذي عوج ليكون للعالمين نذيرًا) وشق له من اسمه ليجله    فذو العرش محمود وهذا محمد   وعلى آله وأصحابه مطالع أنوار التنزيل ومغارب أسرار التأويل الذين دخلوا عكاظ الحقائق بالوساطة المحمدية فما برحوا حتى ربحوا فباعوا نفوسًا وشروا نفيسًا وقطعوا أسباب العلائق بالهمم الحقيقية فما عرجوا حتى عرجوا فلقوا عزيزًا وألقوا خسيسًا فهم النجوم المشرقة بنور الهدى والرجوم المحرقة لشياطين الردى رضي الله عنهم وأرضاهم وإلى متبعيهم وأولاهم ما سرحت روح المعاني في رياض القرآن، وسبحت أشباح المباني في حياض العرفان . 
أما بعد فيقول عيبة العيوب وذنوب الذنوب أفقر العباد إليه - عز شأنه - مدرس دار السلطنة العلية ومفتي بغداد المحمية أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي عفى الله عنه- : إن العلوم وإن تباينت أصولها وغربت وشرقت فصولها واختلفت أحوالها واتهمت وأنجدت أقوالها وتنوعت أبوابها وأشأمت وأعرقت أصحابها وتغايرت مسائلها وأيمنت وأيسرت وسائلها؛ فهي بأسرها مهمة ومعرفتها على العلات نعمة إلا أن أعلاها قدرًا وأغلاها مهرًا وأسناها مبنى واسماها معنى وأدقها فكرًا وأرقها سرًّا وأعرقها نسبًا وأعرفها أبًا وأقومها قيلاً وأقواها قبيلاً وأحلاها لسانًا وأجلاها بيانًا وأوضحها سبيلاً وأصحها دليلاً وأفصحها نطقًا وأمنحها رفقًا - العلوم الدينية والفهوم اللدنية فهي شمس ضحاها وبدر دجاها وخال وجنتها ولعس شفتها ودعج عيونها وغنج جفونها وحبب رضابها وتنهد كعابها ورقة كلامها ولين قوامها على نفسه، فليبك من ضاع عمره وليس له منها نصيب ولا سهم فلا ينبغي لعاقل أن يستغرق النهار والليل إلا في غوص بحارها أو يستنهض الرجل والخيل إلا في سبر أغوارها أو يصرف نفائس الأنفاس إلا في مهور أبكارها أو ينفق بدر الأعمار إلا لتشوف بدر اسرارها إذا كان هذا الدمع يجري صبابة على غير سمي فهو دمع مضيع وإن من ذلك علم التفسير الباحث عما أراده الله سبحانه بكلامه المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فهو الحبل المتين والعروة الوثقى والصراط المبين والوزر الأقوى والأوقى ، وإني ولله تعالى المنة مذ ميطت عني التمائم ونيطت على رأسي العمائم لم أزل متطلبًا لاستكشاف سره المكتوم مترقبًا لارتشاف رحيقه المختوم طالما فرقت نومي لجمع شوارده وفارقت قومي لوصال خرائده فلو رأيتني وأنا أصافح بالجبين صفحات الكتاب من السهر وأطالع إن أعوز الشمع يومًا على نور القمر في كثير من ليالي الشهر وأمثالي إذ ذاك يرفلون في مطارف اللهو ويرقلون في ميادين الزهو ويؤثرون مسرآت الأشباح على لذات الأرواح ويهبون نفائس الأوقات لنهب خسائس الشهوات وأنا مع حذاثة سني وضيق عطني لا تغرني حالهم ولا تغيرني أفعالهم كأن لبني لمبانتي ووصال سعدي سعادتي حتى وقفت على كثير من حقائقه ووفقت لحل وفير من دقائقه وثقبت والثناء لله تعالى من دره بقلم فكري درأ مثمنًا ولا بدع فأنا من فضل الله الشهاب وأبو الثنا وقبل أن يكمل سني عشرين جعلت أصدح به وأصدع وشرعت أدفع كثيرًا من إشكالات الأشكال وأدفع وأتجاهر بما ألهمنيه ربي مما لم أظفر به في كتاب من دقائق التفسير وأعلق على ما أغلق مما لم تعلق به ظفر كل ذي ذهن خطير ولست أنا أول من مَنَّ الله تعالى عليه بذلك ولا آخر من سلك في هاتيك المسالك فكم وكم للزمان ولد مثلي وكم تفضل الفرد عز شأنه على كثير بأضعاف فضلي ؛ ألا إنما الأيام ابناء واحد وهذي الليالي كلها أخوات إلا أن رياض هذه الأعصار عراها إعصار وحياض تيك الأمصار أعتراها إعتصار فصار العلم بالعيوق والعلماء أعز من بيض الأنوق ، والفضل معلق بأجنحة النسور وميت حي الأدب لا يرجي له نشور كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر ولكن الملك المنان أبقى من فضله الكثير قليلاً من ذوي العرفان في هذه الأزمان دينهم اقتناص الشوارد وديدنهم افتضاض أبكار الفوائد يروون فيروون ويقدحون فيورون لكل منهم مزية لا يستتر نورها ومرتبة لا ينتثر نورها طالما أقتطفت من أزهارهم واقتبست من أنوارهم وكم صدر منهم أودعت علمه صدري وحبر فيهم أفنيت في فوائده حبري ولم أزل مدة على هذه الحال لا أعبأ بما عبالي مما قيل أو يقال كتاب الله لي أفضل مؤانس وسميري إذا أحلولكت ظلمة الحنادس نعم السمير كتاب الله إن له حلاوة هي أحلى من جنى الضرب به فنون المعاني قد جمعن فما تفتر من عجب إلا إلى عجب أمر ونهي وأمثال وموعظة وحكمة أودعت في أفصح الكتب لطائف يجتليها كل ذي بصر وروضة يجتنيها كل ذي أدب وكانت كثيرًا ما تحدثني في القديم نفسي أن أحبس في قفص التحرير ما اصطاده الذهن بشبكة الفكر أو اختطفه بان الإلهام في جو حدسي فأتعلل تارة بتشويش البال بضيق الحال وأخرى بفرط الملال لسعة المجال إلى أن رأيت في بعض ليالي الجمعة من رجب الأصم سنة الألف والمائتين والاثنتين والخمسين بعد هجرة النبي رؤية لا أعدها أضغاث أحلام ولا أحسبها خيالات أوهام إن الله جل شأنه وعظم سلطانه أمرني بطي السموات والأرض ورتق فتقهما على الطول والعرض فرفعت يدًا إلى السماء وخفضت الأخرى إلى مستقر الماء ثم انتبهت من نومتي وأنا مستعظم رؤيتي فجعلت أفتفش لها عن تعبير فرأيت في بعض الكتب أنها إشارة إلى تأليف تفسير فرددت حينئذ على النفس تعللها القديم وشرعت مستعينًا بالله تعالى العظيم 
وكأني إن شاء الله تعالى عن قريب عند إتمامه بعون عالم سري ونجواي أنادي وأقول غير مبال بتشنيع جهول : هذا تأويل رؤياي وكان الشروع في الليلة السادسة عشرة من شعبان المبارك من السنة المذكورة وهي السنة الرابعة والثلاثون من سني عمري جعلها الله تعالى بسني لطفه معمورة وقد تشرف الذهن المشتت بتأليفه وأحكمت غرف مغاني المعاني بمحكم ترصيفه زمن خلافة الله الأعظم وظله المبسوط على خليقته في العالم مجدد نظام القواعد المحمدية ومحدد جهات العدالة الإسلامية [ سورة الحمد الذي أظهره الرحمن في صورة الملك لكسر سورة الكافرين وآية السيف الذي عوده الفاطر الفتح والنصر وأيده بمرسلات الذاريات في كل عصر فويل للمنافقين من نازعات أرواحهم إذا عبس] صمصام عزمه المتين حضرة مولانا السلطان ابن السلطان سلطان الثقلين وخادم الحرمين المجدد الغازي محمود خان العدلي بن السلطان عبدالحميد خان أيده الرحمن وأبَّد ملكه ما دام الدوران آمين ! وبعد أن أبرمت حبل النية ونشرت مطوى الأمنية وعرا المخاض قريحة الأذهان وقرب ظهور طفل التفسير للعيان جعلت أفكر ما اسمه وبماذا أدعوه إذا وضعته أمه فلم يظهر لي اسم تهتشن له الضمائر وتبتش من سماعه الخواطر فرعضت الحال لدى حضرة وزير الوزراء ونور حديقة البهاء ونور حدقة الوزراء آية الله التي لا تنسخها آية ورب النهي الذي ليس له نهاية وصاحب الأخلاق التي ملك بها القلوب ومعدن الأذواق التي يكاد أن يعلم معها الغيوب مولانا علي رضا باشا لا زال له الرضا غطاء وفراشا فسماه على الفور وبديهة ذهنه تغنى عن الغور [روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني] فيا له اسم ما اسماه نسأل الله تعالى أن يطابقه مسماه وأحمد الله تعالى حمدًا غضًّا وأصلي وأسلم على نبيه النبيه حتى يرضى وقد آن وقت الشروع في المقصود مقدما عليه فوائد يليق أن تكتب بسواد العيون على صفحات الخدود فأقول الفائدة الأولى في معنى التفسير والتأويل وبيان الحاجة إلى هذا العلم وشرفه 
أما معناهما فالتفسير تفعيل من الفسر وهو لغة: البيان والكشف ، والقول بأنه مقلوب السفر مما لا يسفر له وجه ويطلق التفسير على التعرية للانطلاق يقال: فسرت الفرس إذا عريته لينطلق ولعله يرجع لمعنى الكشف كما لا يخفى بل كل تصاريف حروفه لا تخلو عن ذلك كما هو ظاهر لمن أمعن النظر 
ورسموه بأنه : علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك كمعرفة النسخ وسبب النزول وقصة توضح ما أبهم في القرآن ونحو ذلك .
والتأويل من الأول وهو الرجوع والقول بأنه من الأيالة وهي السياسة كأن المؤول للكلام ساس الكلام ووضع المعنى فيه موضعه ليس بشيء . واختلف في الفرق بين التفسير والتأويل فقال أبو عبيدة: هما بمعنى وقال الراغب : التفسير أعم وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها في الكتب الإلهية وغيرها والتأويل في المعاني والجمل في الكتب الإلهية خاصة وقال الماتريدي : 
التفسير القطع بأن مراد الله تعالى كذا ، والتأويل ترجيح أحد المحتملات بدون قطع وقيل : التفسير ما يتعلق بالرواية والتأويل ما يتعلق بالدراية وقيل غير ذلك . وعندي أنه إن كان المراد الفرق بينهما بحسب العرف فكل الأقوال فيه ما سمعتها وما لم تسمعها مخالفة للعرف اليوم إذ قد تعارف من غير نكير أن التأويل إشارة قدسية ومعارف سبحانية تنكشف من سجف العبارات للسالكين وتنهل من سحب الغيب على قلوب العارفين والتفسير غير ذلك وإن كان المراد الفرق بينهما بحسب ما يدل عليه اللفظ مطابقة فلا أظنك في مرية من رد هذه الأقوال أو بوجه ما ، فلا أراك ترضى إلا أن في كل كشف إرجاعًا وفي كل إرجاع كشفًا فافهم وإما بيان الحاجة إليه فلأن فهم القرآن العظيم المشتمل على الأحكام الشرعية التي هي مدار السعادة الأبدية وهو العروة الوثقى والصراط المستقيم أمر عسير لا يهتدي إليه إلا بتوفيق من اللطيف الخبير حتى أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم على علو كعبهم في الفصاحة واستنارة بواطنهم بما أشرق عليها من مشكاة النبوة كانوا كثيرًا ما يرجعون إليه بالسؤال عن أشياء لم يعرجوا عليها ولم تصل أفهامهم إليها بل ربما التبس عليهم الحال ففهموا غير ما أراده الملك المتعال كما وقع لعدي بن حاتم في الخيط الأبيض والأسود ، ولا شك أنا محتاجون إلى ما كانوا محتاجين إليه وزيادة وأما بيان شرفه فلان شرف العلم بشرف موضوعه وشرف معلومه وغايته وشدة الاحتياج إليه وهو حائز لجميعها فإن موضوعه كلام الله تعالى وماذا عسى أن يقال فيه ومعلومه مع أنه مراد الله تعالى الدال عليه كلامه جامع للعقائد الحقة والأحكام الشرعية وغيرها وغايته الاعتصام بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها والوصول إلى سعادة الدارين وشدة الاحتياج إليه ظاهرة مما تقدم بل هو رئيس جميع العلوم الدينية لكونها مأخوذة من الكتاب وهي تحتاج من حيث الثبوت أو من حيث الاعتداد إلى علم التفسير وهذا لا ينافي كون الكلام رئيسها أيضًا لأن علم التفسير لتوقفه على ثبوت كونه تعالى متكلمًا يحتاج إلى الكلام والكلام لتوقف جميع مسائله من حيث الثبوت أو الاعتداد على الكتاب يتوقف على التفسير فيكون كل منهما رئيسًا للآخر من وجه على أن رياسة التفسير بناء على ذلك الشرف مما لا ينتطح فيه كبشان وأما الآثار الدالة على شرفه فكثيرة أخرج ابن أبي حاتم وغيره من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : (يؤتى الحكمة) قال : المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخة ومحكمة ومتشابهة ومقدمة ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله وأخرج أبو عبيدة عن الحسن قال : ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن تعلم فيما أنزلت وما أراد بها وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن مرة قال : ما مررت بآية لا أعرفها إلا أحزنتني لأني سمعت الله يقول : وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون إلى غير ذلك 
الفائدة الثانية فيما يحتاجه التفسير ومعنى التفسير بالرأي وحكم كلام السادة الصوفية في القرآن فأما ما يحتاجه التفسير فأمور: الأول علم اللغة لأن به يعرف شرح مفردات الألفاظ ومعلولاتها بحسب الوضع ولا يكفي اليسير إذ قد يكون اللفظ مشتركًا وهو يعلم أحد المعنيين والمراد الآخر فمن لم يكن عالمًا بلغات العرب لا يحل له التفسير كما قاله مجاهد وينكل كما قاله مالك وهذا مما لا شبهة فيه. نعم روى عن أحمد أنه سئل عن القرآن يمثل له الرجل ببيت من الشعر فقال : ما يعجبني وهو ليس بنص في المنع عن بيان المدلول اللغوي للعارف كما لا يخفى. الثاني: معرفة الأحكام التي للكلم العربية من جهة إفرادها وتركيبها ويؤخذ ذلك من علم النحو. أخرج أبو عبيدة عن الحسن أنه سئل عن الرجل يتعلم العربية يلتمس بها أحسن المنطق ويقيم بها قراءته فقال : حسن فتعلمها فإن الرجل يقرأ الآية فيعيا بوجهها فيهلك فيها وفي قصة الأسود ما يغني عن الإطالة. الثالث :علم المعاني والبيان والبديع ويعرف بالأول خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى وبالثاني خواصها من حيث اختلافها وبالثالث وجوه تحسين كلام وهو الركن الأقوم واللازم الأعظم في هذا الشأن كما لا يخفى ذلك على من ذاق طعم العلوم ولو بطرف اللسان . الرابع : تعيين مبهم وتبيين مجمل وسبب نزول ونسخ ويؤخذ ذلك من علم الحديث. الخامس: معرفة الإجمال والتبيين والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد ودلالة الأمر والنهي وما أشبه هذا وأخذوه من أصول الفقه. السادس : الكلام فيما يجوز على الله وما يجب له وما يستحيل عليه والنظر في النبوة. ويؤخذ هذا من علم الكلام ولولاه يقع المفسر في ورطات . السابع : علم القراءات لأنه به يعرف كيفية النطق بالقرآن وبالقراءات ترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض . هذا وعدَّ السيوطي مما يحتاج إليه المفسر علم التصريف وعلم الاشتقاق.  وأنا أظن أن المهارة ببعض ما ذكرنا يترتب عليهما من الثمرة . وعد أيضًا علم الفقه ولم يعده غيره ولكل وجهة وعد علم الموهبة أيضًا من ذلك قال: وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم وإليه الإشارة بالحديث : ((من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم)) ثم قال: ولعلك تستشكل علم الموهبة وتقول: هذا شيء ليس في قدرة الإنسان تحصيله وليس كما ظننت والطريق في تحصيله ارتكاب الأسباب الموجبة له من العمل والزهد إلى آخر ما قاله وفيه أن علم الموهبة بعد تسليم أنه كسبي إنما يحتاج إليه في الاطلاع على الأسرار لا في أصل فهم معاني القرآن كما يفهمه كلام البرهان وكثير من المفسرين بصدد الثاني والواقفون على الأسرار وقليل ما هم لا يستطيعون التعبير عن كثير مما أفيض عليهم فضلاً عن تحريره وإقامة البرهان عليه على أن ذلك تأويل لا تفسير فلعل السيوطي أراد من عبارته معنى آخر يظهر لك بالتدبر فتدبر. وأما التفسير بالرأي فالشائع المنع عنه واستدل عليه بما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي من قوله : من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ. وفي رواية عن أبي داود: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار. ولا دليل في ذلك أما أولاً فلأن في صحة الحديث الأول مقالاً قال في المدخل: في صحته نظر وإن صح فإنما أراد به والله تعالى أعلم فقد أخطأ الطريق إذ الطريق الرجوع في تفسير ألفاظه إلى أهل اللغة وفي نحو الناسخ والمنسوخ إلى الأخبار وفي بيان المراد منه إلى صاحب الشرع فإن لم يجد هناك وهنا فلا بأس بالفكرة ليستدل بما ورد على ما لم يرد أو أراد : من قال بالقرآن قولاً يوافق هواه بأن يجعل المذهب أصلاً والتفسير تابعًا له فيرد إليه بأي وجه فقد أخطأ ؛ فالباء على ذلك سببية أو يقال ذلك في المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله أو في الجزم بأن مراد الله تعالى كذا على القطع من غير دليل. وأما الحديث الثاني فله معنيان الأول: من قال في مشكل القرآن بما لا يعلم فهو متعرض لسخط الله تعالى. والثاني وصحح من قال في القرآن قولاً يعلم أن الحق غيره فليتبوأ مقعده من النار. وأما ثانيًا فلأن الأدلة على جواز الرأي والاجتهاد في القرآن كثيرة وهي تعارض ما يشعر بالمنع فقد قال تعالى : (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) وقال تعالى : (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) وقال تعالى : (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب) وأخرج أبو نعيم وغيره من حديث ابن عباس: (( القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه)) وقد دعا رسول الله لابن عباس بقوله: (( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)) وقد روى عن علي كرم الله وجهه أنه سئل: هل خصكم رسول الله بشيء؟ فقال : ما عندنا غير ما في هذه الصحيفة أو فهم يؤتاه الرجل في كتابه . إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة والعجب كل العجب مما يزعم أن علم التفسير مضطر إلى النقل في فهم معاني التراكيب ولم ينظر إلى اختلاف التفاسير وتنوعها ولم يعلم أن ما ورد عنه في ذلك كالكبريت الأحمر فالذي ينبغي أن يعول عليه أن من كان متبحرًا في علم اللسان مترقيًا منه إلى ذوق العرفان وله في رياض العلوم الدينية أو في مرتع وفي حياضها أصفى مكرع يدرك إعجاز القرآن بالوجدان لا بالتقليد وقد غدا ذهنه لما أغلق من دقائق التحقيقات أحسن إقليد فذاك يجوز له أن يرتقي من علم التفسير ذروته ويمتطي منه صهوته وأما من صرف عمره بوساوس أرسطاطاليس واختار شوك القنافذ على ريش الطواويس فهو بمعزل عن فهم غوامض الكتاب وإدراك ما تضمنه من العجب العجاب. وأما كلام السادة الصوفية في القرآن فهو من باب الإشارات إلى دقائق تنكشف عن أرباب السلوك ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة وذلك من كمال الإيمان ومحض العرفان لا أنهم اعتقدوا أن الظاهر غير مراد أصلاً وإنما المراد الباطن فقط إذ ذاك اعتقاد الباطنية الملاحدة توصلوا به إلى نفي الشريعة بالكلية وحاشى سادتنا من ذلك كيف وقد حضوا على حفظ التفسير الظاهر وقالوا: لا بد منه أولاً إذ لا يطمع في الوصول إلى الباطن قبل أحكام الظاهر ومن ادعى فهم أسرار القرآن قبل إحكام التفسير الظاهر فهو كمن ادعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب ومما يؤيد أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال : القرآن ذو شجون وفنون وظهور وبطون لا تنقضي عجائبه ولا تبلغ غايته، فمن أوغل فيه برفق نجا،  ومن أوغل فيه بعنف هوى. أخبار وأمثال وحلال وحرام وناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه وظهر وبطن، فظهره التلاوة وبطنه التأويل؛ فجالسوا به العلماء وجانبوا به السفهاء .
وقال ابن مسعود : من أراد علم الأولين والآخرين فليتل القرآن. ومن المعلوم أن هذا لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر وقد قال بعض من يوثق به: لكل آية ستون ألف فهم، وروى عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع)) قال ابن النقيب: إن ظاهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر وباطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله تعالى عليها أرباب الحقائق. ومعنى قوله: ولكل حرف حد أن لكل حرف منتهى فيما أراده الله تعالى من معناه ومعنى قوله: ولكل حد مطلع أن لكل غامض من المعاني والأحكام مطلعًا يتوصل به إلى معرفته ويوقف عن القدر يكفي بعد ذلك في المقصود كما لا يخفى على من لم يركب مطية الجحود المراد به وقيل في رواية: لكل آية ظهر وبطن وحد ومطلع .والمذكور بوساطة الألفاظ وتأليفاتها وضعًا وإفادة وجعلها طرقا إلى استنباط الأحكام الخمسة هو الظهر وروح الألفاظ أعني الكلام المعتلى عن المدارك الآلية بجواهر الروح القدسية هو البطن وإليه الإشارة بقول الأمير السابق والحد إما بين الظهر والبطن يرتقى منه إليه وهو المدرك بالجمعية من الجمعية وإما بين البطن والمطلع فالمطلع مكان الاطلاع من الكلام النفسي إلى الاسم المتكلم المشار إليه بقول الصادق: (( لقد تجلى الله تعالى في كتابه لعباده ولكن لا يبصرون)) والحد بينهما يرتقي به من البطن إليه عند إدراك الرابطة بين الصفة والاسم واستهلاك صفة العبد تحت تجليات أنوار صفة المتكلم تعالى شأنه وقيل: الظهر التفسير والبطن التأويل والحد ما تتناهى إليه الفهوم من معنى الكلام والمطلع ما يصعد إليه منه فيطلع على شهود الملك العلام . انتهى .
فلا ينبغي لمن له أدنى مسكة من عقل بل أدنى ذرة من إيمان أن ينكر اشتمال القرآن على بواطن يفيضها المبدأ الفياض على بواطن من شاء من عباده ويا ليت شعري ماذا يصنع المنكر بقوله تعالى: (وتفصيلاً لكل شيء) وقوله تعالى: ( ما فرطنا في الكتاب من شيء) ويا الله العجب كيف يقول باحتمال ديوان المتنبي وأبياته المعاني الكثيرة ولا يقول باشتمال قرآن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآياته وهو كلام رب العالمين المنزل على خاتم المرسلين على ما شاء الله تعالى من المعاني المحتجبة وراء سرادقات تلك المباني سبحانك هذا بهتان عظيم، بل ما من حادثة ترسم بقلم القضاء في لوح الزمان إلا وفي القرآن العظيم إشارة إليها فهو المشتمل على خفايا الملك والملكوت وخبايا قدس الجبروت 
وقد ذكر ابن خلكان في تاريخه: أن السلطان صلاح الدين لما فتح مدينة حلب أنشد القاضي محيي الدين قصيدة بائية أجاد فيها كل الإجادة وكان من جملتها:  [ وَفَتْحُكَ القلعةَ الشهباءَ في صفرٍ ...   مبشرٌ بفتوحِ القدسِ في رجبِ]  فكان كما قال فسئل القاضي : من أين لك هذا؟! فقال: أخذته من تفسير ابن برجان في قوله تعالى : (ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) قال المؤرخ : فلم أزل أتطلب التفسير المذكور حتى وجدته على هذه الصورة وذكر له حسابًا طويلاً وطريقًا في استخراجه وله نظائر كثيرة ومن المشهور استنباط ابن الكمال فتح مصر على يد السلطان سليم من قوله تعالى : (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) فالإنصاف كل الإنصاف التسليم للسادة الصوفية الذين هم مركز للدائرة المحمدية ما هم عليه واتهام ذهنك السقيم فيما لم يصل لكثرة العوائق والعلائق إليه وإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار وسيأتي تتمة لهذا البحث إن شاء الله تعالى والله الهادي إلى سواء السبيل .
الفائدة الثالثة: اعلم أن لكتاب الله تعالى أسماء أنهاها شيدلة في البرهان إلى خمسة وخمسين اسما وذكر السيوطي بعد عدها في الإتقان وجوه تسميته بها ولم يذكر غير ذلك وعندي أنها كلها ترجع بعد التأمل الصادق إلى القرآن والفرقان رجوع أسماء الله تعالى إلى صفتي الجمال والجلال فهما الأصل فيها وقد اختلف الناس في تحقيق لفظ القرآن فالمروي عن الشافعي وبه قال جماعة: أنه اسم علم غير مشتق خاص بهذا الكلام المنزل على النبي المرسل وهو معرفًا غير مهموز عنده كما حكاه عنه البيهقي والخطيب وغيرهما والمنقول عن الأشعري وأقوام: أنه مشتق من قرنت الشيء إذا ضممته إليه وسمي به عندهم لقرآن السور والآيات والحروف فيه بعضها ببعض . وقال الفراء: هو مشتق من القرائن؛ لأن الآيات فيه يصدق بعضها بعضًا ويشبه بعضها بعضًا وهو على هذين القولين بلا همز أيضًا ونونه أصلية . وقال الزجاج: هذا القول غلط والصواب: أن ترك الهمزة فيه من باب التخفيف ونقل حركتها إلى ما قبلها فهو عنده وصف مهموز على فعلان مشتق من القرء بمعنى الجمع ومنه قرأت الماء في الحوض إذا جمعته وسمي به لأنه جمع السور كما قال أبو عبيدة أو ثمرات الكتب السالفة كما قال الراغب أو لأن القارئ يظهره من فيه أخذًا من قولهم: ما قرأت الناقة سلى قط كما حكى عن قطرب وعند اللحياني وجماعة هو مصدر كالغفران سمى به المقروء تسمية المفعول بالمصدر قال السيوطي : قلت والمختار عندي في هذه المسألة ما نص عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه. انتهى. وأنا متبري من حولي أقول قول الزجاج أرق من وجه إذ الشائع فيه الهمز وبه قرأ السبعة ما عدا ابن كثير وقد وجه إسقاطها بما مر آنفا ولم يوجه إثباتها وكأن قول السيوطي محض تقليد لإمام مذهبه حيث لم يذكر الدليل ولم يوضح السبيل وعندي أنه في الأصل وصف أو مصدر كما قال الزجاج واللحياني لكنه نقل وجعل علما شخصيًّا كما ذهب إليه الشافعي ومحققو الأصوليين وعليه لا يعرف القرآن لأن التعريف لا يكون إلا للحاق الكلية ولعل من عرفه بالكلام المنزل للإعجاز بسورة منه أراد تصوير مفهوم لفظ القرآن وكذا من قال كالغزالي أنه ما نقل بين دفتي المصحف تواترًا أراد تخصيص الاسم بأحد الأقسام الثلاثة مما نقل بين الدفتين ومما لم ينقل كالمنسوخ تلاوته نحو: ( إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) وما نقل ولم يتواتر نحو : (ثلاثة أيام متتابعات) ليعلم أن ذلك هو الدليل وعليه الأحكام من نحو منع التلاوة والمس محدثًا وإلا فيرد على الأول إن أريد التمييز أن كونه للإعجاز ليس لازمًا بينا إذ لا يعرفه إلا الأفراد من العلماء فضلاً  عن أن يكون ذاتيًّا فكيف يصح لتعريف الحقيقة وتمييزها وهو إنما يكون بالذاتيات أو باللوازم البينة وأيضًا أن معرفة السورة منه متوقفة على معرفته فيدور ويرد على الثاني مثل ثاني ما ورد على الأول إذ معرفة المصحف موقوفة على معرفة القرآن إذ ليس هو إلا ما كتب فيه القرآن فأخذه في تعريفه دور أيضًا. هذا وقد قال ساداتنا الصوفية أفاض الله تعالى علينا من فتوحاتهم القدسية : إن القرآن إشارة إلى الذات التي يضمحل بها جميع الصفات فهي المجلي المسمى بالأحدية أنزلها الحق تعالى شأنه على نبيه محمد ليكون مشهد الأحدية من الأكوان ومعنى هذا الإنزال أن الحقيقة الأحدية المتعالية في ذراها ظهرت فيه بكمالها وما ادخر عنه شيء بل أفيض عليه الكل كرمًا إليها ذاتيًّا ووصف القرآن في بعض الآيات بالكريم لذلك إذ رأى كرمًا يضاهي هذا الكرم وأنى تقاس هذه النعمة بسائر النعم وأما القرآن الحكيم فهوية الحقائق الإلهية يعرج العبد بالتحقيق بها في الذات شيئًا فشيئًا على ما اقتضته الحكمة وإلى ذلك أشار الحق تعالى بقوله : (ورتلناه ترتيلاً) وهذا الحكم لا ينقطع أبدًا إذ لا يزال العبد في ترق والحق في تجلٍّ فسبحان من لا تقيده الأكوان وهو كل يوم في شأن وأما القرآن العظيم في قوله تعالى : (ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم) فهو إشارة إلى الجملة الذاتية لا باعتبار النزول ولا باعتبار المكانة بل مطلق الأحدية الذاتية التي هي في مطلق الهوية الجامعة لجميع المراتب والصفات والشئون والاعتبارات ولهذا قرن بالعظيم. وأما (السبع المثاني) فهو ما ظهر عليه في وجوده من التحقق بالصفات السبع وأما قوله تعالى : (الرحمن علم القرآن) فهو إشارة إلى أن العبد إذا تجلى عليه الرحمن وجد لذة رحمانية تكسبه معرفة قرآنية فلا يعلم الحق إلا من طريق اسمائه وصفاته وأما الفرقان عندهم فإشارة إلى حقيقة الأسماء والصفات على اختلاف تنوعاتها فباعتباراتها تتميز كل صفة واسم من غيرها فحصل الفرق في نفس الحق من حيث اسماؤه وصفاته فإن اسمه المنعم غير اسمه المنتقم وصفة الرضا غير صفة الغضب وإليه الإشارة بقوله : ((سبقت رحمتي غضبي)) وهي متفاوتة المراتب في الفضل نظرًا إلى أعيانها لا باعتبار أن في شيء منها نقصًا أو مفضولية ؛ ولهذا حكمت بعضها على بعض كما يشير إليه قوله : ((أعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك)) فكانت المعافاة أفضل من العقوبة والرضا أفضل من السخط فأعاذه بالفاضل مما يليه وكذا أعاذه بذاته من ذاته فكما أن الفرق حاصل في الأفعال كذلك في الصفات بل في نفس واحدية الذات التي لا فرق فيها لكن من غريب شئونها جمعها النقيضين قال أبو سعيد : عرفت الله تعالى بجمعه بين الضدين ولكونه مظهرًا للقرآن والفرقان كان خاتم النبيين وإمام المرسلين لأنه ما ترك شيئًا يحتاج إليه إلا وقد جاء به فلا يجد الذي يأتي بعده من الكمال شيئًا مما ينبغي أن ينبه عليه قال تعالى : (ما فرطنا في الكتاب من شيء) وقال تعالى : (فصلناه تفصيلاً) إلى غير ذلك من الآيات .
وقد يقال القرآن والفرقان إشارتان إلى مقام الجمع والفرق بأقسامها قالوا: ولا بد للعبد الكامل منهما فإن من لا تفرقة له لا عبودية له ومن لا جمع له لا معرفة له والجمع عندهم شهود الأشياء بالله تعالى والتبري من الحول والقوة إلا بالله وجمع الجمع الاستهلاك بالكلية والفناء عما سوى الله تعالى وهو المرتبة الأحدية والفرق أنواع فرق أول وهو الاحتجاب بالخلق عن الحق وبقاء رسوم الخليقة بحالها وفرق ثان وهو شهود قيام الخلق بالحق ورؤية الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة من غير احتجاب إحداهما عن الأخرى وفرق الوصف وهو ظهور الذات الأحدية بأوصافها في الحضرة الواحدة وفرق الجمع وهو تكثر الواحد بظهوره في المراتب التي هي ظهور شئون الذات الأحدية وتلك الشئون في الحقيقة اعتبارات محضة لا تحقق لها إلا عند بروز الواحد بصورها وكثيرًا ما يطلقون القرآن على العلم اللدني الإجمالي الجامع للحقائق كلها والفرقان على العلم التفصيلي الفارق بين الحق والباطل وكتاب الله تعالى جامع لذلك كله كما لا يخفى على أهله وذكر الشيخ الأكبر قدس الله سره : أن القرآن يتضمن الفرقان والفرقان لا يتضمن القرآن؛ لأن تفاصيل المراتب والأسماء المقتضية لها موجودة في الجمع والجمع لا يوجد في التفاصيل ولهذا ما اختص بالقرآن إلا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فليفهم . ونسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا ويزيل بعلمه جهلنا إنه على ما يشاء قدير . 
الفائدة الرابعة في تحقيق معنى أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق: اعلم أن هذه المسألة من أمهات المسائل الدينية والمباحث الكلامية كم زلت فيها أقدام وضلت عن الحق بها أقوام وهي وإن كانت مشروحة في كتب المتقدمين مبسوطة في زبر المتأخرين لكني بحول من عز حوله وفضل من غمرنا فضله أوردها في هذا الكتاب ليتذكر أولو الألباب بأسلوب عجيب وتحقيق غريب لا أظنك شنفت سمعك بمثل لآليه ولا نورت بصرك بشبه بدر لياليه فماء ولا كصدى ومرعى ولا كالسعدان وما كل زهر ينبت الروض طيب ولا كل كحل للنواظر أثمد فأقول: إن الإنسان له كلام بمعنى التكلم الذي هو مصدر وكلام بمعنى المتكلم به الذي هو الحاصل بالمصدر ولفظ الكلام موضوع لغة لثاني قليلاً كان أو كثيرًا حقيقة كان أو حكمًا وقد يستعمل استعمال المصدر كما ذكره الرضي وكل من المعنيين إما لفظي أو نفسي فالأول من اللفظي فعل الإنسان باللسان وما يساعده من المخارج والثاني منه كيفية في الصوت المحسوس والأول من النفسي فعل قلب الإنسان ونفسه الذي لم يبرز إلى الجوارح والثاني كيفية في النفس إذ لا صوت محسوسًا عادة فيها وإنما هو صوت معنوي مخيل أما الكلام اللفظي بمعنييه فمحل وفاق وأما النفسي فمعناه الأول تكلم الإنسان بكلمات ذهنية وألفاظ مخيلة يرتبها في الذهن على وجه إذا تلفظ بها بصوت محسوس كانت عين كلماته اللفظية ومعناه الثاني هو هذه الكلمات الذهنية والألفاظ المخيلة المرتبة ترتيبًا ذهنيًّا منطبقًا عليه الترتيب الخارجي 
والدليل على أن للنفس كلامًا بالمعنيين الكتاب والسنة فمن الآيات قوله تعالى: (فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانًا) فإن قال بدل من (أسر) أو استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال في نفسه في ذلك الإسرار؟ فقيل : قال: أنتم شر مكانًا. وعلى التقديرين فالآية دالة على أن للنفس كلامًا بالمعنى المصدري وقولاً بالمعنى الحاصل بالمصدر وأثمد من أسر والجملة بعدها وقوله تعالى : (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى) وفسر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بما أسره ابن آدم في نفسه وقوله تعالى : (واذكر ربك في نفسك) وقوله تعالى : (يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا) أي يقولون في أنفسهم كما هو الأسرع انسياقًا إلى الذهن والآيات في ذلك كثيرة. ومن الأحاديث ما رواه الطبراني عن أم سلمة أنها سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقد سأله رجل فقال : إني لأحدث نفسي بالشيء لو تكلمت به لأحبطت أجرى؟ فقال: (( لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن)) فسمى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك الشيء المحدث به كلامًا مع أنه كلمات ذهنية والأصل في الإطلاق الحقيقة ولا صارف عنها. وقوله تعالى في الحديث القدسي: (( أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ...)) الحديث وفيه دليل على أن للعبد كلامًا نفسيًّا بالمعنيين وللرب أيضًا كلامًا نفسيًّا كذلك ولكن أين التراب من رب الأرباب فالمعنى الأول للحق تعالى شأنه صفة أزلية منافية للآفة الباطنية التي هي بمنزلة الخرس في التكلم الإنساني اللفظي ليس من جنس الحروف والألفاظ أصلاً وهي واحدة بالذات تتعدد تعلقاتها بحسب تعدد المتكلم به وحاصل الحديث من تعلق تكلمه بذكر اسمي تعلق تكلمي بذكر اسمه والتعلق من الأمور النسبية التي لا يضر تجددها وحدوث المتعلق إنما يلزم في التعلق التنجيزي ولا ننكره وأما التعلق المعنوي التقديري ومتعلقه فأزليان ومنه ينكشف وجه صحة نسبة السكوت عن أشياء رحمة غير نسيان كما في الحديث إذ معناه أن تكلمه الأزلي لم يتعلق ببيانها مع تحقق اتصافه أزلاً بالتكلم النفسي وعدم هذا التعلق الخاص لا يستدعي انتفاء الكلام الأزلي كما لا يخفى .
والمعنى الثاني له تعالى شأنه كلمات غيبية وهي ألفاظ حكمية مجردة عن المواد مطلقًا نسبية كانت أو خيالية أو روحانية وتلك الكلمات أزلية مترتبة من غير تعاقب في الوضع الغيبي العلمي لا في الزمان إذ لا زمان والتعاقب بين الأشياء من توابع كونها زمانية ويقربه من بعض الوجوه وقوع البصر على سطور الصفحة المشتملة على كلمات مرتبة في الوضع الكتابي دفعة فهي مع كونها مترتبة لا تعاقب في ظهورها فجميع معلومات الله الذي هو نور السموات والأرض مكشوفة له أزلا كما هي مكشوفة له فيما لا يزال ثم تلك الكلمات الغيبية المترتبة ترتبًا وضعيًّا أزليًّا يقدر بينها التعاقب فيما لا يزال والقرآن كلام الله تعالى المنزل بهذا المعنى فهو كلمات غيبية مجردة عن المواد مترتبة في علمه أزلاً غير متعاقبة تحقيقًا بل تقديرًا عند تلاوة الألسنة الكونية الزمانية ومعنى تنزيلها إظهار صورها في المواد الروحانية والخيالية والحسية من الألفاظ المسموعة والذهنية والمكتوبة ومن هنا قال السنيون : القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق وهو مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور مقروء بالألسن مسموع بالآذان غير حال في شيء منها وهو في جميع هذه المراتب قرآن حقيقة شرعية معلوم من الدين بالضرورة فقولهم غير حال إشارة إلى مرتبته النفسية الأزلية فإنه من الشئون الذاتية ولم تفارق الذات ولا تفارقها أبدًا ولكن الله تعالى أظهر صورها في الخيال والحس فصارت كلمات مخيلة وملفوظة مسموعة ومكتوبة مرئية فظهر في تلك المظاهر من غير حلول إذ هو فرع الانفصال وليس فليس فالقرآن كلامه تعالى غير مخلوق وإن تنزل في هذه المراتب الحادثة ولم يخرج عن كونه منسوبًا إليه أما في مرتبة الخيال فلقوله : أغنى الناس حملة القرآن من جعله الله تعالى في جوفه وأما في مرتبة اللفظ فلقوله تعالى : (وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن) وأما في مرتبة الكتابة فلقوله تعالى : (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) وقول الإمام أحمد : لم يزل الله متكلمًا كيف شاء وإذا يشاء بلا كيف إشارة إلى مرتبتين فالأول إلى كلامه في مرتبة التجلي والتنزل إلى مظهر له كقوله : ((إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة أجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان ...)) الحديث والثاني إلى مرتبة الكلام النفسي إذ الكيف من توابع مراتب التنزلات والكلام النفسي في مرتبة الذات مجرد عن المادة فارتفع الكيف بارتفاعها. فالحاصل لم يزل الله تعالى متكلمًا وموصوفًا بالكلام من حيث تجلي ومن حيث لا فمن حيث تجليه في مظهر لكلامه كيف وإذا شاء لم يتكلم بما اقتضاه مظهر تجليه فيكون متكلمًا بلا كيف كما كان ولم يزل والأشعري إذا حققت الحال وجدته قائلاً بأن لله تعالى كلامًا بمعنى التكلم وكلامًا بمعنى المتكلم به وأنه بالمعنى الثاني لم يزل متصفًا بكونه أمرًا ونهيًا وخبرًا فإنها أقسام المتكلم به وأن الكلام النفسي بالمعنى الثاني حروفه غير عارضة للصوت في الحق والخلق غير أنها في الحق كلمات غيبية مجردة عن المواد أصلاً إذ كان الله تعالى ولم يكن شيء غيره وفي الخلق كلمات مخيلة ذهنية فهي في مادة خيالية فكلمات الكلام النفسي في جنابه تعالى كلمات حقيقية لكنها ألفاظ حكمية ولا يشترط اللفظ الحقيقي في كون الكلمة حقيقية إذ قد أطلق الفاروق الكلمة على أجزاء مقالته المخيلة في خبر يوم السقيفة والأصل في الإطلاق الحقيقة فالأجزاء كلمات حقيقية لغوية مع أنها ليست ألفاظًا كذلك إذ ليست حروفها عارضة لصوت واللفظ الحقيقي ما كانت حروفه عارضة وهو لكونه صورة اللفظ النفسي الحكمي دال عليه وهو دال في النفس على معناه بلا شبهة ولا انفكاك فيصدق على اللفظ النفسي بمعناه أنه مدلول اللفظ الحقيقي ومعناه فتفسير المعنى النفسي المشهور عن الأشعري بمدلول اللفظ وحده كما نقله صاحب المواقف عن الجمهور لا ينافي تفسيره بمجموع اللفظ والمعنى كما فسره هو أيضًا وذلك بأن يحمل اللفظ في قوله على النفسي وفي قول الجمهور على الحقيقي ولا شك حينئذ أن مجموع النفسي ومعناه من حيث المجموع يصدق عليه أنه مدلول اللفظ الحقيقي وحده لأن اللفظ الحقيقي لكونه صورة النفسي في مرتبة تنزله دال عليه ويدل على أن المراد المجموع قول إمام الحرمين في الإرشاد : ذهب أهل الحق إلى إثبات الكلام القائم بالنفس وهو القول أي المقول الذي يدور في الخلد وهو اللفظ النفسي الدال على معناه بلا انفكاك نعم عبارة صاحب المواقف غير واضحة في المقصود وله مقالة مفردة في ذلك ومحصولها كما قال السيد قدس الله سره: أن لفظ المعنى يطلق تارة على مدلول اللفظ وأخرى على الأمر القائم بالغير، فالشيخ لما قال الكلام النفسي هو المعنى النفسي فهم الأصحاب منه أن مراده مدلول اللفظ وحده وهو القديم عنده وأما العبرات فإنما تسمى كلامًا مجازًا لدلالته على ما هو كلام حقيقي حتى صرحوا بأن الألفاظ خاصة حادثة على مذهبه أيضًا لكنها ليست كلامه حقيقة وهذا الذي فهموه من كلام الشيخ له لوازم كثيرة فاسدة كعدم إكفار من أنكر كلامية ما بين دفتي المصحف مع أنه علم من الدين ضرورة كونه كلام الله تعالى حقيقة وكعدم المعارضة والتحدي بكلام الله الحقيقي وكعدم كون المقروء والمحفوظ كلامه حقيقة إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطن في الأحكام الدينية فوجب حمل كلام الشيخ على أنه أراد به المعنى الثاني فيكون الكلام النفسي عنده أمرًا شاملاً للفظ والمعنى جميعًا قائمًا بذات الله تعالى وهو مكتوب في المصاحف مقروء بالألسن محفوظ في الصدور وهو غير الكتابة والقراءة والحفظ الحادثة وما يقال من أن الحروف والألفاظ مترتبة متعاقبة فجوابه أن ذلك الترتب إنما هو في التلفظ بسبب عدم مساعدة الآلة فالتلفظ حادث والأدلة الدالة على الحدوث يجب حملها على حدوثه دون حدوث الملفوظ جمعاً بين الأدلة وهذا الذي ذكرناه وإن كان مخالفًا لما عليه متأخر وأصحابنا إلا أنه بعد التأمل يعرف حقيقته. انتهى.  واعتراضه الدواني بوجوه قال: أما أولاً فلأن مذهب الشيخ أن كلامه تعالى واحد وليس بأمر ولا نهي ولا خبر وإنما يصير أحد هذه الأمور بحسب التعلق وهذه الأوصاف لا تنطبق على الكلام اللفظي وإنما يصح تطبيقه على المعنى المقابل للفظ بضرب من التكلف. وأما ثانيًا فلان كون الحروف والألفاظ قائمة بذاته تعالى من غير ترتب يفضي إلى كون الأصوات مع كونها أعراضًا سيالة موجودة بوجود لا تكون فيه سيالة وهو سفسطة من قبيل أن يقال الحركة توجد في بعض الموضوعات من غير ترتب وتعاقب بين أجزائها وأما ثالثًا فلأنه يؤدي إلى أن يكون الفرق بين ما يقوم بالقارئ من الألفاظ وبين ما يقوم بذاته تعالى باجتماع الأجزاء وعدم اجتماعها بسبب قصور الآلة فنقول: هذا الفرق إن أوجب اختلاف الحقيقة فلا يكون القائم بذاته من جنس الألفاظ وإن لم يوجب وكان ما يقوم بالقارئ وما يقوم بذاته تعالى حقيقة واحدة والتفاوت بينهما إنما يكون باجتماعه وعدمه اللذين هما من عوارض الحقيقة الواحدة كان بعض صفاته الحقيقية مجانسًا لصفات المخلوقات .
وأما رابعًا فلان لزوم ما ذكره من المفاسد وهم , فإن تكفير من أنكر كون ما بين الدفتين كلام الله تعالى إنما هو إذا اعتقد أنه من مخترعات البشر أما إذا أعتقد أنه ليس كلام الله بمعنى أنه ليس بالحقيقة صفة قائمة بذاته بل هو دال على الصفة القائمة بذاته لا يجوز تكفيره أصلاً كيف وهو مذهب أكثر الأشاعرة ما خلا المصنف وموافقيه وما علم من الدين من كون ما بين الدفتين كلام الله تعالى حقيقة إنما هو بمعنى كونه دالاًّ على ما هو كلام الله تعالى حقيقة لا على أنه صفة قائمة بذاته تعالى وكيف يدعي أنه من ضروريات الدين مع أنه خلاف ما نقله عن الأصحاب وكيف يزعم أن هذا الجم الغفير من الأشاعرة أنكروا ما هو من ضروريات الدين حتى يلزم تكفيرهم حاشاهم عن ذلك وأما خامسًا فلأن الأدلة الدالة على النسخ لا يمكن حملها على التلفظ بل ترجع إلى الملفوظ كيف وبعضها مما لا يتعلق النسخ بالتلفظ به كما نسخ حكمه بقى تلاوته .انتهى 
والجواب : أما عن الأول فهو أن الحق عز اسمه له كلام بمعنى التكلم وكلام بمعنى المتكلم به وما هو أمر واحد المعنى الأول وهو صفة واحدة تتعدد تعلقاتها بحسب تعدد المتكلم به من الكتب والكلمات وأنها ليست من جنس الحروف والألفاظ أصلاً لا الحقيقية ولا الحكمية وما ذكر في الاعتراض ينطبق عليه بلا كلفة والدليل على أن المنعوت بهذه الأوصاف عند الشيخ هو المعنى الأول نقل الإمام أن الكلام الأزلي لم يزل متصفًا بكونه أمرًا نهيًا خبرًا ولا شك أن هذه أقسام المتكلم به وكل من كان قائلاً بانقسام الثاني كان المنعوت بالوحدة ذاتًا والتعدد تعلقًا المعنى الأول عنده جمعًا بين الكلامين وأما عن الثاني فهو أن ذلك إنما يلزم إذا أريد من اللفظ الحقيقي وأما إذا أريد النفسي الحكمي فلا ورود له ؛ لأن الألفاظ النفسية كلها مجتمعة الأجزاء في الوجود العلمي مع كونها مترتبة كما ذكره هو نفسه وكلام صاحب المواقف محتمل للتأويل كما تقدم فليحمل عليه سعيًا بالإصلاح مهما أمكن، وأما الثالث فهو أن الإيراد مبني على ظن أن المراد باللفظ الحقيقي مع أنه محتمل لأن يراد النفسي كما يقتضيه ظاهر تشبيهه بالقائم بنفس الحافظ ، وأما الرابع فهو أن الكلام النفسي عند أهل الحق هو مجموع اللفظ النفسي والمعنى ولكن ظاهر كلام صاحب المواقف يدل على أنه فهم من ظاهر كلام بعض الأصحاب أن مرادهم بالمعنى هو المقابل للفظ مجردًا عن اللفظ مطلقًا وقد سمعهم يقولون: إن الكلام اللفظي ليس كلامه تعالى حقيقة بل مجازًا فإذا أنضم قولهم بنفي كونه كلامًا حقيقة شرعية إلى قولهم في ظنه أن النفسي هو المعنى المقابل للفظ لزم من هذا ما هو في معنى القول بكون اللفظي من مخترعات البشر ولا يخفى استلزامه للمفاسد ولكن لم يريدوا بالمجاز الشرعي فإن إطلاق كلام الله تعالى المسموع متواتر فلا يتأتى نفيه لأحد بل المراد أن الكلام إنما يتبادر منه ما هو وصف للمتكلم وقائم به قيامًا يقتضيه حقيقة الكلام وذات المتكلم في الحق والخلق على الوجه اللائق بكل وأما ما يتلى فهو حروف عارضة للصوت الحادث ولا شك أنه ليس قائمًا بذاته سبحانه من حيث هو هو بل هو صورة من صور كلامه القديم القائم به تعالى ومظهر تنزلاته فهو دال على الحقيقي القائم فسمى كلامًا حقيقة شرعية لذلك وفيه إطلاق لاسم الحقيقة على الصورة فيكون مجازًا من هذا الوجه وإلى هذا يشير كلام التفتازاني فلا يلزم شيء من المفاسد واعتراض صاحب المواقف مبني على ظنه . وأما الخامس فهو أن كلام صاحب المواقف ليس نصًّا في أن الضمير راجع إلى التلفظ بل يحتمل أن يكون راجعًا إلى الملفوظ وذلك أنه قال المعنى الذي في النفس لا ترتب فيه كما هو قائم بنفس الحافظ ولا ترتب فيه وقد مر أن المراد به مجموع اللفظ النفسي والمعنى كما يقتضيه ظاهر التشبيه بالقائم بنفس الحافظ ولا شك أنه لا ترتب فيه أي لا تعاقب فيه في الوجود العلمي وحينئذ فقولهم نعم الترتب إنما يحصل في التلفظ معناه أن الترتب في المعنى النفسي الذي هو مجموع اللفظ النفسي والمعنى إنما يحصل في التلفظ الخارجي لضرورة عدم مساعدة الآلة فقوله : وهو الذي هو حادث أي الملفوظ بالتلفظ الخارجي الذي هو الصورة حادث لا اللفظ النفسي وتحمل الأدلة التي تدل على الحدوث على حدوثه أي الملفوظ بالتلفظ الخارجي وعلى هذا لا ورود للاعتراض أصلاً ومنهم من اعترض أيضًا بأنهم اشتركوا في المعجزة أن تكون فعل الله تعالى أو ما يقوم مقامه كالنزول فلا يكون القرآن اللفظي الذي هو معجزة قديمًا صفة له تعالى ولا يخفى أن المعجزة هو القرآن في مرتبة تنزله إلى الألفاظ الحقيقة العربية فكونه لفظًا حقيقيًّا عربيًّا مجعول بالنص فيكون معجزة بلا شبهة والقديم على ما حقق هو القرآن اللفظي النفسي الذي هو مجموع اللفظ النفسي والمعنى وهذا واضح لمن ساعدته العناية وقد شنع على الشيخ الأشعري في هذا المقام أقوام تشابهت قلوبهم واتحدت أغراضهم وإن اختلفت أساليبهم وها أنا بحوله تعالى راد لاعتراضاتهم بعد نقلها غير هياب ولا وكل وإن اتسع علم أهلها فالبعوضة قد تدمي مقلة الأسد وفضل الله تعالى ليس مقصورًا على أحد. 
فأقول: قال تلميذ مولانا الدواني عفيف الدين الإيجي ما حاصله : أن هذا الذي تدعيه : الأشاعرة من أن للكلام معنى آخر يسمى النفسي باطل فإنا إذ قلنا: زيد قائم فهناك أربعة أشياء الأول العبارة الصادرة عنه، والثاني مدلول هذه العبارة وما وضع له هذه الألفاظ من المعاني المقصودة بها الثالث علمه بثبوت تلك النسبة وانتفائها. 
الرابع ثبوت تلك النسبة وانتفاؤها في الواقع والأخير أن ليسا كلامًا اتفاقا والأول لا يمكن أن يكون كلام الله حقيقة على مذهبهم فبقى الثاني وكذا نقول في الأمر والنهي ههنا ثلاثة أمور الأول الإرادة والكراهة الحقيقية الثاني اللفظ الصادر عنه الثالث مفهوم لفظه ومعناه والأول ليس كلامًا اتفاقًا والثاني كذلك على مذهبهم فبقى الثالث وبه صرح أكثر محققيهم وكونه كلامًا نفسيًّا ثابتًا لله تعالى شأنه محكومًا عليه بأحكام مختلفة باطل من وجه الأول أنه مخالف للعرف واللغة فإن الكلام فيهما ليس إلا المركب من الحروف الثاني أنه لا يوافق الشرع إذ قد ورد فيما لا يحصى كتابًا وسنة أن الله تعالى ينادي عباده ولا ريب أن النداء لا يكون إلا بصوت بل قد صرح به في الأخبار الصحيحة وباب المجاز وإن لم يغلق بعد إلا أن حمل ما يزيد على نحو مائة ألف من الصرائح على خلاف معناه مما لا يقبله العقل السليم الثالث أن ما قالوه من كون هذا المعنى النفسي واحدًا يخالف العقل فإنه لا شك أن مدلول اللفظ في الأمر يخالف مدلوله في النهي ومدلول الخبر يخالف مدلول الإنشاء بل مدلول أمر مخصوص غير مدلول أمر آخر وكذا في الخبر ولا يرتاب عاقل أن مدلول اللفظ لا يمكن أن يكون غير القرآن وسائر الكتب السماوية فيلزم أن يكون كل واحد مشتملاً على ما اشتمل عليه الآخر وليس كذلك وكيف يكون معنى واحد خبرًا وإنشاء محتملاً للتصديق والتكذيب وغير محتمل وهو جمع بين النفي والإثبات . انتهى 
ولا يخفى أن مبنى جميع اعتراضاته على فهمه أن مرادهم بالمعنى النفسي هو مدلول اللفظ وحده أي المعنى المجرد عن مقارنة اللفظ مطلقًا ولو حكميًّا وقد عرفت أنه ليس كذلك بل المراد به مجموع اللفظ النفسي والمعنى وهو الذي يدور في الخلد وتدل عليه العبارات كما صرح به إمام الحرمين وعليه إذا قال القائل: زيد قائم فهناك أربعة أشياء كما ذكر المعترض وشيء خامس تركه وهو المراد وهي هذه الجملة بشرط وجودها في الذهن بألفاظ مخيلة ذهنية دالة على معانيها في النفس وهذا يعنونه بالكلام النفسي فلا محذور ونقول على سبيل التفصيل أما الأول فجوابه: أنه إنما تتم المخالفة إذا لم يكن عندهم مجموع اللفظ النفسي والمعنى فحيث كان لا مخالفة لأن الكلام حينئذ مركب من الحروف إلا أنها نفسية غيبية في الحق خيالية في الخلق وأما الثاني فجوابه: أن هذا الذي لا يحصى ليس فيه سوى أن الحق سبحانه وتعالى متكلم بكلام حروفه عارضة للصوت لا أنه لا يتكلم إلا به فلا ينتهض ما ذكر حجة على الشيخ بل إذا أمعنت النظر رأيت ذلك حجة له حيث بين أن الله تعالى لا يتكلم بالوحي لفظًا حقيقيًّا إلا على طبق ما في علمه وكلما كان كذلك كان الكلام اللفظي صورة من صور الكلام النفسي ودليلاً من أدلة ثبوتها والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. 
وأما الثالث فجوابه: أن المنعوت بأنه واحد بالذات تتعدد تعلقاته هو الكلام بمعنى صفة المتكلم ووحدته مما لا شك لعاقل فيها وأما الكلام النفسي بمعنى المتكلم به فليس عنده واحدًا بل نص في الإبانة على انقسامه إلى الخبر والأمر والنهي في الأزل فلا اعتراض وقال النجم سليمان الطوفي : إنما كان الكلام حقيقة في العبارة مجازًا في مدلولها لوجهين أحدهما: أن المتبادر إلى فهم أهل اللغة من إطلاق الكلام إنما هو العبارة والمبادرة دليل الحقيقة الثاني أن الكلام مشتق من الكلم لتأثيره في نفس السامع والمؤثر فيها إنما هو العبارات لا المعاني النفسية بالفعل نعم هي مؤثرة للفائدة بالقوة والعبارة مؤثرة بالفعل فكانت أولى بأن تكون حقيقة والأخرى مجازًا وقال المخالفون : أستعمل لغة في النفسي والعبارة قلنا نعم لكن بال أو بالحقيقة فيما ذكرناه وبالمجاز فيما ذكرتموه والأول ممن قالوا الأصل في الإطلاق الحقيقة قلنا : والأصل عدم  أل  ثم إن لفظ الكلام أكثر ما يستعمل في العبارات والكثرة دليل الحقيقة وأما قوله تعالى : (يقولون في أنفسهم) فمجاز دل على المعنى النفسي بقرينة (في أنفسهم) ولو أطلق لما فهم إلا العبارة وأما قوله تعالى : (وأسروا قولكم) الآية فلا حجة فيه لأن الأسرار خلاف الجهر وكلاهما عبارة عن أن يكون أرفع صوتًا من الآخر وأما بيت الأخطل فالمشهور أن البيان وبتقدير أن يكون الكلام فهو مجاز عن مادته وهو التصورات المصححة له إذ من لم يتصور ما يقول لا يوجد كلامًا ثم هو مبالغة من هذا الشاعر بترجيح الفؤاد على اللسان .انتهى وفيه ما لا يخفى .
أما أولاً فلأن ما ادعاه من التبادر إنما هو لكثرة استعماله في اللفظي لمسيس الحاجة إليه لا لكونه الموضوع له خاصة بدليل استعماله لغة وعرفًا في النفسي والأصل في الإطلاق الحقيقة وقوله: والأصل عدم ال. قلنا : نعم إن أردت به ال اللفظي ونحن لا ندعيه وإنما ندعي ال المعنوي وذلك أن الكلام في اللغة بنقل النحويين ما يتكلم به قليلاً كان أو كثيرًا حقيقة أو حكمًا، وأما ثانيًا فلأن ما ادعاه من أن المؤثر في نفس السامع إنما هو العبارات لا المعاني النفسية الأمر فيه بالعكس بدليل أن الإنسان إذا سمع كلامًا لا يفهم معناه لا تؤثر ألفاظه في نفسه شيئًا وقد يتذكر الإنسان في حالة سروه كلامًا يحزنه وفي حالة حزنه كلامًا يسره فيتأثر بهما ولا صوت ولا حرف هناك وإنما هي حروف وكلمات مخيلة نفسية وهو الذي عناه الشيخ بالكلام النفسي وعلى هذا فالسامع في قولهم لتأثيره في نفس السامع ليس بقيد والتأثير في النفس مطلقًا معتبر في وجه التسمية. وأما ثالثًا فلأن ما قاله في قوله تعالى : (يقولون في أنفسهم) من أنه مجاز دل على المعنى النفسي فيه بقرينة في أنفسهم ولو أطلق لما فهم إلا العبارة يرده قوله تعالى: (يقولون بأفواههم) وفي آية (بألسنتهم ما ليس في قلوبهم) إذ لو كان مجرد ذكر في أنفسهم قرينة على كون القول مجازًا في النفسي لكان ذكر (بأفواههم) و(بألسنتهم) قرينة على كونه مجازًا في العبارة واللازم باطل فكذا الملزوم نعم التقييد دليل على أن القول مشترك معنى بين النفسي واللفظي وعين به المراد من فرديه فهو لنا لا علينا. وأما رابعًا فلأن ما ذكره في قوله تعالى : وأسروا الآية تحكم بحت لأن السر كما قال الزمخشري: ما حدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال. ويساعده الكتاب والأثر واللغة كما لا يخفى على المتتبع .وأما خامسًا فلأن ما ذكره في بيت الأخطل خطل من وجوه أما أولاً فعلى تقدير أن يكون المشهور البيان بدل الكلام يكفينا في البيان لأنه إما اسم مصدر بمعنى ما يبين به أو مصدر بمعنى التبيين وعلى الأول هو بمعنى الكلام ولا فرق بينهما إلا في اللفظ وعلى الثاني هو مستلزم للكلام النفسي بمعنى المتكلم به إن كان المراد به التبيين القلبي أعني ترتيب القلب للكلمات الذهنية على وجه إذا عبر عنها باللسان فهم غيره ما قصده منها. وأما ثانيًا فلأن قوله: وبتقدير أن يكون... إلخ إقرار بالكلام النفسي من غير شعور. 
وأما ثالثًا فلأن دعوى المجاز تحكم مع كون الأصل في الإطلاق الحقيقة. وأما رابعًا فلأن دعوى أن ذلك مبالغة من هذا الشاعر خلاف الواقع بل هو تحقيق من غير مبالغة كما يفهم مما سلف فما ذكره هذا الشاعر كلمة حكمة سواء نطق بها على بينة من الأمر أو كانت منه رمية من غير رام فإن معناه موجود في حديث أبي سعيد:  ((العينان دليلان والأذنان قمعان واللسان ترجمان - إلى أن قال - : والقلب ملك فإذا صلح ....)) الحديث وفي حديث أبي هريرة: (( القلب ملك وله جنود - إلى أن قال - : وا للسان ترجمان)) الحديث فما قيل: إن هذا الشاعر نصراني عدو لله تعالى ورسوله فيجب اطراح كلام الله تعالى ورسوله تصحيحًا لكلامه أو حمله على المجاز صيانة لكلمة هذا الشاعر عنه وأيضًا يحتاجون إلى إثبات هذا الشعر والشهرة غير كافية فقد فتش ابن الخشاب دواوين الأخطل العتيقة فلم يجد فيها البيت. انتهى كلام أوهن وأوهى من بيت العنكبوت وأنه لأوهن البيوت أما أولاً فلأن كلام هذا العدو موافق لكلام الحبيب حتى لكلام المنكرين للكلام النفسي حيث اعترفوا به في عين إنكارهم وأما ثانيًا فلأنا أغنانا الله تعالى ورسوله من فضله عن إثبات هذا الشعر. وأما ثالثًا فلأن عدم وجدان ابن الخشاب لا يدل على انتفائه بالكلية كما لا يخفى، والحاصل أن الناس أكثروا القال والقيل في حق هذا الشيخ الجليل وكل ذلك من باب [وكم من عائب قولاً صحيحًا   وآفته من الفهم السقيم] نعم البحث دقيق لا يرشد إليه إلا توفيق كم أسهر أناسًا وأكثر وسواسًا وأثار فتنة وأورث محنة وسجن أقوامًا وأم إمامًا مرام شط مرمى العقل فيه ودون مداه بيد لا تبيد ولكن بفضل الله تعالى قد أتينا فيه بلب اللباب وخلاصة ما ذكره الأصحاب وقد اندفع به كثير مما أشكل على الأقوام وخفى على إفهام ذوي الأفهام ولا حاجة معه إلى ما قاله المولى المرحوم غنى زاده في التخلص عن هاتيك الشبه مما نصه ثم اعلم أني بعد ما حررت البحث بعثني فرط الإنصاف إلى أنه لا ينبغي لذي الفطرة السليمة أن يدعي قدم اللفظ لاحتياجه إلى هذه التكلفات وكذا كون الكلام عبارة عن المعنى القديم لركاكة توصيف الذات به كيف ومعنى قصة نوح مثلاً ليس بشيء يمكن اتصاف الذات به إلا بتمحل بعيد فالحق الذي لا محيد عنه هو أن المعاني كلها موجودة في العلم الأزلي بوجود علمي قديم لكن لما كان في ماهية بعضها داعية البروز في الخارج بوجود لفظي حادث حسبما يستدعيه حدوث فيما لا يزال أقتضى أزليًّا إبراز ذلك البعض في الخارج بذلك الوجود الحادث فيما لا يزال فهذا الاقتضاء صفة للذات هو بها في الأزل مسماة بالكلام النفسي وأثره الذي هو ظهور المعنى القديم باللفظ الحادث إنما يكون فيما لا يزال والمغايرة بينه وبين صفة العلم ظاهرة وهذا هو غاية الغايات في هذا الباب والحمد لله على ما خصني بفهمه من بين أرباب الألباب. انتهى 
وفيه أنه غاية الغايات في الجسارة على رب الأرباب وإحداث صفة قديمة ما أنزل الله تعالى بها من كتاب إذ لم يرد في كتاب الله تعالى ولا في سنة نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم ولا روى عن صحابي ولا تابعي تسمية ذلك الاقتضاء كلامًا بل لا يقتضيه عقل ولا نقل على أنه لا يحتاج إليه عند من أخذت العناية بيديه هذا وإذا سمعت ما تلوناه ووعيت ما حققناه فاسمع الآن تحقيق الحق في كيفية سماع موسى عليه السلام كلام الحق فأقول: الذي انتهى إليه كلام أئمة الدين كالماتريدي والأشعري وغيرهما من المحققين أن موسى عليه السلام سمع كلام الله تعالى بحرف وصوت كما تدل عليه النصوص التي بلغت في الكثرة مبلغًا لا ينبغي معه تأويل ولا يناسب في مقابلته قال وقيل فقد قال تعالى : (وناديناه من جانب الطور الأيمن) (وإذ نادى ربك موسى) (نودي من شاطيء الوادي الأيمن) (إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى) (نودي أن بورك من في النار ومن حولها) واللائق بمقتضى اللغة والأحاديث أن يفسر النداء بالصوت بل قد ورد إثبات الصوت لله تعالى شأنه في أحاديث لا تحصى وأخبار لا تستقصي. 
روى البخاري في الصحيح: (( يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان )) ومن علم أن لله تعالى الحكيم أن يتجلى بما شاء وكيف شاء وأنه منزه في تجليه قريب في تعاليه لا تقيده المظاهر عند أرباب الأذواق إذ له الإطلاق الحقيقي حتى عن قيد الإطلاق زالت عنه إشكالات واتضحت لديه متشابهات ومما يدل على ثبوت التجلي في المظهر لله تعالى قول ابن عباس ترجمان القرآن في قوله تعالى : (أن بورك من في النار) كما في الدر المنثور يعني تبارك وتعالى نفسه كان نور رب العالمين في الشجرة وفي رواية عنه: (( كان الله في النور ونودي من النور)) وفي صحيح مسلم: (( حجابه النور)) وفي رواية له (( حجابه النار)) ودفع الله سبحانه توهم التقييد بما ينافي التنزيه بقوله : (وسبحان الله) أي عن التقييد بالصورة والمكان والجهة وإن ناداك منها لكونه موصوفًا بصفة رب العالمين فلا يكون ظهوره مقيدًا له بل هو المنزه عن التقييد حين الظهور يا موسى إنه أي المنادي المتجلي أنا الله العزيز فلا أتقيد لعزتي ولكني الحكيم فاقتضت حكمتي الظهور والتجلي في صورة مطلوبك فالمسموع على هذا صوت وحرف سمعهما موسى عليه السلام من الله تعالى المتجلي بنوره في مظهر النار لما اقتضته الحكمة فهو عليه السلام كليم الله تعالى بلا واسطة لكن من وراء حجاب مظهر النار وهو عين تجلي الحق تعالى له وأما ما شاع عن الأشعري من القول بسماع الكلام النفسي القائم بذات الله تعالى فهو من باب التجويز والإمكان لا أن موسى عليه السلام سمع ذلك بالفعل إذ هو خلاف البرهان ومما يدل على جواز سماع الكلام النفسي بطريق خرق العادة قوله تعالى في الحديث القدسي : (( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ....)) الحديث ومن الواضح أن الله تبارك وتعالى إذا كان بتجليه النوري المتعلق بالحروف غيبية كانت أو خيالية أو حسية سمع العبد على الوجه اللائق المجامع لـ( ليس كمثله شيء) عند من يتحقق معنى الإطلاق الحقيقي صح أن يتعلق سمع العبد بكلام ليس حروفه عارضة لصوت لأنه بالله يسمع إذ ذاك والله سبحانه يسمع السر والنجوى .
والإمام الماتريدي أيضًا يجوز سماع ما ليس بصوت على وجه خرق العادة كما يدل عليه كلام صاحب التبصرة في كتاب التوحيد فما نقله ابن الهمام عنه من القول بالاستحالة فمراده الاستحالة العادية فلا خلاف بين الشيخين عند التحقيق ومعنى قول الأشعري أن كلام الله تعالى القائم بذاته يسمع عند تلاوة كل تال وقراءة كل قارئ أن المسموع أولاً وبالذات عند التلاوة إنما هو الكلام اللفظي الذي حروفه عارضة لصوت القارئ بلا شك لكن الكلمات اللفظية صور الكلمات الغيبية القائمة بذات الحق فالكلام النفسي مسموع بعين سماع الكلام اللفظي لأنه صورته لا من حيث الكلمات الغيبية فإنها لا تسمع إلا على طريق خرق العادة وقول الباقلاني إنما تسمع التلاوة دون المتلو والقراءة دون المقروء يمكن حمله على أنه أراد إنما يسمع أولا وبالذات التلاوة أي المتلو اللفظي الذي حروفه عارضة لصوت التالي لا النفسي الذي حروفه غيبية مجردة عن المواد الحسية والخيالية فلا نزاع في التحقيق أيضًا 
والفرق بين سماع موسى عليه السلام كلام الله تعالى وسماعنا له على هذا أن موسى عليه السلام سمع من الله عز وجل بلا واسطة لكن من وراء حجاب ونحن إنما نسمعه من العبد التالي بعين سماع الكلام اللفظي المتلو بلسانه العارض حروفه لصوته لا من الله تعالى من وراء حجاب العبد فلا يكون سماعًا من الله تعالى بلا واسطة وهذا واضح عند من له قدم راسخة في العرفان وظاهر عند من قال بالمظاهر مع تنزيه الملك الديان وأنت إذا أمعنت النظر في قول أهل السنة: القرآن كلام الله عز وجل غير مخلوق وهو مقروء بألسنتنا مسموع بآذاننا محفوظ في صدورنا مكتوب في مصاحفنا غير حال في شيء منها رأيته قولاً بالمظاهر ودالاًّ على أن تنزل القرآن القديم القائم بذات الله تعالى فيها غير قادح في قدمه لكونه غير حال في شيء منها مع كون كل منها قرآنًا حقيقة شرعية بلا شبهة وهذا عين الدليل على أن تجلي القديم في مظهر حادث لا ينافي قدمه وتنزيهه وليس من باب الحلول ولا التجسيم ولا قيام الحوادث بالقديم ولا ما يشأ كل ذاك من شبهات تعرض لمن لا رسوخ له في هاتيك المسالك وعنه يظهر معنى ظهور القرآن في صورة الرجل الشاحب يلقى صاحبه حين ينشق عنه القبر وظهوره خصمًا لمن حمله فخالف أمره وخصمًا دون من حمله فحفظ الأمر بل من أحاط خبرًا بأطراف ما ذكرناه وطاف فكره المتجرد عن مخبط الهوى في كعبة حرم ما حققناه أندفع عنه كل إشكال في هذا الباب ورأى أن تشنيع ابن تيمية وابن القيم وابن قدامة وابن قاضي الجبل والطوفي وأبي نصر وأمثالهم صرير باب أو طنين ذباب وهم وإن كانوا فضلاء محققين وأجلاء مدققين لكنهم كثيرًا ما انحرفت أفكارهم واختلطت أنظارهم فوقعوا في علماء الأمة وأكابر الأئمة وبالغوا في التعنيف والتشنيع وتجاوزوا في التسخيف والتفظيع ولولا الخروج عن الصدد لوفيتهم الكيل صاعًا بصاع ولتقدمت إليهم بما قدموا باعًا بباع ولعلمتهم كيف يكون الهجاء بحروف الهجاء ولعرفتهم إلام ينتهي المراء بلا مراء في فرس للحم بالحلم ملجم ولي فرس للجهل بالجهل مسرج فمن رام تقويمي فإني مقوم ومن رام تعويجي فإني معوج على أن العفو أقرب للتقوى والإغضاء مبنى الفتوة وعليه الفتوى والسادة الذين تكلم فيهم هؤلاء إذا مروا باللغو مروا كرامًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا وحيث تحرر الكلام في الكلام على مذهب أهل السنة واندفع عنه بفضل الله تعالى كل محنة ومهة فلا بأس بأن نحكي بعض الأقوال كما حكى الله تعالى كثيرًا من أقوال ذوي الضلال وبعد أن رسخ الحق في قلبك وتغلغل في سويدائه كلام ربك لا أخشى عليك من سماع باطل لا يزيدك إلا حقًّا وكاذب لا يورثك إلا صدقًا فنقول أما المعتزلة فاتفقوا كافة على أن معنى كونه تعالى متكلمًا أنه خالق الكلام على وجه لا يعود إليه منه صفة حقيقية كما لا يعود إليه من خلق الأجسام وغيرها صفة حقيقية واتفقوا أيضًا على أن كلام الرب تعالى مركب من الحروف والأصوات وأنه محدث مخلوق ثم اختلفوا فذهب الجبائي وابنه أبو هاشم إلى أنه حادث في محل ثم زعم الجبائي أن الله تعالى يحدث عند قراءة كل قارئ كلامًا لنفسه في محل القراءة وخالفه الباقون وذهب أبو الهذيل بن العلاف وأصحابه إلى أن بعضه في محل وهو قوله (كن ) وبعضه لا في محل كالأمر والنهي والخبر والاستخبار وذهب الحسن بن محمد النجار إلى أن كلام الباري إذا قريء فهو عرض وإذا كتب فهو جسم وذهبت الإمامية والخوارج والحشوية إلى ان كلام الرب تعالى مركب من الحروف والأصوات ثم اختلف هؤلاء فذهب الحشوية إلى أنه قديم أزلي قائم بذات الرب تعالى لكن منهم من زعم أنه من جنس كلام البشر وبعضهم قال: لا بل الحرف حرفان والصوت صوتان قديم وحادث والقديم منهما ليس من جنس الحادث وأما الكرامية فقالوا: إن الكلام قد يطلق على القدرة على التكلم وقد يطلق على الأقوال والعبارات وعلى كلا التقديرين فهو قائم بذات الله تعالى لكن إن كان بالاعتبار الأول فهو قديم متحد لا كثرة فيه وإن كان بالاعتبار الثاني فهو حادث متكثر وأما الواقفية فقد أجمعوا على أن كلام الرب تعالى كائن بعد أن لم يكن لكن منهم من توقف في إطلاق اسم القديم والمخلوق عليه ومنهم من توقف في إطلاق اسم المخلوق وأطلق اسم الحادث ومن القائلين بالحدوث من قال ليس جوهرًا ولا عرضًا وذهب بعض المعترفين بالصانع إلى أنه لا يوصف بكونه متكلمًا لا بكلام ولا بغير كلام والذي أوقع الناس في حيص بيص أنهم رأوا قياسين متعارضي النتيجة وهما كلام الله تعالى صفة له وكل ما هو صفة له فهو قديم فكلام الله تعالى قديم وكلام الله تعالى مركب من حروف مرتبة متعاقبة في الوجود وكل ما هو كذلك فهو حادث فكلام الله تعالى حادث فقوم ذهبوا إلى أن كلامه تعالى حروف وأصوات وهي قديمة ومنعوا أن كل ما هو مؤلف من حروف وأصوات فهو حادث ونسب إليهم أشياء هم برآء منها وآخرون قالوا بحدوث كلامه تعالى وأنه مؤلف من أصوات وحروف وهو قائم بغيره ومعنى كونه متكلمًا عندهم أنه موجد لتلك الحروف والأصوات في جسم كاللوح أو ملك كجبريل أو غير ذلك فهم منعوا أن المؤلف من الحروف والأصوات صفة الله تعالى وأناس لما رأوا مخالفة الأولين للضرورة الظاهرة  التي هي أشنع من مخالفة الدليل ومخالفة الآخرين فيما ذهبوا إليه للعرف واللغة ذهبوا إلى أن كلامه تعالى صفة له مؤلفة من الحروف والأصوات الحادثة القائمة بذاته تعالى فهم منعوا أن كل ما هو صفة له تعالى فهو قديم وجمعٌ قالوا : كلامه تعالى معنى واحد بسيط قائم بذاته تعالى فهم منعوا أن كلامه تعالى مؤلف من الحروف والأصوات وكثر في حقهم القال والقيل والنزاع الطويل وبعضهم تحير فوقف وحبس ذهنه في مسجد الدهشة واعتكف وعندي القياسان صحيحان والنتيجتان صادقتان ولكل مقام مقال ولكل كلام أحوال ولا أظنك تحوجني إلى التفصيل بعد ما وعاه فكرك الجميل بل ولا تكلفني رد هذه الأقوال الشنيعة التي هي لديك إذا أخذت العناية بيديك كسراب بقيعة فليطر شحرور القلم إلى روضة أخرى وليغرد بها بفائدة لعلها أولى من الإطالة وأحرى، والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب لا رب غيره .
الفائدة الخامسة: في بيان المراد بالأحرف السبعة التي نزل بها القرآن. أقول: روى أحد وعشرون صحابيًّا حديث نزول القرآن على سبعة أحرف حتى نص أبو عبيدة على تواتره وفي مسند أبي يعلى أن عثمان رضي الله عنه قال على المنبر: أذكر الله رجلاً سمع النبي قال: (( إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف)) لما قام فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا بذلك فقال:  وأنا أشهد معهم واختلف في معناه على أقوال أحدها أنه من المشكل الذي لا يدري ل الحرف وفيه أن مجرد ال لا يستدعي ذلك اللهم إلا أن يكون بالنظر إلى هذا القائل. ثانيها: أن المراد التكثير لا حقيقة العدد وقد جروا على تكثير الآحاد بالسبعة والعشرات بالسبعين والمآت بسبعمائة وسر التسبيع لا يخفى وإليه جنح عياض وفيه مع عدم ظهور معناه أن حديث أبيّ كما رواه النسائي: (( أن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف)) ونحوه من الأحاديث لا سيما حديث أبي بكرة الذي في آخره: (( فنظرت إلى ميكائيل فسكت فعلمت أنه قد انتهت العدة)) أقوى دليل على إرادة الانحصار بل في جمع القلة نوع إشارة إلى عدم الكثرة كما لا يخفى. ثالثها: إن المراد بها سبع قرآت وفيه أن ذلك لا يوجد في كلمة واحدة إلا نادر والقول أن كلمة تقرأ بوجه أو وجهين إلى سبع يشكل عليه ما قريء على أكثر اللهم إلا أن يقال ورد ذلك مورد الغالب وفيه ما لا يخفى حتى قال السيوطي قد ظن كثير من القوم أن المراد بها القراءات السبعة وهو جهل قبيح فتدبر. رابعها: أن المراد بها سبعة أوجه من المعاني المتفقة على ألفاظ مختلفة نحو: أقبل وتعال وهلم وعجل وأسرع ، وإليه ذهب ابن عيينة وجمع وأيد برواية : (حتى بلغ سبعة أحرف قال : كلها شاف كاف ما لم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب) وبما حكي أن ابن مسعود أقرأ رجلاً (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم) فقال الرجل: (طعام الأثيم) فردها عليه فلم يستقم بها لسانه فقال: أتستطيع أن تقول: الفاجر قال: نعم قال: فافعل. وفيه أن ذلك كان رخصة لعسر تلاوته بلفظ واحد على الأميين ثم نسخ، وإلا لجازت روايته بالمعنى ولذهب التعبد بلفظه ولاتسع الخَرْقُ ولفات كثير من الأسرار والأحكام، وهذا يستدعي نسخ الحديث وفيه بُعد بل لا قائل به. خامسها: أن المراد بها كيفية النطق بالتلاوة من إدغام وإظهار وتفخيم وترقيق وإشباع ومد وقصر وتشديد وتخفيف وتليين وتحقيق وفيه أن ذلك ليس من الاختلاف الذي يتنوع فيه اللفظ والمعنى واللفظ الواحد بهذه الصفات باق على وحدته فليس فيه حينئذ جليل فائدة . 
سادسها: أن المراد سبعة أصناف وعليه كثيرون ثم اختلفوا في تعيينها فقيل : محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخصوص وعموم وقصص وقيل : إظهار الربوبية وإثبات الوحدانية وتعظيم الألوهية والتعبد لله ومجانبة الإشراك والترغيب في الثواب والترهيب من العقاب وقيل: أمر ونهي ووعد ووعيد وإباحة وإرشاد واعتبار وقيل غير ذلك والكل محتمل بل وأضعاف أمثاله إلا أنه لا مستند له ولا وجه للتخصيص 
سابعها: أن المراد سبع لغات وإليه ذهب ثعلب وأبو عبيد والأزهري وآخرون وأختاره ابن عطية وصححه البيهقي، وأعترض بأن لغات العرب أكثر، وأجيب بأن المراد أفصحها وهي لغة قريش وهذيل وتميم والأزد وربيعة وهوازن وسعد بن بكر واستنكره ابن قتيبة قائلاً : لم ينزل القرآن إلا بلغة قريش بدليل (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) وعليه يلتزم كون السبع في بطون قريش وبه جزم أبو علي الأهوازي، وليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات بل أنها مفرقة فيه ولعل بعضها أسعد من بعض وأكثر نصيبًا. وقيل: السبع في مضر خاصة لقول عمر رضي الله عنه : نزل القرآن بلغة مضر. وقال بعضهم : إنهم هذيل وكنانة وقيس وضبة وتيم الرباب وأسيد بن خزيمة وقريش. وقيل: أنزل أولاً بلسان قريش ومن جاورهم من الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن تقرأه بلغاتها دفعًا للمشقة ولما كان فيهم من الحمية ولم يقع ذلك بالتشهي بل المرعى فيه السماع من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكيفية نزول القرآن على هذه السبع أن جبريل عليه السلام كان يأتي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في كل عرضة بحرف إلى أن تمت . قال السيوطي بعد نقل هذا القول وذكر ما له وما عليه: وبعد هذا كله هو مردود بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهشام بن حكيم كلاهما قرشي من لغة واحدة وقبيلة واحدة وقد اختلفت قراءتهما ومحال أن ينكر عليه عمر لغته؛ فدل على أن المراد بالأحرف السبعة غير اللغات. انتهى . ويا ليت شعري ادعى أحد من المسلمين أن معنى إنزال القرآن على هذه السبع من لغات هؤلاء العرب أنه أنزل كيفما كان وأنهم هم الذين هذبوه بلغاتهم ورشحوه بكلماتهم بعد الإذن لهم بذلك فإذا لا تختلف أهل قبيلة واحدة في كلمة ولا يتنازع اثنان منهم فيها أبدًا أم أن الله تعالى شأنه ظهر كلامه في مرايا هذه اللغات على حسب ما فيها من المزايا والنكات فنزل بها وحيه وأداها نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم ووعاها أصحابه فكم صحابي هو من قبيلة وعى كلمة نزلت بلغة قبيلة أخرى وكلاهما من السبع وليس له أن يغير ما وعى بل كثيرًا ما يختلف صحابيان من قبيلة في الرواية عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وكل من روايتيهما على غير لغتهما كل ذلك اتباعًا لما أنزل الله تعالى وتسليمًا لما جاء به رسول الله وقد ينفي صحابي غير روايته وينكر رواية غيره وكل ذلك يدل على أن مرجع السبع الرواية لا الدراية. فرد الإمام السيوطي لا أدري ماذا أرد منه وما الذي أسكت عنه فهاهو بين يديك فأعمل ما شئت فيه وسلام الله تعالى عليك. ومما ذكرناه علمت أن القلب يميل إلى هذا السابع فافهم وقد حققنا بعض الكلام في هذا المقام في كتابنا الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية فارجع إليه إن أردته والله سبحانه وتعالى أعلم . 
الفائدة السادسة: في جمع القرآن وترتيبه اعلم أن القرآن جمع أولاً بحضرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ؛ فقد أخرج الحاكم بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال: كنا عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نؤلف القرآن في الرقاع. وثانيًا بحضرة أبي بكر رضي الله تعالى عنه؛ فقد أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت أيضًا قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن !! فقلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟! قال عمر : هذا والله خير فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن! قلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟! قال : هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال ووجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره ( لقد جاءكم رسول ...)  حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر. وأخرج ابن أبي داود بسند رجاله ثقات مع انقطاع أن أبا بكر قال لعمر وزيد مع أنه كان حافظًا: اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه ، ولعل الغرض من الشاهدين أن يشهدا على أن ذلك كتب بين يدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو على أنه مما عرض عليه صلى الله تعالى عليه وسلم عام وفاته وإنما اكتفوا في آية التوبة بشهادة خزيمة ؛ لأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين والقول بأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة مما لا حجار له وما شاع أن عليًّا كرم الله وجهه لما توفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تخلف لجمعه فبعض طرقه ضعيف وبعضها موضوع وما صح فمحمول كما قيل على الجمع في الصدر وقيل كان جمعًا بصورة أخرى لغرض آخر ويؤيده أنه قد كتب فيه الناسخ والمنسوخ فهو ككتاب علم، وقد أخرج ابن أبي داود بسند حسن عن عبد خير قال : سمعت عليًّا يقول: أعظم الناس في المصاحف أجرًا أبو بكر رضي الله تعالى عنه رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله أي على الوجه الذي تقدم، فلا ينافي ما في مختصر القرماني أن أول من جمعه عمر رضي الله تعالى عنه وما روى عن أبي بريدة أنه قال: أول من جمع القرآن في مصحف سالم مولى أبي حذيفة أقسم لا يرتدي برداء حتى يجمعه فهو مع غرابته وانقطاعه محمول على أنه أحد الجامعين بأمر أبي بكر رضي الله تعالى عنه قاله الإمام السيوطي وهي عثرة منه لا يقال لصاحبها لا لأن سالمًا هذا قتل في وقعة اليمامة كما يدل عليه كلام الحافظ ابن حجر في إصابته ونص عليه السيوطي نفسه في إتقانه بعد هذا المبحث بأوراق ولا شك أن الأمر بالجمع وقع من الصديق بعد تلك الوقعة وهي التي كانت سببًا له كما يدل عليه حديث البخاري الذي قدمناه فسبحان من لا ينسى، وما اشتهر أن جامعه عثمان فهو على ظاهره باطل لأنه رضي الله تعالى عنه إنما حمل الناس في سنة خمس وعشرين على القراءة بوجه واحد باختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشي الفتنة من اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات فقد روى البخاري عن أنس: أن حذيفة بن اليماني قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحرث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنه إنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القراءات في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. قال زيد : ففقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت اسمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) ألحقناها في سورتها في المصحف وقد ارتضى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى أن المرتضى كرم الله تعالى وجهه قال على ما أخرج ابن أبي داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة عنه : لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا فوالله ما فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا- وفي رواية-: لو وليت لعملت بالمصحف الذي عمله عثمان. وما نقل عن ابن مسعود أنه قال لما أحرق مصحفه : لو ملكت كما ملكوا لصنعت بمصحفهم كما صنعوا بمصحفي، كذب كسوء معاملة عثمان معه التي يزعمها الشيعة حين أخذ المصحف منه وهذا الذي ذكرناه من فعل عثمان هو ما ذكرناه غير واحد من المحققين حتى صرحوا بأن عثمان لم يصنع شيئًا فيما جمعه أبو بكر من زيادة أو نقص أو تغيير ترتيب سوى أنه جمع الناس على القراءة بلغة قريش محتجًّا بأن القرآن نزل بلغتهم ويشكل عليه ما مر آنفًا من قول زيد: ففقدت آية من الأحزاب ... إلخ فإنه بظاهره يستدعي أن في المصاحف العثمانية زيادة لم تكن في هاتيك الصحف والأمر في ذلك هين إذ مثل هذه الزيادة اليسيرة لا توجب مغايرة يعبأ بها ولعلها تشبه مسألة التضاريس ولو كان هناك غيرها لذكر ، ولا تقدح أيضًا في الجمع السابق إذ يحتمل أن يكون سقوطها منه من باب الغفلة وكثيرًا ما تعتري السارحين في رياض حظائر قدس كلام رب العالمين فيذكرهم سبحانه بما غفلوا فيتداركون ما أغفلوا، وزيد هذا كان في الجمعين ولعله الفرد المعول عليه في البين لكن عراه في أولهما ما عراه وفي ثانيها ذكَّره من تكفل بحفظ الذكر فتدارك ما نساه. 
وبعد انتشار هذه المصاحف بين هذه الأمة المحفوظة لا سيما الصدر الأول الذي حوى من الأكابر ما حوى وتصدر فيه للخلافة الراشدة علي المرتضى وهو باب مدينة العلم لكل عالم والأسد الأشد الذي لا تأخذه في الله لومة لائم لا يبقى في ذهن مؤمن احتمال سقوط شيء بعد من القرآن وإلا لوقع الشك في كثير من ضروريات هذا الدين الواضح البرهان. وزعمت الشيعة أن عثمان بل أبا بكر وعمر أيضًا حرفوه وأسقطوا كثيرًا من آياته وسوره؛ فقد روى الكليني منهم عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله : أن القرآن الذي جاء به جبريل إلى محمد سبعة عشر ألف آية، وروى محمد بن نصر عنه أنه قال: كان في (لم يكن) اسم سبعين رجلاً من قريش باسمائهم وأسماء آبائهم، وروى عن سالم بن سليمة قال: قرأ رجل على أبي عبدالله وأنا اسمعه حروفًا من القرآن ليس ما يقرأها الناس فقال أبو عبدالله: مه عن ذه القراءات واقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم فاقرأ كتاب الله على حده، وروى عن محمد بن جهم الهلالي وغيره عن أبي عبدالله (أن أمة هي أربى من أمة) ليس كلام الله بل محرف عن موضعه والمنزل [أأئمة هي أزكى من أئمتكم] وذكر ابن شهراشب المازندراني في كتاب المثالب له: أن سورة الولاية أسقطت بتمامها وكذا أكثر سورة الأحزاب فإنها كانت مثل سورة الأنعام فأسقطوا منها فضائل أهل البيت، وكذا أسقطوا لفظ [ويلك] من قبل (لا تحزن إن الله معنا) وعن ولاية على من بعد (وقفوهم إنهم مسئولون) وبعلي بن أبي طالب من بعد (وكفى الله المؤمنين القتال) وآل محمد من بعد (وسيعلم الذين ظلموا) إلى غير ذلك فالقرآن الذي بأيدي المسلمين اليوم شرقًا وغربًا وهو لكرة الإسلام ودائرة الأحكام مركزًا أو قطبًا أشد تحريفًا عند هؤلاء من التوراة والإنجيل وأضعف تأليفًا منهما وأجمع للأباطيل وأنت تعلم أن هذا القول أوهى من بيت العنكبوت وأنه لأوهن البيوت ولا أراك في مرية من حماقة مدعيه وسفاهة مفتريه، ولما تفطن بعض علمائهم لما به جعله قولاً لبعض أصحابه. قال الطبرسي في مجمع البيان: أما الزيادة فيه أي القرآن فمجمع على بطلانها وأما النقصان فقد روى عن قوم من أصحابنا وقوم من حشوية العامة والصحيح خلافه وهو الذي نصره المرتضى واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات وذكر في مواضع أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة فإن الغاية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته وبلغت إلى حد لم تبلغه فيما ذكرناه لأن القرآن مفجر النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته فكيف يجوز أن يكون مغيرًا أو منقوصًا مع العناية الصادقة والضبط الشديد وقال أيضًا : أن العلم بتفصيل القرآن وأبعاضه في صحة نقله كالعلم بجملته وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه والمزني فإن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمونه من جملتها حتى لو أن مدخلاً أدخل في كتاب سيبويه بابًا من النحو ليس من الكتاب لعرف وميزانه ملحوق وأنه ليس من أصل الكتاب وكذا القول في كتاب المزني ومعلوم أن العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء وذكر أيضًا أن القرآن كان على عهد رسول الله مجموعًا مؤلفًا على ما هو عليه الآن وأستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان وأنه كان يعرض على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويتلى عليه وأن جماعة من الصحابة مثل عبدالله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عدة ختمات وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعًا مرتبًا غير مثبور ولا مبثوث وذكر أن من خالف ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخبارًا ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع بصحته. انتهى وهو كلام دعاه إليه ظهور فساد مذهب أصحابه حتى للأطفال والحمد لله على أن ظهر الحق وكفى الله المؤمنين القتال إلا أن الرجل قد دس في الشهد سُمًّا وأدخل الباطل في حمى الحق الأحمى أما أولاً فلأن نسبة ذلك إلى قوم من حشوية العامة الذين يعي بهم أهل السنة والجماعة فهو كذب أو سوء فهم لأنهم أجمعوا على قدم وقوع النقص فيما تواتر قرآنًا كما هو موجود بين الدفتين اليوم نعم أسقط زمن الصديق ما لم يتواتر وما نسخت تلاوته وكان يقرأه من لم يبلغه النسخ وما لم يكن في العرضة الأخيرة ولم يأل جهدًا رضي الله تعالى عنه في تحقيق ذلك إلا أنه لم ينتشر نوره في الآفاق إلا زمن ذي النورين فلهذا نسب إليه كما روى عن حميدة بنت يونس أن في مصحف عائشة رضي الله عنها (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا وعلى الذين يصلون الصفوف الأول) وأن ذلك قبل أن يغير عثمان المصاحف فما أخرج أحمد عن أبي قال: قال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : (إن الله أمرني أن أقرأ عليك ) فقرأ علي (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة إن الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل ذلك فلن يكفره) وفي رواية (ومن يعمل صالحًا فلن يكفره وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وفارقوا الكتاب لما جاءهم أولئك عند الله شر البرية ما كان الناس إلا أمة واحدة ثم أرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين يأمرون الناس يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويعبدون الله وحده أولئك عند الله خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه) وفي رواية الحاكم: فقرأ فيها (ولو أن ابن آدم سأل واديًا من مال فأعطيه يسأل ثانيًا ولو سأل ثانيًا فأعطيه يسأل ثالثًا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب) وما روي عنه أيضًا أنه كتب في مصحفه سورتي الخلع والحفد : اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق.  فهو من ذلك القبيل ومثله كثير وعليه يحمل ما رواه أبو عبيد عن ابن عمر قال: لا يقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر. والروايات في هذا الباب أكثر من أن تحصى إلا أنها محمولة على ما ذكرناه وأين ذلك مما يقوله الشيعي الجسور ومن لم يجعل الله له نورًا فماله من نور. 
وأما ثانيًا فلأن قوله: إن القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مجموعًا مؤلفًا على ما هو عليه الآن ... إلخ إن أراد به أنه مرتب الآي والسور كما هو اليوم وأنه يقرأه من حفظه في الصدر من الأصحاب كذلك لكنه كان مفرقًا في العسب واللخاف فمسلم إلا أنه خلاف الظاهر من سياق كلامه وسباقه وإن أراد أنه كان في العهد النبوي مقروءًا كما هو الآن لا غير وكان مرتبًا ومجموعًا في مصحف واحد غير متفرق في العسب واللخاف فممنوع والدليل الذي استدل به لا يدل عليه كما لا يخفى ويالله العجب كيف ذكر في هذا المعرض ختمات ابن مسعود وأبي على النبي وجعل ذلك من أدلة مدعاه مع أن مروي كل منهما يخالف مروي الآخر وكلاهما يخالفان ما في المصحف العثماني فالسور مثلاً في مصحفنا مائة وأربعة عشرة بإجماع من يعتد به وقيل ثلاثة عشرة بجعل الأنفال وبراءة سورة واحدة وفي مصحف ابن مسعود مائة واثنتا عشرة سورة لأنه لم يكتب المعوذتين بل صح عنه أنه كان يحكهما من المصاحف ويقول: ليستا من كتاب الله تعالى وإنما أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتعوذ بهما ولهذا عوذ بهما الحسن والحسين. ولم يتابعه أحد من الصحابة على ذلك وقد صح أنه قرأهما في الصلاة، فالظاهر أنهما غير متواترتين قرآنًا عنده والقول بأنه إنما أنكر الكتابة وأراد بالكتاب المصحف ليتم التأويل مستبعد جدًّا بل لا يصح كما لا يخفى وفي مصحف أبي خمسة عشرة لأنه كتب في آخره بعد العصر سورتي الخلع والحفد وجعل سورة الفيل وقريش فيه سورة واحدة وترتيب كل أيضًا متغاير ومغاير لترتيب مصحفنا لا سترة عليها فسورة (ن) في مصحف ابن مسعود بعد (الذاريات) و (لا أقسم بيوم القيامة) بعد (عم) (والنازعات) بعد (الطلاق) و(الفجر) بعد (التحريم) إلى غير ذلك وسورة (بني إسرائيل) في مصحف أبي بعد الكهف و الحجرات بعد ن و تبارك بعد الحجرات والنازعات بعد الواقعة و ألم نشرح بعد (قل هو الله أحد) مع اختلاف كثير يظهر لمن رجع إلى الكتب المتقنة في هذا الباب وكأن ران البُغض غطى على قلب هذا البعض فقال ما قال ولم يتفكر في حقيقة الحال ولم يبال بوقع النبال قاصدًا أن يستر بمنخل مختل كذبه نور ذي النورين الساطع عليه من برح شمس الكونين ومن بدر صحبه مع أن نسبة هذا الجمع إليهما من أوضح الأمور بل أشهر من المشهور وهو شائع أيضًا عند الشيعة، وليس لهم إلى إنكاره ذريعة ولكن مركب التعصب عثور ومذهب التعسف محذور.
 وإذا حققت ما ذكرناه ووعيت ما عليك تلوناه فاعلم أن ترتيب آيه وسوره بتوقيف من النبي أما ترتيب الآي فكونه توقيفيًّا مما لا شبهة فيه حتى نقل جمع منهم الزركشي وأبو جعفر الإجماع عليه من غير خلاف بين المسلمين والنصوص متظافرة على ذلك وما يدل بظاهره من الآثار على أنه اجتهادي معارض ساقط عن درجة الاعتبار كالخبر الذي أخرجه ابن أبي داود بسنده عن عبدالله بن الزبير عن أبيه قال: أتى الحرث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة فقال: أشهد أني سمعتهما من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ووعيتهما فقال عمر: وأنا أشهد لقد سمعتهما ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة فانظروا آخر سورة من القرآن فألحقوها في آخرها فإنه معارض بما لا يحصى مما يدل على خلافه بل لابن أبي داود مخرجه خبر يعارضه أيضًا فقد أخرج أيضًا عن أبي أنهم جمعوا القرآن فلما انتهوا إلى الآية التي في سورة براءة (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون) ظنوا أن هذا آخر ما نزل فقال أبي: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أقرأني بعد هذا آيتين (لقد جاءكم رسول...) إلى آخر السورة .
وأما ترتيب السور ففي كونه اجتهاديًّا أو توقيفيًّا خلاف والجمهور على الثاني قال أبو بكر الأنباري: أنزل الله تعالى القرآن كله إلى سماء الدنيا ثم فرقه في بضع وعشرين فكانت السورة تنزل لأمر يحدث والآية جوابًا لمستخبر فيوقف جبريل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على موضع الآية والسورة فمن قدم أو أخر فقد أفسد نظم القرآن. وقال الكرماني بترتيب السور هكذا هو عند الله تعالى في اللوح المحفوظ وعليه كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه وعرض عليه في السنة التي توفي فيها مرتين. وقال الطيبي مثله وهو المروي عن جمع غفير إلا أنه يشكل على هذا ما أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بها ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال فقال عثمان: كان رسول الله ينزل عليه السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: (دعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا) وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولاً وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها فقبض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتهما في السبع الطوال. 
فهذا يدل على أن الاجتهاد دخل في ترتيب السور ولهذا ذهب البيهقي إلى أن جميع السور ترتيبها توقيفي إلا براءة والأنفال وله انشرح صدر الإمام السيوطي لما ضاق ذرعًا عن الجواب والذي ينشرح له صدر هذا الفقير هو ما انشرحت له صدور الجمع الغفير من أن ما بين اللوحين الآن موافق لما في اللوح من القرآن وحاشا أن يهمل صلى الله تعالى عليه وسلم أمر القرآن وهو نور نبوته وبرهان شريعته فلا بد إما من التصريح بمواضع الآي والسور وإما من الرمز إليهم بذلك وإجماع الصحابة في المآل على هذا الترتيب وعدولهم عما كان أولاً من بعضهم على غيره من الأساليب وهم الذين لا تلين قناتهم لباطل ولا يصدهم عن اتباع الحق لوم لائم ولا قول قائل أقوى دليل على أنهم وجدوا ما أفادهم علمًا ولم يدع عندهم خيالاً ولا وهمًا وعثمان رضي الله تعالى عنه وإن لم يقف على ما يفيده القطع في براءة والأنفال وفعل ما فعل بناء على ظنه إلا أن غيره وقف وقبل ما فعله ولم يتوقف وكم لعمر رضي الله تعالى عنه موافقات لربه أدى إليها ظنه فليكن لعثمان هذه الموافقة التي ظفر غيره بتحقيقها من النصوص أو الرموز فسكت على أن ذلك كان قبل ما فعل عثمان عند التحقيق ولكن لما رفعت الأقلام وجفت الصحف واجتمعت الكلمة في أيامه واقتدت المسلمون في سائر الآفاق بإمامه نسب ذلك إليه وقصر من دونهم عليه والسؤال منه وجوابه ليسا قطعيين في الدلالة على الاستقلال لجواز أن يكون السؤال للاستخبار عن سر عدم المخالفة والجواب لإبدائه على ما خطر في البال وبالجملة بعد إجماع الأمة على هذا المصحف لا ينبغي أن يصاخ إلى آحاد الأخبار ولا يشرأب إلى تطلع غرائب الآثار فافهم ذاك والله سبحانه وتعالى يتولى هداك.
الفائدة السابعة: في بيان وجه إعجاز القرآن : اعلم أن أعجاز القرآن مما لا مرية فيه ولا شبهة تعتريه وأرى الاستدلال هنا عليه مما لا يحتاج إليه والشبه صرير باب أو طنين ذباب والاهم بالنسبة إلينا بيان وجه الإعجاز والكلام فيه على سبيل الإيجاز فنقول: قد اختلف الناس في ذلك فذهب بعض المعتزلة إلى أن وجه إعجازه اشتماله على النظم الغريب والوزن العجيب والأسلوب المخالف لما استنبطه البلغاء من العرب في مطالعه وفواصله . ورد بوجهين ألأول أنا لا نسلم المخالفة فإن كثيرًا من آياته على وزن أبيات العرب نحو قوله تعالى : (ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه) وقوله تعالى: ( ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب) ومثله كثير. الثاني: أنا لو سلمنا المخالفة لكن لا نسلم أنه لمجردها يكون معجزًا وإلا لكانت حماقات مسيلمة إذ هي على وزنه كذلك وذهب الجاحظ إلى أنه اشتماله على البلاغة التي تتقاصر عنها سائر ضروب البلاغات. ورد بوجوه الأول: أنَّا إذا نظرنا إلى أبلغ الخطب وأجزل الشعر وقطعنا النظر عن الوزن وقسناه بقصار القرآن كان الأمر في التفاوت ملتبسًا والمعجز لا بد أن ينتهي إلى حد لا يبقى معه لبس ولا ريبة الثاني: إن القرآن غير خارج عن كلام العرب وما من أحد من بلغائهم إلا وقد كان مقدورًا له الإتيان بقليل من مثل ذلك والقادر على البعض قادر على الكل الثالث: أن الصحابة اختلفوا في البعض ولو كان منتهيًا إلى الإعجاز بلاغة لعرفوه وما اختلفوا الرابع: أنهم طلبوا البينة ممن أتى بشيء منه ولو كانت بلاغته منتهية إلى حد الإعجاز ما طلبوها. الخامس: أن في كل عصر من تنتهي إليه البلاغة وذلك غير موجب للإعجاز ولا للدلالة على صدق مدعي الرسالة لجواز أن يكون هو من انتهت إليه وقيل: هو اشتماله على الأخبار بالغيب. وردَّ أما أولاً: فبأن الإصابة في المرة والمرتين ليست من الخوارق والحد الذي يصير به الإخبار خارقًا غير مضبوط فإذا لا يمتنع أن يقال ما اشتمل عليه القرآن لم يصل إليه وأما ثانيًا فبأنه يلزم أن يكون أخبار المنجمين والكهنة عن الأموار المغيبة مع كثرة إصابتها معجزة وأما ثالثًا فبأنه يلزم أن تكون التوراة كذلك لاشتمالها كاشتماله وأما رابعًا: فبأنه يلزم أن يكون الخالي عن الأخبار بالغيب من القرآن غير معجز وقيل: هو كونه مع طوله وامتداده غير متناقض ولا مختلف وأبطل بوجهين الأول: أنا لا نسلم عدم التناقض والاختلاف فيه أما التناقض فقوله تعالى : (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) والبحور كلها فيه وقال تعالى : (فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) ثم قال: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) وقال تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلاً) فحصر المانع في أحد السببين وقال : (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرًا رسولاً) فحصر المانع في غيرهما إلى غير ذلك، وأما الاختلاف فكقوله تعالى: (كالصوف المنفوش) بدل (كالعهن المنفوش) وقوله تعالى: (ضربت عليهم المسكنة والذلة) بدل قوله : (الذلة والمسكنة) وقوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) وقوله تعالى في خلق آدم مرة (من تراب) ومرة (من حمأ) ومرة (من طين) ومرة (من صلصال) على أن فيه تكرارًا لفظيًّا ومعنويًّا كما في الرحمن وقصة موسى مثلاً وتعرضًا لإيضاح الواضحات كما في قوله تعالى (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) وقال عثمان : إن في القرآن لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها. الثاني: أنا لو سلمنا السلامة من جميع ذلك لكنه ليس بإعجاز إذ هو موجود في كثير من الخطب والشعر ويظهر كليًّا فيما يكون على مقدار بعض السور القصار بتقدير التحدي بها وقيل: هو موافقته لقضية العقل ودقيق المعنى، ورد بأنه معتاد في أكثر كلام البلغاء وينتقض أيضًا بكلام الرسول الغير المعجز وبالتوراة والإنجيل/ وقيل: إعجازه قدمه وأعترض بأنه يستدعي أن يكون كل من صفاته تعالى كذلك وأيضًا الكلام القديم مما لا يمكن الوقوف عليه فلا يتصور التحدي به وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني والنظام : إعجازه بصرف دواعي بلغاء العرب عن معارضته، وقال المرتضى: بسلبهم العلوم التي لا بد منها في المعارضة وأعترض بأربعة أوجه الأول: أنه يستلزم أن يكون المعجز الصرفة لا القرآن وهو خلاف ما عليه إجماع المسلمين من قبل الثاني: أن التحدي وقع بالقرآن على كل العرب فلو كان الإعجاز بالصرفة لكانت على خلاف المتعاد بالنسبة إلى كل واحد ضرورة تحقق الصرفة بالنسبة إليه فيكون الإتيان بمثل كلام القرآن معتادًا له والمعتاد لكل ليس هو الكلام الفصيح بل خلافه فيلزم أن يكون القرآن كذلك وليس كذلك . الثالث: أنه يستلزم أن يكون مثل القرآن معتادًا من قبل لتحقق الصرفة من بعد فتجوز المعارضة بما وجد من كلامهم مثل القرآن قبلها الرابع: وهو خاص بمذهب المرتضى أنه لو كان الإعجاز بفقدهم العلوم لتناطقوا به ولو تناطقوا لشاع إذ العدة جارية بالتحدث بالخوارق فحيث لم يكن دل على فساد الصرفة بهذا الاعتبار واستدل بعضهم على فساد القول بها بقوله تعالى (قل لئن اجتمعت الإنس والجن...) الآية فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرهم ولو سلبوا القدرة لم تبق فائدة لاجتماعهم لأنه بمنزلة اجتماع الموتى وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره ولا بأس بانضمامه إلى ما ذكرناه وأما الاكتفاء به في الاستدلال فلا أظنك ترضاه وقال الآمدي وغيره: الإعجاز بجملته وبالنظر إلى نظمه وبلاغته وإخباره عن الغيب وارتضاه الكثير وقولهم فيما قبل: لا نسلم المخالفة إلخ يجاب عنه بأن ما ذكروه وإن كان على وزن الشعر إلا أنه لا يعد شعرًا ولا قائله شاعر لأن الشعر ما قصد وزنه وحيث لا قصد لا شعر وقد يعرض للبلغاء في سرد خطبهم المنجسمة مثل ذلك بل قد يتفق لمن لا يعرف الشعر رأسًا من العوام كلمات متزنة نحو قول السيد لعبده مثلاً: ادخل السوق واشتر اللحم واطبخ ، ولهذا قال الوليد لما قرأ عليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم القرآن فكأنما رق له فاقترح عليه أبو جهل أن يقول فيها ما يبلغ قومه أنه منكر له وكاره: ماذا أقول فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه ومغدق اسفله وإنه ليعلو ولا يعلى وإنه ليحطم ما تحته وقولهم: إنا لو سلمنا إلخ مسلم لكن لا يلزم إن لا يكون مع البلاغة والأخبار بالغيب معجزًا ومن هنا يعلم الجواب عن الاعتراض على أن وجه إعجازه بلاغته على أن الأوجه الخمسة التي ذكروها فيه باطلة 
أما الأول فلأن التفاوت بين لمن تحدى به من البلغاء ولذا لم يعارض وغيرهم عم عن ذلك لقصوره في الصناعة فلا اعتداد به ولا مضرة لثبوت الإعجاز بعجز اؤلئك ثم قياس أقصر سورة على ما ذكروه عدول عن سواء السبيل وأما الثاني فلأن القدرة على البعض لا تستلزم القدرة على الكل ولهذا نجد الكثير قادرًا على بليغ فقرة أو فقرتين أو بيت أو بيتين ولا يقدر على وضع خطبة ولا نظم قصيدة 
وأما الثالث فلأن الصحابة لم يختلفوا فيما اختلفوا فيه أنه نازل على النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من ربه أو أن بلاغته غير معجزة ولكنهم اختلفوا في أنه قرآن وذلك لا يضر فيما نحن بصدده 
وأما الرابع فلأن طلب البينة لما قدمناه في الفائدة السادسة أو للوضع والترتيب كما قيل أو لمزيد الاحتياط في الأمر الخطير وأما الخامس فلأن المعجز يظهر في كل زمان من جنس ما يغلب ويبلغ فيه الغاية القصوى ويوقف فيه على الحد المعتاد حتى إذا شوهد ما هو خارج عن الحد علم أنه من عند الله وإلا لم يتحقق عند القوم معجزة النبي ولظنوا أنهم لو كانوا من أهل تلك الصنعة أو متناهين فيها لأمكنهم أن يأتوا بمثلها والبلاغة قد بلغت في ذلك العهد حدها وكان فيها فخارهم حتى علقت السبع بباب الكعبة تحديًا بمعارضتها فلما أتى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم بما عجزوا عن مثله مع كثرة المنازعة والتشاجر والافتراق علم أن ذلك من عند الله تعالى بلا ريب واعتراضهم على كون الإخبار بالغيب معجزًا مكابرة فإن الإخبار عن الغائبات مع التكرر والإصابة غير معتاد ولا معنى لكونه معجزًا غير هذا وما ذكروه من الوجه باطل 
أما الأول فلأنه لا يلزم من عدم كون الإصابة في المرة والمرتين من الخوارق أن لا تكون الإصابة في الكرات الكثيرة منها والضابط العرف ولا يخفى أن ما ورد من أخبار الغيب في القرآن مما يعد في نظر أهل العرف كثيرًا لا تعتاد الإصابة فيه بجملته وأما الثاني فلأن أخبار المنجمين ما كان كاذبًا منها لا احتجاج وما كان صادقًا وتكررت الإصابة فيه كالكسوف والخسوف غير وارد لأنه من الحساب المعتاد لمن يتعاطى صناعة التنجيم وأخبار القرآن بالغيوب ليست كذلك وأما أخبار الكهنة فالقول فيها كما في السحر 
وأما الثالث فلأن ما في التوراة من الأخبار بالغيب إن كان كثيرًا خارقًا للعادة ووقع التحدي به فهو أيضًا معجز وآية صدق لمن أتى به ولا يضرنا التزام ذلك وأما الرابع فلأنه لا يرد على من يقول وجه الإعجاز مجموع ما تقدم أصلاً ومن يقول وجهه مجرد الأخبار بالغيب يقول بأن الخالي من ذلك غير معجز وإنما الأعجاز في القرآن بجملته ويكفي ذلك في غرضه والاعتراض على كون وجه الإعجاز عدم التناقض والاختلاف مع الطول والامتداد بوجهيه مدفوع أما الأول فلأن اشتمال القرآن على الشعر قد سبق جوابه فلا يناقض وما علمناه الشعر وأما الآيتان الاوليتان فقد أجاب عنهما ابن عباس حين سأله رجل عن آيات من هذا القبيل بأن نفي المسألة قبل النفخة الثانية وإثباتها فيما بعد والسدي بأن نفي المسألة عند تشاغلهم بالصعق والمحاسبة والجواز على الصراط وإثباتها فيما عداها وابن مسعود بأن المسألة المنفية طلب بعضهم العفو من بعض والمثبتة على ظاهر معناها فلا منافاة وأما الآيتان الأخريتان فمعنى الأولى منهما وما منع الناس أن يؤمنوا إلا إرادة الله أن تأتيهم سنة الأولين من نحو الخسف أو يأتيهم العذاب قبلاً في الآخرة ولا شك أن إرادة الله تعالى مانعة من وقوع ما ينافي المراد فهذا حصر في السبب الحقيقي ومعنى الثانية وما منع الناس أن يؤمنوا إلا استغراب بعثة البشر رسولاً وهو مدلول القول التزاما والدال لا يناسب المانعية والمدلول ليس مانعًا حقيقيًّا بل عادى لجواز وجود الإيمان معه فهو حصر في المانع العادي فلا تناقض وسيأتي لهذا إن شاء الله تعالى زيادة تحقيق وكذا لأمثاله مما يضيق عنه هذا المبحث وأما الاختلاف المذكور فليس هو المنفي في قوله تعالى : (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا) لأن المراد به أحد أمرين الأول الاختلاف المناقض للبلاغة والثاني الاختلاف فيما أخبر عنه من قصص الماضين وسير الأولين مع أمية من جاء به وعدم دراسته للعلوم ومطالعته للكتب ولا شك أنه لم يوجد في القرآن شيء من هذه الاختلافات على أن أمثال بعض ما ذكر من الاختلاف ليس بقرآن لأنه لم يتواتر وأمثال البعض الآخر اختلاف مقال لاختلاف الأحوال والمرجع إلى جوهر واحد وهو التراب في خلق آدم مثلاً ومنه تدرجت تلك الأحوال وأي ضرر في ذلك وأما التكرار اللفظي والمعنوي فلا يخلو عن فائدة لا تحصل من غير تكرار كبيان اتساع العبارة وإظهار البلاغة وزيادة التأكيد والمبالغة إلى غير ذلك مما قد أمعن المفسرون في تحقيقه وبيانه وستراه بحوله تعالى وأما ما يتوهم فيه أنه من قبيل إيضاح الواضحات فليس يخلو عن درء احتمال ورفع خيال فإنه لو لم يقل فيما ذكر من الآية (تلك عشرة كاملة) لتوهم ولو على بعد أن المراد وتمام سبعة إذا رجعتم بل في ذلك غير هذا أسرار ستأتيك بعون باريك وأما قول عثمان أن في القرآن لحنًا إلخ فهو مشكل جدًّا إذ كيف يظن بالصحابة أولاً اللحن في الكلام فضلاً عن القرآن وهم من هم ثم كيف يظن بهم ثانيًا اجتماعهم على الخطأ وكتابته ثم كيف يظن بهم ثالثًا عدم التنبه والرجوع ثم كيف يظن بعثمان عدم تغييره وكيف لتقيمه العرب وإذا كان الذين تولوا جمعه لم يقيموه وهم الخيار فكيف يقيمه غيرهم فلعمري إن هذا مما يستحيل عقلاً وشرعًا وعادة 
فالحق إن ذلك لا يصح عن عثمان والخبر ضعيف مضطرب منقطع وقد أجابوا عنه بأجوبة لا أراها تقابل مؤنة نقلها والذي أراه أن رواة هذا الخبر سمعوا شيئًا ولم يتقنوه فحرفوه فلزم الإشكال وحل الداء العضال وهو ما روى بالسند عن عبدالله بن عبد الأعلى قال : لما فرغ من المصحف أتى به عثمان فنظر فيه فقال: أحسنتم وأجملتم أرى شيئًا سنقيمه بألسنتنا وهذا لا إشكال فيه لأنه عرض عليه عقيب الفراغ من كتابته فرأى فيه ما كتب على غير لسان قريش ثم وفى بذلك عند العرض والتقويم ولم يترك فيه شيئًا ولا أحسبك في مرية من ذلك نعم يبقى ما روى بسند صحيح على شرط الشيخين عن هشام بن عروة عن أبيه قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن لحن القرآن عن قوله تعالى: ( إن هذان لساحران) وعن قوله: (والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة) وعن قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون) فقالت: يا ابن أخي هذا عمل الكتاب أخطأوا في الكتاب. وكذا ما روى عن سعيد بن جبير كان يقرأ والمقيمين الصلاة ويقول هو لحن من الكاتب ويجاب عن الأول بأن معنى قولها: أخطأوا أي في اختيار الأولى من الأحرف السبعة لجمع الناس عليه لا أن الذي كتبوه من ذلك خطأ لا يجوز فإن ما لا يجوز مردود وإن طالت مدة وقوعه وهذا الذي رأته عائشة وكم لها من رأى رضي الله تعالى عنها وعن الثاني بأن معنى قوله لحن من الكاتب لغة وقراءة له وفي الآية قراءة أخرى وللنحويين في توجيه هذه القراءات كلام طويل ستسمعه فيما بعد إن شاء الله تعالى وأما الوجه الثاني فلأن من ذهب إلى أن وجه الإعجاز عدم التناقض والاختلاف مع الطول والامتداد يقول القرآن بجملته معجز لذلك فسلامة كثير من الخطب والشعر من ذلك وظهور ذلك كليًّا فيما يكون على مقدار بعض السور القصار لا يضره شيئًا كما لا يخفى فتدبر 
وقد أطال العلماء الكلام على وجه إعجاز القرآن وأتوا بوجوه شتى الكثير منها خواصه وفضائله مثل الروعة التي تلحق قلوب سامعيه وأنه لا يمله تاليه بل يزداد حبًّا له بالترديد مع أن الكلام يعادي إذا أعيد وكونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل الله تعالى بحفظه والذي يخطر بقلب هذا الفقير أن القرآن بجملته وأبعاضه حتى أقصر سورة منه معجز بالنظر إلى نظمه وبلاغته وإخباره عن الغيب وموافقته لقضية العقل ودقيق المعنى وقد يظهر كلها في آية وقد يستتر البعض كالإخبار عن الغيب ولا ضير ولا عيب فما يبقى كاف وفي الغرض واف 
نجوم سماء كلما انقض كوكب بدا كوكب تأوى إليه كواكب أما بيان كون النظم معجزًا فلأن مراتب تأليف الكلام على ما قيل خمس الأولى ضم الحروف المبسوطة بعضها إلى بعض فتحصل الكلمات الثلاث الاسم والفعل والحرف والثانية تأليف هذه الكلمات بعضها إلى بعض فتحصل الجمل المفيدة وهو النوع الذي يتداوله الناس جميعًا في مخاطباتهم وقضاء حوائجهم ويقال له المنثور والثالثة ضم ذلك إلى بعض ضمًّا له مباد ومقاطع ومداخل ومخارج ويقال له المنظوم والرابعة أن يعتبر في أواخر الكلام مع ذلك تسجيع ويقال له المسجع والخامسة أن يحصل له مع ذلك وزن ويقال له إن قصد الشعر والمنظوم إما محاورة ويقال له الخطابة وإما مكاتبة ويقال له الرسالة فأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الأقسام ولكل من ذلك نظم مخصوص والقرآن جامع لمحاسن الجميع بنظم مكتس أبهى حلل ومتعر عن كل خلل ومشتمل على خواص ما شامها سواه ومزايا ما سامها عند أهل النقد نظم إلا إياه 
من كل لفظ تكاد الأذن تجعله ربًّا ويعبده القرطاس والقلم ويؤيد ذلك أنه لا يصح أن يقال له رسالة أو خطابة أو سجع كما يصح أن يقال هو كلام والبليغ إذا قرع سمعه فصل بينه وبين ما عداه من النظم بلا ترديد وهذا مما لا خفاء فيه على الرجال حتى على الوليد وأما بيان ذلك في البلاغة فهو أن أجناس الكلام مختلفة ومراتبها في البيان متفاوتة فمنها البليغ الرصين الجزل ومنها الفصيح القريب السهل ومنها الجاري الطلق الرسل وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود فالأول أعلاها والثاني أوسطها والثالث أدناها وأقربها وقد حازت بلاغة القرآن من كل قسم من هذه الأقسام أو فرصة وأخذت من كل نوع أعظم شعبة فانتظم لها بانتظام هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة وهما كالمتضادين فكان اجتماع الأمرين فيه مع نبو كل منهما عن الآخر فضيلة ومنزلة جليلة وقد خص بذلك القرآن كما لا يخفى على ذوي الفطر السليمة ومن كان له في علم البلاغة إتقان وأما بيان إعجاز اشتماله على الأخبار بالغيب فلأنه تضمن ما يحكم العرف بكثرته من أخبار القرون الماضية والأمم البادية والشرائع الدائرة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك وتتبعه فيورده القرآن على وجهه ويأتي به على نصه ومن المعلوم أن من أتى به أمي لا يقرأ ولا يكتب صلى الله تعالى عليه وسلم مع الإعلام بما في ضمائر كثيرين من غير أن يظهر ذلك منهم بقول أو فعل كقوله تعالى : (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا) وقوله تعالى: (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله) والأعلان بالحوادث المستقبلة في الأعصار الآتية كقوله تعالى : (ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) وأخبار أقوام في قضايا أنهم لا يفعلونها فما فعلوا ولا قدروا كقوله تعالى خطابا لليهود : (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدًا) فما تمناه أحد منهم إلى أضعاف مضاعفة من مثل ذلك قد اشتمل القرآن عليها واختص من بين الكتب بها حتى أن أقصر سورة فيه وهي الكوثر تشير إلى أربعة أخبار عن الغيب مع أنها ثلاث آيات الأول في قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر) إذا أريد به كما في بعض الروايات كثرة الاتباع والثاني في قوله: ( وانحر) حيث أريد به كما هو الظاهر الأمر بالنحر فهو إشارة إلى اليسار حتى يمكنه الإقدام عليه والثالث والرابع في قوله تعالى: (إن شانئك هو الأبتر) حيث صرح ورمز بأن شانئك لا أنت أبتر لا عقب له فكان كما أخبر ولا شك عند كل عاقل أن مجموع ما ذكرنا يعجز عنه البشر وأما إعجاز موافقته لقضية العقل ودقيق المعنى فلأنه اشتمل على توحيد الله تعالى وتنزيهه والدعاء إلى طاعته وبيان طرق عبادته من تحليل وتحريم ووعظ وتعليم وأمر بمعروف ونهي عن منكر وإشارة إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها واضعًا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى أولى منه ولا أليق ولا يتصور أحرى من ذاك ولا أخلق جامعًا بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه وامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه مع إشارة أنيقة ورموز دقيقة وأسرار جزيلة وحكم جليلة ستقف إن شاء الله تعالى على الكثير منها بحيث لا تبقى في شك من رد من يقول بأن ذلك معتاد في أكثر كلام البلغاء وأنه ينتقض بالتوراة والإنجيل وبكلام الرسول الغير المعجز فأين الثريا من يد المتناول ، وما كل مخضوب البنان بثينة ولا كل مصقول الحديد يماني؛ فهذه الأوجه الأربعة هي الظاهرة في إعجاز القرآن والمشهور عند الجمهور الاقتصار على بلاغته وفصاحته حيث بلغت الرتبة العليا والغاية القصوى التي لم تكد تخفى على أهل هذا الشأن حتى النساء كما يحكى أن الأصمعي وقف متعجبًا من امرأة تنشد شعرًا فقالت: أتعجب من هذا أين أنت من قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) فقد جمع أمرين ونهيين وبشارتين أي مع ما فيه مما يدرك بالذوق وبعضهم جعل المدار النظم المخصوص والباقي تابع له قائلاً: إن الإعجاز المتعلق بالفصاحة والبلاغة لا يتعلق بعنصره الذي هو اللفظ والمعنى فإن الألفاظ ألفاظهم كما قال تعالى: ( قرآنًا عربيًّا) (بلسان عربي) ولا بمعانيه فإن كثيرًا منها موجود في الكتب المتقدمة كما قال تعالى : (وإنه لفي زبر الأولين) وما فيه من المعارف الإلهية وبيان المبدأ والمعاد والأخبار بالغيب فإعجازه ليس براجع إلى القرآن من حيث هو قرآن بل لكونه حاصلاً من غير سبق تعليم وتعلم ولكون الإخبار بالغيب إخبارًا بما لا يعتاد سواء كان بهذا النظم أو بغيره موردًا بالعربية أو بلغة أخرى بعبارة أو إشارة فإذا هو متعلق بالنظم المخصوص الذي هو صورة القرآن وباختلاف الصور يختلف حكم الشيء واسمه لا بعنصره كالخاتم والقرط والسوار إذا كان الكل من ذهب مثلاً فإن الاسم مختلف والعنصر واحد وكالخاتم المتخذ من ذهب وفضة وحديد يسمى خاتمًا والعنصر مختلف فظهر أن الإعجاز المختص بالقرآن متعلق بنظمه المخصوص وإعجاز نظمه قد سلف بيانه وأنت تعلم ما فيه وإن كان قريبًا إلى الحق وأبعد الأقوال عندي كونه بالصرفة المحضة حتى إن قول المرتضى فيها غير مرتضى كما لا يخفى على من أنصفه ذهنه واتسع عطنه وأبعد من ذلك كونه بالقدم كما هو قريب ممن هو حديث عهد بما تقدم وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة لهذا الكلام من بيان اختلاف الناس أيضًا في تفاوت مراتب الفصاحة والبلاغة في آياته ويتضح لك ما هو الحق الحقيقي بالقبول والله تعالى المبتغي والمسئول ولنقتصر من الفوائد على هذا المقدار وفي السبعة ما لا يحصى من الأسرار وهذا أوان تقبيل شفاه الأقلام حروف سبحان كلام الله تعالى العلام. 
سورة الفاتحة
اختلف فيها فالأكثرون على أنها مكية بل من أوائل ما نزل (الحمد لله) من القرآن على قول وهو المروى عن علي وابن عباس وقتادة وأكثر الصحابة وعن مجاهد أنها مدنية وقد تفرد بذلك حتى عد هفوة منه وقيل: نزلت بمكة حين فرضت الصلاة وبالمدينة لما حولت القبلة ليعلم أنها في الصلاة كما كانت وقيل بعضها مكي وبعضها مدني ولا يخفى ضعفه وقد لهج الناس بالاستدلال على مكيتها بآية الحجر (ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم) وهي مكية لنص العلماء والرواية عن ابن عباس ولها حكم مرفوع لا لأن ما قبلها وما بعدها في حق أهل مكة كما قيل لأنه مبني على أن المكي ما كان في حق أهل مكة والمشهور خلافه والأقوى الاستدلال بالنقل عن الصحابة الذين شاهدوا الوحي والتنزيل لأن ذلك موقوف أولاً على تفسير السبع المثاني بالفاتحة وهو وإن كان صحيحًا ثابتًا في الأحاديث إلا أنه قد صح أيضًا عن ابن عباس وغيره تفسيرها بالسبع الطوال وثانيًا على امتناع الامتنان بالشيء قبل إيتائه مع أن الله تعالى قد امتن عليه صلى الله تعالى عليه وسلم بأمور قبل إيتائه إياها كقوله تعالى: ( إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا) فهو قبل الفتح بسنين والتعبير بالماضي تحقيق للوقوع وهذا وإن كان خلاف الظاهر لا سيما مع إيراد اللام وكلمة قد ووروده في معرض المنة والغالب فيها سبق الوقوع وعطف (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ...) الآية إلا أنه قد خدش الدليل لا يقال: إن هذا وذلك لا يدلان إلا على أنها نزلت بمكة وأما على نفي نزولها بالمدينة أيضًا فلا لأنا نقول : النفي هو الأصل وعلى مدعى الإثبات الإثبات وأنى به وما قالوا في الجواب عن الاعتراض بأن النزول ظهور من عالم الغيب إلى الشهادة والظهور بها لا يقبل التكرر فإن ظهور الظاهر ظاهر البطلان كتحصيل الحاصل من دعوى أنه كان في كل لفائدة أو أنه على حرف مرة وآخر أخرى لورود (مالك) و(ملك) أو ببسلمة تارة وتارة بدونها وبه تجمع المذاهب والروايات مصحح للوقوع لا موجب له كما لا يخفى والسورة مهموزة وغير مهموزة بإبدال إن كانت من السور وهو البقية لأن بقية كل شيء بعضه وبدونه إن كانت من سور البناء وهي المنزلة أو سور المدينة لإحاطتها بآياتها أو من التسور وهو العلو والارتفاع لارتفاعها بكونها كلام الله تعالى وتطلق على المنزلة الرفيعة كما في قول النابغة : ألم تر أن الله أعطاك سورة    ترى كل ملك حولها يتذبذب      وحدها قرآن يشتمل على ذي فاتحة وخاتمة وقيل طائفة مستقلة لتخرج آية الكرسي مترجمة توقيفًا وقد ثبتت أسماء الجميع بالأحاديث والآثار فمن قال بكراهة أن يقال سورة كذا بل سورة يذكر فيها كذا بناء على ما روى عن أنس وابن عمر من النهي عن ذلك لا يعتد به إذ حديث أنس ضعيف أو موضوع وحديث ابن عمر موقوف عليه وإن روى عنه بسند صحيح والفاتحة في الأصل صفة جعلت إما لأول الشيء لكونه واسطة في فتح الكل والتاء للنقل أو المبالغة ولا اختصاص لها بزنة علامة أو مصدر أطلقت على الأول تسمية للمفعول بالمصدر إشعارًا باصالته كأنه نفس الفتح إذ تعلقه به أولاً ثم بواسطته يتعلق بالمجموع لكونه جزءًا منه وكذا يقال في الخاتمة فإن بلوغ الآخر يعرض الآخر أولاً والكل بواسطته وليس هذا كالأول لقلة فاعلة في المصادر إلا أنه أولى من كونه للآلة أو باعثًا لأن هذه ملتبسة بالفعل ومقارنة له والغالب أن لا تتصف الآلة ولا يقارن الباعث على أن الآلة هنا غير مناسبة لإيهام أن يكون البعض غير مقصود وجوزوا أن يكون للنسبة أي ذات فتح مع وجود آخر مرجوحة والكتاب هو المجموع الشخصي وفتح الفاتحة بالقياس إليه لا إلى القدر المشترك بينه وبين أجزائه وهو متحقق في العلم أو اللوح أو بيت العزة فلا ضير في اشتهار السورة بهذا الاسم في الأوائل والإضافة الأولى من إضافة الاسم إلى المسمى وهي مشهورة والثانية بمعنى اللام كما في جزء الشيء لا بمعنى من كما في خاتم فضة لأن المضاف جزئي قاله شيخ الإسلام وهو مذهب بعض في كل وقال ابن كيسان والسيرافي وجمع إضافة الجزء على معنى من التبعيضية بل في اللمع وشرحه إن من المقدرة في الإضافة مطلقًا كذلك من غير فرق بين الجزء والجزئي وبعضهم جعل الإضافة في الجزئي بيانية مطلقًا وبعضهم خصها بالعموم والخصوص الوجهي كما في المثال وجعلها في المطلق كمدينة بغداد لامية والشهرة لا تساعده .
ولهذه السورة الكريمة أسماء أوصلها البعض إلى نيف وعشرين أحدها: فاتحة الكتاب لأنها مبدؤه على الترتيب المعهود لا لأنها يفتتح بها في التعليم وفي القراءة في الصلاة كما زعمه الإمام السيوطي ولا لأنها أول سورة نزلت كما قيل أما الأول والثالث فلأن المبدئية من حيث التعليم أو النزول تستدعي مراعاة الترتيب في بقية أجزاء الكتاب من تينك الحيثيتين ولا ريب في أن الترتيب التعليمي والنزولي ليسا كالترتيب المعهود وأما الثاني فلما عرفت أن ليس المراد بالكتاب القدر المشترك الصادق على ما يقرأ في الصلاة حتى يعتبر في التسمية مبدئيتها له وحكى المرسي أنها سميت بذلك لأنها أول سورة كتبت في اللوح ويحتاج إلى نقل، وإن صححنا أن ترتيب القرآن الذي في مصاحفنا كما في اللوح فلربما كتب التالي ثم كتب المتلو وغلبة الظن أمر آخر. وثانيهما: فاتحة القرآن لما قدمنا حذو القذة بالقذة. وثالثها ورابعها: أم الكتاب وأم القرآن، وحديث: لا يقولن أحدكم أم الكتاب وليقل فاتحة الكتاب لا أصل له بل قد ثبت في الصحاح تسميتها به كما لا يخفى على المتتبع وسميت بذلك لأن الابتداء كتابة أو تلاوة أو نزولاً على قول أو صلاة بها وما بعدها تال لها فهي كالأم التي يتكون الولد بعدها ويقال أيضًا للراية أم لتقدمها واتباع الجيش لها ومنه أم القرى أو لاشتمالها كما قال العلامة على مقاصد المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى بما هو أهله ومن التعبد بالأمر والنهي ومن الوعيد أما الثناء فظاهر وأما التعبد فإما من الحمد لله لأنه للتعليم فيقدر أمر يفيده والأمر الإيجابي يلزمه النهي عن الضد في الجملة ولا نرى فيه بأسًا أو من (اهدنا الصراط المستقيم) إن أريد به ملة الإسلام أو من تقدير قولوا: بسم الله، ومن تأخير متعلقه، وإما من (إياك نعبد) فإنه إخبار عن تخصيصه بالعبادة وهي التحقق بالعبودية بارتسام ما أمر السيد أو نهى فيدل في الجملة على أنهم متعبدون ولا يرد على المعتزلة عدم سبق أمر ونهي أصلاً ويجاب عندنا بعد تسليم العدم للأولية بأن رأس العبادة التوحيد وفي الصدر ما يرشد إليه لا سيما وقد سبق تكليفه صلى الله تعالى عليه وسلم بالتوحيد وتبليغ السورة وذلك يكفي وأما الوعد والوعيد فمن قوله تعالى: (أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم) أو من (يوم الدين) أي الجزاء والمجزي أما ما يسر أو ما يضر وهما الثواب والعقاب وإنما كانت المقاصد هذه لأن بعثة الرسل وإنزال الكتب رحمة للعباد وإرشادًا إلى ما يصلحهم معاشًا ومعادًا وذلك بمعرفة من يقدر على إيصال النعم إيجادًا وإمدادًا ثم التوصل إليه بما يربط العتيد ويجلب المزيد عملاً واعتقادًا والتنصل عما يفضي به إلى رجع المحصل ومنع المستحصل قلوبًا وأجسادًا والثناء فرع معرفة المثنى عليه مع الاستحقاق وتدخل المعرفة بصفات الجلال والجمال ومنها ما منه الإرسال والإنزال والتفاوت بين المطيع والمذنب فدخل الإيمان بالله تعالى وصفاته والنبوات والمعاد على الإجمال والتعبد يتمكن به من التوصل والتنصل ويدخل فيه من وجه الإيمان بالنبوات وما يتعلق بها من الكتاب والملائكة إذ الأمر والنهي فرع ثبوت ذلك في الجملة والوعد والوعيد يتضمنان الإيمان بالمعاد ويبعثان على التعبد والناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة والأكثرون بعثتهم الرغبة والرهبة وأوسطهم الرجاء والخوف والخواص وقليل ما هم الأنس والهيبة فبالثلاثة تم الإرشاد إلى مصالح المعاش والمعاد ولا أحصر لك وجه الحصر بهذا فلمسلك الذهن اتساع ولك أن ترد الثلاثة إلى اثنين فتدرج الثناء في التعبد إذ لا حكم للعقل ولعله إنما جعله قسيمًا له تلميحًا إلى أن شكر المنعم واجب عقلاً مراعاة لمذهب الاعتزال ولم يبال البيضاوي بذلك فعبر بما عبر به من المقال أو لاشتمالها على جملة معانيه من الحكم النظرية والأحكام العملية التي هي سلوك الصراط المستقيم والاطلاع على مراتب السعداء ومنازل الأشقياء والأول مستفاد من أول السورة إلى قوله (يوم الدين) والثاني من قوله (إياك نعبد) وما بعده سلوك الصراط المستقيم مر قوله : (اهدنا) الآية والاطلاع من قوله: (أنعمت عليهم...) إلخ وفيه وعد ووعيد فدخلا فيه والأمثال والقصص المقصود بها الاتعاظ وكذا الدعاء والثناء وهذه جملة المعاني القرآنية إجمالاً مطابقة والتزاما وأبسط من هذا أن يقال: إنها مشتملة على أربعة أنواع من العلوم التي هي مناط الدين الأول علم الأصول ومعاقده معرفة الله تعالى وصفاته وإليها الإشارة بقوله: ( رب العالمين الرحمن الرحيم) ومعرفة النبوات وهي المرادة بقوله تعالى: (أنعمت عليهم) والمعاد المومى إليه بقوله تعالى: ( مالك يوم الدين) 
الثاني: علم الفروع وأسه العبادات وهو المراد بقوله: (إياك نعبد) وهي بدنية ومالية وهما مفتقران إلى أمور المعاش من المعاملات والمناكحات ولا بد لها من الحكومات فتمهدت الفروع على الأصول الثالث: علم ما به يحصل الكمال وهو علم الأخلاق وأجله الوصول إلى الحضرة الصمدانية والسلوك لطريقة الاستقامة في منازل هاتيك الرتب العلية وإليه الإشارة بقوله: (إياك نستعين إهدنا الصراط المستقيم) الرابع: علم القصص والأخبار عن الأمم السالفة السعداء والأشقياء وما يتصل بها من الوعد والوعيد وهو المراد بقوله تعالى: (أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) وإذا انبسط ذهنك أتيت بأبسط من ذلك وهذان الوجهان يستدعيان حمل الكتاب على المعاني أو تقديرها في التركيب الإضافي والوجه الأول لا يقتضيه ومن هذا رجحه البعض وإن كان أدق وأحلى لا لأنه يشكل عليهما ما ورد من أن الفاتحة تعدل ثلثي القرآن إذ يري له إذا ثبت أن الإجمال لا يساوي التفصيل فزيادة مبانيه منزلة منزلة ثلث آخر من الثواب قاله الشهاب ثم قال : ومن العجب ما قيل هنا من أن ذلك لاشتمالها على دلالة التضمن والالتزام وهما ثلثا الدلالات. انتهى وأنا أقول الأعجب من هذا توجيهه رحمه الله مع ما رواه الديلمي في الفردوس عن أبي الدرداء: فاتحة الكتاب تجزي ما لا يجزي شيء من القرآن ولو أن فاتحة الكتاب جعلت في كفة الميزان وجعل القرآن في الكفة الأخرى لفضلت فاتحة الكتاب على القرآن سبع مرات. فأنه لا يتبادر منه إلا الفضل في الثواب فيعارض ظاهره ذلك الخبر على توجيهه وعلى توجيه صاحب القيل لا تعارض نعم أنه بعيد ويمكن التوفيق بين الخبرين وبه يزول الإشكال بأن الأول كان أولاً وتضاعف الثواب ثانيًا ولا حجر على الرحمة الواسعة أو بأن اختلاف المقال لاختلاف الحال أو بأن ما يعدل الشيء كله يعدل ثلثيه أو بأن القرآن في أحد الخبرين أو فيهما بمعنى الصلاة مثله في قوله تعالى : (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا) وذلك يختلف باختلاف مراتب الناس في قراءتهم وصلواتهم فليتدبر وعلى العلات لا يقاسان بما قيل في وجه التسمية بذلك لأنها أفضل السور أو لأن حرمتها كحرمة القرآن كله أو لأن مفزع أهل الإيمان إليها أو لأنها محكمة والمحكمات أم الكتاب ولا اعترض على البعض بعدم الاطراد لأن وجه التسمية لا يجب اطراده ولكني أفوض الأمر إليك وسلام الله تعالى عليك لا يقال إذا كانت الفاتحة جامعة لمعاني الكتاب فلم سقط منها سبعة أحرف الثاء والجيم والخاء والزاي والشين والظاء والفاء لأنا نقول: لعل ذلك للإشارة إلى أن الكمال المعنوي لا يلزمه الكمال الصوري ولا ينقصه نقصانه إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وكانت سبعة موافقة لعدد الآي المشتمل على الكثير من الأسرار وكانت من الحروف الظلمانية التي لم توجد في المتشابه من أوائل السور ويجمعها بعد إسقاط المكرر صراط على حق نمسكه وهي النورانية المشتملة عليها بأسرها الفاتحة للإشارة إلى غلبة الجمال على الجلال المشعر بها تكرر ما يدل على الرحمة في الفاتحة وإنما لم يسقط السبعة الباقية من هذا النوع فتخلص النورانية ليعلم أن الأمر مشوب ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون وفي قوله تعالى: ( نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم) إشارة وأي إشارة إلى ذلك لمن تأمل حال الجملتين على أن في كون النورانية وهي أربعة عشر حرفًا مذكورة بتمامها والظلمانية مذكورة منها سبعة وإذا طوبقت الآحاد يحصل نوراني معه ظلماني ونوراني خالص إشارة إلى قسمي المؤمنين فمؤمن لم تشب نور إيمانه ظلمة معاصيه ومؤمن قد شابه ذلك وفيه رمز إلى أنه لا منافاة بين الإيمان والمعصية فلا تطفيء ظلمتها نوره ولا يزني الزاني وهو مؤمن محمول على الكمال وليس البحث لهذا وإذا لوحظ الساقط وهو الظلماني المحض المشير إلى الظالم المحض الساقط عن درجة الاعتبار والمذكور هو النوراني المحض المشير إلى المؤمن المحض والنوراني المشوب المشير إلى المؤمن المشوب يظهر سر التثليث في (فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك الفضل الكبير) وإنما كان الساقط هذه السبعة بخصوصها من تلك الأربعة عشر ولم يعكس فيسقط المثبت ويثبت الساقط أو يسقط سبعة تؤخذ من هذا وهذا لسر علمه وجهله من جهله نعم في كون الساقط معجمًا فقط إشارة إلى أن الغين في العين والرين في البين فلهذا وقع الحجاب وحصل الارتياب وهذا ما يلوح لأمثالنا من أسرار كتاب الله تعالى وأين هو مما يظهر للعارفين الغارقين من بحاره المتضلعين من ماء زمزم أسراره. 
ولمولانا العلامة فخر الدين الرازي في هذا المقام كلام ليس له في التحقيق أدنى إلمام حيث جعل سبب إسقاط هذه الحروف أنها مشعرة بالعذاب فالثاء تدل على الثبور والجيم أول حرف من جهنم والخاء يشعر بالخزي والزاي والشين من الزفير والشهيق وأيضًا الزاي تدل على الزقوم والشين تدل على الشقاء والظاء أول الظل في قوله تعالى: ( انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب) وأيضًا تدل على لظى والفاء على الفراق ثم قال فإن قالوا : لا حرف من الحروف إلا وهو مذكور في اسم شيء يوجب نوعًا من العذاب فلا يبقى لما ذكرتم فائدة فنقول الفائدة فيه أنه قال في صفة جهنم (لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) ثم إنه تعالى أسقط سبعة من الحروف من هذه السورة وهي أوائل ألفاظ دالة على العذاب تنبيهًا على أن من قرأ هذه السورة وآمن بها وعرف حقائقها صار آمنا من الدركات السبع في جهنم. انتهى ولا يخفى ما فيه وجوابه لا ينفعه ولا يغنيه إذ لقائل أن يقول: فلتسقط الذال والواو والنون والحاء والعين والميم والغين إذ الواو من الويل والذال من الذلة والنون من النار والحاء من الحميم والعين من العذاب والميم من المهاد والغين من الغواشي والآيات ظاهرة والكل في أهل النار وتكون الفائدة في إسقاطها كالفائدة في إسقاط تلك من غير فرق اصلاً على أن في كلامه رحمه الله تعالى غير ذلك بل ومع تسليم سلامته مما قيل أو يقال لا أرتضيه للفخر وهو السيد الذي غدا سعد الملة وحجة الإسلام وناصر أهله وأما نسبته لأمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه حين سأل قيصر الروم معاوية عن ذلك فلم يجب فسأل عليًّا فأجاب فلا أصل له وعلى تقدير التسليم فما مرام الأمير بالاكتفاء على هذا المقدار إلا التنبيه للسائل على ما لا يخفى عليك من الأسرار فافهم ذاك والله تعالى يتولى هداك. 
وخامسها وسادسها وسابعها: الكنز والوافية والكافية؛ لما مر من اشتمالها على الجواهر المكنوزة فتفي وتكفي أو لأنها لا تنصف في الصلاة ولا يكفي فيها غيرها. وثامنها: الأساس لأنها أصل القرآن وأول سورة فيه. وتاسعها وعاشرها والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر: سورة الحمد وسورة الشكر وسورة الدعاء وسورة تعليم المسألة وسورة السؤال لاشتمالها على الحمد فظاهر وكذا على الشكر لدى من أنعم الله تعالى عليه بالفهم ويمكن أن يكون الاسمان كأم القرآن وأم الكتاب 
وأما الاشتمال على الثالث فكالإشكال على الأول بل أظهر وأما تعليم المسألة فلأنها بدئت بالثناء قبله والخاس كالثالث وهما كذينك الثالث والرابع كما لا يخفى. والرابع عشر والخامس عشر: سورة المناجاة وسورة التفويض؛ لأن العبد يناجي ربه بقوله: (إياك نعبد وإياك نستعين) وبالتالي يحصل التفويض. والسادس عشر والسابع عشر والثامن عشر: الرقية والشفاء والشافية والأحاديث الصحيحة مشعرة بذلك. والتاسع عشر: سورة الصلاة لأنها واجبة أو فريضة فيها والاستحباب مذهب بعض المجتهدين ورواية عن البعض في النقل.
قيل: ومن اسمائها الصلاة لحديث: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) وأراد السورة والمجاز اللغوي لعلاقة الكلية والجزئية أو اللزوم حقيقة أو حكمًا كالمجاز في الحذف محتمل. والعشرون: النور لظهورها بكثرة استعمالها أو لتنويرها القلوب لجلالة قدرها أو لأنها لما اشتملت عليه من المعاني عبارة عن النور بمعنى القرآن. والحادي والعشرون: القرآن العظيم وهو ظاهر مما قدمناه. والثاني والعشرون: السبع المثاني لأنها سبع آيات باتفاق وما رأينا مشاركًا لها سوى أرأيت والقول بأنها ثمان كالقول بأنها تسع شاذ لا يعبأ به أو وهم من الراوي إلا أن منهم من عد التسمية آية دون (أنعمت عليهم) ومنهم من عكس والمدار الرواية فلا يوهن الثاني أن وزان الآية لا يناسب وزان فواصل السور على أن في سورة النصر ما هو من هذا الباب وتثنى وتكرر في كل ركعة وصلاة ذات ركوع أو المراد المتعارف الأغلب من الصلاة فلا ترد الركعة الواحدة ولا صلاة الجنازة على أن في البتيراء اختلافًا وصلاة الجنازة دعاء لا صلاة حقيقة وقيل وصفت بذلك لأنها تثنى بسورة أخرى أو لأنها نزلت مرتين أو لأنها على قسمين دعاء وثناء أو لأنها كلما قرأ العبد منها آية ثناه الله تعالى بالإخبار عن فعله كما في الحديث المشهور وقيل غير ذلك وهذه الأقوال مبنية على أن تكون المثاني من التثنية ويحتمل أن تكون من الثناء لما فيها من الثناء على الله تعالى أو لما ورد من الثناء على من يتلوها وأن تكون من الثنيا لأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة والحمد لله على هذه النعمة ثم الحكمة في تسوير القرآن سورًا كالكتب خلافًا للزركشي أن يكون أنشط للقارئ وأبعث على التحصيل كالمسافر إذا قطع ميلاً أو فرسخًا نفس ذلك منه ونشط للمسير وإذا أخذ الحافظ السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله تعالى طائفة مستقلة فيعظم عنده ما حفظ وأيضًا الجنس إذا انطوى تحته أنواع وأصناف كان أحسن من أن يكون تحته باب واحد مع أن في ذلك تحقيق كون السورة بمجردها معجزة وآية من آيات الله تعالى والحكمة في كونها طوالاً وقصارًا أظهر من أن تخفى.

زاد المسير لابن الجوزي

‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏(‏1‏)‏‏‏}‏

قال ابن عمر‏:‏ نزلت في كل سورة‏.‏ وقد اختلف العلماء‏:‏ هل هي آية كاملة، أم لا‏؟‏ وفيه ‏[‏عن‏]‏ أحمد روايتان‏.‏ واختلفوا‏:‏ هل هي من الفاتحة، أم لا‏؟‏ فيه عن أحمد روايتان أيضاً‏.‏ فأما من قال‏:‏ إِنها من الفاتحة، فإنه يوجب قراءتها في الصلاة إِذا قال بوجوب الفاتحة، وأما من لم يرها من الفاتحة، فانه يقول‏:‏ قراءتها في الصلاة سنة‏.‏ ما عدا مالكاً فانه لا يستحب قراءتها في الصلاة‏.‏

واختلفوا في الجهر بها في الصلاة فيما يجهر به، فنقل جماعة عن أحمد‏:‏ أنه لا يسن الجهر بها، وهو قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وابن مغفَّل، وابن الزبير، وابن عباس، وقال به من كبراء التابعين ومن بعدهم‏:‏ الحسن، والشعبي، وسعيد بن جبير، وابراهيم، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز، والأعمش، وسفيان الثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأبو عبيد في آخرين‏.‏

وذهب الشافعي إِلى أن الجهر مسنون، وهو مروي عن معاوية بن أبي سفيان، وعطاء، وطاووس، ومجاهد‏.‏

فأما تفسيرها‏:‏

فقوله‏:‏ ‏{‏بِسمِ الله‏}‏ اختصار، كأنه قال‏:‏ أبدأ باسم الله‏.‏ أو‏:‏ بدأت باسم الله‏.‏ وفي الاسم خمس لغات‏:‏ إِسم بكسر الألف، وأُسم بضم الألف إذا ابتدأت بها، وسم بكسر السين، وسم بضمها، وسما‏.‏ قال الشاعر‏:‏

والله أَسْماك سماً مباركا *** آثرك الله به إيثاركا

وأَنشدوا‏:‏

باسم الذي في كل سورةٍ سمه *** قال الفراء‏:‏ بعض قيس ‏[‏يقولون‏:‏‏]‏ سمه، يريدون‏:‏ اسمه، وبعض قضاعة يقولون‏:‏ سُمُه‏.‏ أَنشدني بعضهم‏:‏

وعامنا أَعجبنا مقدّمه *** يدعى أبا السمح وقرضاب سُمُه

والقرضاب‏:‏ القطاع، يقال‏:‏ سيف قرضاب‏.‏

واختلف العلماء في اسم الذي هو «الله»‏:‏

فقال قوم‏:‏ إِنه مشتق، وقال آخرون‏:‏ إنه علم ليس بمشتق‏.‏ وفيه عن الخليل روايتان‏.‏ إِحداهما‏:‏ أنه ليس بمشتق، ولا يجوز حذف الألف واللام منه كما يجوز من الرحمن‏.‏ والثانية‏:‏ رواها عنه سيبويه‏:‏ أنه مشتق‏.‏ وذكر أبو سليمان الخطابي عن بعض العلماء أن أصله في الكلام مشتق من‏:‏ أله الرجل يأله‏:‏ إِذا فزع اليه من أمر نزل به‏.‏ فألهه، أي‏:‏ أجاره وأمَّنه، فسمي إِلهاً كما يسمّى الرجل إِماماً‏.‏ وقال غيره‏:‏ أصله ولاه‏.‏ فأبدلت الواو همزة فقيل‏:‏ إِله كما قالوا‏:‏ وسادة إِسادة، ووشاح وإِشاح‏.‏

واشتق من الوله، لأن قلوب العباد توله نحوه‏.‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم إذا مسكم الضر فاليه تجأرون‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 53‏]‏‏.‏ وكان القياس أن يقال‏:‏ مألوه، كما قيل‏:‏ معبود، إلا أنهم خالفوا به البناء ليكون علماً، كما قالوا للمكتوب‏:‏ كتاب، وللمحسوب‏:‏ حساب‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ أصله من‏:‏ أله الرجل يأله إِذا تحير، لأن القلوب تتحير عند التفكر في عظمته‏.‏ وحكي عن بعض اللغويين‏:‏ أله الرجل يأله إِلاهة، بمعنى‏:‏ عبد يعبد عبادة‏.‏

وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏

‏{‏ويذرك وءالهتك‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 127‏]‏ أي‏:‏ عبادتك‏.‏ قال‏:‏ والتأله‏:‏ التعبد‏.‏ قال رؤبة‏:‏

لله در الغانيات المدَّه *** سبَّحن واسترجعن من تألهي

فمعنى الإِله‏:‏ المعبود‏.‏

فأما «الرَّحمن»‏:‏

فذهب الجمهور إِلى أنه مشتق من الرحمة، مبني على المبالغة، ومعناه‏:‏ ذو الرحمة التي لا نظير له فيها‏.‏ وبناء فعلان في كلامهم للمبالغة، فانهم يقولون للتشديد الامتلاء‏:‏ ملآن، وللشديد الشبع‏:‏ شبعان‏.‏

قال الخطابي‏:‏ ف «الرحمن»‏:‏ ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم ومصالحهم، وعمت المؤمن والكافر‏.‏

و «الرحيم»‏:‏ خاصٌ للمؤمنين‏.‏ قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وكان بالمؤمنين رحيما‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 43‏]‏‏.‏ والرحِيم‏:‏ بمعنى الراحم‏.‏

روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقرأ عليه أبيّ بن كعب أم القرآن فقال‏:‏ ‏"‏ والذي نفسي بيده، ما أُنزل في التوراة، ولا في الانجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ‏"‏‏.‏ فمن أسمائها‏:‏ الفاتحة، لأنه يستفتح الكتاب بها تلاوة وكتابة‏.‏ ومن أسمائها‏:‏ أم القرآن، وأم الكتاب، لأنها أمت الكتاب بالتقدم‏.‏ ومن أسمائها‏:‏ السَّبع المثاني، وإنما سميت بذلك لما سنشرحه في ‏(‏الحجر‏)‏ إن شاء الله‏.‏

واختلف العلماء في نزولها على قولين‏.‏

أحدهما‏:‏ أنها مكية، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، والحسن، وأبي العالية، وقتادة، وأبي ميسرة‏.‏

والثاني‏:‏ أنها مدنية، وهو مرويّ عن أبي هريرة، ومجاهد، وعبيد بن عمير، وعطاء الخراساني‏.‏ وعن ابن عباس كالقولين‏.‏

زهرة التفاسير لأبي زهرة

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، وهي مقدمة لتلاوة كل سورة من سور القرآن، وروي عن بعض الصحابة: " إننا كنا نعرف نهاية سورة وابتداء سورة بنزول قوله تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم) وروي عن جعفر الصادق بن محمد رضي الله عنهما، أنه قال: " البسملة تيجان السور "، وقد قال عبد الله بن المبارك: " إنها جزء من كل سورة؛ ولذلك يجب ابتداء السورة بقراءتها.على أنها جزء منها، وقال الشافعي: " إنها جزء من الفاتحة "، وتَردَّد في عدها جزءًا من كل سورة، ولكنها مهما تكن ليست جزءا من غير الفاتحة، وهي لازمة للفصل بين سورة وسورة من السور التي ابتدأت بذكرها. ولأن ثمة كلامًا في كون سورة براءة ليست مستقلة عن سورة الأنفال، وعدها الأكثرون جزءا منها - لم تكن مبتدأة بالبسملة، وينسب إلى الإمام مالك رضي الله تبارك وتعالى عنه أنها ليست جزءا من سورة الفاتحة أو غيرها، ومؤدى هذا القول أنها ليست من القرآن ككلمة " آمين " في آخر الفاتحة؛ إذ إن الفاتحة ضراعة إلى الله تعالى، فناسب أن تذكر بعدها " آمين "، وعدَّ القرطبي في كتابه " أحكام القرآن " أن في مذهب مالك أن البسملة ليست من القرآن هو الصحيح، وذكر أن القرآن كله متواتر، والبسملة ليست متواترة، فلا تعد من القرآن، ولكن تكون علامة على انتهاء سورة، وابتداء سورة أخرى. ومع أنه قرر ذلك - يقرر أن مالكا يرى أنها يُبتدأ بها في الفرض والنافلة، كما رواه ابن نافع، وفي الحق أن ذلك القول غريب عن القرآن، وذلك لأن البسملة متواترة تواتر كل أجزاء القرآن، فلم تثبت بحديث آحاد، بل ثبتت بالقرآن نفسه، فقد كتبت في مصحف عثمان وما قبله، ولا تواتر أبلغ من هذا، وما كان للشيخين أبي بكر وعمر، وذي النورين وجميع الصحابة أن يدوِّنوا في المصحف ما ليس من القرآن، و " آمين " هي التي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنطق بها في عقب قراءة الفاتحة. إن ادعاء أنها ثبتت بخبر آحاد يقتضي ذكر ذلك الخبر، ورواته، ومقدار قوتهم، وضعفهم، وعددهم، وليس كذلك، بل هي ثبتت مقترنة بسور القرآن على أنها ثابتة بين كل سورة وسورة.والسورة التي لم تصدر بها، ثبت عدم تقدمها لهذه السورة بالتواتر، فهي متواترة بالذكر في كل السور، ومتواترة بالسلب في سورة واحدة. ولهذا نرى أن نسبة ذلك القول إلى إمام دار الهجرة مالك هو في ذاته موضع نظر، وقد اقترن ذلك بادعاء أنه لم يقرأها أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيقول القرطبي عفا الله عنه: " فى مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة انقرضت عليه العصور ومرت عليه الأزمنة والدهور من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى زمان مالك، ولم يقرأ أحد فيه قط (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم) اتباعًا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وإن لنا أن نرد ذلك القول، ونأخذ ذلك من كلامه هو، فهو قد روى أن عمر، وعليًّا، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، كانوا يقرأونها ويسرون بها. وروى هو أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يسر بها ولا يجهر، فقد روي عن أنس ابن مالك رضي الله عنه أنه قال: " كان يصلي بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يُسمعنا قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وروي عنه أيضا: صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وخلف أبي بكر، وعمر، فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بـ " بسم الله الرحمن الرحيم " . فالأمر أمر الجهر بها، لَا أمر تركها، وفرق كبير بين الترك لها أصلا، وترك الجهر بها. وبذلك ينتفي ما ادعاه من أن أحدا لم يقرأها، اتباعا للسنة إن كانت سنة، وذلك لأنهم قرأوها خفية وفي سر، آخذين ذلك من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -. ¬ومن كتاب الله عز وجل: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205)). وننتهي من هذا إلى أن البسملة جزء من القرآن الكريم، وهي فاصلة بين السور تدل على الانتهاء من سورة والابتداء بسورة أخرى. وإن الشافعي يعُدها جزءا من الفاتحة، ومهما يكن فإنه لابد من البدء بقراءتها، وغيره يوجب البدء بها لَا على أنها جزء من الفاتحة، ولكن على أنها قرآن يبدأ به في أول كل سورة. والأكثرون عدوها على أنها يبتدأ بها سرا لَا جهرًا أو تضرعًا في خفية، ودون الجهر من القول، والله سبحانه وتعالى أعلم. * * * (التعوذ في ابتداء التلاوة) قال الله تعالى: (فَإذَا قَرَأْتَ الْقرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، فُهِم من هذا النص الكريم أنه عند التلاوة لابد أن يقدمها بقوله: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "، ثم تكون بعدها " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وقد حكي ذلك عن عطاء وغيره، فقالوا: " إن الاستعاذة واجبة عند كل تلاوة في غير الصلاة "، وإنما في الصلاة فلا وجوب، ويظهر أن ذلك بالاتفاق؛ لأنه يكون زيادة واجب في الصلاة لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكل وجوب في عبادة من غير إيجاب من صاحب الشرع يُرَد ولا يؤخذ به. وكان النخعي، ومعه قوم يتعوذون استحبابًا في كل ركعة في الصلاة، فحيث كانت قراءة قرآن تعوذوا استحبابًا، وروي عن أبي حنيفة التعوذ في قراءة الركعة الأولى فقط.ومن المتفق عليه أمران: أحدهما: أن الاستعاذة ليست جزءا من الصلاة، ولا شرطا لقراءة الفاتحة، كما هو مقرر عند الشافعي، لَا سرا ولا جهرا؛ لأنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه التزم بها لَا جهرا ولا خفية. الثاني: أن كلمة " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " ليست قرآنا، وإنما استجابة لقول الله تعالى: (فَإذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، وكلمة " أعوذ بالله " هي الكلمة التي يرددها الناس عند الاستعاذة، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول في الاستعاذة: " أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم "، وروى ابن مسعود أنه تعوَّذ بها أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: " يا ابْنَ أمِّ عَبْدٍ، أعوذُ باللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرجيمِ هكلذ أقْرَانِي جِبْرِيلُ عَنِ اللوح عَنِ القَلَم " ، وإن هذا النص يستفاد منه أن كلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هي المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وننتهي من هذا إلى أنها مستحبة وليست واجبة، ولكن إذا قالها أيُسِرُّ أم يجهر؟ الجمهور على أنه يجهر عند الصلاة بها، وقال حمزة: يسرُّ بها، ومن قال إن الاستعاذة تكون بعد القراءة لأن الله يقول: (فَإذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) . . .، فالقراءة تسبق الاستعاذة امتثالا لأمر الله تعالى؛ ولكيلا يكون القارئ متغنيا، ولا متلقيا، وليكون في حضرة الله في قراءته وبعدها، ويكون طائعا لله تعالى في كل أحواله. ¬الفاتحة أو فاتحة الكتاب قال جار الله الزمخشري في كتابه الكشاف: إنها مكية؛ لأنها أنزلت بمكة، وذلك هو المشهور، وقيل إنها أنزلت بمكة مرة، والمدينة مرة أخرى عند تحويل القبلة إلى الكعبة، والظاهر أنها مكية، نزلت عند فرض الصلاة بمكة، وكونها نزلت بعد ذلك بالمدينة تكرار للنزول، ولا نحسب ثمة حاجة للتكرار فإنها متى نزلت كانت واجبة التلاوة على أنها جزء من القرآن ولاحاجة إلى تكرار نزولها. وتسمى أم القرآن، لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى، بما هو أهله، ومن التعبد بالأمر والنهي، ومن الوعد والوعيد، وتسمى أيضا سورة الكنز، وسورة الوافية لذلك الشمول الإجمالي الذي اشتملت عليه فيما ذكرنا، وتسمى المثاني لأنها تثنى في كل ركعة ولأنها السبع المثاني. وتسمى سورة الصلاة، لأنها مأمور بقراءتها فيها، وتسمى الشفاء والشافية وهي سبع آيات بالاتفاق . وكلها أسماء سميت بها لمعان فيها، ولاحظَها من جوانبها من سماها، فكل اسم يمثل جانبا من جوانبها. ابتدئت الفاتحة كما ابتدئت كل سورة ما عدا براءة بـ " بسم الله الرحمن الرحيم "، وعدها الشافعي وفقهاء مكة جزءا من الفاتحة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - عدَّ الفاتحة سبع آيات، ولا تكون سبع آيات إلا إذا عدت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ جزءا منها، وعند أهل المدينة ومالك ليست جزءا من الفاتحة، وقد علمت القول المختلف في ذلك، وقد قررنا أنها جزء من القرآن وابتداء لكل سورة، وقال الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة: " ما بين دفتي المصحف قرآن "، وقد كانت ¬مكتوبة في مصحف عثمان رضي الله عنه والمصحفين من قبله، وتواتر المصحف بتواتر القرآن، والإجماع انعقد على ذلك، ولم تنقل بخبر آحاد كما ادعى بعض المالكية. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (بِسْمِ) الباء هنا هي حرف جر يدل على السببية، وهي مبنية على الكسر كـ " لام " الأمر، والمعنى: بسبب اسم الله الذي لَا. يعبد سواه وأنه الرحمن الرحيم أبتدئ، فهي متعلقة بمحذوف يُذكر بعدها، لبيان اختصاص الابتداء أو التبرك باسم الله تعالى، فالتأخير يفيد الاهتمام بمتعلّق الباء ومزيد الاختصاص بالاستعانة والتيمن والتبرك به. والبسملة يبدأ بها في كل أمر ذي بال، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: " كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأْ فِيهِ بِبِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم فَهُو أَبْتَر " والفعل الذي تعلقت به الباء محذوف، وكما ذكرنا يقدر مؤخرا، لأن المقدم يكون محل التخصيص. ولأن البسملة يبدأ بها كل أمر ذي بال، فإنه يقدر الفعل على حسب ما نبتدئ البسملة، ويرى بعض المفسرين أن يقدر الفعل المحذوف " أبتدئ "، لأنه يكون صالحا، لكل أمر ذي بال وشأن، والآخرون قالوا: إنه يقدر في القرآن أتلو أو أقرأ أو أرتل أو نحو ذلك، وبعض العلماء قال: إنها في القرآن الكريم في معنى القسم بأن القرآن حق لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتكون على هذا للقسم، ويقدر الفعل بـ " أُقسم ". والمعنى على ذلك في أول كل سورة اجعل قسمك بالله الرحمن الرحيم أن ما تتلو هو الحق الذي لاريب فيه، فهو الكتاب لَا ريب فيه هدى للمتقين.و (اللَّهِ) هو لفظ الجلالة الدال على أنه وحده له كمال العبودية، واسم الله - قال بعض العلماء إنه المراد فيه الذات العلية فهو اسم يعني المسمى. والمعنى هو القسم بالذات العلية، وقرر بعض العلماء أن الاسم الأعلى هو المقصود بالافتتاح تبركا وتيمنا باسم الذات العلية، ولها المكان الأقدس من العباد تبارك الله، والاسم ذاته يتيمن به ويتبرك، فليس المراد بالاسم الذات؛ لأنها مذكورة، كما قال تعالى: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)، وقوله تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى)، وهذا ما نميل إليه؛ لأنه لَا يحتاج إلى تحول من المعنى الأصلي لكلمة الاسم إلى غيره، ولأن إطلاق الاسم على المسمى من قبيل المجاز، ولا يصار إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة، ولأن قصد الاسم الأسمى ابتداءً يفيد معنيين، وهو تقديس الاسم في كلمة بسم الله، وتقديس المسمى وهو الله سبحانه. ولو أطلق الاسم على المسمى، لكان تقديسا للذات العلية من غير إعالاء للاسم في ذاته، ولا شك أن الأول أبلغ تسبيح لله تعالى لقاء التبرك بذكره، والتيمن به سبحانه وتعالى علوا كبيرا. وكلمة (اللَّهِ) تعالى لَا تطلق إلا على الذات العلية خالق الكون، ومنشئ الوجود على غير مثال سبق، بديع السماوات والأرض. وقالوا: إن أصل كلمة الله: الإله، ثم كان حذف الهمزة، مع تقدير أنها مطوية في الكلام مقدرة فيه. والإله تطلق على المعبود، وتعم المعبود بحق وبغير حق، ولكن كلمة (اللَّهِ) تعالى لا تطلق إلا على المعبود بحق، فيُقال: آلهة المشركين، وآلهة الرومان، وآلهة المصريين، ولا يقال: " الله " إلا في مقام أنه الخالق المدبر المنشئ المستحق للعبادة؛ ولذلك كانت ألفاظ القرآن الكثيرة في مخاطبة المشركين، على أن الله تعالى معروف بأنه المنشئ، وأنه غير آلهتهم، فكانوا يقولون: الآلهة هبل، واللات، والعزى، ومناة الثالثة؛ يقولون عنها إله وآلهة ولا يقولون عن واحدة منها إنه " الله "، لقد قال تعالىعنهم: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، وكان يحتج عليهم بأنهم يعبدون مع الله آلهة أخرى، وجدل القرآن الكريم لهم لإلزامهم بالتوحيد بأنهم يعترفون بأن الله تعالى خالق السماوات والأرض فهو الجدير وحده بالعبادة، اقرأ قوله تعالى: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64)) ونرى من هذا أن العرب كانوا يعرفون الله سبحانه وتعالى، وأنه الخالق لكل شيء وما كانوا يطلقون كلمة " الله " إلا على الخالق المدبر المنفرد بالإيجاد والإبداع، وما كانوا يطلقون على آلهتهم كلمة الله، وهذا عُرْف لغتهم ودلالتها. (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) هذان وصفان لله تعالى قُرنا في البسملة، وكلاهما يدل على كمال رحمة الله تعالى في ذاته وعلى خلقه، والرحمة رقة في القلب، والله تعالى لَا يتصف بذلك؛ لأن هذا من صفات الحوادث، والله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وإنما يراد من الأوصاف التي يتصف بمثلها العباد غايتها، وثمرتها، وثمرة الرحمة الإنعام الكامل، والنفع ودفع الضر، والرزق، وغفران الذنوب، وكلاءة الله تعالى لهم، والقيام على كل ما يمدهم به بالخير والنعمة.والوصفان اقترنا واجتمعا في البسملة، كما اجتمعا في بسملة كتاب سليمان عليه السلام لبلقيس، إذ قال تعالى: (إِنَّه مِن سُلَيْمَانَ وَإِنِّه بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وهذه بسملة كبسملة أوائل السور، كما اجتمع الوصفان في آيتين أخريين من آيات القرآن، ففي أول سورة فصلت ذكر للقرآن الكريم، وقال سبحانه عن الذكر (تَنزِيلٌ منَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم) وجاء في سورة الحشر (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ). ولا شك أن الوصفين من أسماء الله الحسنى وصفاته، ولا شك أن لكل منهما معنًى قائمًا بذاته، منفردًا به عن الآخر. يقول الزمخشري (نقلا عن الزجاج): إن صيغة فَعْلان من الصيغ التي تدل على الامتلاء، كغضبان، وشبعان، وسكران، وجوعان، فإنها تدل على الامتلاء من الفعل الذي اشتُقت منه، فكذلك الرحمن معناها الممتلئ رحمة، ورحيم تدل على الاتصاف بالرحمة التي تليق بذاته العلية من غير امتلاء. ولذلك يقول الزمخشري ومن تبعه في دراساته البيانية للقرآن الكريم: إن " الرحمن " أبلغ من " الرحيم "، وإن كان كلامه تعالى كله فوق الكلام البشرى وما ترى فيه من تفاوت، وإن كان كله في أعلى درجات البيان لَا يساويه بيان للإنسان. وبدراسة اللفظين في القرآن يتبين لنا الفرق بينهما في الاستعمال القرآني السامي في بلاغته إلى ما لَا يتسامى إليه كلام بشر، ولا يدانيه شيءٌ من الكلام الإنساني. وعند الاتجاه إلى استقراء الآيات القرآنية نجد القرآن الكريم جمع بين الوصفين في آيتين غير البسملة وقد ذكرتا، وذكر وصف الرحمن منفردا في نحو ستينموضعًا من كتاب الله العزيز، وكان يذكر ذلك الوصف السامي غير مضاف إلى فعل من الأفعال، ولا واقع على أحد كقوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى. . .)، وكقوله تعالى: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا)، وقوله تعالى: (الرَّحْمَن عَلَّمَ الْقُرْآنَ)، ومثل قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ). وهكذا في نحو ستين آية يذكر وصف الرحمن مجردا من الإضافة إلى شيء أو شخص أو فعل كما يذكر " الله " تعالى، وذكر وصف الرحيم منفردًا عن الرحمن في أكثر من ثلاثين ومائة آية، ونجد أنها مضافة إلى رحمته سبحانه وتعالى بالعباد مثل قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ)، ومثل قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رحِيمٌ)، ومثل قوله تعالى: (فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). ومن هذه الموازنات بين استعمال القرآن لكلمة " رحمن "، واستعماله لكلمة " رحيم " ننتهي إلى ما يأتي: أولا: أن وصف الرحمن وصف ذاتي للذات العلية لَا يتعلق بفعل ولا بشخص يذكر، ولكنه وصف لله أو اسم له كلفظ الجلالة، ولكنه يشعرنا بالرحمة، كما أنه لفظ يشعر بالألوهية واستحقاق العبادة؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن كلمة " الرحمن " اسم لله تعالى، وأما " الرحيم " فهو وصف لله تعالى يتعلق برحمته بالعباد المكلفين المخاطبين بشريعته، والذين طلب منهم أن يقوموا بحق الله تعالى في إجابة أوامره، واجتناب نواهيه؛ ولذلك يقترن كثيرا بالتوبة والمغفرة.ثانيا: أن الرحمة في " الرحمن " أكثر من " الرحيم "، ولذلك قالوا: إن رحمة الرحمن، هي الرحمة بالوجود كله، فبرحمة الرحمن يرزق الله من في السماوات والأرض، وبرحمته الواسعة ينزل الغيث، ويرسل الرياح، ومهَّد الأرض، وجعل الجبال، وبرحمة الرحمن بعث الرسل مبشرين ومنذرين، وبرحمة الرحمن جازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْر أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ). وهكذا كانت رحمة الرحمن شاملة الوجود كله، والرحيم متعلق في رحمته بالمكلفين. ثالثا: أن " الرحمن " أكثر رحمة لما في الوصف بالرحمة فيه من شمول يشمل الوجود الإنساني كله، ووصف " الرحيم " خاص بالمكلفين، كما يدل على ذلك سياق اللفظ في القرآن الكريم. ومن هذا الاستقراء والتتبع، واستنباط المعاني لألفاظ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) من استعمال القرآن ننتهي إلى أن بيان معاني (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم) أن الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نتلو القرآن مبتدئين تالين لآياته باسمه الأقدس. نتبرك به ونتيمن ونسبح باسمه، وهو الله الإله المتفرد بالخلق والتكوين والتدبير والمتفرد بالعبودية وحده جل جلاله لأنه بديع السماوات والأرض والوجود كله، وهو " الرحمن " ذو الرحمة الواسعة التي تعم الوجود كله في السماوات والأرض، والدنيا والآخرة، المدبر للوجود برحمته، وهو " الرحيم " بعباده يغفر لهم ويتوب عليهم، ويشرع لهم من الشرائع ما يكون خيرًا لهم في معادهم ومعاشهم، وهو بكل شيء عليم.

صفوة التفاسير للصابوني

[الآيات : 1 إلى 7]
بَيْنَ يَدَي السُّوَرَة: هذه السورة الكريمة مكية وآياتها سبعٌ بالإجماع، وتسمى الفاتحة لافتتاح الكتاب العزيز بها حيث إنها أول القرآن في الترتيب لا في النزول، وهي على قصرها ووجازتها قد حوت معاني القرآن العظيم، واشتملت على مقاصده الأساسية بالإجمال، فهي تتناول أصول الدين وفروعه، تتناول العقيدة، والعبادة، والتشريع، والاعتقاد باليوم الآخر، والإيمان بصفات الله الحسنى، وإفراده بالعبادة والاستعانة والدعاء، والتوجه إليه جلَّ وعلا بطلب الهداية إلى الدين الحق والصراط المستقيم، والتضرع إليه بالتثبيت على الإيمان ونهج سبيل الصالحين، وتجنب طريق المغضوب عليهم والضالين، وفيها الاخبار عن قصص الأمم السابقين، والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء، وفيها التعبد بأمر الله سبحانه ونهيه، إلى غير ما هنالك من مقاصد وأغراض وأهداف، فهي كالأم بالنسبة لبقية السور الكريمة ولهذا تسمّى أم الكتاب لأنها جمعت مقاصدة الأساسية.
فضْلَهَا أ روى الإمام أحمد في المسند أن أبيَّ بن كعب قرأ على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أم القرآن فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: والذي نفسي بيده ما أُنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، وهي السبع المثاني والقرآن العظيمُ الذي أوتيتهُ فهذا الحديث الشريف يشير إلى قوله تعالى في سورة الحجر {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المثاني والقرآن العظيم} [الآية: 87] .
ب وفي صحيح البخاري أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال لأبي سعيد بن المعلَّى: لأعلمنَّك سورة هي أعظم السور في القرآن: الحمد لله رب العالمين، هي السبعُ المثاني والقُرآن العظيم الذي أوتيتُه .
التسِميَة: تسمى الفاتحة، وأم الكتاب، والسبع المثاني، والشافية، والوافية، والكافية، والأساس، والحمد وقد عدّدها العلامة القرطبي وذكر أن لهذه السورة اثني عشر إسماً.
اللغة: {الحمد} الثناء بالجميل على جهة التعظيم، والتبجيل مقروناً بالمحبة وهو نقيض الذم وأعمُّ من الشكر، لأن الشكر يكون مقابل النعمة بخلاف {اللَّهِ} اسم علم للذات المقدسة لا يشاركه فيه غيره، قال القرطبي: هذا الاسم {الله} أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها، وهو اسم للموجود الحق، الجامع لصفات الإلهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي لا إله إلا هو سبحانه {رَبِّ} الربّ: مشتق من التربية وهي إصلاح شئون الغير ورعاية أمره قال الهروي: يقال لمن قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد ربَّه ومنه الربانيون لقيامهم بالكتب والربُّ يطلق على عدة معان وهي المالك، والمصلح، والمعبود، والسيد المطاع {العالمين} العالم: اسم جنس لا واحد له من لفظه كالرهط، وهو يشمل: الإنس والجن والملائكة والشياطين كذا قال الفراء، وهو مشتق من العلامة لأن العالم علامة على وجود الخالق جل وعلا {الرحمن الرحيم} صفتان مشتقتان من الرحمة.
وقد روعي في كل من {الرحمن} و {الرحيم} معنى لم يراع في الآخر فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة لأن فَعْلان صيغة مبالغة في كثرة الشيء وعظمته ولا يلزم منه الدوام كغضبان وسكران، والرحيم بمعنى دائم الرحمة لأن صيغة فعيل تستعمل في الصفات الدائمة ككريم وظريف فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائم الإِحسان.
قال الخطابي: الرحمن ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم ومصالحهم وعمَّت المؤمن والكافر، والرحيم خاص بالمؤمن كما قال تعالى: {وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً} [الأحزاب: 43] ، {الدين} الجزاء ومنه الحديث (كما تدين تُدان) أي كما تفعل تُجزى {نَعْبُدُ} قال الزمخشري: العبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى لأنه مولي أعظم النعم فكان حقيقاً بأقصى الخضوع {الصراط} الطريق وأصله بالسين من الاستراط بمعنى الاتبلاع كأن الطريق يبتلع السالك قال الشاعر:
شحنّا أرضهم بالخيل حتى ... تركناهم أَذلَّ من الصّراط
{المستقيم} الذي لا عوج فيه ولا انحراف {آمين} أي استجب دعاءنا وهي ليست من القرآن الكريم إجماعاً.
التفِسير: علمنا الباري جلّ وعلا كيف ينبغي أن نحمده ونقدسه ونثني عليه بما هو أهله فقال {الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} أي قولوا يا عبادي إذا أردتم شكري وثنائي الحمدلله، اشكروني على إِِِحساني وجميلي إِليكم، فأنا الله ذو العكمة والمد والسؤدد، المتفرد بالخلق والإِيجاد، رب الإِنس والجن والملائكة، ورب السماوات والأرضين، فالثناء والشكر لله رب العالمين دون ما يُعبد من دونه {الرحمن الرحيم} أي الذي وسعت رحمته كل شيء، وعمَّ فضله جميع الأنام، بما أنعم على عباده من الخلق والرزق والهداية إلى سعادة الدارين، فهو الرب الجليل عظيم الرحمة دائم الإِحسان {مالك يَوْمِ الدين} أي هو سبحانه المالك للجزاء والحساب، المتصرف في يوم الدين تصرّف المالك في ملكه {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19] {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أي نخصَّك يا ألله بالعبادة، ونخصك بطلب شيئاً الإعانة، فلا نعبد أحداً سواك، لك وحدك نذلُّ ونخضع ونستكين ونخشع، وإيَّاك ربنا نستعين على طاعتك ومرضاتك، فإِنك المستحق لكل إِجلال وتعظيم، ولا يملك القدرة على عون أحدٌ سواك {اهدنا الصراط المستقيم} أي دلنا وأرشدنا يا رب إِلى طريقك الحق ودينك المستقيم، وثبتنا على الإِسلام الذي بعثت به أنبياءك ورسلك، وأرسلت به خاتم المرسلين، واجعلنا ممن سلك طريق المقربين {صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} أي طريق من تفضّلت عليهم بالجود والإنعام، من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وَحَسُنَ أولئك رفيقاً {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين} أي لا تجعلنا يا ألله من زمرة أعدائك الحائدين عن الصراط المستقيم، السالكين غير المنهج القويم، من اليهود المغضوب عليهم أو النصارى الضالين، الذين ضلوا عن شريعتك القدسية، فاستحقوا الغضب واللعنة الأبدية.
اللهم آمين.
البَلاَغَة: 1 {الحمد للَّهِ} الجملة خبرية لفظاً إنشائية معنىً أي قولوا الحمدلله وهي مفيدة لقصر الحمد عليه تعالى كقولهم: الكرم في العرب.
2 {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فيه إلتفات من الغيبة إلى الخطاب ولو جرى الكلام على الأصل لقال: إيّاه نعبد، وتقديم المفعول يفيد القصر أي لا نعبد سواك كما في قوله: {فارهبون} [البقرة: 40] .
3 قال في البحر المحيط: وفي هذه السورة الكريمة من أنواع الفصاحة والبلاغة أنواع:
الأول: حسن الافتتاح وبراعة المطلع.
الثاني: المبالغة في الثناء لإِفادة أل الاستغراق.
الثالث: تلوين الخطاب إذ صيغته الخبر ومعناه الأمر أي قولوا الحمد لله.
الرابع: الاختصاص في قوله {للَّهِ}
الخامس: الحذف كحذف صراط من قوله {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم} تقديره غير صراط المغضوب عليهم وغير صراط الضالين.
السادس: التقديم والتأخير في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} .
السابع: التصريح بعد الإبهام {الصراط المستقيم} ثم فسره بقوله: {صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} .
الثامن: الالتفات في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .
التاسع: طلب الشيء والمراد به دوامه واستمراره في {اهدنا الصراط} أي ثبتنا عليه.
العاشر: السجع المتوازي في قوله: {1649;لرحمن الرحيم ... اهدنا الصراط المستقيم} وقوله {نَسْتَعِينُ ... الضآلين} .
الفوَائِد: الأولى: الفرق بين {الله} و {الإله} أن الأول اسم علم للذات المقدسة ذات الباري جل وعلا ومعناه المعبود بحق والثاني معناه المعبود بحقٍ أو باطل فهو اسم يطلق على الله تعالى وعلى غيره.
الثانية: وردت الصيغة بلفظ الجمع نعبد ونستعين ولم يقل إياك أعبد وإياك أستعين بصيغة المفرد وذلك للإعتراف بقصور العبد عن الوقوف في باب ملك الملوك فكأنه يقول: أنا يا رب العبد الحقير الذليل، لا يليق بي أن أقف هذا الموقف في مناجاتك بمفردي، بل أنضم إلى سلك المؤمنين الموحّدين فتقبل دعائي في زمرتهم فنحن جميعاً نعبدك ونستعين بك.
الثالثة: نسبَ النعمة إلى الله عَزَّ وَجَلَّ {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ولم ينسب إليه الإضلال والغضب فلم يقل: غضبتَ عليهم أو الذين أضللتَهم وذلك لتعليم العباد الأدب مع الله تعالى، فالشر لا ينسب إلى الله تعالى أدباً وإن كان منه تقديراً الخير كله بيديك والشر لا ينسب إليك . خاتمة في بَيَان الأسَرار القُدْسِيّة في فاتِحَة الكِتاب العَزِيز
يقول شهيد الإسلام الشيخ حسن البنا في رسالته القيمة مقدمة في التفسير ما نصه: لا شك أن من تدبَّر الفاتحة الكريمة رأى من غزارة المعاني وجمالها، وروعة التناسب وجلاله ما يأخذ بلبه، ويضيء جوانب قلبه، فهو يبتدئ ذاكراً تالياً متيمناً باسم الله، الموصوف بالرحمة التي تظهر آثار رحمته متجددة في كل شيء، فإِذا استشعر هذا المعنى ووقر في نفسه انطلق لسانه بحمد هذا الإله {الرحمن الرحيم} وذكّره الحمد بعظيم نعمه وكريم فضله، وجميل آلائه البادية في تربيته للعوالم جميعاً، فأجال بصيرته في هذا المحيط الذي لا ساحل له، ثمّ تذكر من جديد أن هذه النعم الجزيلة والتربية الجليلة، ليست عن رغبةٍ ولا رهبة، ولكنها عن تفضل ورحمة، فنطق لسانه مرة ثانية ب {الرحمن الرحيم} ومن كمال هذا الإله العظيم أن يقرن الرحمن ب العدل ويذكّر بالحساب بعد الفضل فهو مع رحمته السابغة المتجددة سيدين عباده ويحاسب خلقه يوم الدين
{يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19] فتربيته لخلقه قائمة على الترغيب بالرحمة، والترهيب بالعدالة والحساب {مالك يَوْمِ الدين} وإذا كان الأمر كذلك فقد أصبح العبد مكلفاً بتحري الخير، والبحث عن وسائل النجاة، وهو في هذا أشد ما يكون حاجة إلى من يهديه سواء السبيل، ويرشده إلى الصراط المستقيم، وليس أولى به في ذلك من خالقه ومولاه فليلجأ إِليه وليعتمد عليه وليخاطبه بقوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وليسأله الهداية من فضله إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم بمعرفة الحق واتباعه، غير المغضوب عليهم بالسلب بعد العطاء، والنكوص بعد الاهتداء، وغير الضالين التائهين، الذين يضلون عن الحق أو يريدون الوصول فلا يوقفون للعثور عليه، آمين. ولا جرم أن آمين براعة مقطع في غاية الجمال والحسن، وأي شيء أولى بهذه البراعة من فاتحة الكتاب، والتوجه إلى الله بالدعاء؟ فهل رأيت تناسقاً أدق، أو ارتباطاً أوثق، مما تراه، بين معاني هذه الآية الكريمة، وتذكر وأنت تهيم في أودية هذا الجمال ما يرويه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن ربه في الحديث القدسي قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل. . الحديث وآدم هذا التدبير والإنعام، واجتهد أن تقرأ في الصلاة وغيرها على مكث وتمهّل، وخشوع وتذلّل، وأن تقف على رؤوس الآيات، وتعطى التلاوة حقها من التجويد أو النغمات، من غير تكلف ولا تطريب، واشتغال بالألفاظ عن المعاني، فإن ذلك يعين على الفهم، ويثير ما غاض من شآبيب الدمع، وما نفع القلب شيء أفضل من تلاوة في تدبرٍ وخشوع.

فتح البيان لصديق حسن خان

سورة الفاتحة
أي فاتحة الكتاب معناها أول ما من شأنه أن يفتتح به الكتاب، ثم أطلقت على أول كل شيء كالكلام، والتاء للنقل من الوصفية إلى الإسمية أو هي مصدر بمعنى الفتح أطلقت عليه تسمية للمفعول باسم المصدر، وإشعاراً بأصالته كأنه نفس الفتح والإضافة بمعنى اللام كما في جزء الشيء لا بمعنى (من) كما في خاتم فضة، لما عرفت أن المضاف جزء من المضاف إليه لا جزئي له، وسميت بذلك لأن القرآن افتتح بها إذ هي أول ما يكتبه الكاتب من المصحف، وأول ما يتلوه التالي من الكتاب العزيز، وإن لم تكن أول ما نزل من القرآن، وقد اشتهرت بهذا الإسم في أيام النبوة، قيل أنها مكية وهو قول أكثر العلماء، وقيل مدنية وهو قول مجاهد، وقيل أنها نزلت مرتين مرة بمكة حين فرضت الصلوات الخمس، ومرة بالمدينة حين حولت القبلة جمعاً بين الروايات، والأول أصح قاله البغوي، ورجحه البيضاوي. وأسماء السور توقيفية وكذا ترتيب السور والآيات أي تتوقف على نقلها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل غير ذلك، وإنما هذا على الارجح، والسورة طائفة من القرآن لها أول وآخر وترجمة باسم خاص بها بتوقيف، والسورة قد يكون لها إسم واحد، وقد يكون لها إسمان أو أكثر. وأسماء السور في المصاحف لم يثبتها الصحابة في مصاحفهم، وإنما هو شيء ابتدعه الحجاج كما ابتدع إثبات الأعشار والأسباع، وسميت هذه أم القرآن لكونها أصلاً ومنشأً له إما لمبدئيتها له وإما لاشتمالها على ما فيه من الثناء على الله عز وجل، والتعبد بأمره ونهيه وبيان وعده ووعيده، أو على جملةمعانيه من الحكم النظرية والأحكام العملية التي هي سلوك الصراط المستقيم، والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء، والمراد بالقرآن هو المراد بالكتاب، وسميت أيضاً أم الكتاب لأنه يبدأ بقراءتها في الصلاة، قاله البخاري في الصحيح. وقال أبو السعود مناط التسمية ما ذكر في أم القرآن لا ما أورده البخاري، فإنه مما لا تعلق له بالتسمية كما أشير إليه، قال ابن كثير وصحح تسميتها بالسبع المثاني لأنها سبع آيات وتثنى في الصلاة فتقرأ في كل ركعة أو لتكرر نزولها وأخرج أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " هي أم القرآن وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم " وأخرج ابن جرير عنه عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: " قال هي أم القرآن وهي فاتحة الكتاب وهي السبع المثاني " ؛ وأخرج نحوه ابن مردويه والدارقطني من حديثه: " وقال كلهم ثقات. ومن أسمائها كما حكاه في الكشاف سورة الكنز والوافية، وسورة الحمد، وسورة الصلاة، وتسمى الكافية لأنها تكفي عن سواها في الصلاة ولا يكفي سواها عنها، وسورة الشفاء والشافية لقوله صلّى الله عليه وآله وسلم: " هي الشفاء من كل داء " وأخرج الثعلبي عن الشعبي أن رجلاً اشتكى إليه وجع الخاصرة فقال عليك بأساس القرآن . وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن الله أعطاني فيما مَنَّ به عليَّ فاتحة الكتاب وقال: هي كنز من كنوز عرشي "، وأخرج إسحق بن راهويه في مسنده عن علي نحوه مرفوعاً، وذكر القرطبي للفاتحة اثني عشر اسماً، وقد ذكر السيوطي في الإتقان خمسة وعشرين اسماً للفاتحة. وهي سبع آيات بلا خلاف كما حكاه ابن كثير في تفسيره، قال القرطبي: أجمعت الأمة على أنها سبع آيات إلا ما روي عن حسين الجعفي أنها ست وهو شاذ، وعن عمرو بن عبيد أنه جعل (إياك نعبد) آية فهي عنده ثمان وهو شاذ انتهى، وإنما اختلفوا في البسملة كما سيأتي: وقد أخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن الأنباري في المصاحف عن محمد بن سيرين أن أبيّ بن كعب وعثمان بن عفان كانا يكتبان فاتحة الكتاب والمعوذتين، ولم يكتب ابن مسعود شيئاً منهن، وقد خالف في ذلك إجماع الصحابة وسائر أهل البيت ومن بعدهم، وأخرج ابن حميد عن إبراهيم قال كان عبد الله بن مسعود لا يكتب فاتحة الكتاب في المصحف، وقال لو كتبتها لكتبت في أول كل شيء. وقد ورد في فضل هذه السورة أحاديث: منها ما أخرجه البخاري وأحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي سعيد بن المعلى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له " لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، قال فأخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت يا رسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قال نعم: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته " . وأخرج أحمد والنسائي والترمذي وصححه من حديث أبيّ بن كعب أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال له أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها ؟ ثم أخبره أنها الفاتحة. وأخرج أحمد في المسند من حديث عبد الله بن جابر: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: ألا أخبرك بآخر سورة في القرآن؟ قلت بلى يا رسول الله، قال: اقرأ الحمد لله رب العالمين حتى تختمها ، " وفي سنده ابن عقيل، وقد احتج به كبار الأئمة وبقية رجاله ثقات، وابن جابر هذا هو العبدي كما قال ابن الجوزي وقيل الأنصاري البياضي كما قال ابن عساكر. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لما أخبره بأن رجلاً رقى سليماً بفاتحة الكتاب: " وما كان يدريه أنها رقية " الحديث . وأخرج مسلم والنسائي عن ابن عباس قال " بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده جبرائيل إذ سمع نقيضاً فوقه فرفع جبرائيل بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح لنبيٍّ قط قال فنزل منه ملك فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ حرفاً منهما إلا أوتيته ". وأخرج مسلم والنسائي والترمذي وصححه عن أبي هريرة " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثاً غير تمام " وأخرج البزار في مسنده بسند ضعيف عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد فقد أمنت من كل شيء إلا الموت ". وأخرج سعيد بن منصور في سننه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " فاتحة الكتاب شفاء من كل سقم "، وأخرج أبو الشيخ نحوه من حديثه وحديث أبي هريرة مرفوعاً، وأخرج الدارمي والبيهقي في شعب الإيمان بسند رجاله ثقات عن عبد الملك ابن عمير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فاتحة الكتاب " شفاء من كل داء ". وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن السني في عمل اليوم والليلة وابن جرير والحاكم وصححه عن خارجة بن الصلت التميمي عن عمه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل راجعاً من عنده، فمر على قوم وعندهم رجل مجنون موثق بالحديد، فقال أهله أعندك ما تداوي به هذا فإن صاحبكم قد جاء بخير، قال فقرأت عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام في كل يوم مرتين غدوة وعشية أجمع بناني ثم أتفل فبرأ فأعطاني مائة شاة، فأتيت النبي صلى الله عليهه وآله وسلم فذكرت ذلك له فقال " كُل فمن أكل برقية باطلة فقد أكلت برقية حق ". وعن ابن عباس قال: فاتحة الكتاب ثلثا القرآن ، وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من قرأ أم القرآن وقل هو الله أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن "، وأخرج عبد بن حميد في مسنده بسند ضعيف عن ابن عباس يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - " فاتحة الكتاب تعدل بثلث القرآن " وأخرج الحاكم وصححه وأبو ذر الهروي في فضائله والبيهقي في الشعب عن أنس قال كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسير له فنزل فمشى رجل من أصحابه إلى جنبه، فالتفت إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " ألا أخبرك بأفضل القرآن فتلا عليه الحمد لله رب العالين ". وأخرج أبو نعيم والديلمي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فاتحة الكتاب تجزىء ما لا يجزىء شيء من القرآن، ولو أن فاتحة الكتاب جعلت في كفة الميزان وجعل القرآن في الكفة الأخرى لفضلت فاتحة الكتاب على القرآن سبع مرات ". وأخرج أبو عبيد في فضائله عن الحسن مرسلاً قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قرأ فاتحة الكتاب فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، إلى غير ذلك من الأحاديث. ثم الاستعاذة قبل القراءة سنة عند الجمهور لقوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) واختلفوا في لفظها المختار، ولا يأتي بكثير فائدة، ومعنى أعوذ بالله ألتجىء إليه وأمتنع به مما أخشاه، من عاذ يعوذ والشيطان أصله من شطن أي تباعد من الرحمة أو من شاط إذا هلك واحترق، والأول أولى. والشيطان اسم لكل عات من الجن والإنس، والرجيم من يرجم بالوسوسة أو مرجوم بالشهب عند استراق السمع أو بالعذاب أو مطرود عن الرحمة. والاستعاذة تطهر القلب عن كل شيء شاغل عن الله. ومن لطائفها أن قوله (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) إقرار من العبد بعجزه وضعفه وبقدرة الباري على دفع جميع المضرات.

[آية رقم :1]
اختلف أهل العلم في البَسْمَلَة: هل هي آية مستقلة في أول كل سورة كتبت في أولها، أو هي بعض آية من أول كل سورة أو هي كذلك في الفاتحة فقط دون غيرها أو أنها ليست بآية في الجميع وإنما كتبت للفصل؟ والأقوال وأدلتها مبسوطة في موضع الكلام على ذلك وقد اتفقوا على أنها بعض آية في سورة النمل، وقد جزم قراء مكة والكوفة وفقهاؤهما بأنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وخالفهم قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها فلم يجعلوها آية لا من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقالوا إنها آية فذة من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها. وبالأول قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير وعطاء وابن المبارك وأحمد في أحد قوليه، وإسحق وعلي بن أبي طالب والزهري ومحمد ابن كعب والثوري، وهو القول الجديد للشافعي، ولذلك يجهر بها عنده. وبالثاني قال الأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وأصحابه، قال أبو السعود وهو الصحيح من مذهب الحنفية. وقد أثبتها السلف في المصحف مع الأمر بتجريد القرآن عما ايس منه، ولذا لم يكتبوا آمين. وقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس أنرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يعرف فصل السورة، وفي رواية انقضاء السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم، وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين. وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن أم سلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية، وفي إسناده عمر بن هارون البلخي وفيه ضعف. وروى نحوه الدارقطني مرفوعاً عن أبي هريرة، وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأتم الحمد لله فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني ، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها، رواه الدارقطني وقال رجال إسناده كلهم ثقات، ورواه البخاري في تاريخه، وروي موقوفاً أيضاً. وأخرج مسلم عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أنزلت عليّ آنفاً سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر " الحديث. قال البيهقي أحسن ما احتج به أصحابنا في أن البسملة من القرآن وأنها من فواتح السور سوى سورة براءة ما روينا في جمع الصحابة كتاب الله عز وجل في المصاحف، وأنهم كتبوا فيها البسملة على رأس كل سورة سوى سورة براءة فكيف يتوهم متوهم أنهم كتبوا فيها مائة وثلاث عشرة آية ليست من القرآن، وقد علمنا بالروايات الصحيحة عن ابن عباس أنه كان يعد البسملة آية من الفاتحة ويقول انتزع الشيطان منهم خير آية في القرآن، رواه الشافعي. وكما وقع الخلاف في إثباتها وقع الخلاف في الجهر بها في الصلاة وقد أخرج النسائي في سننه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة وقال بعد أن فرغ إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي وغيرهم، وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم، قال الترمذي وليس إسناده بذاك، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس بلفظ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، ثم قال صحيح. وأخرج البخاري في صحيحه عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال كانت قراءته مداً ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم، وأخرج أحمد في المسند وأبو داود في السنن وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه، عن أم سلمة أنها قالت كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقطع قراءته بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين ، وقال الدارقطني إسناده صحيح. وبهذا قال من الصحابة أبو هريرة وابن عباس وابن عمر وابن الزبير، ومن التابعين فمن بعدهم سعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وعكرمة وعطاء وطاوس ومجاهد وعلي بن الحسين وسالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي وابن سيرين وابن المنكدر ونافع مولى ابن عمر وزيد بن أسلم ومكحول وغيرهم، وإليه ذهب الشافعي. واحتج من قال إنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة بما في صحيح مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وفي الصحيحين عن أنس قال صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، ولمسلم: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها ، وأخرج أهل السنن نحوه عن عبد الله بن مغفل، وإلى هذا ذهب الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة كابن مسعود وعمار بن ياسر وابن مغفل وغيرهم، ومن التابعين الحسن والشعبي وابراهيم النخعي وقتادة والأعمش والثوري، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم. وأحاديث الترك وإن كانت أصح. ولكن الإثبات أرجح مع كونه خارجاً من مخرج صحيح فالأخذ به أوفى ولا سيما مع إمكان تأويل الترك، وهذا يقتضي الإثبات الذاتي أعني كونها قرآناً، والوصفي أعني الجهر بها عند الجهر بقراءة ما يفتتح بها من السور في الصلاة. والحاصل أن البسملة آية من الفاتحة ومن غيرها من السور، وحكمها من الجهر والإسرار حكم الفاتحة فيجهر بها مع الفاتحة في الصلاة الجهرية، ويسر بها مع الفاتحة في الصلاة السرية، وبهذا يحصل الجمع بين الروايات. ولتنقيح البحث والكلام على أطرافه استدلالاً ورداً وتعقباً ودفعاً، ورواية ودراية موضع غير هذا، وقد استوفاه الشوكاني في شرحه للمنتقى، وله جواب عن سؤال نظماً ونثراً. ومتعلق الباء محذوف وهو اقرأ أو اتلو، وتقديم المعمول للاعتناء به والقصد إلا التخصيص، ويظهر رجحان تقدير الفعل متأخراً في مثل هذا المقام ولا يعارضه قوله تعالى (اقرأ باسم ربك) لأن المقام مقام القراءة فكان الأمر بها أهم، وأما الخلاف بين أئمة النحو في كون المقدر اسماً أو فعلاً فلا يتعلق بذلك كثير فائدة، والباء للاستعانة أو للمصاحبة تبركاً، ورجح الثاني الزمخشري، والإسم هو اللفظ الدال على المسمَّى، ومن زعم أن الإسم هو المسمى كما قاله أبو عبيدة وسيبويه والباقلاني وابن الفورك " وحكاه الرازي عن الحشوية والكرامية والأشعرية، فقد غلط غلطاً بيناً، وجاء بما لا يعقل مع عدم ورود ما يوجب المخالفة للعقل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من لغة العرب، بل العلم الضروري حاصل بأن الإسم الذي هو أصوات منقطعة وحروف مؤلفة غير المسمى الذي هو مدلوله، والبحث مبسوط في علم الكلام.وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة ، وقال الله عز وجل (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) وقال تعالى: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّاً مَّا تدعوا فله الأسماء الحسنى). (الله) علم عربي مرتجل جامد عند الأكثر، خاص لذات الواجب الوجود تفرد به الباري سبحانه لِم يطلق على غيره، ولا يشركه فيه أحد، وعند الزمخشري اسم جنس صار علماً بالغلبة، والأول هو الصحيح، ولم يقل بالله للفرق بين اليمين والتيمن، أو لتحقيق ما هو المقصود بالاستعانة ههنا فإنها تكون تارة بذاته تعالى وتارة باسمه عز وعلا، فوجب تعيين المراد بذكر الإسم وعند المحققين أنه اسم الله الأعظم، وقد ذكره الله تعالى في ألفين وثلثمائة وستين موضعاً من القرآن. (الرحمن) من الصفات الغالبة لم يستعمل في غير الله عز وجل، وقال أبو علي الفارسي الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى (الرحيم) إنما هو في جهة المؤمنين قال تعالى (وكان بالمؤمنين رحيماً) وعن ابن عباس قال هما إسمان أحدهما أرق من الآخر، وقيل معناهما ذو الرحمة جمع بينهما للتأكيد وقيل غير ذلك، والأول أولى، وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم. والرحمة إرادة الخير والإحسان لأهله، وقيل ترك عقوبة من يستحق العقاب: وإسداء الخير والإحسان إلى من لا يستحق، فهو على الأول صفة ذات وعلى الثاني صفة فعل، وأسماء الله تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادىء التي هي انفعالات، وإفراد الوصفين الشريفين بالذكر لتحريك سلسلة الرحمة، وهل الرحمن مصروف أو لا، فيه قولان، مال التفتازاني إلى جواز الأمرين، وقد ورد في فضلها أحاديث ينبغي البحث عن أسانيدها والكلام عليها، وقد شرعت التسمية في مواطن كثيرة قد بينها الشارع منها عند الوضوء، وعند الذبيحة، وعند الأكل وعند الجماع وغير ذلك.

فتح القدير للشوكاني

اختلف أهل العلم هل هي آية مستقلة في أول كل سورة كتبت في أولها، أو هي كذلك في الفاتحة فقط دون غيرها، أو أنها ليست بآية في الجميع وإنما كتبت للفصل‏؟‏ والأقوال وأدلتها مبسوطة في موضع الكلام على ذلك‏.‏ وقد اتفقوا على أنها بعض آية في سورة النمل‏.‏ وقد جزم قرّاء مكة، والكوفة بأنها آية من الفاتحة ومن كل سورة‏.‏ وخالفهم قّراء المدينة، والبصرة، والشام، فلم يجعلوها آية لا من الفاتحة ولا من غيرها من السور، قالوا‏:‏ وإنما كتبت للفصل والتبرّك‏.‏

وقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏‏.‏ وأخرجه الحاكم في المستدرك‏.‏ وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن أم سلمة‏:‏ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وغيرها آية»‏.‏ وفي إسناده عمرو بن هارون البلخي، وفيه ضعف، وروى نحوه الدارقطني مرفوعاً عن أبي هريرة‏.‏

وكما وقع الخلاف في إثباتها وقع الخلاف في الجهر بها في الصلاة‏.‏ وقد أخرج النسائي في سننه، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة‏:‏ «أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة، وقال بعد أن فرغ‏:‏ إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وصححه الدارقطني، والخطيب، والبيهقي، وغيرهم‏.‏

وروى أبو داود، والترمذي عن ابن عباس‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة ب ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ قال الترمذي‏:‏ وليس إسناده بذلك‏.‏ وقد أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس بلفظ‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ب ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏، ثم قال‏:‏ صحيح‏.‏

وأخرج البخاري في صحيحه عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ كانت قراءتُه مدّاً، ثم قرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ يمدّ بسم الله، ويمدّ الرحمن، ويمدّ الرحيِّم‏.‏ وأخرج أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه عن أم سلمة أنها قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيِّم الحمد لله ربّ العالمين‏.‏ الرحمن الرحيِّم‏.‏ مالك يوم الدين‏}‏ وقال الدارقطني‏:‏ إسناده صحيح‏.‏

واحتجّ من قال بأنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة بما في صحيح مسلم عن عائشة قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة ب ‏{‏الحمد لله ربّ العالمين‏}‏‏.‏ وفي الصحيحين عن أنس قال‏:‏ صليت خلف النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون ب ‏{‏الحمد لله ربّ العالمين‏}‏‏.‏

ولمسلم لا يذكرون ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ في أول قراءة، ولا في آخرها‏.‏ وأخرج أهل السنن نحوه عن عبد الله بن مُغَفّل‏.‏ وإلى هذا ذهب الخلفاء الأربعة، وجماعة من الصحابة‏.‏

وأحاديث الترك، وإن كانت أصح، ولكن الإثبات أرجح مع كونه خارجاً من مخرج صحيح، فالأخذ به أولى، ولا سيما مع إمكان تأويل الترك، وهذا يقتضي الإثبات الذاتي، أعني كونها قرآناً؛ والوصفي أعني الجهر بها عند الجهر بقراءة ما يفتتح بها من السور في الصلاة‏.‏ ولتنقيح البحث، والكلام على أطرافه استدلالاً، وردّاً، وتعقُّباً، ودفعاً، ورواية، ودراية موضعٌ غير هذا‏.‏

ومتعلق «الباء» محذوف، وهو‏:‏ أقرأ، أو أتلو؛ لأنه المناسب لما جعلت البسملة مبدأ له، فمن قَدَّره متقدماً كان غرضه الدلالة بتقديمه على الاهتمام بشأن الفعل، ومن قدره متأخراً كان غرضه الدلالة بتأخيره على الاختصاص، مع ما يحصل في ضمن ذلك من العناية بشأن الاسم، والإشارة إلى أن البداية به أهمّ، لكون التبرّك حصل به، وبهذا يظهر رجحان تقدير الفعل متأخراً في مثل هذا المقام، ولا يعارضه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اقرأ باسم رَبّكَ الذى خَلَقَ‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 1‏]‏ لأن ذلك المقام مقام القراءة، فكان الأمر بها أهمّ، وأما الخلاف بين أئمة النحو في كون المقدر اسماً أو فعلاً فلا يتعلق بذلك كثير فائدة‏.‏ و«الباء» للاستعانة أو للمصاحبة، ورجح الثاني الزمخشري‏.‏

واسم أصله‏:‏ سمو، حذفت لامه، ولما كان من الأسماء التي بنوا أوائلها على السكون زادوا في أوّله الهمزة إذا نطقوا به؛ لئلا يقع الابتداء بالساكن، وهو اللفظ الدَّالُّ على المسمَّى؛ ومن زعم أن الاسم هو‏:‏ المسمى كما قاله أبو عبيدة، وسيبويه، والباقلاني، وابن فورك، وحكاه الرازي عن الحشوية والكَّرامية والأشعرية، فقد غلط غلطاً بيَّناً، وجاء بما لا يعقل، مع عدم ورود ما يوجب المخالفة للعقل لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من لغة العرب، بل العلم الضروري حاصل بأن الاسم الذي هو‏:‏ أصوات مقطعة، وحروف مؤلفة، غير المسمى الذي هو‏:‏ مدلوله، والبحث مبسوط في علم الكلام‏.‏ وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة «إن لله تسعةً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة»، وقال الله عزّ وجلّ‏:‏ ‏{‏وَللَّهِ الاسماء الحسنى فادعوه بِهَا‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسمآء الحسنى‏}‏ فله الأسماء الحسنى‏.‏ والله علم لذات الواجب الوجود لم يطلق على غيره، وأصله‏:‏ إله حذفت الهمزة، وعُوّضت عنها أداة التعريف، فلزمت‏.‏ وكان قبل الحذف من أسماء الأجناس، يقع على كل معبود بحق، أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، كالنجم، والصعق، فهو قبل الحذف من الأعلام الغالبة، وبعده من الأعلام المختصة‏.‏

‏{‏والرحمن الرحيم‏}‏‏:‏ اسمان مشتقان من الرحمة على طريق المبالغة، ورحمن أشد مبالغة من رحيِّم‏.‏

وفي كلام ابن جرير ما يفهم حكاية الاتفاق على هذا، ولذلك قالوا‏:‏ رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا‏.‏ وقد تقررّ أن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى‏.‏ وقال ابن الأنباري، والزجّاج‏:‏ إن الرحمن عَبْرَاني، والرحيِّم عربي‏.‏ وخالفهما غيرهما‏.‏ والرحمن من الصفات الغالبة لم يستعمل في غير الله عزّ وجل‏.‏ وأما قول بني حنيفة في مسيلمة‏:‏ رحمن اليمامة، فقال في الكشاف‏:‏ إنه باب من تعنتهم في كفرهم‏.‏ قال أبو عليّ الفارسيّ‏:‏ الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة، يختص به الله تعالى، والرحيم إنما هو‏:‏ في جهة المؤمنين، قال الله تعالى ‏{‏وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً‏}‏

وقد ورد في فضلها أحاديث‏.‏ منها‏:‏

ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه، وابن خزيمة في كتاب البسملة والبيهقي عن ابن عباس، قال‏:‏ استرق الشيطان من الناس أعظم آية من القرآن‏:‏ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏‏.‏ وأخرج نحوه أبو عبيد، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان عنه أيضاً‏.‏ وأخرج الدارقطني بسند ضعيف عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «كان جبريلُ إذا جاءني بالوحي أوّلُ ما يلقي عليّ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏»‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره، والحاكم في المستدرك، وصححه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس؛ أن عثمان بن عفان سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏، فقال‏:‏ «هو اسم من أسماء الله، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العين، وبياضها من القرب‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن عديّ في الكامل، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، وابن عساكر في تاريخ دمشق، والثعلبي بسند ضعيف جداً عن أبي سعيد الخدري، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن عيسى ابن مريم أسلمته أمُّهُ إلى الكتاب لتعلِّمه، فقال له المعلم‏:‏ اكتب ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏، فقال له عيسى‏:‏ وما بسم الله الرحمن الرحيم‏؟‏ قال المعلم‏:‏ لا أدري، فقال له عيسى‏:‏ الباء بهاء الله، والسين سناه، والميم مملكته، والله إله الآلهة، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة» وفي إسناده إسماعيل بن يحيى، وهو‏:‏ كذاب‏.‏ وقد أورد هذا الحديث ابن الجوزي في الموضوعات‏.‏

وأخرج ابن مردويه والثعلبي عن جابر قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ هرب الغَيْمُ إلى المشرق، وسكنت الريحُ، وهاج البحرُ، وأصغت البهائمُ بآذانها، ورُجِمَت الشياطينُ من السماء، وحلفَ اللهُ بعزته وجلاله ألا تُسَمَّى على شيء إلا بارك فيه‏.‏ وأخرج أبو نعيم، والديلمي عن عائشة قالت‏:‏ لما نزلت ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ ضجت الجبال حتى سمع أهل مكة دويَّها فقالوا‏:‏ سَحَرَ محمد الجبالَ، فبعث الله دخاناً حتى أظل على أهل مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

«من قرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ موقناً سبَّحت معه الجبالُ إلا أنه لا يُسْمَع ذلك منها» وأخرج الديلمي عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ كتب الله له بكل حرف أربعة آلاف حسنة، ومحا عنه أربعة آلاف سيئة، ورفع له أربعة آلاف درجة» وأخرج الخطيب في الجامع عن أبي جعفر محمد بن عليّ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم‏}‏ مفتاح كل كتاب» وهذه الأحاديث ينبغي البحث عن أسانيدها، والكلام عنها بما يتبين بعد البحث إن شاء الله‏.‏

وقد شرعت التسمية في مواطن كثيرة، قد بينها الشارع منها عند الوضوء، وعند الذبيحة، وعند الأكل، وعند الجماع وغير ذلك‏.‏

محاسن التأويل للقاسمي

قال الإمام ابن جرير : إنَّ اللهتعالى ذكره ، وتقدست أسماؤه ، أدّب نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بتعليمه تقديم ذكر أسماءه الحسنى أمام جميع أفعاله ، وتقدم إليه في وصفه بها قبل جميع مهماته ، وجعل - ما أدّبه به من ذلك ، وعلّمه إياه - منه لجميع خلقه : سنة يستنون بها ، وسبيلاً يتبعونه عليها ، في [ في المطبوع : فبه ] افتتاح أوائل منطقهم ، وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم ، حتى أغنت دلالة ما ظهر ، من قول القائل : بسم الله ، على ما بطن من مراده الذي هو محذوف ، وذلك أن الباء مقتضية فعلاً يكون لها جالباً ، فإذا كان محذوفاً يقدّر بما جُعلت التسمية مبدأ له .
والاسم هنا بمعنى التسمية - كالكلام بمعنى التكليم ، والعطاء بمعنى الإعطاء - والمعنى : أقرأ بتسمية الله وذكره ، وافتتح القراءة بتسمية الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى . و : { اللَّهُ } علم على ذاته ،تعالى وتقدس ؛ قال ابن عباس : هو الذي يألهه كل شيء ويعبده ، وأصله : إلاه ؛ بمهنى مألوه أي : معبود ، فلما أُدخلت عليه الألف واللام حذفت الهمزة تخفيفاً لكثرته في الكلام ، وبعد الإدغام فخّمت تعظيماً - هذا تحقيق اللغويين .
و : { الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } قال الجوهري : هما اسمان مشتقان من الرحمة ، ونظيرهما في اللغة : نديم وندمان ؛ وهما بمعنى . ويجوز تكرير الاسمين إذا اختلف اشتقاقهما على جهة التوكيد ، كما يقال : جادّ مجد إلا أن : { الرَّحْمَنُ } اسم متخصص بالله لا يجوز أن يسمى به غيره . ألا ترى أنه قال :
{ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } [ الإسراء : 110 ] فعادل به الاسم الذي لا يشركه فيه غيره .
وقد ناقش في كون : { الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } بمعنى واحد ، العلامة الشيخ محمد عبده المصري في " مباحثه التفسيرية " قائلاً : إن ذلك غفلة ، نسأل الله أن يسامح صاحبها - ثم قال : - وأنا لا أجيز لمسلمٍ أن يقول ، في نفسه أو بلسانه : إن في القرآن كلمة جاءت لتأكيد غيرها ولا معنى لها في نفسها ، بل ليس في القرآن حرف جاء لغير معنى مقصود .
والجمهور : على أن معنى الرحمن : المنعم بجلائل النعم ، ومعنى الرحيم : المنعم بدقائقها . وبعضهم يقول : إن الرحمن هو المنعم بنعم عامة تشمل الكافرين مع غيرهم ، والرحيم المنعم بالنعم الخاصة بالمؤمنين ، وكل هذا تحكم باللغة مبنيٌّ على أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى ، ولكن الزيادة تدل على الوصف مطلقاً ، فصيغة : { الرَّحْمَنُ } تدل على كثرة الإحسان الذي يعطيه ، سواء كان جليلاً أو دقيقاً ، وأما كون أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأكثر حروفاً أعظم من أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأقل حروفاً ، فهو غير معنيّ ولا مراد ، وقد قارب من قال : إن معنى : { الرَّحْمَنُ } المحسن بالإحسان العام . ولكنه أخطأ في تخصيص مدلول الرحيم بالمؤمنين ، ولعل الذي حمل من قال : إن الثاني مؤكد للأول - على قوله هذا - وهو عدم الاقتناع بما قالوه من التفرقة ، مع عدم التفطن لما هو أحسن منه ، ثم قال : والذي أقول : إن لفظ : رحمن ؛ وصفٌ فعليٌّ فيه معنى المبالغة - كفعّال - ويدل في استعمال اللغة على الصفات العارضة - كعطشان وغرثان وغضبان - وأما لفظ : رحيم ؛ فإنه يدل في الاستعمال على المعاني الثابتة ، كالأخلاق والسجايا في الناس - كعليم وحكيم وحليم وجميل - والقرآن لا يخرج عن الأسلوب العربي البليغ في الحكاية عن صفات الله عز وجل التي تعلو عن مماثله صفات المخلوقين .
فلفظ : { الرَّحْمَنُ } ديل على من تصدر عنه آثار الرحمة بالفعل وهي إفاضة النعم والإحسان ، ولفظ : { الرَّحِيْمُ } يدل على منشأ هذه الرحمة والإحسان ، وعلى أنها من الصفات الثابتة الواجبة ، وبهذا المعنى لا يستغني بأحد الوصفين عن الآخر ، ولا يكون الثاني مؤكداً للأول ، فإذا سمع العربيّ وصف الله جل ثناؤه بـ : { الرَّحْمَنُ } ، وفهم منه أنه المفيض للنعم فعلاً ، لا يعتقد منه أن الرحمة من الصفات الواجبة له دائماً - لأن الفعل قد ينقطع إذا كان عارضاً لم ينشأ عن صفة لازمة ثابتة - فعندما يسمع لفظ [ الرحيم ] يكمل اعتقاده على الوجه الذي يليق باللهتعالى ويرضيه سبحانه . انتهى .

مدارك التنزيل للنسفي

Tafseer Not Available

مراح لبيد للجاوي

سورة الفاتحة

مكية، سبع آيات، تسع وعشرون كلمة، مائة وثلاثة وأربعون حرفا بسم الله الرحمن الرحيم والسابعة: صِراطَ الَّذِينَ إلى آخرها إن كانت البسملة منها وإن لم تكن منها فالسابعة:
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ إلى آخرها، وهي مشتملة على أربعة أنواع من العلوم:
أحدها: علم الأصول وقد جمعت الإلهيات في: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ والنبوات في: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ والدار الآخرة في مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وثانيها: علم الفروع وأعظمه العبادات، وهي مالية وبدنية وهما مفتقرتان إلى أمور المعاش من المعاملات والمناكحات، ولا بدّ لها من الأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي.
وثالثها: علم تحصيل الكمالات وهو علم الأخلاق ومنه الاستقامة في الطريقة، وإلى ذلك الإشارة بقوله: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. وقد جمعت الشريعة كلها في الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ.
ورابعها: علم القصص والأخبار عن الأمم الخالية وقد جمعت السعداء من الأنبياء وغيرهم في: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ والأشقياء من الكفار في: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) الباء: بهاء الله والسين سناؤه فلا شيء أعلى منه، والميم: ملكه وهو على كل شيء قدير. والباء: ابتداء اسمه بارئ بصير. والسين:
ابتداء اسمه سميع. والميم: ابتداء اسمه مجيد مليك. والألف: ابتداء اسمه الله. واللام: ابتداء اسمه لطيف. والهاء: ابتداء اسمه هادي. والراء: ابتداء اسمه رزاق. والحاء: ابتداء اسمه حليم. والنون: ابتداء اسمه نافع ونور.

معالم التنزيل للبغوي

Tafseer Not Available

مفاتيح الغيب للرازي

الآية رقم 1
وَأَمَّا قَوْلُهُ جَلَّ جَلَالُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَفِيهِ نَوْعَانِ مِنَ الْبَحْثِ: النَّوْعُ الْأَوَّلُ: قَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَلْفًا وَوَاحِدًا مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُقَدَّسَةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْبَحْثَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ مَسْأَلَةٌ شَرِيفَةٌ عَالِيَةٌ، وَأَيْضًا فَالْعِلْمُ بِالِاسْمِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا إِذَا كَانَ مَسْبُوقًا بِالْعِلْمِ بِالْمُسَمَّى، وَفِي الْبَحْثِ عَنْ ثُبُوتِ تِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ، وَعَنِ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى ثُبُوتِهَا، وَعَنْ أَجْوِبَةِ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تُذْكَرُ فِي نَفْيِهَا مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ، وَمَجْمُوعُهَا يَزِيدُ عَلَى الْأُلُوفِ، النَّوْعُ الثَّانِي: مِنْ مَبَاحِثِ هَذِهِ الآية: أَنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ بَاءُ الْإِلْصَاقِ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ، وَالتَّقْدِيرُ: بِاسْمِ اللَّهِ أَشْرَعُ فِي أَدَاءِ الطَّاعَاتِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَصِيرُ مُلَخَّصًا مَعْلُومًا إِلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ عَلَى أَقْسَامِ الطَّاعَاتِ، وَهِيَ الْعَقَائِدُ الْحَقَّةُ وَالْأَعْمَالُ الصَّافِيَةُ مَعَ الدَّلَائِلِ وَالْبَيِّنَاتِ، وَمَعَ الْأَجْوِبَةِ عَنِ الشُّبُهَاتِ، وَهَذَا الْمَجْمُوعُ رُبَّمَا زَادَ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ مَسْأَلَةٍ. وَمِنَ اللَّطَائِفِ أَنَّ قَوْلَهُ (أَعُوذُ بِاللَّهِ) إِشَارَةٌ إِلَى نَفْيِ مَا لَا يَنْبَغِي مِنَ الْعَقَائِدِ وَالْأَعْمَالِ، وَقَوْلَهُ بِسْمِ اللَّهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَنْبَغِي مِنَ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْعَمَلِيَّاتِ، فَقَوْلُهُ بِسْمِ اللَّهِ لَا يَصِيرُ/ مَعْلُومًا إِلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ عَلَى جَمِيعِ الْعَقَائِدِ الْحَقَّةِ، وَالْأَعْمَالِ الصَّافِيَةِ، وَهَذَا هُوَ التَّرْتِيبُ الَّذِي يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ العقل الصحيح، والحق الصريح.

نظم الدرر للبقاعي

بسم الله القيوم الشهيد الذي لا يعزب شيء عن علمه، ولا يكون شيء إلا بإذنه، الرحمن الرحيم الذي عمت رحمته الموجودات، وطبع في مرائي القلوب عظمته فتعالت تلك السبحات، وأجري على الألسنة ذكره في العبادات والعادات، الرحيم الذي تمت معمته بتخصيص أهل ولايته بأرضى العبادات.
قال شيخنا الإمام المحقق أبو الفضل محمد بن العلامة القدوة أبي عبد الله
محمد ابن العلامة القدوة أبي القاسم محمد المشدالي المغربي البجائي المالكي علامة
الزمان سقى الله عهده سحائب الرضوان وأسكنه أعلى الجنان: الأمر الكلي المفيد
لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض الذي سبقت له السورة، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد
من المطلوب، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له اللتي له التي تقتضي البلاغة شفاء العليل يدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها، فهذا هو الأمر الكلي المهيمن على حكم الربك بين جميع أجزاء القرآن، وإذا فعلته تبين لك إن شاء الله وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية في كل سورة سورة والله الهادي. انتهى. وقد ظهر لي باستعمالي لهذه القاعدة بعد وصولي إلى سورة سبأ في السنة العاشرة من ابتدائي في عمل هذا الكتاب أن اسم كل سورة مترجم عن مقصودها لأن اسم كل شيء تظهر المناسبة بينه وبين مسماه عنوانه الدال إجمالا على تفصيل ما فيه، وذلك هو الذي أنبأ به آدم عليه الصلاة والسلام عند العرض على المالئكة عليهم الصلاة والسلام، ومقضود كل سورة هاد إلى تناسبها، مقثصود السورة، ولا أخرج عن معاني كلماتها، فالفاتحة أسمها " أم الكتاب " " والأساسا " " والمثاني " " والكنز " و" الشافية " و" الكافية " و" الوزافية " و" الواقية " و" الرقية " و" الحمد " و" الشكر " و" الدعاء " و" الصلاة " فمدار هذه الأسماء كما ترى على أمر خفي كاف لكل مراد وهو المراقبة التي سأقول إنها مقصودها فكل شيء لا يفتتح بها لا اعتداد به، وهي كنز لكل شيء شافية لكل داء، كافية لكل هم، وافية بكل مرام، واقية من كل سوء رقية لكل ملم، وهي إثبات للحمد الذي هو الإحاطة بصفات الكمال، وللشكر الذي هوز تعظيم المنعم، وهي عين الدعاء فإنه التوجه إلى المدعو، وأعظم مجامعها الصلاة.
إذا تقررت ذلك فالغرض الذي سبقت له الفاتحة وهو إثبات استحقاق الله تعالى لجميع المحامد وصفا الكمال، واختصاصه بملك الدنيا والآخرة، وباستحقاق العبادة والاستعانة، بالسؤال في المن بإلزام صراط الفائزين والإنقاذ من طريق الهالكين مختصا بذلك كله، ومدار ذلك كله مراقبة العباد لربهم، لإفراده بالعبادة، نفهو مقصود الفاتحة بالذات وغيره وسائل إليه، فإنه لا بد في ذلك من إثبات إحاطته تعالى بكل شيء ولن يثبت حتى يعلم أنه المختص بأنه الخالق اللملك المالك، لأن المقصود منت إرسال الرسل وإنزال الكتب نصب الشرائع، والمقصود من نصب الشرائع جمع الخلق على الحق والمقصود من جمعهم تعريفهم الملك وبما يرضيه، وهو مقصود القرآن الذي انتظمته الفاتحة بالقصد الأول، ولن يكون ذلك إلا بما ذكر علما وعملا، ولما كان المقصود من جمعهم على الله تعالى معرفته لأجل عباداته وكان اتزام اسمه تعالى في كل حركة وسكون قائدا إلى مراقبته وداعيا إلى مخافته واعتقاد أن مصادر الأمور ومواردها منه وإليه شرعت التسمية أول كل شيء فصدرت بها الفاتحة. وقد التعود الذي هو من درء المفاسد تعظيما للقرآن بالإشارة إلى أن يتعين لتاليه أن يجتهد في تصفية سره وجمع متفرق أمره، لينال سؤله ومراده مما أودعه من خزائن السعادة بإعراضه عن العدو الحسود وإقباله على الولي الودود، ومن هنا تعرف مناسبة المعوذتين بالفاتحة. ولما افتتح التعوذ بالهمزة أشارة إلى ابتداء الخلق وختم بالميم إيماء إلى المعاد جعلت البسملة كلها للمعاد لأبتدائها بحرف شفوي، وختام أول كلماتها ومآخرها بآخر إشارة إلى أن
الرجوع إليه في الدنيا معنى بتدبير الأمور وإن كان أكثر الخلق غافلا عنه، وفي البرزخ حسا بالاموت، وفي الآخرة كذلك بالبعث، كما أشار إلى ذلك تكرير الميم المختتم بها في اسمها بذكرها فيه مرتين إشارة إلى المعادين الحسيين والله أعلم. والمراد بالاسم الصفات العليا. وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في تفسيره في غريب ألفاظ البسملة: الباء معناها أظهره الله سبحانه من حكمة التسبيب، " الاسم " ظهور ما غاب أو غمض للقلوب بواسطة اآذان على صورة الأفراد، " الله " اسم ما تعنو إليه القلوب عند موقف العقول فتأله فيه أي تتحير فتتألهه وتلهو به أي تغني به عن كل شيء " الرحمن " شامل الرحمة لكافة ما تناولته الربوبية، " الرحيم " خاص بالرحمة بما ترضاه اإلهية. وقال في غريب معناها: لما أظهر الله سبحانه حكمة التسبيب وأرى الخلق استفادة بعض الأشياء من أشياء أخر متقدمة عليها كأنها أسبابها، وقف بعض الناس عند أول سبب فلم ير ما قبله، ومنهم من وقف عند سبب السبب إلى ما عساه ينتهي إليه عقله، فطوى الحق تعالى تلك الأسباب وأظهر بالبسملة أي بتقديم الجار أن كل شيء باسمه لا بسبب سواه، وقال استفتح أم القرآن بالبسملة لما كانت نسبتها من متلو الصحف والكتب الماضية نسبة أم القرآن الكتاب الجامع للصحف والكتب لموضع طيها الأسباب، كما تضمنت أم القرآن سر ظهور الأفعلال بالعناية من الحميد المجيد ويفي آية " إياك نعبد وإياك نستعين " هذا في ظاهر الخطاب إل مكا وراء ذلك من باطنه فإن لكل آية ظهرا وبطنا وليلتزمها الخلق يفي ابتداء أقوالهم وأفعالهم، هكذا قال. وأشد منه أنه لما كانت نسبة البسملة من الفاتحة نسبة الفاتحة من القرآن صدرت بها الفاتحة كما صدر القرآن بالفاتحة، لأنها لما أفادت نسبة الأمور كلها إليه سبحانه وحده أفادت أنه الإله وحده وذلك هو إجمال لتفصيل الفاتحة كما أن الفاتحة إجمال تفصيل القرآن من الأصول والفروع والمعارف واللطائف. ولما كان اسم الجلالة علما وكان جامعا لجميع معاني الأسماء الحسنى أولية الرحمن من حيث أنه كالعلم في أنه لا يوصف به غيره ومن حيث أنه أبلغ من الرحيم فأولى الأبلغ الأبلغ، وذلك موافق لترتيب الوجود، الإيجاد ثم النعم العامة ثم الخاصة بالعبادة، وذكر الوصفان ترغيبا، وطويت النقمة في إفهام اختصاص الثاني لتمام الترغيب بالإشارة إلأى الترهيب. والمراد بهما هنا أنه سبحانه يستحق لااتصاف بهما لذاته، وكررهما بعهد تنبيها عل وجوب ذلك للربوبية والملك وللدلالة على أن الرحمة غلبت الغضب، وفيهمات إلى ما ذك رمن الترغيب الدلالة على سائر الصفات الحسنى، لأن من عمت رحمته امتنع أن يكون فيه شوب نقص وفي آخر سبحان لهذا المكان مزيد بيان، وكونها تسعة عشر حرفا خطية وثمانية عشر لفظية إشارة إلى أنها دوافع النقمة من النار التي أصحابها تسعة عشر، وجوالب للرحمة بركعات الصلوات الخمس وركعة الوتر اللاتي من أعظم العبادات الكبرى. ولما كانت البسملة نوعا من الحمد ناسب كل المناسبة تعقيبها باسم الحمد الكلي الجامع لجميع أفراده فكأنه قبل: احمدوه لأنه المستحق لجميع المحامد، وخصوا هذا النوع من الحمد في افتتاح أموركم لما ذكر من استشعار الرغبة إليع والرهبة منه المؤدي إلى لزوم طريق الهدى، والله الموفق.